- En
- Fr
- عربي
تحت الضوء
شرطٌ أساس للتعافي في لبنان
معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي
في عالمٍ تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، لم يعد السؤال يتمحور حول كيفية تعزيز المشاركة النسائية في سوق العمل فحسب، بل بات يتّجه نحو كيفية بناء نموذجٍ اقتصادي قادرٍ على التكيّف مع ديناميكيات السوق والمتغيّرات العالمية، يوظّف طاقات النساء والرجال معًا في خدمة التنمية المستدامة.
فالمساواة الاقتصادية للنساء لم تعد مجرّد مطلبٍ حقوقي أو شعارٍ اجتماعي، بل غدت أداةً استراتيجية تمسّ جوهر الكفاءة الاقتصادية وقدرة الدولة على الإنتاج والمنافسة والإبداع. كما أصبح التمكين الاقتصادي للنساء أحد أهمّ مفاتيح بناء رأس المال البشري، وعنصرًا حاسمًا في تعزيز المرونة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.
إنَّ تاريخ مشاركة المرأة في الاقتصاد لم يَسِر في خطٍّ مستقيم، بل اتّخذ مسارًا متعرّجًا يوازن بين التحوّلات الفكرية للحركة النسوية والتغيّرات البنيوية في الاقتصاد العالمي. فكلّ مرحلة من مراحل التطوّر الاقتصادي، من الزراعة إلى الصناعة، ومن الخدمات إلى الاقتصاد المعرفي، كانت تعيد تشكيل موقع المرأة ودورها في عملية الإنتاج، كما كانت كلّ موجة نسوية تُعيد تعريف مفهوم العدالة الاقتصادية ومضمون المساواة.
المساواة: من مطالبة حقوقية إلى أداة للتنمية المستدامة
لم تكن المساواة الاقتصادية للمرأة يومًا هِبة أو منحة، بل ثمرة تحوّلاتٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ ورحلة نضالٍ فكري بدأت مع الفيلسوف جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) في القرن التاسع عشر، الذي أكّد أنّ حرمان نصف المجتمع من التعليم والعمل، يعني حرمان الاقتصاد من نصف طاقته العقلية والإبداعية.
تلك كانت النواة الأولى التي مهّدت لظهور مساراتٍ نسويةٍ أكثر تشعّبًا في أفكارها ومطالبها، ووضعت الأساس لفهمٍ جديدٍ للعلاقة بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.
في المجتمعات الزراعية، كانت المرأة شريكةً إنتاجية غير مرئيّة؛ إذ كان عملها داخل الأسرة وفي الحقول يُعدّ «واجبًا اجتماعيًا» ضمن إطارٍ اقتصادي عائلي مغلق، لا يُحتسب ضمن النشاط الاقتصادي الرسمي. ومع انتقال مركز الإنتاج من المنزل إلى المصنع، دخلت المرأة سوق العمل للمرة الأولى كفاعلٍ اقتصادي مرئي، وإن في ظروفٍ مجحفة وغيابٍ شبه تام للحقوق. وقد مثّل هذا التحوّل الشرارة الأولى للموجة النسوية التي طالبت بالمساواة في الحقوق المدنية والاقتصادية والسياسية باعتبارها المدخل الأساس إلى العدالة الاجتماعية.
ثم جاءت الحروب العالمية لتشكّل محرّكًا رئيسيًا لانخراط المرأة في الحياة الاقتصادية، إذ أجبرت المجتمعات على كسر الصور النمطية حول قدراتها، بعدما شغلت النساء الوظائف التي تركها الرجال خلال الحرب.
وأعقب ذلك ازدهار صناعي وانتشار نموذج دولة الرفاه، ما خلق طفرةً في الطلب على الخدمات. ووفق التقديرات، ارتفعت مشاركة النساء في سوق العمل من نحو 25٪ في الخمسينيات إلى أكثر من 50٪ في السبعينيات. والمفارقة، أنَّ تلك القفزة الكمية لم تُنهِ الفجوات النوعية سواء في الأجور أو في التمثيل القيادي. من هذا التناقض وُلدت الموجة النسوية الثانية، التي أدركت أنَّ التحرّر لا يتحقق بالقوانين وحدها، فانتقلت من المطالبة بالمساواة في النصوص القانونية إلى تفكيك البُنى الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تُنتِج التمييز. وكانت رسالتها الجوهرية: «المرأة لا تُولد امرأة، بل يُعاد تشكيلها اجتماعيًا».
