في كل بيت

النسيان والشرود وضعف التركيز
إعداد: ناديا متى فخري

مشاكل جدية إهملاها يقود الى متاهة الفشل

 

لماذا ينسى أولادنا؟ وما هي الأسباب التي تجعلهم عاجزين عن تركيز انتباههم, وعن القدرة على الإستيعاب والتفكير الواقعي؟ ولمَ يتميز بعض الأطفال بتفكير ناضج وذهن متفتح, فيما يتسم البعض الآخر بتفكير محدود وذهن متخلّف؟ وما هي ردود الفعل الناتجة عن هذه المظاهر المعقدة في حياة الجيل الناشئ؟
الأسئلة كثيرة... والموضوع على جانب كبير من الأهمية, وهذا يحتّم توسيع مجال البحث الى النواحي المتعددة التي توجه إليها علم النفس وعلوم أخرى, بهدف تقرير العوامل المسببة والمحفّزة لحالات التخلّف والعجز الفكري عند الأولاد.
لا شك أن وراء كل حالة مرضية عاملاً مسبباً, فما هي العوامل التي تزكّي حالة النسيان وترسم ببساطة النماذج الشائعة في مجتمع الصغار كالشرود, والسرحان, والتسيّب الفكري والذهني, والفشل المدرسي من ناحيتي التحصيل والإنجاز؟ وكيف نساعد أولادنا على التخلص من هذه المظاهر المرضية المعقدة التي تنعكس على أدائهم, وخصوصاً ظاهرة النسيان التي تقف عقبة في طريق نجاحهم؟

 

كيف ينظر العلم الى إضطرابات الطفولة؟

بيّنت الدراسات أن الشرود والنسيان, وتصدّع الوعي والإنتباه... حالات مرضية متشابهة الأعراض إلا أنه لا يمكن ربطها بأساس سببي واحد.. وقد قام جدل في هذا الموضوع على أساس من التحزّب, إما للمؤثرات الوراثية والمحيطية أو للعوامل النفسية والصحية؛ وبالتالي توجّه العلم الى بحث حالة النسيان بشكل خاص, ناظراً إليها كإعاقة خطيرة كونها تشمل الإدراك الحسي, والإختلاط الذهني, وبشكل حصري الذاكرة.
عموماً, كل طفل يتعرض في أدوار حياته الأولى (الطفولة والحداثة) الى تجارب حياتية تشكّل ضغطاً فكرياً وذهنياً لديه, ينتج عنه هبوط أو ارتفاع في مستوى الوعي والتفكير والإنتباه, والنتيجة إما تفوّق في النضج والأداء أو ضمور وتخلّف.
إن أعراض التعرض للإضطراب والقصور الذهني عديدة ومتنوعة, وقد فسّر علماء النفس والإجتماع حالات العجز الفكري والذهني على أنها نوع من الإضطراب العقلي. ونظروا في أسبابها على أساس الطبيعة البيولوجية للفرد, كونها تتضمن برمجة محددة للكيفية التي يتفاعل بها كل فرد مع المتغيرات في محيطه الداخلي والخارجي, وقد يكون هذا الإفتراض, بشكل علمي قاطع, إفتراضاً نسبياً, لا يمكن الإعتماد عليه لتبرير الحالة المرضية وحصر نوعيتها. ولكن الإهتمام العلمي تطرّق إليه في محاولة لكشف العلاقة بين العوامل البيولوجية وبين الإضطراب في الصحة الفكرية, آخذاً في الإعتبار, الحاجات النفسية اللاواعية والمواقف المساعدة على تطويرها بتوجيه مقرر من الواقع المعاش. فهذا الواقع يسبب ضغوطاً مستمرة ومتزايدة, خاصة في فترة الدراسة, التي تعتبر مؤشراً على القدرات الذهنية للأولاد.. والأخذ بهذه النظرية يُحمل الأهل والمدرسة مسؤولية أخذ المبادرات لرفد الحياة الفكرية عند الأولاد, لا سيما أن المحتوى الذهني عند الولد يستجيب بسرعة للمثيرات التي يتلقاها ويتأثر بها, وهي تشمل: التجربة, الشعور.. الملاحظة...
وفي هذا الشأن, يقول فرويد: من المهم جداً تربية الحواس تربية موضوعية توقظ في الطفل مهارة الإنتباه والتذكّر والتركيز والتمييز, وهذا يعني, أن نحضّر الطفل لأن يجعل من حواسه سبيلاً لزيادة رأس ماله الفكري, فالفكر هو الطاقة التي بنتيجتها تتبرمج قدرات الولد بشكل عام, فإذا توفّر الحافز الإيجابي نجد أن الولد مستعد للتواصل مع المتغيرات من حوله, وليس مجرّد متلق سلبي لافرازاتها.

