نحو حياة أفضل

القلق سجن ندفع فواتيره فرصًا ضائعة
إعداد: ليال صقر الفحل

القلق ليس مجرّد شعور عابر، بل لصٌ خفي يسلب منا الفرص، وسجنٌ غير مرئي يقيّد الروح ويثقل الكاهل، ويمنع الإنسان من الاستمتاع بأبسط لحظات حياته. يحرمه لذة الأشياء وسط زحمة الأفكار والغرق في المجهول. مراوغٌ يضع العوائق بيننا وبين التطور، ويقف جدارًا منيعًا أمام نجاحنا، مستنزفًا القدرة الذهنية والبدنية إلى أقصى حدودها، حتى يغدو العيش أشبه بمعركة لا تنتهي. فيما الحقيقة أنّ معظم المخاوف التي نُثقل بها أنفسنا ليست سوى أوهام قد لا ترى النور أبدًا. إنه صرخة داخلية تقول: “افهمني، لا تُسكتني”. والفهم أول خطوة نحو التوازن.
القلق حالة نفسية شائعة غالبًا ما يُساء فهمها، تؤثر في ملايين الأشخاص حول العالم. وفي حين يُعد الشعور بالقلق أو التوتر استجابة طبيعية في العادة، فإنّ اضطرابات القلق قد تتحوّل إلى عبءٍ ثقيل يقيّد الحياة اليومية ويحدّ من الأداء الوظيفي والاجتماعي.
وبحسب الاختصاصية في علم النفس العيادي تالا جعفير، فإنّ القلق في الأساس شعورٌ طبيعي ومفيد يهدف إلى التحفيز على تحقيق الأهداف والحماية من المخاطر المحتملة. فهو يساعد على الاستعداد والانتباه واتخاذ القرارات المناسبة. إلا أنّه عندما يشتد ويتجاوز حدّه الطبيعي، يتحوّل إلى عبء نفسي يعيق الإنتاجية، ويؤثر سلبًا على التركيز والاستقرار النفسي ونوعية الحياة بشكلٍ عام.
وتوضح جعفير أنّ اضطراب القلق Anxiety Disorders هو مجموعة من الاضطرابات النفسية الشائعة، يعاني فيها الشخص من قلقٍ دائم أو خوفٍ مفرط يتجاوز طبيعة الموقف وحدوده المنطقية، إلى درجة التداخل في أداء المهمات اليومية، والتأثير سلبًا على العلاقة بالآخرين. وتضيف أنّه من المفاهيم الخاطئة الاعتقاد بأنّ القلق يصيب الضعفاء فقط، والحقيقة أنّ اضطرابات القلق يمكن أن تُصيب أي شخص، وغالبًا ما تنجم عن عوامل بيولوجية وبيئية وجينية ونفسية.

 

تعددت الأسباب والقلق واحد!
تشدّد جعفير على أنّ فرط المعلومات، وسهولة استخدام مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، ومواجهة الضغوطات الأكاديمية، وتغيّر الديناميكيات الاجتماعية، بإمكانها المساهمة في رفع معدلات القلق لدى المستخدمين الذين يتعرضون لكمٍّ هائل من الأخبار وبخاصةٍ السلبية منها، يقارنون أنفسهم بصور وأنماط حياة مثالية غالبًا ما تكون غير واقعية ويشعرون بالعزلة وسط تسارع نمط الحياة.
أما الأسباب المؤدية إلى القلق، فتردّها إلى شبكة معقدة من العوامل الوراثية والبيئية وأحداث الحياة والمشاكل اليومية، تنتهي بخللٍ في الناقلات العصبية الكيميائية وتقود لظهور الأعراض. يمكن للقلق أن يظهر في مختلف المراحل العمرية من الطفولة حتى الشيخوخة ويمكن لتجارب ماضية أليمة أن تفاقم حدّته مثل طفولة قاسية أو تجارب صادمة كالحروب والمشاكل العائلية والظروف المعيشية الصعبة أو الصدمات .
للقلق أسبابه النفسية أيضًا، فقد يظهر نتيجة تراكم توترات نفسية مزمنة وتجارب تولّد شعورًا بالعجز والخوف والاضطرار إلى تحمل مسؤولية كبيرة بسن مبكّرة. كما يمكن أن تظهر أعراضه إثر صدمة نفسية مباغتة، فيؤدي، في هذه الحالة، وظيفة دفاعية تهدف إلى تعزيز الشعور بالسيطرة والاستعداد لمواجهة أي خطر مستقبلي محتمل. فالعقل يحاول من خلال القلق توقّع الأسوأ ووضع سيناريوهات مسبقة، لتفادي اختبار الشعور بالصدمة مجددًا. لذلك، يكون القلق الذي يسبق الحدث أحيانًا أشدّ وطأةً منه خلال الحدث نفسه.
بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات القلق، فهم غالبًا ما يغرقون في أفكارٍ متكرّرة خارجة عن السيطرة، تتعلّق بمستقبلٍ مثقل بالمخاوف إلى حدّ الإنهاك النفسي. فاستحضار السيناريوهات الكارثية، يستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة الذهنية، وينعكس تعبًا مفرطًا، صعوبة في التركيز، اضطرابات في النوم، وأعراضًا جسدية مثل آلام المعدة والصداع والتشنّجات العضلية. كما يزيد القلق من خطر الإصابة باضطرابات نفسية أخرى مثل الاكتئاب.

