جولة أفق

اللبنانيون في أفريقيا
إعداد: تريز منصور (بتصرّف)

بين «سدّان» الهجرة و«مطرقة» التهجير

يصعب وضع تاريخ محدد كنقطة بدء للهجرة اللبنانية إلى أفريقيا غير العربية، وتشير الدراسات إلى أن الهجرة إليها ظلت ضئيلة العدد، ولم تأخذ في التزايد إلا منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، إذ بدأ المهاجرون يقصدونها بالعشرات والمئات. وكانت المستعمرات الفرنسية فى أفريقيا أولى محطات الهجرة اللبنانية إلى تلق القارة، خصوصًا في «المقاطعات الأربع» التي أصبحت العام 1870، تتمتع بحقوق المواطنة وساعدت الاقتصاد المحلي على النمو بسرعة وهي مقاطعات سان لويس ودكار وغوري وروفيسك.
وعلى صعيد المناطق الأفريقية التي خضعت للاستعمار البريطاني، وبالنظر إلى عدم احتفاظ السلطات الاستعمارية بسجلات موثوق بها عن المهاجرين الأوائل إلى مستعمراتها، تتضارب الأخبار المتعلقة بهجرة اللبنانيين إلى غرب أفريقيا الإنكليزية، حيث يرى البعض أن أول مهاجر لبناني إلى مناطق النفوذ البريطانية وصل إلى سيراليون العام 1880، ويرى آخرون أن أول موطئ قدم للبنانيين في المستعمرات البريطانية في أفريقيا كان منطقة ساحل الذهب (غانا) العام 1870، والراجح أن سيراليون هي من أولى المناطق في غرب أفريقيا الإنكليزية، التي شهدت هجرة اللبنانيين إليها، باعتبار أنها كانت نقطة توقّف لكل السفن المتجهة نحو مناطق المستعمرات الإنكليزية.
إستقر المهاجرون اللبنانيون في معظم المناطق المهمة من غرب أفريقيا، إنطلاقاً من مرافئها الساحلية التي استقبلت المهاجرين اللبنانيين الأوائل، الذين كانوا ينتقلون من بيروت إلى مرسيليا، ومنها إلى دكار ثم كوناكري وفريتاون، ومن ثم إلى لاغوس، وكانت الرحلة تستغرق نحو 40 يوماً.


تطورات الهجرة إلى أفريقيا
على الرغم من التزايد التدريجي الذي عرفته الهجرة اللبنانية إلى أفريقيا منذ نهاية القرن التاسع عشر، فإن الأرقام بقيت متواضعة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ولكن الملاحظ في تلك الهجرة أنها لم تعد مقتصرة على الذكور البالغين فقط ، بل شملت كذلك النساء والأطفال، الأمر الذي يعكس نوعاً من اطمئنان المهاجرين إلى تلك المناطق التي هاجروا إليها. وقد اتجهت تيارات الهجرة إلى ستة أقاليم خاضعة للسيطرة الفرنسية هي السنغال وغينيا والسودان الفرنسي (مالي الحالية) والداهومي (بنين الحالية) والنيجر وموريتانيا، بالإضافة إلى مستعمرتي غامبيا وسيراليون الإنكليزيتين، ومستعمرة غينيا البرتغالية (غينيا الاستوائية حالياً) وبدأت الهجرة اللبنانية تتزايد، بعد الحرب العالمية الثانية في خط تصاعدي نتيجة لعدة عوامل.
مع اندلاع الحرب في لبنان العام 1975، وما تلاها من أحداث، عرفت أفريقيا الغربية هجرة لبنانية جديدة، كانت وجهتها الأساسية ساحل العاج- التي تضاعف عدد اللبنانيين فيها- ثم بنسبة أقل إلى السنغال وسيراليون.  وكان من آثار الحرب في لبنان رجوع عدد كبير من المواطنين اللبنانيين إلى نيجيريا، وتبع ذلك أيضاً وفود أعداد صغيرة جديدة هرباً من ظروف الحرب القاسية. وبخلاف هجرات المراحل السابقة، التي كانت تهمّ مختلف الطوائف، فإن هجرة ما بعد الحرب تشكلت بالأساس من الشيعة القادمين من الجنوب - والذين مثلوا حوالى 90 في المئة من مجموع المهاجرين اللبنانيين فى تلك الحقبة.
وكما ذكرنا سابقًا فإن أسباب الهجرة عديدة، وفي ما بعد لعبت الظروف الاقتصادية المهيأة في أفريقيا وفرص العمل المتوافرة، دورًا في استقطاب عدد كبير من الجماعات اللبنانية، إذ نجد أن بلاد أفريقيا تحتل المكانة الثانية بعد البرازيل بالنسبة إلى المهاجرين اللبنانيين في العالم.