 

حول تجارب الطفولة

الإختلاط الذهني ­ عدم المقدرة على الربط بين الواقع والخيال ­ ارتباك الذاكرة, النسيان الكلي أو الجزئي.. كلها مظاهر مرضية تقترن بدرجة أساسية بالصحة العقلية للفرد, ولا يمكن فصلها عن حدود الطبيعة العقلية.. هذا ما أجمع عليه أصحاب الكفاءة والإختصاص؛ وبالتالي, لم يكتف البحّاثة النفسيون بتشخيص المصادر المساعدة في تسبيب هذه الحالات المرضية, بل توسّعوا في جملة الأحوال المؤثّرة على تنظيم الإستقرار الذهني والفكري, والإتزان الداخلي.
من الناحية النظرية, هنالك ما يبرر التوقّع, بأن العوامل المسببة للإضطراب الذهني مستمدة من تجارب الطفولة, ومن الموانع غير الواعية التي يخزّنها الطفل, ولها أن تؤثر على القوى الحسية لديه (الإدراك, الإنتباه.. الذاكرة) وغيرها من الخصائص التي تنمو وتتعزز منذ الطفولة حيث تكون جذور اللاوعي في بداياتها.. وقد قدّر البعض أن يكون الإضطراب ناجماً عن تجربة آنية صارمة لذهن الطفل.. وأيّد كانون
(Cannon) وأدلر (Adler) وكارن هورني (Karen Horny) وألفرد ماير
(Alfred Mayor) , هذه النظرة التحليلية التي لم يُسقطها فرويد أيضاً من حسابه. ويقول فرويد: .. لتجارب الطفولة أثر حاد في الحياة الكلية للفرد, ثم أن الخبرة التي يكتسبها والصراعات التي يعاني منها الطفل وتُكبت في اللاوعي, تلعب دوراً مهماً في تقرير حالته العقلية والذهنية.

 

