قانون دولي

القدس في القانون الدولي العام
إعداد: محمد سيف الدين
مقدّم متقاعد

أثار قرار الولايات المتحدة نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بها عاصمة أبدية للعدو، ردود فعل محلية وإقليمية ودولية. وسبق هذا القرار قانون أصدره الكونغرس الأميركي منذ زمن بعيد وكانت الإدارات المتعاقبة تؤجل تنفيذه، إلى أن أقدمت الإدارة الحالية على وضعه موضع التنفيذ. ويشكّل القرار اعترافًا بقانون العدو الإسرائيلي الذي ضمّ القدس إلى الكيان الصهيوني واعتبرها عاصمة أبدية له.

 

القدس والقانون الدولي
لم يسبق لمدينة من المدن في التاريخ أن حظيت بالاهتمام الذي حظيت به القدس، إذ إنّها تعتبر مدينة مقدسة لدى العقائد التوحيدية الكبرى أي الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام(1).
فما هو وضع المدينة المقدسة في القانون الدولي العام؟
إنّ البحث في وضع القدس لا ينفصل عن وضع فلسطين، ووفق قواعد القانون الدولي العام ومبادئه فلسطين هي دولة شرعية، والكيان الصهيوني دولة غير مشروعة وغير شرعية، وإنّ ما يطبّق على فلسطين كدولة ينطبق تمامًا على مدينة القدس لأسباب كثيرة يمكن إيجازها بعدد من النقاط:
- إنّ صك الانتداب الذي خضعت البلاد العربية لسلطته بعد الحرب العالمية الأولى تحت رعاية عصبة الأمم، صنّف فلسطين من بلدان الفئة «أ» مثل لبنان وسوريا والأردن والعراق، وهذا يعني أنّ فلسطين كانت تتمتع بمقومات الدولة التي تؤهلها للاستقلال، ولها هويتها الخاصة. وقد جاء في المادة السابعة من صك الانتداب: تتولّى إدارة فلسطين سنّ قانون للجنسية الفلسطينية، وتسهل الانتساب إليها لمن يرغب من اليهود باتخاذ فلسطين مقامًا له. وأهم من هذا كلّه أنّ لفلسطين عاصمة وهي القدس.
من جهة ثانية، إنّ وجود دولة أخرى على الإقليم ذاته يخالف مبدأ حق تقرير المصير، وهو من القواعد الأمرة التي لا يجوز مخالفتها، وأهمها ميثاق الأمم المتحدة (المادة الأولى، الفقرة الثانية، والمادة الخامسة).
- إنّ وجود الحركة الصهيونية على أرض فلسطين يخالف مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوّة، وهو أيضًا ما حرّمته المواثيق الدولية (المادة الثانية، الفقرة الرابعة من الميثاق).
- انعدام الأثر القانوني للتوصية رقم 181 تاريخ 29/11/1947 (قرار التقسيم) لمخالفتها المادة 55 من الميثاق، والمادة 34 من قانون المعاهدات للعام 1969، فالأمم المتحدة لا تملك حق التصرّف في الأراضي الفلسطينية ولا بأراضٍ غيرها، والجمعية العامة تصدر التوصيات وليس القرارات.

 

