قواعد التغذية

الهرم الغذائي الجديد كيف انقلبت المفاهيم من القاعدة إلى القمة.. وبالعكس؟
إعداد: ليال صقر الفحل

في واقعة وُصفت بـ”الزلزال“ في عالم التغذية، أصدرت وزارتا الصحة والزراعة في الولايات المتحدة الأميركية مجموعة إرشادات غذائية مرفقةً بهرمٍ غذائي مُعاد التصميم، يرسم معايير جديدة للتغذية الصحية، ويبتعد عن النموذج الكلاسيكي الذي اعتاده العالم لعقود.

لاقى تعديل الهرم الغذائي أصداء مختلفة على الصعيد العالمي، مثيرًا موجةً واسعةً من الجدل، وقد اعتبره كثيرون تغييرًا جذريًا لا مجرّد تعديل روتيني، بل إعلانًا لوفاة الهرم الغذائي التقليدي، واستبداله بموائد تعيد الاعتبار لـ «الطعام الحقيقي» في مواجهة الأغذية المُصنَّعة. وبينما رأى منتقدون أنّ الهرم الجديد يتناقض مع مبادئ راسخة في علم التغذية، اعتبر مؤيدوه أنّه يصحّح أخطاء الأنظمة السابقة.
وفي خضمّ هذا السجال، يجيب اختصاصي التغذية بيار الخوري عن سؤالٍ أساسي: هل سيسهم الهرم الجديد في تحسين الصحة العامة، أم سيقود إلى مزيدٍ من المخاطر الصحية والارتباك؟


انقسام علمي بين مدرستين
يوضح الخوري أنّ الإرشادات الحديثة أدّت إلى بلبلة في الأوساط الطبية، إذ انقسم الباحثون بين مدافعين عن الطب الأيضي (metabolic medicine) ممن اعتبروا القرار تصحيحًا لخطأ تاريخي جرّم الدهون الطبيعية لسنواتٍ وتسبّب في تفشّي السّمنة، وبين أنصار الطب التقليدي الذين تخوّفوا من ارتفاع محتمل في أمراض القلب والشرايين بسبب التشجيع على استهلاك الدهون المشبّعة واللحوم الحمراء. ويشير إلى أنّ جوهر النقاش لا يدور حول استبدال الكربوهيدرات بالدهون، بقدر ما يركّز على جودة الغذاء بدل الاكتفاء بحساب نسبة الدهون أو الكربوهيدرات في الطعام.
لفهم هذا التحوّل، يدعو الخوري إلى مراجعة نتائج الهرم السابق، الذي ارتكز على قاعدة عريضة من الكربوهيدرات مع تقييد صارم للدهون. وبحسب الإحصاءات الأميركية الحديثة، جاءت النتائج مرعبة مع مرور الوقت. فقد قفزت معدلات السمنة لدى البالغين من 15% في أواخر السبعينيات إلى أكثر من 42% مع نهاية العام 2024، فيما تضاعفت حالات السكري من النوع الثاني بشكل جنوني، لتصيب واحدًا من كل عشرة أميركيين، فضلًا عن ظهور حالات مقلقة بين الأطفال.
إلى ذلك، ظهر مع الوقت خلل أيضي شامل (metabolic disorder) رغم الاعتماد على أطعمة قليلة الدسم، وذلك أنّ الشركات المُنتجة استعاضت عن الدهون بالسكريات والنشويات المكررة التي أُضيفت لتحسين الطعم.