الوراثة والمحيط

لقد واجه العلم والطب تحدياً كبيراً في مجال تحليله للعوامل الوراثية وتأثيرها على النفس والعقل.. ولم تتوفر حتى الآن إجابة نهائية تحسم هذا الموضوع, إلا أن ثمة إقرار بدور العوامل الوراثية التي تفرض نوعاً من الأثر السلبي أو الإيجابي على الحياة الصحية بشكل عام. وقد ساعد في تبني هذه النظرية التشابه بين الوالدين وأولادهم في بعض الصفات الجسيمة والخصائص الأساسية: العقل.. العاطفة.. والسلوك... ولكن إذا كان إدراك أثر التشابه أمراً معروفاً ومتداولاً فيه, منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا, فإن أصول الكيفية التي يتم فيها نقل الصفات وراثياً لم تكن معلومة أو مفهومة, الى أن جاء مندل (Mendel), بقوانين الوراثة المعروفة باسمه, وحتى تم اكتشاف “الكروموزومات” (Chromosomes) , و”الجينات” (Gènes), الناقلة للخصائص الوراثية المختلفة؛ ومع تعدّد وجهات النظر, توجد حقائق طبية تشير الى أن فعل الوراثة إذا حدث يأتي عن طريق عدد من الجينات الثانوية التي تتضافر في تأثيرها على دينامية الذكاء عند الولد, مما يؤدي الى حصيلة مميزة سريرياً, فإما تفوّق وإما ضمور وتخلّف.
وفي حدود هذا المفهوم هنالك نظريات لا تترك مجالاً للشك في أهمية العامل الوراثي في إيراث الإستعداد التكويني للمرض, خاصة إذا كان العامل متوفراً في أحد الوالدين, أو لأسباب ناجمة عن آفة عضوية يمكن أن تحدث بسبب مؤثرات على نمو الجنين أثناء الحمل, أو الطفل بعد الولادة, أو في الفترة التالية لها؛ ويشمل ذلك فعل الشدة والعقاقير ونقص التغذية والإلتهابات الدماغية الحادة, وغيرها من المؤثرات.. والى ذلك, فقد اعتبر البعض أن العوامل الوراثية مهما كانت شدّتها قد لا تكفي لإحداث الإعاقة العقلية ­ الذهنية, إذا لم يكن لدى الفرد الإستعداد التكويني الذي يعطيه التهيئة اللازمة للإتجاه نحو المرض عند توفّر الظروف المحيطية الداعمة سواء في الأسباب أو النتائج. وبالتالي, ثمة قناعة بأن الأكثرية من الأطفال يولدون وهم خالين من أي علّة مرضية ­ عصبية أو عضوية, ورغم ذلك نجد أنهم لا يتمتعون بصحة عقلية سليمة, وهذا يعطي انطباعاً بأن الظروف والتجارب والمحيط كلها عوامل تلعب دوراً في قيام الحالة المرضية أو السوية, والأخذ بهذه الإعتبارات يسند الرأي الذي يقول: أن الإنسان وليد بيئته ومحيطه.

 

العامل النفسي

إن التجارب النفسية كالتجارب المادية مؤثرة في الجهاز العصبي للإنسان, ويمكن لها أن تحدث تصدّعاً في كيان الفرد وإمكانياته الطبيعية. ومع الفوارق الواضحة بين طبيعة التجربتين, فإن هنالك التقاء بينهما في النتيجة, وهنالك ما يبرر الإفتراض بأن التجربتين تلتقيان في نقطة ما من حيث الإرتباط الفيزيولوجي العصبي. وبالنسبة للكثيرين يقترن العامل النفسي بالمرض الذهني, على أساس أن ما يترسّب في النفس ويصدر عنها, يتجه نحو العقل في حدود متساوية, مما يفرض إحدى الحالتين: إما تطوّر في عملية النضج والنمو العقلي (تفكير حاد ومتزن, ذهن صاف, وذاكرة قوية), أو العكس تماماً..
من جهته يرى فرويد أن للعامل النفسي تأثيراً مباشراً على العمل الفكري, وأيضاً, أن اضطراب الذاكرة, هو رمز لانطباعات أو تجارب صادمة ترسّخت في نفس الولد, وأن هذه الأعراض المرضية التي تُثير حالة النسيان, والشرود الذهني (التأمل في فراغ), تخدم غرض التعويض عن النفس خشية من عودة هذه التجارب شبه المنسية, والتي يكون في عودتها للذاكرة إيذاء صادم للنفس والعقل. كما ينظر فرويد الى هذه الأعراض كوسيلة للتعبير عن حاجة في النفس, وفيها تحقيق لرغبة غير واعية, هي أكثر غموضاً وإلحاحاً في نفسه.
أما بالنسبة الى سنّ الطفولة والحداثة, فيفترض فرويد أن أكثر الرغبات التي يميل الولد الى تلبيتها تلعب دوراً كبيراً في اتزانه النفسي. هذه الرغبات مثلاً: أن يفوز بحب وتقدير والديه ومدرّسيه وأن لا يجد نفسه في موقف مُحرج أو ظرف مرفوض عنده (الإمتحان.. العقاب..) وأن يشعر بالإطمئنان والإستقرار.
وبالتالي فإن الإحساس بالحرمان والخوف والقلق والنقص.. في وقت مبكر وفي فترات حاسمة من حياة الطفل أو الحدث, قد يؤدي الى إصابته بعقد نفسية, وهذا الخطأ في فترات النمو يمكن أن يمتد الى حالة مرضية أشدّ (المرض العقلي) لأن من شأن هذا الخطأ أن يُغيّر من تحسّس الولد وإدراكه للواقع كما هو, وما قد يتأتى عن هذا التغيّر من ابتعاد عن الواقع: الركون الى الإحتماء وراء أعراض سلوكية ­ فكرية مُفتعلة, كالنسيان مثلاً.. فأحياناً يلوذ الولد الى تعمّد النسيان لأنه يجد في كلمة “قد نسيت أن أفعل...” حجة في صالحه تجنّبه التأنيب أو العقاب وتبرر تصرّفه.