ومع عَولمة الاقتصاد وثورة التكنولوجيا، دخلت المعادلة مرحلةً جديدة، إذ لم يعد مقياس التمكين الاقتصادي يُختزل في الإحصاءات العددية لعدد العاملات، بل بات يُقاس بمستوى التأثير في مجالات ريادة الأعمال، والقيادة المؤسسية، وصنع القرار المالي. هذا التحوّل النوعي أفرز الموجة النسوية الثالثة، المعروفة بـ «النسوية التقاطعية» (Intersectional Feminism)، التي برزت في مطلع الثمانينيات، وسعت إلى توسيع مفهوم العدالة ليشمل تداخل أنظمة التمييز على أساس الجنس والعرق والطبقة، والانتماء الاجتماعي. وهكذا، انتقلت المساواة من كونها مطلبًا خاصًا بالنساء، إلى رؤية شاملة لإعادة هندسة بُنية العدالة ذاتها.
اليوم، لم تعد المساواة الاقتصادية للمرأة مجرّد قضية اجتماعية، بل أصبحت رهانًا استراتيجيًا تتوقف عليه كفاءة الاقتصاد وقدرته على الابتكار والنمو. فقد أكّد صندوق النقد الدولي1 (2013) أنّ رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل بمقدار 10٪ يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية بنحو 2٪. كما أظهرت أبحاث معهد ماكينزي2 العالمية (2018–2020) أنَّ التنوّع الجندري في الفرق القيادية يعزّز الابتكار ويُسهم في اتخاذ قرارات أكثر فاعلية واستدامة.
إنّ هذا المسار الطويل، يثبت أنّ التطورَين الاقتصادي والفكري يسيران في حلقةٍ متصلة: فكل تحوّل اقتصادي يخلق إمكانات جديدة للمرأة، وكل موجة نسوية فكرية تدفع الاقتصاد إلى تبنّي معايير أكثر إنصافًا وكفاءة.
النساء: المحرك الخفي للاقتصاد
تشير الأدبيات الاقتصادية الحديثة إلى أنّ العلاقة بين النمو الاقتصادي والمساواة بين الجنسين ليست أحادية الاتجاه، بل تبادلية وثنائية التأثير. فكما يُسهم النمو الاقتصادي في تعزيز المساواة من خلال خلق فرص عمل وتحسين مستويات التعليم والدخل، كذلك تحفّز المساواة بين الجنسين النمو عبر توسيع قاعدة المشاركة الإنتاجية وتعزيز الكفاءة والابتكار. وقد أصبح هذا الترابط التفاعلي محور إجماع متزايد بين الاقتصاديين وصانعي السياسات حول العالم. فعندما تتحرّر طاقات المرأة الكامنة، لا يتغيّر وضعها الفردي فحسب، بل يتحرّك الاقتصاد بأسره نحو مسار أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.
تمكين المرأة رافعة للنمو الشامل
من المسلّم به أنّ ارتفاع دخل الفرد يوسّع الموارد المتاحة سواء كانت حكومية أو خاصة للاستثمار في التعليم والصحة والبنى التحتية وفرص العمل، وهي جميعها عوامل تسهم في إزالة العوائق أمام مشاركة المرأة في سوق العمل. وحين تمتلك المرأة قرارها الاقتصادي المستقلّ، يتحوّل الإنفاق من مجرّد استهلاك إلى استثمار في المستقبل. فقد أظهرت عدة تقارير حول برامج التحويلات النقدية المشروطة، أنّ توجيه هذه التحويلات إلى الأمهات يرفع إنفاق الأسرة على تعليم الأطفال وصحّتهم، ويحسّن مؤشرات التغذية والحضور المدرسي. وهذا يؤكد أنّ تمكين المرأة اقتصاديًا لا ينعكس فقط على رفاهها الشخصي، بل يُعيد تشكيل آليات الإنفاق الأسري لصالح الأجيال القادمة، لتصبح المرأة محرّكًا محوريًا في بناء رأس المال البشري، وهو جوهر أي تنمية مستدامة حقيقية.
