دراسات وأبحاث

العقيدة العسكرية الروسية الجديدة
إعداد: د. أحمد علو
(عميد متقاعد)


عود  على بدء...

«إذا أردت السلم فاستعد للحرب»
SI VIS PACEM PARA BELLUM
صادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 26 كانون الأول 2014 على وثيقة مراجعة العقيدة الروسية الجديدة التي جعلت من «حلف الناتو» (NATO) «التهديد الأساسي» (fundamental threat) لروسيا. أتت هذه الخطوة بعد تعديل العقيدة السابقة المصادق عليها العام 2010 والتي كانت تعتبر أن حلف الناتو يشكّل «تهديدًا كبيرًا» أو «رئيسًا» لروسيا الإتحادية (Major threat).
قد لا يبدو الفارق كبيرًا بين المصطلحين، ولكن السياق العام للعلاقات بين روسيا والغرب خلال هذه الفترة هو ما يعكس الفارق ما بين عقيدة 2010 وعقيدة 2014. وتضم الوثيقة التي نشرت على موقع الكرملين بعد اعتمادها من قبل الرئيس الروسي، 14 بندًا تتضمن مخاطر أمنية وعسكرية أساسية بالنسبة لروسيا.

 

الحيثيات
ورد في حيثيات مناقشة العقيدة الجديدة وتبريرها «أن حلف الناتو وسّع نشر قدراته الهجومية على الحدود الروسية المباشرة، وأنجز التدابير والتحضيرات العسكرية اللازمة لنشر منظومة الدفاع الصاروخي البالستية الكونية المضادة للصواريخ في وسط أوروبا».
ومعلوم أنّ الأزمة الأوكرانية وما نتج عنها من تداعيات سياسية وعسكرية أدّت إلى زيادة التوتر بين روسيا ودول الناتو. كذلك فإن نصب الدرع الصاروخي الأميركي في اوروبا الشرقية والذي اعتبرته موسكو موجهًا ضدها بالدرجة الأولى، خلق حالة من الشك في نوايا حلف الناتو وتوجهاته، وجعلها تعيد النظر في علاقاتها السابقة معه ومع بعض دول اوروبا، وتستعيد مفردات مرحلة الحرب الباردة والصراع بين الحلفين (الناتو ووارسو) أيام الإتحاد السوفياتي السابق وهو ما بدأنا نراه منذ العام 2011.

 

ما هي العقيدة العسكرية؟
العقيدة العسكرية وفق بعض المنظّرين الاستراتيجيين هي «منظومة المفاهيم المتبناة رسميًا في دولةٍ ما، والترتيبات المتخذة لمواجهة التهديدات ولضمان الأمن، وكذلك لمنع الحروب والنزاعات المسلحة». كما أنها «نظام الرؤى المتطورة حول البناء العسكري وتحضير البلاد والقوات المسلحة والفرق الأخرى للدفاع عن الوطن». وهي أيضًا رؤىً حول وسائل تحضير نضالٍ مسلحٍ وإدارته (وكذلك أشكال النضال الأخرى)، دفاعًا عن البلاد.
إذًا العقيدة العسكرية في جوهرها هي إعلانٌ حول سياسة الدولة في مجال الدفاع.

 

تطوّر العقيدة العسكرية الروسية خلال العقدين المنصرمين
وضعت روسيا منذ العام 1995 أول عقيدة عسكرية لها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وكانت تشير إلى خطرين أساسيّين يلزمان الدولة الروسية التصدّي لهما، الأول هو: توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه بعض دول أوروبا الشرقية، والدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفياتي. والثاني هو: تعرّض الأقليات الروسية في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق إلى الخطر.
في منتصف تسعينيات القرن الماضي وقّعت اتفاقية حول أوكرانيا بين الدول المعنية وروسيا في عهد بوريس يلتسين الحليف القويّ للغرب. ركّزت هذه الاتفاقية على ضرورة حياد أوكرانيا، ولكن تصويت البرلمان الأوكراني في 23 كانون الاول 2014 على إلغاء حياد أوكرانيا وطلب الحكومة الأوكرانية رسميًا الانضمام إلى حلف الناتو، شكّل خروجًا على الخطوط الحمر التي حدّدتها روسيا، والذي اعتبرته إسفينًا بين الشعبين الروسي والاوكراني وبين روسيا واوروبا.

 

العقيدة الجديدة ومخاطرها
ركّزت العقيدة العسكرية الروسية الجديدة على مجموعتين من الأخطار التي تهدد الكيان الروسي: داخلية وخارجية.

 

• المخاطر الداخلية:
أكدت العقيدة العسكرية أن أية ممارسات إرهابية تستهدف زعزعة استقرار الأوضاع في البلاد تشكل خطرًا عسكريًا داخليًا رئيسًا على روسيا الاتحادية. وهي وضعت في إطار تلك الممارسات، الأنشطة التي تستهدف تغيير النظام الدستوري في الاتحاد الروسي بشكل قسري وزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وخلق خلل في آلية السلطة والمنشآت الدولية والعسكرية وفي البنية التحتية للمعلومات، بالإضافة إلى أعمال المنظمات الإرهابية التي تهدف إلى تقويض سيادة الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها.
وأشارت الوثيقة إلى الأنشطة الإعلامية التي تهدف إلى التأثير على المواطنين وبالدرجة الأولى الشباب منهم، والتي تعمل على تقويض الأسس التاريخية والروحية والوطنية، وعلى إثارة التوترات العرقية والاجتماعية والتمييز العنصري، وإشعال نار الكراهية الدينية والإثنية أو الاعتداء.