هرم مقلوب بثلاثة أقسام
اللافت في النسخة الجديدة من الهرم الغذائي، بحسب الخوري، أنّها جاءت «مقلوبة» مقارنةً بالنماذج التقليدية، وقسمت الخريطة الغذائية إلى ثلاثة أقسام بدل النموذج التقليدي الخماسي أو السداسي. وتتقدم المنتجات الحيوانية على سواها في ترتيبٍ مثيرٍ للجدل، إذ وضعت اللحوم، البروتينات الحيوانية، ومنتجات الألبان كاملة الدسم في رأس الهرم باعتبارها الأغذية الأكثر أولوية، بينما صنّفت الفاكهة والخضراوات أساسية، وأتت في مرتبة تالية داخل الهرم، أما الحبوب الكاملة فقد دُفعت إلى القاعدة، في تغييرٍ وُصف بأنّه عكسي لمسار توصيات امتد لأكثر من أربعين عامًا.
ويشرح الخوري أنّه في النماذج السابقة، شكّلت الحبوب القاعدة الأساسية، باعتبارها مصدرًا رئيسًا للطاقة والألياف. ولعلّ أكثر الانتقادات الموجهة إلى «الهرم الجديد» تمثلت في وضع الحبوب الكاملة في أسفل الهرم، ما فُهم على أنّه تقليل من أهميتها الغذائية. غير أنّ الحبوب الكاملة تظلّ عنصرًا بالغ الأهمية، لكونها مصدرًا أساسيًا للألياف والطاقة، فيما تكمن المشكلة الحقيقية في الكربوهيدرات المكرّرة لا في الحبوب الصحية الكاملة. وتشير التقارير العلمية إلى أنّ التوصيات الجديدة تتبنّى نهجًا يعيد عقارب الساعة إلى خمسينيات القرن الماضي.


نهاية الحرب على الدهون؟
يضيف الخوري أنّ الإرشادات الحديثة شجعت على استهلاك الدهون الصحية، بما في ذلك الدهون المشبّعة، ووضعتها في قمة الهرم الغذائي في فئة البروتين ومنتجات الألبان. وبهذا الإجراء تكون وزارة الزراعة الأميركية قد أعلنت نهاية الحرب على الدهون المشبّعة على الرغم من الإجماع العلمي حول مخاطرها على صحة القلب والشرايين. وقد وصف الكثير من علماء التغذية الهرم الجديد بأنّه يتحدى عقودًا من الأدلة والأبحاث.
في الإطار نفسه، أثار التحوّل في التوصيات الخاصة بالحليب ومشتقاته جدلًا واسعًا. ففي حين كانت الإرشادات القديمة تدعو إلى تناول المنتجات قليلة الدسم أو الخالية منه، أتت التوصيات الجديدة لتغيّر هذا المفهوم وتدعو إلى تناول الحليب كامل الدسم ومشتقاته من دون سكر مضاف.
كذلك، لم تعد الزيوت النباتية بديلة عن الزبدة كما في السابق، ما شكّل نقطة اختلاف محورية.


تناقض بين الصورة والنص
على أرض الواقع، يرى الخوري أنّ الرسم البياني للهرم الجديد مُربك، إذ يُعطي أهمية متساوية للبروتينات والفاكهة والخضار، في حين أنّ الإرشادات الفعلية لا تُشير إلى ذلك. فالرسوم التوضيحية المرافقة له تخصص حيّزًا بصريًا أكبر من سواه للمنتجات الحيوانية، ما يمكن أن يفهمه كثيرون على أنه دعوة إلى زيادة استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان.
وعند التحقق من التفاصيل، يتّضح أنّ التوصيات المتعلقة بالدهون لم تشهد تغيّرًا جوهريًا، إذ لا يزال الحد الأعلى الموصى به للدهون المشبّعة دون 10% من مجموع السعرات الحرارية اليومية، رغم أنّ تصميم الهرم يمنح اللحوم والدهون الحيوانية مساحة واسعة نسبيًا.
هذا التباين بين الرسالة الرقمية البصرية والرسالة العلمية المكتوبة أثار تساؤلات حول ما سيفهمه الناس عمليًا عندما يحضّرون أطباقهم، فالنص العلمي المكتوب يبقى قريبًا نسبيًا من الأبحاث السابقة، في حين تخاطب الصورة الجديدة نمطًا رقميًا سريعًا، أكثر من كونها تعكس الأدلة العلمية بشكلٍ دقيق.