وعلى نطاقٍ أوسع، تشير دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD 2024) إلى أنّ سدّ فجوة المشاركة في القوى العاملة بين الجنسين يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بمعدل نقطة مئوية سنويًا بحلول العام 2060. كما تشير التقديرات إلى أنّ تقليص فجوة ساعات العمل بين الرجال والنساء قد يضيف نحو 0.11 نقطة مئوية سنويًا إلى النمو الاقتصادي، ما يؤكد أنَّ تحقيق المساواة في العمل ليس فقط هدفًا اجتماعيًا، بل أيضًا رافعة اقتصادية حقيقية لتحسين الإنتاجية والنمو على المدى الطويل.
ولا يقلّ الوجه الآخر من المعادلة أهميةً، فبحسب الاقتصاديين، إنّ استبعاد نصف الموارد البشرية أو تهميشها ينعكس هدرًا في رأس المال البشري، وتراجعًا في الإنتاجية وضعفًا في الابتكار، ما يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي على المديَين المتوسط والطويل. كما أنّ الفجوة في التوظيف بين الجنسين تؤدي إلى انخفاض رصيد المواهب المتاحة في الاقتصاد، وتسبّب تشوّهات في توزيعها عبر المهن المختلفة. ويؤكد الاقتصادي روبرت إيمرسون لوكاس (Robert Emerson Lucas) الحاصل على جائزة نوبل، أنّ كفاءة توزيع المواهب البشرية في الاقتصاد تشكّل محرّكًا أساسيًا للنمو الاقتصادي، وليس مجرد حجم القوى العاملة. كما أظهرت دراسة أكاديمية أُجريت في جامعة برشلونا3 العام 2014 حول أثر اللامساواة على الاقتصاد، واعتمدت في منهجيتها على نموذج لوكاس، أنّ استبعاد جميع النساء من المناصب الإدارية يؤدي إلى انخفاض إنتاجية العامل بنحو 25٪، بينما يؤدي استبعادهن من القوى العاملة إلى انخفاض دخل الفرد بنحو 40٪.
وأكدت دراسة أخرى أُعدّت في جامعة يورغ أوغست في غوتينغن–ألمانيا4، أنّ الفجوات بين الجنسين في التعليم والعمل تُضعف النمو الاقتصادي في الدول النامية بنسبة تراوح بين 0.4 و0.9 نقطة مئوية سنويًا.
من ناحية أخرى تُظهر دراسات ماكينزي (McKinsey Global Institute, 2020)5 أنّ الشركات التي تتميّز بتنوّع جندري في إدارتها العليا تحقق أداءً ماليًا أفضل بنسبة 21٪ مقارنة بنظيراتها الأقل تنوّعًا. فالتعدّد في وجهات النظر يُنتج قرارات أكثر ذكاءً واستجابةً للأسواق المتغيّرة، ما يجعل الاقتصاد أكثر تنافسية وشمولية. بالتالي، يُعدّ التنوع الجندري ليس مجرد شعار للمساواة، بل ركيزة استراتيجية للابتكار.
أثبتت التجارب المعاصرة أنّ الاقتصادات التي تمنح النساء فرصًا متكافئة في التعليم والعمل وصنع القرار لا تحقق معدّلات نمو أعلى فحسب، بل تُظهر أيضًا قدرة أكبر على الصمود في وجه الأزمات. فالتقارير المختلفة تُشير إلى أنّ الأسر التي تعتمد على دخل مشترك من الرجل والمرأة أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية مقارنةً بالأسر أحادية الدخل. وعندما تتسع هذه الظاهرة لتشمل المجتمع بأكمله، تتحول المساواة إلى شبكة أمان جماعية تعزّز الاستقرار الاجتماعي والمالي.
وعلى مستوى ديناميكية السوق، أظهرت الدراسات أنّ وجود النساء في مواقع صنع القرار المالي والاقتصادي يعزّز استقرار الأسواق ويقلّل من السلوكيات عالية المخاطر، خصوصًا في القطاع المصرفي والاستثماري (OECD 2021). لذا، فإنّ تنويع القيادة الاقتصادية بين الجنسين لا يرفع الأداء فحسب، بل يزيد من مقاومة الاقتصاد للصدمات، ويخلق بيئة أكثر توازنًا ومرونةً في صنع القرار، مع قدرة أكبر على مواجهة أزمات المستقبل بثقة واقتدار.