 

• المخاطر الخارجية:
أكّدت العقيدة الجديدة أنَّ برنامج الولايات المتحدة الأميركية المتمثل بـ«إنشاء ونشر أنظمة الدفاع الصاروخي البالستية الاستراتيجية»، يقوّض الاستقرار العالمي الحالي ويخل بميزان القوة الذي يحكم القدرات الصاروخية النووية. كما أن تنفيذ مبادرة «الضربة العالمية الفورية «PGS» (برنامج عسكري أميركي يهدف لتوجيه ضربة عسكرية بأسلحة تقليدية دقيقة في أي مكان في العالم خلال ساعة واحدة)، ونشر الأسلحة في الفضاء بالإضافة إلى الأسلحة التقليدية الاستراتيجية فائقة الدقة، سيتيح للولايات المتحدة توجيه ضربات استراتيجية من دون استخدام الأسلحة النووية، ويؤمن هيمنتها السياسية والجيوستراتيجية على العالم.
ومن بين الأخطار العسكرية التي ركزت عليها العقيدة العسكرية الروسية مجددًا، نشر القوات الأجنبية في الدول المجاورة وفي مياهها، واستخدام القوة العسكرية في أراضي هذه الدول إضافة إلى ظهور بؤر للنزاعات العسكرية هناك، وإقامة أنظمة تهدد بسياستها المصالح الروسية.
كما أشارت الوثيقة إلى المخاطر الناتجة عن نشاطات أجهزة الاستخبارات والمنظمات الأجنبية «المخربة»، وتهديدات الإرهاب المتصاعد والتطرف في ظل عدم كفاية التعاون الدولي في هذا المجال، وإلى مخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ وتقنياتها.

 

الجيش الروسي أداة دفاعية
شدد نص الوثيقة على أن تفادي النزاع العسكري النووي أو أي نزاع آخر، يشكل أساس السياسة العسكرية الروسية، فالعقيدة الجديدة على غرار سابقاتها ذات طابعٍ دفاعيٍّ بحت، حيث تعتبرُ الجيش الروسي أداةً دفاعية، لا يتم استخدامها إلا بعد استنفاد كل الحلول غير العنيفة، لكنها تردع الأعداء المحتملين عن مهاجمة روسيا أو مواقع الأسلحة النووية الأساسية. وتعتبر العقيدة الجديدة أن استخدام هذه الأسلحة مشروط بحالة الدفاع عن النفس ضد أي هجوم عسكريّ – نوويًا كان أم تقليديًا.
احتفظت روسيا لنفسها بالحق في استخدام ترسانتها النووية إذا ما تعرضت (هي أو أحد حلفائها لعدوان)، أو في حال وجود تهديد لوجودها. أما قرار استخدام الأسلحة النووية فهو فقط بيد الرئيس الروسي (تمتلك روسيا نحو 4000 رأس نووي جاهز للعمل وفق بعض المصادر).
وتلفت هذه العقيدة أيضًا إلى «تقلص احتمال شن حرب واسعة النطاق ضد روسيا»، لكنها تورد سلسلة من التهديدات التي تفاقمت في الفترة الأخيرة.

 

الردع غير النووي (NON-NUCLEAR DISSUASION)
أدخلت العقيدة الروسية الجديدة مفهوم «الردع غير النووي» الذي يرتكز على «الاحتفاظ بقوات عسكرية ضاربة» بحالة من الجهوزية العالية. وهذه القوات يجب أن تكون مزودة أسلحة تقليدية متطورة لمنع أي حادث قد يشعل الحرب.
ونصت الوثيقة أيضًا على أن إحدى المهمات الرئيسة لقواتها المسلحة في وقت السلم، هي «حماية المصالح الوطنية لروسيا في القطب الشمالي»، وهي منطقة استراتيجية تحتوي كميات كبيرة من النفط والغاز وتنازعها عليها الولايات المتحدة وكندا والنروج والدانمارك.

 

الدب الروسي يشعر أنّه مقيّد
في 18 كانون الأول 2014 قال الرئيس الروسي انّ «الدوائر الإمبريالية الغربية تسعى إلى السيطرة على المصادر الوطنية الروسية وإلى تجريد روسيا من مخالبها وقوتها لجعلها جائعة وعاجزة.. كالدب المقيد...».
ويبدو أن بوتين يسعى إلى «فك قيد الدب الروسي» إذ أنه لا يمكن لدب يملك 4 آلاف مخلب نوويًا أن يبقى مقيّدًا (كما يقول بعض المحللين السياسيين)، وقد كان الرئيس الروسي مضطرًا إلى تجديد العقيدة العسكرية في بلاده بعد حصول العديد من التطورات التي تدل على أنّ «الحرب الباردة» عادت بالفعل، وإنما بشكل «ساخن»، من الحرب في سوريا إلى حشد قوات حلف «الناتو» ونشر الأسلحة الاستراتيجية في بعض دول شرق أوروبا، والانقلاب السياسي في أوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية على روسيا وصولًا إلى انخفاض سعر النفط...

 

المراجع:
- www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/russia_ukraine
- www.france24.com
- arabic.rt.com/news/
- www.globalresearch.
- en.wikipedia.org/wiki/
- www.defensenews.com

* Publius Flavius Vegetius Renatus: كاتب روماني من القرن الرابع الميلادي، صاحب شعار «إذا أردت السلم فاستعدّ للحرب».