في كل بيت

الـنــمــــو في الطـفـولـــة الـمبـكـــرة
إعداد: ناديا متى فخري

حواس الطفل نوافذ مفتوحة للادراك والتعلم
النمو السليم يتطلب الحب والاستقرار والرعاية

 

اذا كـان العلم قد اهتم بدراسة مظاهر  النمو وركّـز على فهم وتحديد العوامل المؤثرة فيه، فذلك لأن النمـو هو بحد ذاته من العناصـر الأساسية التي تحرّك الشخصية نحو الصحـة أو المرض. ولما كان النمـو عمليـة تلازم كل فرد منذ ولادتـه وتواكبه في كل دور من أدوار حياته، كان من الطبيعي أن يُبدي علم النفس حماسـاً زائداً لتكوين المفاهيم المتعلقة بالنمـو وتشمل مختلف جوانب التطوّر التي تطرأ على القوى النامية، وتنطوي على عوامل شتى، فـكل مرحـلة من مراحـل النمـو لها سيكولوجيتهـا الخاصـة ومطالبـها التي لا بد من مراعاتهـا كي لا يسـير النـمو في اتجـاه مضاد... ويقـول بياجيه: «.. إذا عرف النمو تطوراً مناسباً في مختلف النواحي الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية، كان ذلك في مصلحة الفرد والمجتمع..»، فـكل تطـور يطـال النمـو يتيح للفرد أفضـل مستوى ممكن من التوافق الصحي والنفسي والاجتماعي.

 

خصائص النمو

إن الفهم الحقيقي لكل ما يتعلق بخصائص النمو (صفاته، مداه، نوعه، نضجه وقصوره) خصوصاً في مرحلة الطفولة، يعتبر مقدمة أساسية لفهم مرحلة المراهقة وما يتصل بها من نمو وتكامل ومميزات تبقى ثابتة حتى المراحل التالية من العمر. فبماذا يتأثر النمو؟ وماهي العوامل التي تعرقل؟ وما هي علاقة النمو بسمات السلوك الظاهر؟ وكيف يتطور.. وما هي مطالب النمو، وما هو الدور الذي يلعبه في عملية التطبيع الاجتماعي؟ وكيف يستطيع الأهل اثراء نمو أولادهم وفق ما تتطلبه مقومات النماء السوي؟
عموماً، يحتاج النمو إلى متابعة دقيقة ورعاية صحية - صحيحة، ليكتسب مناعة ضد كثير من المعوقات التي تسيء إليه وتمنعه من أن يصل بسلام إلى النضج.. وفي هذا المجال، هناك من الدلالات ما يُثبت أن العوامل الدخيلة التي تتحكم بدورة النمو سلباً أو إيجاباً، كثيرة؛ وهي تشمل النمو الحسّي والحركي والعقلي والانفعالي والاجتماعي. ومن المسلّم به، أن باستطاعة الأهل الاستدلال على امكانية وجود اعاقة في النمو لدى الولد، ومعرفة ما إذا كان قاصراً من خلال الملاحظة ومتابعة اتجاهات السلوك، فالنمو القاصر ينتج عنه انعدام القدرة على التركيز والتذكر والانتباه، والغضب والعصيان والتمرد والخجل والخوف والانطوائية...

 