 

المؤثرات الصحية

لقيت نظرية إمكانية ظهور الإضطراب الفكري ­ الذهني نتيجة عوامل صحية, قبولاً في الأوساط العلمية والطبية, وقد أثبتت الحقائق الطبية الإحصائية أن كل إنسان مصاب بإعاقة جسمية, أو علّة مرضية, معرض لآثار نفسية سلبية. وفي هذا الإطار تذكر: الأورام الدماغية, الفيروس السرطاني, تلف وضمور الخلايا العصبية, الإضطرابات الهرمونية, ارتفاع ضغط الدم, النزف الدماغي, ضغط الدم وسكّر الدم, وصدمات الشدة (الشدة على الرأس سواء المباشر منها أو الناجم عن اللعب والسقوط أو الشدة المتأتية عن التعرّض للإشعاع أو المواد الإشعاعية..) وغيرها من الأمراض, كالسل العظمي, والتهابات الكلى والكبد.. الخ..
ومن هذه الأمراض ما يكون غالباً وراثياً من الأب أو الأم ويظهر في عمر مبكّر, ليفرض على الطفل تناول جرعات متزايدة من العقاقير وحقن الوريد (كالإصابة بارتفاع أو نقص سكر الدم), والتي تشكل خطراً على الصحة العقلية والقوى الحسية عند الطفل, لأن للعقاقير تأثيراً مباشراً على الهرمونات التي تؤثر بدورها على فيزيولوجية الدماغ وعلى الجهاز العصبي وجهاز المناعة.
وعلى العموم, مهما تفاوتت شدة المرض فالنتيجة واحدة, لأن أي انتكاسة يتعرّض لها الفرد, صحية كانت أو معنوية, تكون مصدر إرهاق له, بحيث ينتج عنها هبوط في الوعي ومستوى الإنتباه والتركيز والتقدير العقلاني.

 