لبنان نموذجًا مصغّرًا للفجوة الجندرية في سوق العمل
يُعتبر رأس المال البشري أحد أهم المحرّكات للنمو الاقتصادي، إلا أنّ العديد من الدول تهدر هذا المورد الحيوي بسبب سياسات سوق العمل غير العادلة، والتمييز بين الجنسين، ونقص التدريب المناسب، أو اعتماد اقتصادات غير منتجة. كما تولّد هكذا ممارسات خسائر اقتصادية غير مرئية لا تُسجَّل عادةً في التقارير الرسمية. وتجسيدًا لذلك، قُدرّت الخسائر في الدخل الناتجة عن الفجوات الجندرية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 27٪، مقابل 10٪ في أوروبا6، وذلك نتيجة تفاوت الفرص بين الجنسين في العمل وريادة الأعمال.
في لبنان، على الرغم من التقدّم النسبي في التشريعات والسياسات الهادفة إلى تمكين المرأة اقتصاديًا، ما تزال النساء محاصرات بين دوامة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتحديات البنيوية المتصاعدة، ما فاقم الوضع وعمّق فجوة المشاركة في سوق العمل بين الجنسين التي تُعدّ الأوسع عالميًا، إذ بلغت نسبة الإناث إلى الذكور في معدل المشاركة في القوى العاملة، وفق تقديرات البنك الدولي 48.4٪7، فيما انخفضت مشاركة اللبنانيات في القوى العاملة إلى أدنى مستوياتها، إذ لم تتجاوز بحسب تقديرات المؤسسات الدولية 27٪ مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 47٪.
وما تزال النساء الفئة الأكثر تضرّرًا في سوق العمل اللبناني، نتيجة الهشاشة البنيوية في السوق وضعف الحماية الاجتماعية الممنوحة لهنّ. ويشير موجز تقريري لمنظمة العمل الدولية وإدارة الإحصاء المركزي في لبنان للعام 2022،8 إلى أنّ معدّل البطالة بين النساء بلغ 32.7٪ مقابل 28.4٪ بين الرجال. ولا يقتصر الهدر الاقتصادي على البطالة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى تقييد النساء في قطاعات محدّدة. فالسوق ما زال مجزَّأً بشدةٍ على أساس النوع الاجتماعي، إذ تعمل معظم النساء في قطاع الخدمات ضمن وظائف محدودة مثل التعليم والصحة والمبيعات، مع حضور هامشي في القطاعَين الصناعي والزراعي. ويحدّ هذا التجمّع المهني من تأثير المرأة الاقتصادي ويجعلها أكثر عرضة لعدم الاستقرار الوظيفي.
على مستوى الأسرة، أدّى انخفاض معدل توظيف النساء إلى الاعتماد المتزايد على التحويلات المالية، التي تبلغ نحو 6–7 مليارات دولار سنويًا وفق بيانات البنك الدولي للعام 2023. وعندما تُحرم النساء من العمل اللائق، تُستهلك هذه التحويلات لتغطية الاحتياجات اليومية بدلًا من إعادة استثمارها في تحفيز النمو الاقتصادي المحلي. في المقابل، فإنّ زيادة عدد النساء العاملات تعني المزيد من الأسر ذات الدخل المزدوج، ومعدلات ادّخار أعلى، واعتمادًا أقل على التدفقات الخارجية التي تخفي أحيانًا ضعف البنية الاقتصادية في لبنان.
ورغم التميّز النسبي للنساء في التعليم العالي، يعاني لبنان من مفارقة تعليمية – اقتصادية، إذ لا تتحوّل الاستثمارات التعليمية إلى مشاركة اقتصادية فعّالة. هناك عدم توافق صارخ بين مخرجات التعليم وسوق العمل، لا سيّما بالنسبة إلى خرّيجات الجامعات، ما يؤدي إلى فجوة حادة بين استثمار الدولة والأسر في تعليم النساء وقدرة سوق العمل على استيعابهنّ. ونتيجة لذلك، يخسر لبنان جزءًا من عائده الديموغرافي، ويُترك جيل من النساء المؤهلات خارج الدورة الاقتصادية.