مظاهر النمو والحركة

للنمو مظاهر مختلفة وجميعها تكمّل وتدعم بعضها بعضاً وتترك خلفية واضحة في اتجاهات الطفل، فالنمو الحركي مثلاً يتأثر بالحالة الصحية الجسمية والعصبية والانفعالية، فإذا كان هنالك مشكلات صحية أو عصبية كان نمو الطفل الحركي متأخراً، وإذا كانت القدرات العقلية قاصرة، صاحب ذلك تأخر حركي. ويساعد التدريب والارشاد في إكساب الطفل المرونة والاتزان في حركته، فالمهارة الحركية ضرورية للتوافق الاجتماعي السليم، وقد لوحظ أن الطفل الذي يرتبك حركياً ويبدو عليه العجز عن المشاركة في اللعب والأنشطة التي تتطلب مهارة حركية وذهنية، ليس من السهل أن يتفاعل اجتماعياً مع غيره من الأطفال، لأن الإحساس بالعجز والضعف يولّد عقدة النقص لديه وهذا الشعور يضرّ بصحته المعنوية ويشلّ حركته. ولمساعدة الطفل يجب أن تُتاح له فرص المشاركة في اللعب والنشاطات التي تنمّي لديه مهارة الحركة والتفكير المثمر، كما يجب عدم السخرية من الطفل إذا بَدَت حركته غير منتظمة أو إذا كان يعاني من قصور ذهني، لأن ذلك يعقّد الأمور لما قد ينتج عنه من اضطراب عصبي وانفعالي، والمفروض أن الطفل يحتاج إلى الحوافز الداعمة معنوياً ليثق بقدراته وكي لا يُصاب مفهوم الذات لديه بأذى ويميل إلى التشاؤم والسلبية والانجراف في تيار سوء التوافق الاجتماعي، كما يجب على الأبوين مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، وإيلاء كل طفل عناية كافية، بما معناه أن يراعى كل طفل حسب قدراته، فلا يكلّف الأب أو الأم الطفل إلا وسعه، فالأطفال لا يتساوون في طاقاتهم واستجاباتهم. ويتميز معظم الأطفال بقدرة معينة على النشاط كما هو معلوم، ولكي نحصل على نبات طيب يجب أن تكون البذور صالحة.

 

القوى الحسية

في الطفولة المبكرة يكون الإدراك كلّه حسّياً، فحواس الطفل هي النوافذ التي يطلّ منها على الإدراك والتعلّم، وبالتدريج تنمو القوى الحسّية لديه وتصبح أكثر تمايزاً ونضجاً وتملك القدرة على التمييز بين الأشياء المؤذية وغيرها، ويصبح قادراً على التفريق بين الأشخاص وبين الأضواء البرّاقة والأضواء الخافتة، فحاسة البصر تنمو وتصبح أكثر قوة ووضوحاً، والسمع أيضاً، يزداد نموّه ويصبح الطفل قادراً على إدراك الفرق بين الأصوات وتحديد مصدرها. ويبدو جلياً أن الأصوات الهادئة تبعث على ارتياحه واسترخائه أما الأصوات العالية والضوضاء فتقلقه.
ولحاسّة السمع أهمية في تطور النمو اللغوي الذي يرتبط بدرجة الذكاء وسلامة الجهاز العصبي، فالطفل يفهم لغة الأفراد والمحيطين به، خصوصاً أمه، قبل أن يستطيع التعبير بالكلام عما يدور في عقله تعبيراً لغوياً صحيحاً، وما يتدرج عليه الطفل من لغة أبوية يتزوّد به ويتعلّم لغته المحكية، لذلك يجب أن نخاطبه بلغة سليمة ليتعوّد أن يتكلم الكلام السليم ولتلافي عيوب النطق منذ البداية قدر الإمكان. وغالباً يحتل التبادل الكلامي مكانة مهمة في النمو اللغوي خلال سرد الحكايات والقصص للطفل، فهو يستفيد لغوياً من الحكايات التي يسمعها وتهيء له فرصة تقليد لغة الأمم وتتيح له مجالاً مرناً لتعلم اللغة الصحيحة.

 

النمو الانفعالي

يشهد النمو الانفعالي تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأولى من عمر الطفل وقد اتضح أن النمو يشمله التغيير والنضج مع تقدّم العمر ليصبح الفرد أكثر قدرة على ضبط الانفعالات. وعموماً، تتركز استجابات الطفل الانفعالية في السنة الأولى والثانية من عمره في راحته الجسمية وشعوره بالأمان، وكل طفل قابل للاستثارة الانفعالية فهو يتوتر بسرعة ويهدأ بسرعة. ورغم محدودية الوعي والإدراك في هذه السن، إلا أننا نلاحظ قوة الانفعالات والعواطف، فالطفل يستطيع أن يميّز مشاعر الآخرين نحوه، خصوصاً أمه، فإذا شعر أنه محروم من حبها تألم وأحسّ بالضيق وبدأ يبحث عن وسيلة ليفوز بحبها. وأكثر ما يؤلم الصغير ويثيره انفعالياً الشعور بالغيرة.