الإنتباه.. ضرورة تربوية

لكل طفل طبيعة مختلفة عن غيره من الأطفال, لذلك اقتضت ضرورة مراعاة الفروق الفردية التي يتميز بها عن غيره, والتعامل مع الصغار وفق قدراتهم ومستوياتهم الفكرية والجسدية... وهذا الواقع يحتّم على التربية أن تنظر في قدرات الطفل واهتماماته وطباعه, وأن تقيّم مقياس هذه العوامل وتتعمق في معرفة ما تدلّ عليه. وفي هذا المجال يقول فرويد: ... أن كل طفل هو خليط فريد ومتميّز في الصفات, البعض منها يكون إيجابياً, والبعض الآخر سلبياً. وفي مرحلة الطفولة يجب التركيز على الإنتباه, ذلك أنه من أهم مكوّنات النمو الذهني, ويتأثر بشكل عميق جداً بما يتوفّر له من وقائع. وكلما كبر الطفل, كلما اكتسبت قدرته على الإنتباه صفات جديدة, هي باختصار: الإنضباط, التكيّف والتنظيم, أي أن الولد كلما كبر كلما استطاع أن يضبط انتباهه وأن يهمل الأمور الجانبية, وهذا التطوّر يجعله قادراً على التكيف حسب متطلبات الظرف المحيط, وبذلك تكون عملية الإنتباه لديه أصبحت أكثر إنتظاماً بمرور الوقت, ومع تطوّر الإنتباه تنمو الذاكرة, وهذا التحوّل مهم جداً في عالم الصغار.
يرتبط الإنتباه عند الأطفال كلياً بمبدأ الفائدة, فالطفل لا ينتبه تلقائياً إلا لما يتجاوب مع رغباته, لذلك يجب أن نساعد مخيلة الطفل على التطور كي تنتج إيجاباً, وأن نتحمّس لتربية مشوّقة تتوجه بالدرجة الأولى الى حواس الطفل ثم الى تفكيره, كي نهيئ الترابط بين القدرات الرئيسية (العقل.. الخيال.. الذاكرة).
ومن هذه الملاحظة, انتقل فرويد ليتوجه برسالة الى المدرسين, جاء فيها: ... إن الإنتباه بحد ذاته عملية وقتية, يمكن أن يستحضره المعلم لتحقيق غايته في الصف ويحصل عليه بسهولة إذا طلبه بلهجة الأمر, ولكن إذا كان الموضوع لا يحمل فائدة خاصة للتلميذ, فلن نحصل على انتباهه إلا لبرهة قصيرة, لأن التلميذ سينصرف عنه من جديد. وإذا نحن أردنا أن نركّز الإنتباه على موضوع معيّن, فما علينا إلا أن نجعله جذّاباً حتى تتعلق به الأنفس ويستوعبه الذهن بشكل أسرع وأفضل. من هنا لا بد من تهيئة مناخات تعليمية مشجعة تساعد في إحياء المخيلة من دون أن تقمعها أساليب التربية الجامدة, التي تخاطب التلميذ بلغة محددة تتوجه الى عقله مهملة النواحي الأخرى من شخصيته. فالتعليم لا يحقق الفائدة المرجوة من ناحيتي التحصيل والإنجاز, في داخل الصف وخارجه, إذا كان قائماً فقط على قاعدة الإتباع الأعمى للبرامج المقررة, ولا يتضمن مواضيع جديدة تثير إهتمام الطالب, لأن انتباه التلميذ قد ينحرف غالباً عن موضوع لا يتبدل, وإنطلاقاً من هذه الملاحظة اقترح فرويد تعديل المناهج التعليمية وإدراج بعض الأنشطة التي تنمي الحس الإبداعي, وترفد مهارات الطالب وتعطيه الفرصة كي يكتسب مفاهيم جديدة من دون أن يشعر بالملل, ومنها مثلاً: الأنشطة الرياضية, والترفيهية والفكرية, والمطالعة, والنشاطات التي تسهّل عليه التكيف مع مواقف مختلفة من الشدة والإرهاق, وتدرّبه على التعاون الذي هو حاجة إنسانية ­ إجتماعية وحافز مهم للإنجاز.. وبذلك نجعل التلميذ متحمساً لأجواء الدراسة.

 