 

أنواع اضطرابات القلق
تتخذ اضطرابات القلق أشكالًا متعددة تختلف في مظاهرها وحدّتها، ولكلّ منها سماته الخاصة:

  • اضطراب القلق العام: كما يوحي اسمه، يتّسم بمعاناة الشخص من قلقٍ شديدٍ مستمر يطال مجالات عديدة ومختلفة من حياته فلا يكون مرتكزًا على شيء واحد دون سواه.
  • اضطراب الهلع، ويسبب نوبات مفاجئة ومتكررة من الخوف والذعر التي تظهر إثر التعرض لموقف مقلق كاختبار في المدرسة أو من دون سبب واضح. يفصل ما بين هذه النوبات شعور مستمر بالخوف من تكرارها مع تغيّرات سلوكية لتجنب المواقف أو الأماكن المسببة لها. ونوبات الهلع هي موجات مفاجئة من الخوف الشديد مصحوبة بأعراض جسدية ونفسية حادة تبلغ ذروتها خلال دقائق، وتشمل: خفقان سريع للقلب، ضيق تنفس، ألم صدر، دوار، تعرق، غثيان، ارتجاف، وخدر أو تنميل، مع شعور بالاختناق والخوف من الموت أو الجنون أو فقدان السيطرة. تبدأ فجأة، وتدوم عادة من 5 إلى 20 دقيقة.
  • الرهاب، وهو الشعور بخوفٍ شديد موجّه إلى غرض أو شيء محدد ومعروف كالحيوانات، المرتفعات، الطيران وغيرها.
  • اضطراب القلق الاجتماعي، وهو إحساس بخوفٍ ورهبة شديدة من المواقف الاجتماعية ومخالطة الناس لدرجةٍ تؤثر في قدرة الشخص على ممارسة حياته بشكلٍ طبيعي.
  • رهاب الخلاء، وهو الخوف المفرط من الأماكن أو المواقف التي يصعب الهروب منها، أو تُشعر الشخص كأنّه محاصر، مثل الأسواق والمواصلات العامة والمصاعد والغرف الضيقة.
  • اضطراب القلق من الانفصال، لا يطال الأطفال فحسب، بل أيضًا المراحل العمرية الباقية، إذ يعاني الشخص خلاله من قلقٍ شديد وذعر لدى الابتعاد عن والديه أو الأشخاص الذين تجمعه بهم روابط عاطفية أو بمجرد التفكير بإمكان ابتعادهم عنه.
  • الصمت الانتقائي، وهو حالة تصيب الأطفال، إذ لا يستطيع الطفل التحدث أبدًا أمام الناس أو الغرباء أو بمواقف معينة كالمدرسة، فيما يتحدث بشكلٍ طبيعي في أماكن أخرى كالمنزل.
     

غليان داخلي
يُشبَّه القلق بغليانٍ داخلي، تتوزع أعراضه على كامل الجسد: تَسارُع في ضربات القلب، ألم في الصدر، طنين في الأذن، غثيان، ضيق في التنفس، جفاف في الفم، ألم في المعدة، صداع ودوخة، ارتفاع في ضغط الدم، تَعرُّق وشحوب الوجه واتّساع حدقة العين… أما الأعراض النفسية فتتجلى في عدة مظاهر، من بينها صعوبة في النوم والتركيز، توتر، خوف شديد، ضعف في الشهية وإرهاق… وقد يكون هناك رابط بين القلق المزمن وتطور أمراض المناعة الذاتية، ما يُقلّل من قدرة الجسم على مكافحة العدوى.