 فإذا هو لاحظ أن أمه مثلاً تفضّل شقيقه عليه وتوليه عناية خاصة فيما لا يلقى هو منها العناية نفسها، شعر بالحسد والغيرة من أخيه واستقرّ في علاقة مضطربة معه، تعبيراً عن غيرته، فيتخذ موقفاً عدائياً ممن يسبّب له هذا الشعور. فالطفل لا يستطيع أن يستوعب العناية الزائدة بشقيقه نسبة لصغر سنّه، وكثيراً ما تعاقب الأمهات الطفل الغيور على سلوكه، ويغيب عنهن أن هذا التصرّف يؤذي الطفل معنوياً ويؤدي إلى ردود فعل سلبية تنعكس على سلوكه.. والمفروض أن تشرح الأم لطفلها السبب الذي يجعلها تولي شقيقه عناية خاصة، وأن تردّد أمامه بأنها تحبه كشقيقه تماماً ليشعر بالطمأنينة ويعود عن غيرته، فالإهمال والحرمان يُشعران الطفل بالنقص والدونية ويسبّبان في إحداث شرخ عميق في نفسه.

ونحن نعلم أن الطفولة حقبة تأسيسية وكل ما ينشأ عليه الطفل تترسّب آثاره في نفسه وتبقى راسخة حتى يكبر، فإذا هو تعرّض لخبرات ومواقف محبطة تأذى نفسياً وبدلاً من أن يطلّ على المستقبل بشخصية مرنة، متفائلة، يواجه مجتمعه بشخصية مضطربة، انعزالية، مريضة تعاني من الضياع والتشاؤم والتشتت.

 

الحاجة إلى الاستقرار

يتأثر النمو الانفعالي بالصحة الجسمية العامة ويشكل المرض وسوء التغذية خطورة عليه، كما يتأثر بالنمط الانفعالي للأسرة (الأم والأب بصورة خاصة)، وبالأجواء الأسرية المضطربة... هذا ما أكده الباحثون.. فغالباً يتطبع الطفل بطباع والديه ويقتدي بسلوكهما، فهما بالنسبة إليه المثال والقدوة... يرث عنهما سلوكه الانفعالي، فإذا وجد أمه تتصرف بعصبية وغضب قام بتقليدها لقناعته بأن ما يأتي عن سلوكها هو الصواب. وهو يقلّد أيضاً والده ويقتدي بسلوكه. وبالتالي، إذا شبّ الطفل في أجواء أسرية مشحونة بالخلافات والنزاعات، ينعدم فيها الاستقرار، مال إلى التشاؤم وفقد ثقته بأفراد أسرته، فمثل هذه الأجواء لا يحصد الطفل من ثمارها إلا القلق والتوتر وسوء التكيّف الانفعالي والعلائقي والشعور بأنه يعجز عن التأقلم مع واقعه وهذا غير مقبول لأنه يحوّل حياة الطفل إلى جحيم، فالطفل يحتاج إلى الحب والاستقرار كما يحتاج إلى الماء والهواء والغذاء، وهو إذا تربّى في أجواء حميمة، يسودها الدفء والحب والطمأنينة عرف السلام الداخلي وكان مثالياً في سلوكه وفي تعاطيه مع الآخرين. إذن، الأسرة بسلوكها تحدّد للطفل قواعد التصرّف، فهو يتخلّق بأخلاق أبويه بكل ما تزخر به من مزايا حسنة أو سيئة.. والإحساس بالطمأنينة يعطيه الحافز لتحمّل المسؤولية والمشاركة البنّاءة.

ومن جانب آخر، ان الطفل بين سن الثالثة والتاسعة تكون ردّات فعله الانفعالية أكثر عمقاً وحدّة، لأنه كلما كبر وعرفت قواه الحسّية والإدراكية نمواً وتطوراً كلما أصبح أكثر وعياً وفهماً لما يدور حوله، وفي هذه المرحلة العمرية تتكون العواطف والعادات الانفعالية لتأخذ شكلاً أو اتجاهاً: حب أو كره، عناد وغضب وتمرّد وتحدّي، أو هدوء ولين وخجل... الخ.