من ناحيةٍ أخرى، يُظهر تقرير للأمم المتحدة أنّ 66.9٪ من الإناث في الفئة العمرية 15-24 عامًا (مقابل 31.1٪ ذكور) لا يشاركن في التعليم أو العمل أو التدريب9 (NEET) وتزداد هذه الفجوة بين النازحين، إذ بلغت نسبة الشابات 69٪ مقابل 43٪10 من الشبان.
وتعدّ هذه الفئات الأكثر عرضة لخطر الاستبعاد الاجتماعي، إذ تعاني من ضآلة الدخل أو انعدامه، وتفتقر إلى المهارات اللازمة لتحسين وضعها الاقتصادي. فالشباب العاطل عن التعليم والعمل ليس مجرد رقم إحصائي، بل يمثّل شريان حياة اقتصادي معطّل، وخسارة تراكمية تقلّل من قدرة الدولة على تحقيق النمو المستدام.
في العام 2024، حلّ لبنان في المركز 133 عالميًا و8 إقليميًا في مؤشّر الفجوة العالمية بين الجنسين، مسجلًا نتيجة 0.632 مقارنة بنتيجة 0.628 في العام 2023.11 وفق البيانات الصادرة عن ILOSTAT 12، بلغت فجوة الأجور بين الجنسين في لبنان 35.8٪ في العام 2019. كما تُظهر دراسات أخرى أنّه على الرغم من ارتفاع المستويات التعليمية بين النساء، فإنهنّ يكسبن في المتوسط ما بين 71٪ و84٪ مما يكسبه الرجال.
علاوةً على ذلك، تشير دراسات قائمة على استطلاعات رأي في قطاع الأعمال إلى وجود تحيّز جندري في ممارسات التوظيف في لبنان، إذ أقرّ عدد كبير من أرباب العمل بتفضيل المرشحين الذكور للوظائف القيادية. ويؤدي هذا التفضيل المبني على اعتبارات جنسانية قديمة بدلًا من الكفاءة الوظيفية إلى خسائر في مستوى التنوّع والإنتاجية. فحين يتم التغاضي عن المواهب، تبتكر الشركات بشكلٍ أقل، وتتباطأ معدلات النمو، فيما يبقى الاقتصاد بأكمله أضعف في وقتٍ يحتاج فيه لبنان إلى كل ميزة للتعافي.
يتفاقم الوضع مع ارتفاع معدل العمل غير الرسمي. فوفق منظمة العمل الدولية، يعمل أكثر من نصف النساء من دون أي حماية قانونية أو ضمان اجتماعي أو أجر مستقرّ. وتعيش هذه النساء في دوامة من الظروف الصعبة والأجور المتدنية والعنف، ما يهدّد استقرار سوق العمل بأكمله ويعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ينتج عن هذا الوضع دورة مغلقة من الفقر وعدم الاستقرار، تحدّ من تحصيل الضرائب وتضعف الضمانات الاجتماعية، وبالتالي تُضعف بنية الاقتصاد الوطني.
والأهم من ذلك، إنَّ حسابات الناتج المحلي الإجمالي في لبنان تخفي حقيقة اقتصادية مهمّة: العمل غير المدفوع في الرعاية، الذي تؤديه النساء بشكلٍ ساحق، يسهم بشكلٍ كبير في الاقتصاد لكنّه يظلّ غير مرئي في الحسابات القومية. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أنَّه إذا تم تحويل هذا العمل إلى قيمة نقدية، فإنّ قيمته قد تصل إلى نحو 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي (منظمة العمل الدولية، العمل الرعائي ووظائف الرعاية، 2018). إنّ تحويل جزء فقط من هذا العبء غير المدفوع إلى قطاع رعاية رسمي بأجرٍ من خلال الاستثمار في رعاية الأطفال وكبار السن والتعليم المبكر، سيخلق الآلاف من فرص العمل اللائقة، ويحرّر النساء للانضمام إلى القوى العاملة، ما يوسّع الدخل الخاضع للضريبة، ويقلّل الضغط المالي.