قرار التقسيم بحكم الملغى
إنّ إلغاء قرار التقسيم بقرار من مجلس الأمن القرار رقم 27 تاريخ 19/3/1948 يبطل أي مفعول قانوني له، كما أنّ الجمعية العامة عادت وأعفت لجنة فلسطين من مهماتها التي نصت عليها المادة 2 من قرار التقسيم رقم 181.
لذلك، فإنّ جميع القرارات والأعمال التي يقوم بها الاحتلال على الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر تعتبر باطلة، بما فيها أعمال وإجراءات تهويد مدينة القدس.
إنّ قرار التقسيم المذكور، منح القدس وبيت لحم والمناطق التابعة لها وضعًا دوليًا خاصًا، فالأراضي الفلسطينية بما فيها القدس، ينطبق عليها الوضع القانوني لبلد تحت الاحتلال. لقد نتج عن إعلان دولة العدو في العام 1948 احتلال مناطق تقع غربي المدينة أو ما يعرف بالقدس الغربية، وهي الأحياء التي نمت وتطورت منذ أواخر القرن التاسع عشر، بما فيها من أحياء عربية مثل الطالبية وقطمون. وقد قامت سلطة العدو بتوسيع نطاقها البلدي إلى حوالى 40000 دونم، وضمت إليها قرى عربية مجاورة لها، مثل عين كارم والمالحة ودير ياسين ولفتا وغيرها. في المقابل، بقيت البلدة القديمة خاضعة للسلطة الأردنية بعد أن ضمتها الأردن مع الضفة الغربية في نيسان 1950 ولغاية العام 1967، ووضعت غزة تحت الإدارة المصرية أيضًا. وفي هذه الأثناء كانت القدس قدسين تدير كلًّا منهما بلديةٌ خاصةٌ بها. وبعد حرب العام 1967 سيطر العدو على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية بما فيها القدس، وأخضعها للقوانين الإسرائيلية وأعلن ضمها إلى كيانه، واعتبرها عاصمته الأبدية.
إنّ فلسطين التاريخية بما فيها قطاع غزة والقدس، هي جميعها تحت الاحتلال. وهذا الاحتلال عرّفته المادة 42 من اتفاقية لاهاي الرابعة: «تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تُمارس فيها هذه السلطة بعد احتلالها».
كما تنص المادة 2 المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة للعام 1949 على أنّ «هذه الاتفاقات تسري على أي أرض يتمّ احتلالها في أثناء عمليات عدائية دولية... ولو لم يواجه احتلال أرض دولة ما مقاومة مسلحة». ينطبق القانون الدولي الإنساني على وضع فلسطين المحتلة وعلى القدس أيضًا، وخصوصًا قانون لاهاي المتعلق بعادات الحرب وأعرافها، وبند مارتينيز، وقانون جنيف، لاسيما الاتفاقية الرابعة المتعلقة بحماية السكان المدنيّين تحت الاحتلال.
إنّ القدس مدينة عربية وهي عاصمة فلسطين التاريخية، كما أنّ إعلان الدولة الفلسطينية في العام 1988 حظي باعتراف مئة وأربع وثلاثين دولة من دول العالم.
إنّ ما ورد في قرار التقسيم بشأن القدس، أعيد النصّ عنه في قرار إعادة اللاجئين الفلسطينيين، وهو القرار 194 تاريخ 11/12/1948(2). وهذان القراران (181 و194) وُضِعا كشرط لقبول عضوية «إسرائيل» في الأمم المتحدة، وبعد أن قُبِلت عضويتها، أعلنت نيتها عدم تنفيذ مضمونهما.

 

عشرات القرارات
لقد اتخذت الأمم المتحدة (مجلس الأمن والجمعية العامة) عشرات القرارات(3) في القضية الفلسطينية خصوصًا في ما يتعلّق بمدينة القدس، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر قرارات مجلس الأمن الآتية:
- القرار 242 تاريخ 22/11/1967، يطلب إلى العدو الانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران 1967.
- القرار 252 تاريخ 2/5/1968، يستنكر قيام العدو بعرض عسكري في القدس.
- القرار 253 تاريخ 21/5/1968، يطلب إلغاء الإجراءات التعسّفية في مدينة القدس.
- القرار 271 تاريخ 3/7/1969، يندد بمحاولة العدو إحراق المسجد الأقصى في القدس.
- القرار 476 تاريخ 30/6/1980، يعلن بطلان الإجراءات الصهيونية لتغيير طابع القدس.
- القرار 487 تاريخ 29/8/1980، عدم الاعتراف بالقانون الصهيوني بشأن القدس، أو إنشاء بعثات دبلوماسية في القدس.
- القرار 672 تاريخ 9/10/1990، يستنكر المجزرة التي وقعت في المسجد الأقصى.
- القرار 1072 تاريخ 30/9/1996، يطلب من العدو التوقّف عن فتح نفق بجوار المسجد الأقصى في القدس.
- القرار 646 تاريخ 10/11/1975، اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، لكن هذا القرار ألغي في 16/12/1991 تلبية لشرط وضعه العدو للقبول بمؤتمر مدريد.
- القرار 123/37 تاريخ 16/12/1982، وهو قرار طرد إسرائيل من الأمم المتحدة، والذي لم ينفّذ، وفيه تدعو الأمم المتحدة الدول إلى إقامة حصار سياسي ودبلوماسي وعسكري واقتصادي على كيان العدو باعتباره «دولة غير محبة للسلام»، وهو من القرارات الملزمة للجمعية العامة بسبب تكراره عشر سنوات من دون تغيير في النص. يضاف إلى ما سبق عشرات القرارات المتعلقة بحق تقرير المصير، واعتبار استمرار الاحتلال جريمة حرب، وحماية المقاتلين من أجل تحرير بلادهم، وإعلان سنة عالمية لمعالجة شؤون اللاجئين وغيرها.