 

اللبنانيون في الاقتصاد الأفريقي
كما هو الشأن بالنسبة إلى مواطنيهم في العالم الجديد، فقد كانت التجارة المتجولة أول نشاط اقتصادي مارسه اللبنانيون في أفريقيا الغربية، وقد بقي الحضور الاقتصادي اللبناني متواضعاً لغاية الحرب العالمية الأولى، حيث استفاد اللبنانيون من الفراغ الذي خلّفه التجار الفرنسيون الذين ذهبوا إلى الجبهة. خلال تلك المرحلة والتي تمكنوا فيها من اللغات الأفريقية، تعرف اللبنانيون إلى البلد، ولم يعد وجودهم مقتصرًا على المدن والمناطق القروية، بل توغّلوا في الأدغال، وهذا ما ساعدهم على تحقيق نجاح سريع، خصوصًا وأنهم أصبحوا وسطاء بين الوكالات التجارية الأجنبية -وبخاصة الوكــــــــالات الفـــرنسـيــــــة- والسكان الأصليين، حيث كانوا يبيعون لهؤلاء المنتجات المصنعة، ويحصلون منهم على منتجاتهم من المواد الخام للتصدير. وقد شجعهم نجاحهم في هذا المجال على التوسّع في هذا النشاط، علاوة على اتجاه البعض إلى افتتاح محلات خاصة لبيع الجملة في المدن، كما اتجه آخرون إلى التخصص في مجال استيراد المنتجات المصنعة مباشرة من أوروبا، وأصبحوا المموّلين الأساسيين لمواطنيهم من تجار الجملة والتقسيط.
وقد شهدت سنوات العشرينيات من القرن الماضي منافسة شديدة بين التجار الأوروبيين واللبنانيين في أفريقيا الغربية.
وسُجّل خلال التسعينيات حضور لبناني قوي في قطاعات اقتصادية أخرى. ففي ساحل العاج حيث توجد أهم جالية لبنانية  في أفريقيا الغربية من حيث العدد والثقل الاقتصادي، يتحكم اللبنانيون في حوالى 60 في المئة من القطاعات الاقتصادية الحيوية، بحيث يمتلكون أربعة آلاف مؤسسة من بينها 1500 مؤسسة صناعية يعمل فيها نحو 150 ألف مواطن من أهل البلاد. وهم يسيطرون على 70 في المئة من تجارة الجملة، و50 في المئة من تجارة التقسيط، و80 في المئة من شركات جمع القهوة والكاكاو وتصديرها، و17 في المئة من سيارات الأجرة، الأمر الذي حرصت قيادات البلاد المتوالية على التنويه والإشادة به. حيث وصف الرئيس المؤسس للدولة العاجية هوفوبيه بوانييه اللبنانيين بالقول: «اللبنانيون عطاء من السماء وقد أرسلهم الله هدية لنا، وإذا كان من وجود للصناعة في هذا البلد، فالفضل يعود إلى نشاط اللبنانيين وذكائهم. هذا الأمر هو ما دفع الرئيس العاجي لوران غباغبو إلى التصريح بأن اقتصاد البلاد بيد اللبنانيين، وهو أمر تضمن في ثناياه الترحيب بالدور اللبناني والاعتراف بفضله على الاقتصاد الأيفواري، لكنه من جانب آخر تضمن تأليباً ضمنياً للجماعات الرافضة الوجود اللبناني في ساحل العاج، على نحو أفرز ممارسات عدائية وانتقامية ضد الجالية اللبنانية في البلاد خلال ما شهدته من نزاعات مسلّحة.  ولا يختلف الأمر كثيراً في سيراليون حيث يشير بعض المصادر إلى أن الجالية اللبنانية كانت تسيطر - إلى مطلع التسعينيات من القرن العشرين - على 80 في المئة من تجارة الماس والذهب، وقدّرت ثروة جميل محمد سعيد اللبناني الأصل والجنسية – وكان أهم رجل اقتصاد في البلاد وصديقًا مقرّبًا من رئيس الدولة – بـ 600 مليون فرنك فرنسي. وفي بوركينا فاسو يسيطر اللبنانيون على ما يقرب من 60 في المئة من حجم التعاملات التجارية والصناعية في البلاد.