في الوقت نفسه، يعمل 17٪ فقط من النساء لحسابهنّ الخاص، مقارنةً بـ 43٪ من الرجال من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في لبنان13. وتواجه رائدات الأعمال عوائق إضافية، أبرزها محدودية الوصول إلى التمويل، إذ لا تتجاوز نسبة القروض المصرفية الممنوحة لهنَّ 3٪، بالإضافة إلى غياب الضمانات وضعف الشبكات المهنية. وقد انخفض المستوى العام للشمول المالي في لبنان بمقدار الثلث بعد الأزمة الاقتصادية، وتشير الدراسات إلى وجود فجوة كبيرة بين الجنسين في الوصول إلى المنتجات المالية، لصالح الرجال، إذ تمتلك 30٪ فقط من النساء حسابًا مصرفيًا مقارنةً بـ 57٪ من الرجال، و26٪ فقط منهنَّ بطاقة ائتمان مقابل 44٪ من الرجال. أما الحلول المصرفية الرقمية والتقنية المالية، التي كان من الممكن أن تسدّ هذه الفجوة، فلا تزال قليلة الاستخدام.
في تقرير «المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2024» الصادر عن البنك الدولي، حصل لبنان على درجة 40 من أصل 100 في مؤشر الأطر القانونية، وهي أقلّ من المتوسط العالمي، ما وضعه في المركز 170 عالميًا و7 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويقيس هذا المؤشر كلًا من الأطر القانونية والتطبيق العملي للقوانين، ما يدل على أهمية تحسين غالبية المؤشرات المتعلّقة بتمكين المرأة اقتصاديًا وقانونيًا. وفي المقابل، يزيد نقص التمثيل السياسي للمرأة من هذه النقطة العمياء في السياسات، حيث تشغل النساء 4.7٪ فقط من مقاعد البرلمان وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة (2023)، بينما تشير نسخة «إنفوبرو» للدليل الجندري (2024) إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 6٪. وتفتقر الإصلاحات المراعية للنوع الاجتماعي إلى الزخم والموارد المالية والبشرية اللازمة لتحقيق أي تحوّل حقيقي في هذا المجال. إنّ التكلفة الخفية لهدر المواهب النسائية لا تُقاس فقط بما تُضيّعه النساء من فرص، بل بما يخسره الاقتصاد الوطني من إنتاجية وابتكار واستدامة. ولا يمكن للبنان أن يتعافى اقتصاديًا من دون إعادة إدماج النساء في صميم عملية التنمية، ليس كمستفيدات من برامج المساعدات، بل كصانعات للسياسات، ومشاركات فعّالات في أسواق العمل، ومبتكرات في القطاعات الجديدة. إنّ بناء اقتصاد شامل جندريًا ليس مجرد خيار اجتماعي، بل شرط أساسي للتعافي الحقيقي.
المساواة الاقتصادية للانتعاش الوطني
في كل أزمة مرَّ بها لبنان، من الانهيار المالي والشلل السياسي إلى تداعيات النزاعات الإقليمية، دفعت النساء الثمن الخفي. مع التقلّص التراكمي للاقتصاد اللبناني بنسبة 38٪ 14 وازدياد نسبة الدين العام بحسب التقديرات إلى ما بين الـ 170٪ و 190٪ من الناتج المحلي الإجمالي، أشارت بيانات الإسكوا (ESCWA) إلى أنّ 76٪ من العائلات التي تعيلها النساء أصبحت تعيش تحت خط الفقر. كما أثّرت الأزمة المالية على فقدان المدخرات والمعاشات التقاعدية، وتدني قيمة الأجور بسبب التضخم المتصاعد، وفقدان الوظائف في القطاعات التي توظّف النساء، وهجرة آلاف العمال المهرة إلى الخارج، وتفاقم الوضع مع تراجع شبكة الأمان الاجتماعي، وتدهور نظام الرعاية الصحية، وارتفاع تكاليف التعليم والغذاء والنقل.
ومع استمرار نزيف الهجرة وتآكل النسيج الاجتماعي، تزايد العبء على النساء في إدارة شؤون الأسرة، ورعاية الأطفال وكبار السن، والحفاظ على التماسك العائلي، ما أعاد تكريس الأدوار التقليدية وحدّ من مشاركتهنّ الاقتصادية والسياسية في ظلّ ضعف الخدمات والتهديدات الأمنية المتكررة.
