العوافي يا وطن

اليوم أكثر من أي وقت مضى…
إعداد: د. إلهام نصر تابت

كان ذلك منذ 50 سنة. أنا وأخي في سيارة عمي التي تقلّنا من الجنوب إلى بيروت حيث ينتظرنا من بقي من عائلتنا التي خسرنا ركنها الأساسي وفتاها الذي لم يكن قد بلغ السادسة عشرة من سِنـيه، وإليهما عشرات من الأهل والأقارب وأبناء البلدة. طوال المسافة التي قطعناها من تخوم الخردلي إلى مشارف صيدا، كانت عيناي مشدودتَين إلى الخلف، إلى مطارح الطفولة والذكريات والدراسة والتعب. من بين أمواج الدمع التي ما هدأت، رحت أحدّق في كل تلة وسهل وشجرة وصخرة وبيت… وكأنّ عينَيّ تحاولان حمل كل ما على تلك الأرض من سنين حياتي وحفظه في أعمق أعماق القلب.
مضت سنوات طويلة قبل أن تُتاح لنا العودة. لم تندمل الجراح. لكن العودة إلى تلك الأرض بين الحين والآخر كانت بمثابة نسمة طرية تُحيي الروح وتمنحها شيئًا من السلام.
في الدار الفسيحة أمام بيتنا، كنت أرى طيف أبي ينحت أحجارًا اشتقّها من الصخور البيضاء في قطعة الأرض المجاورة لنا، ليضيف إلى البيت غرفتين. أشم رائحة أمي ورائحة خبزها ينده لمن يمر بالجوار. أستعيد صور إخوتي الصغار وهم عائدون من المدرسة أو يركضون حول البيت. صوت جدتي وهي تروي لنا الحكايات قرب الموقدة في مساءات الشتاء.
أطياف وأصوات لأهلٍ وجيران، مشاهد من حياة فيها الكثير من التعب ومورد رزقها زراعة التبغ الذي ما زالت آثار دبقه عالقة على الأصابع، وحياة فيها الكثير من الألفة والبساطة والعلاقات الدافئة مع الجوار. هذه العلاقات هي الأكثر حضورًا وتوهّجًا في ذاكرتي اليوم.
وسط ضجيج الانقسام الجارح المدمّر في وطني، تحضرني صور أبو علي وأم إبراهيم وأبو نعيم وكثر سواهم ممن حفروا عميقًا في ذاكرتي.
أبو علي من ضيعة مجاورة لنا، كان تاجرًا متنقلًا يأتي على ظهر حمارته المحمَّلة بأنواعٍ لا تُحصى ولا تُعدّ من البضائع. كنا نسمع صوته من بعيد وهو آتٍ فيجلب معه الأطايب والفرح، خصوصًا في أيام الصيف ونحن منهمكون في شك أوراق التبغ. دروبس. راحة. بسكوت… والكثير من مستلزمات الحياة اليومية. يبيع بفرح ويُسهّل أمور الدفع. «منقبض لما تتيسر»…
أم إبراهيم من ضيعة أخرى مجاورة، أتذكرها كلما حلّ عيد الفصح آتية مع زوجها وعلى رأسها صدر كبير مملوء بكعك العباس لتبارك لنا بالعيد المجيد.
أبو نعيم من ضيعة أم إبراهيم التي كان لنا فيها أصدقاء، كانوا أكثر بكثير من أصدقاء. أهل بكل ما يمكن أن تحمله الكلمة من معانٍ. ولأبي نعيم مع والدي قصة لا أتعب من روايتها لأولادي، وهي تحضرني بقوة اليوم.
في إحدى زياراته لنا، سأل أبو نعيم والدي: لماذا لا تزرع مساحة أكبر من التبغ في سهل الجرمق كما يفعل الجميع، فيكون لك موسم «حرزان». أجابه أبي: لا أستطيع الحصول على رخصة لزراعة كبيرة لأنّ الأرض التي أملكها صغيرة. قال أبو نعيم: الأرض مش مشكلة… عندي أراضٍ ونحن أخوان، سأسجّل قطعة باسمك فتتيسر أمورك. في اليوم التالي ذهب الإثنان إلى الدوائر العقارية وباتت قطعة الأرض ملكًا لأبي. بهذه البساطة تخلى أبو نعيم عن أرضٍ يملكها لأبي. كان ذلك في مطلع السبعينيات من القرن الماضي. حصل أبي على الرخصة وزرعنا عدة مواسم كبيرة قبل أن تأتي الحرب اللعينة التي كان تهجير ضيعتنا آخر فظائعها…
يومها، أتت عائلة أبو إبراهيم إلى ضيعتنا واحتضنت أمي وإخوتي الصغار فاستضافتهم في بيتها إلى أن انتقلوا إلى بيروت. أما الأرض فأعادها أخي لأصحابها بعد سنوات مع شكر جزيل وعرفان بالجميل لا تستطيع دهور أن تُمحيه من النفوس.
لماذا أروي هذه القصص اليوم؟ ببساطة لأنّها تشكّل بالنسبة لي واحة أمل وأمان. لأنّها تُشعرني بأنّ في أرضنا ومجتمعنا خميرة من القيم المشبعة بالطيبة والنخوة، وبأنّ بين قرانا وضيعنا روابط من حسن الجوار والألفة والتعاون ينبغي أن نتمسّك بها. أن نروي قصصها لأولادنا. صحيح أنّ الزمن تغيّر لكنّ الخميرة الطيبة موجودة ويجب أن نحافظ عليها كما نحافظ على فلذات أكبادنا.
نعم الخميرة موجودة ومجتمع الجيش خير شاهد على وجودها. هذا المجتمع الذي تشد أواصره روابط عميقة بعيدًا من أي اعتبار، وبغضّ النظر عن أي انتماء سوى الانتماء إلى المؤسسة والوطن.
في جحيم الحرب الذي نعيشه تأتينا شهادات من قرى وبلدات احتضنت عائلات أبنائها العسكريين عائلات رفاقهم النازحين وتقاسمت وإياهم لقمة العيش وهموم الخسائر وعمق الجراح.
في جحيم الحرب الذي نعيشه، ومهما علت أصوات الانقسام، ما زالت القيم الإنسانية حاضرة في سلوك الغالبية العظمى من اللبنانيين.
في جحيم الحرب الذي نعيشه، تبقى القيم التي زرعها فينا الآباء والأجداد ونشأنا عليها، ملاذًا يحمينا من دمار شامل يهددنا. الدمار ليس فقط دمار منازل ومبانٍ تحتضن أعمارنا وتعبنا. إنّه قبل كل شيء دمار القيم الذي يزرع الانقسام والحقد.
مجددًا، في الجيش نموذج ساطع لقيمٍ يحتاج مجتمعنا إلى ترسيخها اليوم أكثر من أي وقت مضى، وكلنا ثقة بأنّه وكما كان دائمًا، سيظل مؤمنًا بها، وفيًا لها، عاملًا بروحيتها.

 

.العوافي يا جيشنا

.العوافي يا وطن