 

القدس في الفقه الدولي
اعتبرت محكمة العدل الدولية جدار الفصل العنصري الذي أقامه كيان العدو على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية عملًا غير شرعي. وقد رفضته المحكمة بغالبية أربعة عشر صوتًا مقابل صوت واحد (القاضي الأميركي). وقد جاء في إحدى فقرات القرار «أنّ الإجراءات المتخذة من إسرائيل وهي القوة المحتلة، لتغيير الوضعية والتركيب الديموغرافي في شرقي القدس، هي باطلة ولاغية، وإسرائيل لا تملك الصلاحية القانونية لاتّخاذها، وذلك ضمن القدس وداخلها وحولها، بعيدًا من الخط الأخضر».

 

الأمم المتحدة ترفض أي تغيير في وضع القدس
بناءً على ما تقدم، ما هو مفعول قرار الاعتراف بالقدس عاصمة العدو؟؟
إنّ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لكيان العدو يعتبر مخالفًا للقوانين والالتزامات والمبادئ والقواعد الدولية كلّها، ومعظمها من القواعد الآمرة، والتي لا يجوز مخالفتها تحت أي ظرف من الظروف. وهو يعتبر خرقًا لقرارات الشرعية الدولية الممثلة بمنظمة الأمم المتحدة. كما أنّه مخالف لميثاق الأمم المتحدة لاسيّما المادة 13 التي تقول: «إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفق أحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي آخر يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق».
لقد جوبه قرار الاعتراف برفض دولي عام ممثلا بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الرقم 22 تاريخ 21/12/2017، والذي اتُّخذ تحت عنوان «قرار بالاتحاد من أجل السلام»، وهو في هذه الحالة يصبح ملزمًا وله مفاعيل قرارات مجلس الأمن وقد رفضت الجمعية العامة أي تغيير في وضع مدينة القدس.
ولكن يبقى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني أثرًا معنويًا، وذلك بسبب صدوره عن دولة عظمى لها تأثيرها في المجتمع الدولي.
وخلاصة القول إن القدس وبموجب المواثيق والقرارات والقواعد والمبادئ الدولية تبقى مدينة عربية محتلة يجب العمل على تحريرها قبل فوات الأوان، وقد أكدت منظمة الأونيسكو في قرارها الأخير على طابعها العربي الصرف.
ولكن ما يخطط له في أوساط تجمّع الليكود الحاكم في كيان العدو، ليس فقط ضمّ القدس، إنّما الضفة الغربية برمّتها، وإطلاق حملة استيطان واسعة النطاق. كما يُجري العدو اتصالات لنقل سفارات أخرى، بالإضافة إلى السفارة الأميركية التي تمّ شراء فندق ديبلومات في حي أرنونا بالقدس الشرقية كي يكون مقرًا دائما لها. كذلك، عملت دولة غواتيمالا على نقل سفارتها إلى القدس.
ويقوم العدو حاليًا بأعمال تجريف حول ساحة البرّاق لإقامة معبد يهودي، ويخطط لإنشاء ستة عشر مركزًا أمنيًا في أماكن مختلفة للسيطرة على البلدة القديمة والأحياء العربية الإسلامية والمسيحية فيها.

 

الهوامش:
1- هذه العبارات وردت في قرار التقسيم رقم 181 تاريخ 29/11/1947.
2- ينص القرار 194 تاريخ 12/11/1984 على حماية الأماكن المقدسة كما ينص أيضًا على حماية مدينة الناصرة الواقعة في شمالي فلسطين.
3- ما يصدر عن مجلس الأمن يطلق عليه تسمية قرارات، وما تصدره الجمعية العامة يطلق عليه تسمية توصيات.