على الرغم من هشاشة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، برزت النساء اللبنانيات خلال الأزمة كأعمدة صمود أساسية داخل مجتمعاتهنّ المحلية. فقد لعب العديد منهنَّ أدوارًا محورية في الاستجابة المجتمعية والإنسانية، غير أنّ هذه المشاركة المدنية النشطة لم تتحوّل بعد إلى قوة اقتصادية أو سياسية موازية، نتيجة غياب التكامل بين سياسات الحماية الاجتماعية وسوق العمل وآليات صنع القرار المالي والاقتصادي.
لقد فاقمت الأزمة اللبنانية متعدّدة الأوجه الفجوات الجندرية القائمة وخلقت أشكالًا جديدة من الهشاشة التي استهدفت النساء بشكل خاص، لتتحوّل المرأة من فاعلة محتملة في التنمية إلى صامدة في وجه الانهيار، تتحمّل عبئًا رباعي الأبعاد: اقتصادي من خلال البطالة والفقر، اجتماعي عبر تصاعد العنف وتراجع الحقوق، أسري نتيجة تضاعف أعباء الرعاية غير المدفوعة، وسياسي بسبب التهميش في دوائر صنع القرار. صحيح أنّ الاستجابة الإنسانية قدّمت دعمًا عاجلًا حسّن مؤقتًا ظروف آلاف النساء والأسر، لكنّها لم تُعالج العوائق البنيوية العميقة التي تحدّ من تمكين المرأة اقتصاديًا.
تمكين المرأة: أساس استجابة فعّالة للأزمات
تُظهر تجارب الدول أنّ تحرير الطاقات الاقتصادية للنساء والفئات المهمّشة يعزّز قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات، مؤكدةً أنّ شمولية الحَوكمة وسياسات الاستجابة للأزمات التي تراعي النوع الاجتماعي وحقوق الفئات المهمشة، تحقق نتائج أفضل وتُفعّل العائد الاستثماري. لذلك، تُعدّ خطة التعافي الاقتصادي المستجيبة للنوع الاجتماعي نهجًا تحويليًا وأساسيًا لإعادة البناء بعد الأزمات، ليس فقط لإحياء مؤشرات النمو الاقتصادي، بل لإيجاد حلول مستدامة للفجوات الهيكلية وأنظمة التمييز وعدم المساواة التي تفاقم الأزمة.
في الدول الغربية، ولا سيّما في أوروبا الشمالية وكندا، يرتبط التمكين الاقتصادي للنساء بوجود منظومات تشريعية ومؤسساتية داعمة، مثل قوانين المساواة في الأجور، شبكات رعاية الطفولة والشيخوخة، وإجازات الأمومة والأبوة المدفوعة. وهذه العناصر تجعل ارتفاع نسبة عمل النساء مؤشرًا ملموسًا على تحسّن رفاه الأسرة والمجتمع، إذ ينعكس الدخل الإضافي على نوعية التعليم والصحة والاستقرار الاجتماعي. وبحسب تقرير UN Women 2022، فإنّ كلّ دولار يُستثمر في تمكين النساء اقتصاديًا يولّد عوائد اجتماعية واقتصادية لا تقل عن ثلاثة دولارات، ويقلّل من حدّة الفقر ويحسّن رأس المال البشري.
في لبنان، كما في العديد من الدول النامية، أصبح الحديث عن المساواة الاقتصادية ضرورة وطنية لإعادة هندسة الاقتصاد على أساسها. فغياب المساواة لا يعكس ظلمًا اجتماعيًا فحسب، بل يكشف خللًا عميقًا في بنية السياسات الاقتصادية نفسها. فالموازنات العامة غالبًا ما تكون محايدة جندريًا في الشكل لكنّها منحازة في الأثر (gender- blind budgets) لأنّها تُصمّم من دون احتساب التفاوت في احتياجات النساء والرجال أو أثر النفقات العامة على أدوارهم الاقتصادية والاجتماعية.
