أعلام من بلادي

الياس رحباني: عازف الجمال
إعداد: جان دارك أبي ياغي

هي لحظة مُرَّة في زمن أمَرّ يوم فقدت الحياة عَلَمًا من أعلام الموسيقى في لبنان، هو الموسيقي والملحن والموزع وكاتب الأغاني وقائد الأوركسترا الياس رحباني الذي رحل عن عمر 83 عامًا، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من ستين عامًا عزف خلالها لبنان الجمال بإبداعاته.

 

وُلد الياس رحباني في قرية أنطلياس قضاء المتن في العام 1938، وهو الشقيق الأصغر للأخوين الراحلين عاصي ومنصور رحباني. عندما تُوفي والده حنا، كان الياس في عمر الـ 4 سنوات، فتولّى عاصي ومنصور تربيته، وكانا حريصين على جعله ينصرف لتعلّم الموسيقى التي أحبها بعد أن تعرّف إليها من خلالهما.

 

في مسيرة الإبداع والفرادة
في هذه الأثناء، كانت شهرة الأخوين رحباني قد بدأت تتبلور وكوّنا مع فيروز ثالوثًا لا يمكن لأحد أن يدخل إلى قدسيته أو يضيف إليه شيئًا. لهذا السبب، عندما شارف الياس على إنهاء دراسته الأكاديمية، بدأ يرسم طريقًا خاصًا به يختلف عن نهج الأخوين في الموسيقى، ولكن من دون أن يحيد عن مبدأ أرساه عاصي ومنصور وهو الإبداع والفرادة. ومع الوقت، بدأ يتأثر بأخويه اللذين يعتبرهما مع فيروز عالمًا من الموسيقى من الصعب أن يتكرر.
في التاسعة عشرة من عمره (1957) أراد التوجه إلى روسيا ليُكمل دراسته. لكنّ إصابةً في يده اليمنى منعته من ذلك، فتلاشى الحلم. لكنّه صمّم على المتابعة بيده اليسرى، ووجّه اهتمامه إلى التأليف الموسيقي.

 

بصمة في الذاكرة الفنية
من بين المواهب الكثيرة التي امتاز بها الياس رحباني شاعريته في كتابة الأغنية التي صنعت شهرته. وقد شكّلت الأغاني التي كتبها ولحَّنها للسيدة فيروز بصمة في الذاكرة اللبنانية. صحيح أنّه تأخر في التعامل معها لغاية العام 1968 مع أغنية «الأوضة المنسية» (من كلمات الأخوين رحباني، توزيعه وألحانه)، قبل أن تكرّ السبحة مع أغاني كثيرة ، مثل: «يا طير الوروار»، «حنا السكران»، «كنّا نتلاقى من عشية»،...
بالإضافة إلى ما لحّنه الياس رحباني للسيدة فيروز وزّع العديد من أغانيها، ولعلّ أجمل ما وزّعه أغنية «شو بيبقى من الرواية» التي تُجسّد عشقه لآلة الكمان والأوتار. في إحدى مقابلاته التلفزيونية يُفصح: «عاصي ومنصور كان لديهما فيروز، لو كان لديّ فيروز لفعلت الكثير...».
لحَّن الياس رحباني وكَتَب الأغاني لعدد من كبار الفنانين ومن بينهم صباح ونصري شمس الدين ووديع الصافي، وماجدة الرومي وباسكال صقر وسامي كلارك...

 

أكثر من 2500 أغنية
في حصيلة المسيرة الفنية للراحل أنّه لحّن أكثر من 2500 أغنية ومعزوفة، 2000 منها عربية، إضافةً إلى وضعه الموسيقى التصويرية لخمسة وعشرين فيلمًا، منها أفلام مصرية، فضلًا عن العديد من المسلسلات التلفزيونية، ومعزوفات كلاسيكية على البيانو. ومن أشهر ما وضعه في هذا المجال موسيقى أفلام «أجمل أيام حياتي»، ومسلسل «عازف الليل».
أسّس استوديو الياس رحباني أحد أوائل الاستديوهات الموسيقية في لبنان، وكان يُشرف بنفسه على التسجيلات التي تُنجز فيه.
أنتج وألَّف عدة مسرحيات، منها: «وادي شمسين»، «سفرة الأحلام»، و«إيلا». وفي مجال الشعر، صدر له كتاب «نافذة العمر»، في العام 1996.
قدّم في العام 2001 نشيد الفرانكوفونية كتحية لـ52 بلدًا شاركت في القمة الفرانكوفونية التي عُقدت في لبنان.
برحيل الياس رحباني، نفقد شخصية فنية فذّة محبّبة تميّزت بظرفها وطرافتها وعذوبة كلمتها.