 وتتّسع دائرة الحب بالتدريج فهو يكون موجهاً بشكل خاص نحو الأم والأب والأشخاص الذين يحققون حاجات الطفل ليشمل في ما بعد الغرباء. ويلعب التعلّم في هذا العمر دوراً هاماً، حيث يتعلّم الطفل انفعال الخوف من الكبار، مثل الخوف من الوحدة، والظلام والخوف من الحيوان... الخ، لذلك، يجب ألاّ نظهر خوفنا أمام الطفل وأن نعالج مخاوفه من خلال تصحيح مفاهيمه تجاه المصادر التي تعلّم أن يخاف منها وعن طريق ربط الشيء المخيف بأشياء أخرى سارة مثل أن نوضح له، أن الظلام ما هو إلا محطة زمنية نطلّ منها على فجر يوم جديد مشرق وجميل، وأن الحيوانات لا تؤذي إلا من يؤذيها وأكثرها أليف ونستطيع الإفادة منه، كما يجب أن نساعده ليتجاوز إحساسه بالخوف من البقاء وحيداً ونعلّمه

أن يستغل فترة بقائه وحيداً بالقيام بعمل مفيد مثل الرسم مثلاً.. فالرسم يتيح للطفل فرصة التفريغ الانفعالي، ورسوم الصغار إنما هي تعبير عن حالتهم النفسية، فحين يرسم الطفل خطوطاً مستقيمة منظمة ودوائر ملوّنة بألوان هادئة فذلك يدلّ على استقراره النفسي والانفعالي، أما الخطوط المتقطعة والألوان الحادة فهي توضح الصراع الداخلي وتشتت التفكير، أما إذا اعتمد الطفل اللون الأسود لتلوين رسومه فإنما هو بذلك يعبّر عن خوفه من أمور محدّدة، وعن اضطرابه وتشاؤمه. وحين نلاحظ أن الطفل بدأ يتخلّص من عاداته وأفكاره الطفولية التي كان متشبثاً بها يكون قد بدأ يعيش مرحلة الاستقرار الانفعالي.

 

النمو العقلي

يتأثر النمو العقلي بصفة عامة بالمناخ الثقافي للأسرة والوضع الصحي العام والظروف البيئية والدافعية والخبرات المتاحة لنمو المفاهيم وهو يشمل: الذكاء والتفكير والتخيل والتذكر والميل الإبداعي... وحتى سن الثالثة يكون التفكير متمركزاً حول الذات وتنقصه الموضوعية في الفهم والإدراك، وتلاحظ في هذه المرحلة قوة الخيال، حيث يطغي خيال الطفل على الحقيقة ويكون خصباً فياضاً يملأ عن طريقه فجوات مفاهيمه، وبعد سن الثالثة ومع بداية مرحلة التعلّم تزداد قدرة الطفل على الفهم والتحصيل المعرفي ويزداد تركيز الانتباه والملاحظة والتذكر وينمو الإدراك ويصبح أكثر

وضوحاً وموضوعية ويبدأ الطفل بتكوين المفاهيم الصحيحة. وبين سن الثالثة والتاسعة تتوسع الاهتمامات العقلية وينمو حب الاستطلاع والحماس والاندفاع لمعرفة معلوماتية تنمّي ثروته الفكرية، ويطّرد نمو الذكاء الذي يعتبر المادة الخام التي يُعتمد عليها لتحقيق التفوّق، كما يتضح التخيّل الواقعي - الإبداعي. ويعتبر الذكاء من أهم معايير النمو العقلي فهو يؤثر تأثيراً ايجابياً مساعداً للنمو العقلي المعرفي، فالمستوى العام للتوافق العقلي تحدّده درجة الذكاء التي يتمتع بها الطفل.. ويجب على الأبوين والمربّين مراعاة ما يلي: مساعدة الطفل لتكوين مفاهيم صحيحة وتزويده بقدر مناسب من المعلومات المتناسبة مع سنّه لتنمية تفكيره من الذاتية المركزة إلى الموضوعية التي عن طريقها تنمو اتجاهاته الفكرية نمواً ناضجاً يوقظ لديه قدراته الابداعية، ويمكّنه من عبور الهوة بين عالمه الخيالي وبين العالم الواقعي بسلام... كما يجب اتاحة الفرص أمام الطفل ليكتشف ويجرّب ويختبر الصواب من الخطأ، ومنحه فرصاً جيدة لتطوير مهاراته الابداعية،