أبرز ملامح الهرم الجديد
يركّز الهرم الجديد على النقاط الآتية:
الإكثار من المغذيات، وتفضيل الأغذية الغنية بالفيتامينات والمعادن الطبيعية كاللحوم، والخضراوات والفاكهة على الأغذية التي تُعتبر ”فارغة“ كالخبز الأبيض، وحبوب الإفطار.
تفادي الأطعمة المعالَجة كالزيوت النباتية المكررة والسكريات المضافة والمكونات الكيميائية، إذ تتبنى الإرشادات موقفًا أكثر صرامة تجاه السكر المضاف والمنكّهات والمواد الحافظة. وفي قاعدة الهرم تظهر الحبوب الكاملة مع تنبيه صريح لتجنب الكربوهيدرات المكررة، والتشديد على تقليص منتجات الدقيق الأبيض والسكريات والنشويات فائقة التصنيع.
التشديد على شرب الماء بانتظام.
الحفاظ على الإرشادات القديمة حول الحد من تناول الكحول، إلّا أنّه لم يعد هناك حد أدنى من الاستهلاك الآمن، شأنه شأن السكر المضاف، لذا أوصى بالحد من استهلاكه بشكلٍ عام.


بوصلة عامة وليس خريطة دقيقة للجميع
يؤكّد الخوري أنّه لا يوجد نظام غذائي واحد يناسب الجميع، لذلك من المهم استشارة اختصاصيي التغذية للحصول على أجوبة دقيقة حول نمط غذائي يلبي حاجات كل فرد بدلًا من استخدام الهرم كإطار موحّد للنظام الغذائي، فهو قد يصلح كبوصلة عامة، لا كخريطة للجميع.
ومع ذلك، فهو يعتبر أنّ التوصيات الجديدة ليست سيئة كما يُشاع، بل هي مرنة وفيها الكثير من الإيجابيات. ويوضح أنّه طوال السنوات الماضية، كان هناك تركيز على أهمية النشويات للجسم، إلى حد جعل الكثيرين يُهملون البروتينات رغم أهميتها. وقد تكون قلة البروتينات في النظام الغذائي من المشكلات التي أسهمت في التوجه نحو أطعمة غير صحية.
وفي السياق، يؤكد أنّه ما من مشكلة في تناول الحليب كامل الدسم ومشتقاته طالما يُراعى الاعتدال والتزام الكميات الموصى بها. وينطبق الأمر نفسه على الزبدة، إذ لا مانع من استهلاكها ضمن الحدود المسموح بها، بما يضمن نظامًا غذائيًا متوازنًا ومتنوّعًا، في حال عدم وجود أي مشكلات صحية تمنع ذلك.
في جميع الحالات، لكل شخص حمية تناسب احتياجاته الخاصة، سواء كانت غنية بالبروتينات في حال انخفاض الكتلة العضلية، أو قائمة على معايير أخرى. كذلك، تعتبر النشويات مهمة جدًا للجسم. أما بالنسبة إلى الدهون المشبّعة، فهي مضرّة لصحة القلب ومستويات الكوليسترول، ومع ذلك يمكن تناولها بكميات معتدلة في حال التزام المصادر الطبيعية، إذ إنّ التوازن يبقى الأساس في أي حمية متّبَعة.


التوازن والاعتدال
في المحصّلة، لا يوجد هرم غذائي واحد يصلح للجميع، إذ تختلف الاحتياجات بحسب العمر، الحالة الصحية، النشاط البدني، وطبيعة الجسم. لذلك، يمكن اعتبار الهرم الجديد دليلًا عامًا لتحسين جودة الغذاء وتقليل المنتجات المصنّعة، لكنه لا يلغي مبدأ التوازن والاعتدال الذي يبقى الأساس في أي نظام غذائي صحي.