 

كيف نتعامل مع القلق
ترى جعفير أنّ اليقظة الذهنية من الأساليب الفعّالة في التخفيف من حدّة القلق، وهي تقوم على عيش اللحظة الحاضرة والابتعاد عن الانشغال المفرط في المستقبل. كما يُعدّ تقبّل الأفكار المقلقة خطوة أساسية في التعامل مع القلق، فبدل محاربتها أو محاولة طردها، يمكن النظر إليها على أنّها أفكار عابرة لا تعكس بالضرورة الواقع. وتؤكد أهمية الدعم النفسي والمتابعة المتخصصة في تعريف الشخص إلى جذور القلق لديه، وفهم علاقته بتجاربه السابقة أو بصدماتٍ نفسية غير معالجة. يتيح هذا المسار تطوير استراتيجيات أكثر مرونة وفعالية للتعامل مع القلق، وتحسين ذلك بدل الدخول في صراعٍ دائم ضده. ومن المهم الإشارة إلى أنّ الهدف من العلاج ليس القضاء التام على القلق، بل تعلّم احتوائه، وفهم رسالته واستعادة القدرة على العيش بشكلٍ متوازن رغم وجوده.
وتوضح جعفير، أنّ طرق المعالجة تختلف بحسب الحالة، فأحيانًا يمكن التحكم بالقلق باتباع بعض النصائح البسيطة، كتحسين نمط الحياة وتعلم تقنيات الاسترخاء، والتنفس العميق، فضلًا عن التأمل وتدريب الذهن على تقبل الغموض، فيما تستدعي الحالات الأكثر شدة استشارة الاختصاصيين أو الأطباء النفسيين للحصول على المشورة أو المتابعة الطبية الدقيقة ووضع خطة علاجية مناسبة قد تشمل جلسات المتابعة أو الأدوية عند الضرورة.

 

نصائح وإرشادات
وفي إطار التعامل العملي مع القلق، تقدم جعفير مجموعة من الإرشادات اليومية التي يمكن أن تساعد في التخفيف من حدّته وتعزيز التوازن النفسي:

  • التحدّث عن القلق بصراحة وعدم كتمانه، إذ إن مناقشته تعزّز الفهم والدعم، وتشجّع على طلب المساعدة وتخفّف الشعور بالعزلة.
  • المواظبة على التمرين المنتظم وممارسة أنشطة بدنية بسيطة كالمشي، الركض، اليوغا أو السباحة، لما لها من دور في خفض التوتر وتحسين المزاج العام.
  • الحدّ من الأطعمة المصنّعة والمشروبات الغنية بالكافيين والمنبّهات، كالقهوة والشاي والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة.
  • التوقف عن تدخين السجائر والأرجيلة، لما لهما من أثر محفّز للجهاز العصبي ومفاقم للتوتر.
  • اعتماد نشاط بدني متوسط لا يتطلّب جهدًا كبيرًا، مع تنظيم اليوميات ووضع أهداف واقعية وتقسيم المهام إلى خطوات أصغر قابلة للتنفيذ.
  • الاحتفال بالإنجازات الصغيرة وتعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية.
  • العمل على تأكيد الذات ووضع حدود واضحة مع الآخرين من خلال رفض الالتزامات التي تفوق قدرة الشخص على إنجازها، وتجنّب البيئات أو الأشخاص الذين يثير وجودهم عدم الارتياح.
  • تخصيص وقت للرعاية الذاتية عبر أنشطة تبعث على الاسترخاء والبهجة كالقراءة، الاستماع إلى الموسيقى، الطهي أو الرسم والاتصال مع الطبيعة.
    مع مرور الوقت، قد يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بلحظاته الحاضرة، فيغدو أسير ما قد يحدث لا ما يحدث فعلًا. يهمس القلق في أُذنَيه بتساؤلات لا تنتهي، وشكوك تعكّر سكون الذهن وتبعثر السلام الداخلي، غير أنّ مواجهته بالفهم والوعي تجعله لصًا هزيلًا أمام قوة الإدراك، وتعيد للإنسان اتّزانه وطمأنينته المسلوبة.ش