التمكين الاقتصادي لتعافي لبنان
تُظهر تجارب (-OECD2024) أنّ الموازنة المراعية للنوع الاجتماعي، حين تُدمج في السياسات الاقتصادية العامة، تزيد الشفافية، وتحسّن إدارة الأداء، وتخلق مؤشرات واقعية للمساءلة. في المقابل، فإنّ النساء العاملات في الاقتصاد غير النظامي، وهنّ الأغلبية في لبنان، لا يُسهمن في القاعدة الضريبية ولا يستفدن من الحماية الاجتماعية، ما يحدّ من قدرة الدولة على تمويل شبكات الأمان الاجتماعي ويُبقي الحلقة المفرغة من الفقر والهشاشة قائمة.
أخيرًا، لا يمكن للبنان الغارق في الأزمات المالية والمصرفية والاجتماعية المتراكمة أن يتعافى عبر نصف قواه العاملة. فتمكين النساء اقتصاديًا هو محرّك للنمو، وخط دفاع اجتماعي ضد الفقر والهجرة، ومصدر للاستقرار. وتشكّل المساواة الاقتصادية حجر الزاوية لتعافي لبنان وشرطًا لبناء اقتصاد منتج ومستدام، يقوم على العدالة في الفرص والاعتراف الكامل بإسهامات النساء كعاملات، ومبتكرات، ومشاركات في صنع القرار.
المراجع
1- International Monetary Fund (IMF). (2013). Women, work, and the economy: Macroeconomic gains from gender equity. Washington, D.C.: IMF. Retrieved from: https://www.imf.org/external/pubs/ft/sdn/2013/sdn1310.pdf
2- McKinsey & Company. (2018). Delivering through diversity: Diversity wins—How inclusion matters. Retrieved from: https://www.mckinsey.com/featured-insights/diversity-and-inclusion/diversity-wins-how-inclusion-matters
3- Cuberes, D., & Teignier, M. (2014). Aggregate costs of gender gaps in the labor market: A quantitative estimate. Col·lecció d’Economia, E14/308. Universitat de Barcelona.
4- Cuberes, D., & Teignier, M. (2018). The impact of gender inequality on economic performance in developing countries. Discussion Paper No. 244. Courant Research Centre – Poverty, Equity and Growth (CRC-PEG), Georg-August-Universität Göttingen.
5- Dixon-Fyle, S., Dolan, K., Hunt, V., & Prince, S. (2020). How diversity, equity, and inclusion (DE&I) matter. McKinsey & Company. Retrieved from: https://www.mckinsey.com/featured-insights/diversity-and-inclusion/diversity-wins-how-inclusion-matters
6- Cuberes, D., & Teignier, M. (2014). Aggregate costs of gender gaps in the labor market: A quantitative estimate. Col·lecció d’Economia, E14/308. Universitat de Barcelona.
7- World Bank. (2023). Ratio of female to male labor force participation rate (%) (modeled ILO estimate) – Lebanon. World Development Indicators. Retrieved from: https://data.worldbank.org/indicator/SL.TLF.CACT.FM.ZS?locations=LB
8- International Labour Organization (ILO) & Central Administration of Statistics (CAS). (2022). Lebanon follow-up labour force survey – January 2022: Fact sheet. Beirut: ILO
9- United Nations (UN). (2023). Escalating needs in Lebanon: 2023 overview. Beirut: United Nations Lebanon Office.
10- UNHCR, UNICEF, & WFP. (2022). VASyR 2022: Vulnerability assessment of Syrian refugees in Lebanon – Education sector report. Beirut: United Nations. Retrieved from: https://data.unhcr.org/en/documents/details/97662
11- Credit Libanais. (2024). Lebanon ranks 133rd in the world In the 2024 Global Gender Gap Index. Retrieved from: https://www.creditlibanais.com.lb
12- International Labour Office. (2018). Care work and care jobs for the future of decent work. Geneva: ILO
13- European Union for Women Empowerment (EU4WE) & Expertise France. (2021). Women entrepreneurs in Lebanon: Surviving the crisis amid the challenges – Assessment study in Beirut, Mount Lebanon, and South Lebanon. Beirut: EU4WE
14- World Bank. (2024, December 10). Lebanon’s economic contraction deepens, highlighting critical need for reforms and key investments. World Bank. Retrieved from: https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2024/12/10/lebanon-s-economic-contraction-deepens-highlighting-critical-need-for-reforms-and-key-investments