التفاعل السياسي والاجتماعي للبنانيين في أفريقيا
في كثير من دول غرب أفريقيا، جرت محاولات لترجمة الثقل الاقتصادي للجالية اللبنانية إلى ثقل سياسي من خلال دخول بعض الأفراد ذوي الأصول اللبنانية إلى البرلمان الوطني في الدول الأفريقية، على نحو ما حصل في كل من جنوب أفريقيا وغينيا بيساو، بينما وصل آخرون إلى منصب مستشار الرئيس كما في غينيا الاستوائية وبوركينافاسو. يضاف إلى ذلك الاتصالات الشخصية للعديد من رجال الأعمال اللبنانيين بكبار المسؤولين ورجال الدولة في الدول الأفريقية، بغية تأمين مصالحهم وحمايتها، وهي اتصالات تتمّ في معظمها على أسس فردية ولمصالح خاصة. فالقاعدة العامة أن اللبنانيين وغيرهم من العرب المشارقة يبتعدون كل البعد عن الدخول في العمل السياسي المباشر والعلني، الأمر الذي فرض عليهم نوعًا من العزلة السياسية والاجتماعية إلى حد كبير.
إلا أن البعض يشير إلى تدخل بعض رجال الأعمال اللبنانيين بصورة غير مباشرة لدعم بعض الأحزاب والقوى السياسية على حساب قوى سياسية أخرى.
ففي نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، ومع بوادر استقلال نيجيريا – على سبيل المثال – أشارت أحزاب جنوبية في نيجيريا بأصابع الاتهام إلى بعض أعضاء الجالية اللبنانية في الشمال، متهمة إياهم بالانخراط في العمل السياسي وانضمامهم إلى الحزب الرئيس في الشمال، «حزب المؤتمر النيجري». هذا الاتهام الذي نفته الجالية على لسان قنصلها، كان نموذجًا للاتهامات التي ما زال يعاني منها معظم اللبنانيين في الدول الأفريقية المختلفة، والتي دفعوا ثمنها بحيث أصبحت مؤسساتهم الاقتصادية عرضة للنهب، كلما اندلعت أحداث شغب ضد السياسات الحكومية، كما حدث في ليبيريا (1989)، وفي الجابون (1985)، ومالي (1991)، وفي السنغال (1989)، وساحل العاج (1999، 2002، 2004، 2007، 2011).
فقد واجهت الجاليات اللبنانية في أفريقيا نكبة حقيقية، بدأت العام 1989 في ليبيريا باضطهاد جماعي للمهاجرين ونهب وتخريب شامل لمؤسساتهم الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية، وأدى ذلك إلى «تهجير» أبناء الجالية في ظروف مأسوية ترافقت العامين 1990 و1991 مع حربي الخليج الأولى والثانية، وما رافقهما من عودة قسرية للبنانيين العاملين هناك، ما أسفر عن قطع مورد مالي هام كان الوطن بأشد الحاجة إليه، لإنمائه وإعماره بعد توقف حرب الخمس عشرة سنة (1975 - 1990).
كما تزامنت أحداث ليبريا العام 1996 مع الاعتداء الإسرائيلي الذي أطلقت عليه تل أبيب اسم «عناقيد الغضب» لتقطع بذلك شرياناً ماليًا آخر هو الشريان الليبيري، وتضع العائدين في مصاف منكوبي الحروب. فقد شهدت ليبيريا بين 1989 و1996 حربًا إثنية داخلية، دمرت اقتصادها وشردت سكانها، خصوصاً في العاصمة منروفيا حيث تتمركز الجالية اللبنانية. ومن ليبيريا امتدت هذه الأحداث إلى دول أفريقية أخرى: الكونغو، سيراليون، نيجيريا، ساحل العاج، وقد تضررت الجاليات اللبنانية فيها مباشرة وبنسب مختلفة، وقدّرت وكالة رويترز، أنه بتاريخ 19- 4- 1996: كان يعيش في ليبيريا 15 ألف رجل أعمال لبناني يسيطرون على معظم مفاصل النظام الاقتصادي في البلاد، ولم يبق منهم بعد أحداث ليبيريا (1989-1999) أكثر من 300 شخص.

 

المراجع:
 - www.alnaharonline.com/igpirab
- www.emigrants.gov.lb./index.html
- www.allafrica.com
- جريدة الأخبار.
- جريدة السفير.
جهاد العقل، فجر الهجرة: مآسي ونوادر، بيروت.