الأم والنسيان

كل أم ترى في النسيان مشكلة معقدة ومقلقة, فهي تشعر بخوف شديد حين تفاجأ بأن أحد أولادها ضعيف الذاكرة وينسى بسرعة, وأن قدرته على التركيز بطيئة, وأنه أقل ذكاء وانتباهاً ونشاطاً من إخوته. وتزداد متاعب الأم غالباً في سنوات الدراسة الأولى, لإحساسها بالقلق على ابنها من الفشل في حياته المدرسية. وتبدأ بالبحث عن الأسباب والحلول لمشكلة ابنها العاجز ذهنياً عن الإستيعاب والتذكّر.. وهناك مشكلة فعلية تواجه كل أم لا تجد مبرراً موضوعياً لحالة ابنها المضطرب فكرياً, حيث يأخذها اعتقاد بأنها المسؤولة عن مشكلته وتجد في حالته إنذاراً لها بالتقصير؛ وهذا الشعور مؤلم قطعاً, وهو أيضاً غير مقبول إلاّ في الحالات التي تكون فيها العلاقة متأزمة فعلاً بين الأم وابنها وبنتيجة أوضاع أسرية معينة: طلاق الأبوين, انفصال الإبن عن أمه قسراً.
ولكن هذا الإفتراض يبقى نسبياً, لأن نمو الطفل يتأثر بعوامل متعددة, تشمل الوضع الصحي, والنفسي والبيئي... كما يشمل العلاقة الأبوية. وأي عطب في هذه المنطلقات يؤدي الى فقدان الشعور بالواقع.
لا شك أن حرمان الطفل من أمه أو أبيه, يغذي لديه الشعور بالهامشية ويعزله عن دائرة الرشد الواعي: ولكنه قد يتحرر من هذا الشعور إذا فاز برعاية جيدة.. وأمر آخر, إن إحساس الطفل بعدم الجدارة يجعله خجولاً, ويدفعه لا إرادياً الى الشك في قدراته, وهذا الإحساس يكون مصدراً لكل فشل يعرفه؛ فالولد الذي ينظر الى نفسه بتقدير ضعيف وتنقصه التجارب الإيجابية يشعر بعقدة النقص ويرغب من أعماقه أن يتجاوز حالته, لأن إحساسه بعقدة النقص يجعله محبطاً ومضطرب الذهن.. وهنا, يجب أن نساعده ليكتسب متانة التقدير لذاته, فنحن بذلك نكون قد رسمنا له الطريق الصحيح.
وقبـل أن ننـظر في ردود الفعـل السلـبية التي تصـدر عن بعض الأمهات, وتكـون سبباً مباشراً في تغرّب الطـفل عن واقـعه, هنـاك ملاحظـة أساسية تتـعلق ببعـض الأطفال الذين يلوذون الى النسـيان كحـجة في مصلحتـهم, فمـن الأولاد من يتعـمد النـسيان ويتـمادى فيه تهرباً من المسؤولية. فكلـمة “قد نسيت..” تحمـيه من تأنيـب أمه أو من عقاب أبيه, وأكثـر, أحيـاناً يقول الولد في سرّه: “.. إذا كانت أمي تظنّ أنني أنسى دائماً.. فلم لا اتخذ من النسيان وسيلة تجنبني الإحراج؟”. وهذا التصرف بحد ذاته يعتبر تمرداً من الإبن.. والتمرّد قطعاً سمة مرفوضة في عالم الصغار وأيضاً في مجتمع الكبار...
إن كلـمة “نسيت” نسمعها في كل بيت.. إما لأسباب مرضية حقيقية أو لغاية في نفس أولادنا.. ولكن في مطلق الحالات من الخطأ أن تكـون ردة الفعل عند الأم, قاسية.. وأن تعاقب ابنها بصورة مبالغ فيها كي لا تكون هي فعلاً سبب اضطرابه وعجـزه وفشـله. وبالتـالي, ننصح كل أم أن لا تـكرر أمام ابنـها أنه ينسى دائماً لأنها بذلك تشجعه على أن يتآلف مع نسيانه, فالطفـل يحتاج الى إسناد معنـوياته والى ارشاد سلـيم, وليـس العكس. وهذا يضعنا أمـام مسـؤولية مضاعفـة.. والاخـفاق في هذه المسؤولية مرفـوض, لأن معظم مظاهر الموهبة الفكرية تبدو في عمر مبكر, وخاصة, تلك التي تقع ضمن حدود الذكاء العام؛ وفشلنا كآباء لا يضيع الفرص الجيدة على أولادنا فقط ويحرمهم من متعة إظهار موهبتهم, وإنما يحرم المجتمع أيضاً من فعل هذه الموهبة التي يجب صقلها وتعزيزها قبـل فوات الأوان.
وانـتهي بقول لفرويـد: من الأهـم لمستقـبل أي مجتمع أن يتمتع الصغار بطفـولة كاملة وهادئـة, وهذا يفـرض تحدياً إنسانياً لا بد من مواجهته إذا أردنا الأفضل.