وعدم اهمال أسئلته أو تجنّب الإجابة عنها مهما كانت محرجة، فالإجابة عن أسئلته هي المدخل الذي يصل عبره لمعرفة مفيدة، فالطفل يريد أن يفهم ويستوضح، فكل ما يدور حوله هو بالنسبة إليه علامة استفهام تحيطه بهالة من الغموض. ونذكر الأهل بضرورة تعليم الأطفال كيف يناسب طرح السؤال، ومتى يسأل؟ كما نحذرهم من خطورة تكديس المعلومات الخاطئة في عقول الأطفال، لأن ذلك يقمع نمو المفاهيم الصحيحة.. وحبّذا لو واجهنا الطفل في جميع مراحل نموّه بانجاز نشاطات تتطلب مهارة ذهنية وعقلية تتناسب في درجة صعوبتها مع مستوى نضجه، فلا تكون سهلة لا تحتاج إلى مرونة فكرية ولا صعبة تعجّز الطفل وتُشعره بالفشل.

 

النمو الاجتماعي

تتوقـف استجابات النمو الاجتماعي على عوامـل متعددة منها: الجو الأسري العام والخلفية الثقافية للأسرة واتجاهات الوالدين والطبقة الاجتماعية التي ينشأ فيها الطفل، وللتربية والتنشئة تأثير كبير على النمو الاجتماعي عند الأطفال.. وعندما نتحدث عن النمو الاجتماعي إنما نتحدث عن عملية تعلّم وتطبّع خلقي وسلوكي تتم في بيئة، والأسرة هي البيئة الأولى التي يكتسب فيها الطفل معاييره واتجاهاته وقيمه، ويزداد وعيه بالبيئة الاجتماعية ومن خلالها تتكوّن طباعه. وأكثر ما يحتاج إليه الطفل لمواجهة الحياة بشخصية مشبعة بالايجابيات والثقة بالنفس والشعور بالانتماء، والتوافق الانفعالي ليكون ايجابياً في مشاركاته ومثالياً في تفاعله العلائقي. وتدلّ الدراسات أن التنشئة هي الركيزة الأساسية للنمو الاجتماعي وعن طريقها يتكوّن الوعي وتتشكّل خصائص الشخصية.
وفي تنشئة الأطفال، على الوالدين والمربّين مراعاة ما يلي: تعليم الطفل مفاهيم الصدق والأمانة والتسامح وآداب التصرّف وتوجيه سلوكه وتهذيبه، ومساعدة الطفـل للسيطـرة على انفعالاته التي تؤثر بدورها على نموّه الاجتماعي، مع الأخـذ في الاعتبار أن العقاب الشرطي وسيلة هزيلة للإصلاح، فالقسوة والعقاب قد يجعلان الطفل يتمسّك بالعادات غير المرغوب فيها اجتماعياً (العناد، التمرّد، الكذب.. الخ) كما يجب على الأبوين احترام شخصية الطفل كفرد في حدّ ذاته، واشباع حاجاته، فالشعور بالكفاية يتيح للطفل فرص التواصل الموضوعي ويرسّخ لديه القيم الكفيلة بأن تعدّل اتجاهاته وتوجهها الوجهة الإيجابية.
وكذلك يتأثر النمو الاجتماعي بالجو النفسي للأسرة ودرجة النضج الشخصي للوالدين وسلوكهما. ويعتبر السلوك الأسري نموذجاً يحتذيه الطفل، فالطفل الذي ينشأ بين والدين كريمين محبّين متسامحين يشبّ مثلهما، أما الطفل الذي يتربّى بين أبوين يتّسمان بطابع البخل والكراهية والقسوة والعنف وعاجزان عن الرحمة والتسامـح يشبّ على ما تعوّد عليه من سلـوك ويتزوّد به.
ففي تربية الأطفال يجب أن يُراعي الكبار أنفسهم آداب السلوك حتى يكونوا قدوة حسنة، كما يجب تنمية الضمير الحي القوي عند الطفل وزيادة التركيز عليه، وإرشاد الطفل ليتصرّف بوازع من ضميره ليسلم من الغوص في شباك الكذب والغش وخداع الآخرين.. الخ، فالطفل كما يحتاج إلى أن ينمو في أجواء أسرية مستقرة، يحتاج أيضاً إلى رقابة الكبار ورعايتهم كي لا يخرج صفر اليدين من تنشئة أسرية المفروض أن تتوافر فيها المقوّمات التي تسند خطـواتـه وتؤمـن لـه تواصلاً اجتماعيـاً آمنـاً.