- En
- Fr
- عربي
شؤون دولية
خرجت اليونان من الانهيار الاقتصادي لكنّها فشلت في استقطاب الأدمغة التي هجرتها.
مستشار ”التعافي الاقتصادي“ الوزير الأول كيرياكوس ميتسوتاكيس زعيم حزب ”الديمقراطية الجديدة“، يطمح إلى تغيير وجه اليونان وتحديثها في العمق، مستندًا إلى جدار من التحالفات. واصلت اليونان في العام 2025 نهوضها الاقتصادي، لكنها ظلت تحت وطأة عشرية الأزمة (2009-2018) التي أطاحت بربع الناتج القومي الخام. وفي العام 2023، استعادت أثينا نموها بأكثر من في المئة، وهي نسبة تتجاوز إيقاعات النمو في غالبية دول الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من هذه القفزة النوعية، بقيت غالبية العائلات والأسر تعاني مصاعب شتى في ضبط ميزانيات آخر الشهر بسبب التضخم وغلاء الأسعار. وراوحت الرواتب في معدلات ضعيفة ولم ترتقِ إلى مستوى تعويض متطلبات العيش في حده المتوسط.
وبينما أوضح البنك المركزي اليوناني أن النمو الاقتصادي الذي شهدته البلاد كان حصيلة الاستهلاك والاستثمار الخاص في شكل أساسي، ودعم الموارد الأوروبية المتاحة، أظهرت بيانات هذا البنك أنّ عدد السياح الذين زاروا اليونان في العام 2025، لامس 31.6 مليون شخص، غالبيتهم أوروبيون. ووفق صحيفة Les Échos الاقتصادية الفرنسية فإنّ مسار التعافي الاقتصادي اليوناني يتواصل بثبات. وقد سجّل إجمالي تكوين رأس المال الثابت (وهو مؤشر رئيسي لقياس الاستثمار في الأصول طويلة الأجل، مثل المنشآت والبنى التحتية) ارتفاعًا لافتًا. ويندرج التحسن في سياق سعي أثينا إلى جذب استثمارات مدعومة بإصلاحات هيكلية وبرامج تمويل أوروبية، ضمن التعافي الشامل الذي يحمل توقيع اليمين المحافظ.
السياحة… منجم العملة الصعبة
لا شك في أنّ السياحة هي النفط اليوناني الأخضر، وبفضل مواردها السنوية، خرجت بلاد الإغريق من «المنطقة الحمراء» التي تشكلت بفعل أزمتها المالية الضارية عام 2012، وقادت إلى إصلاحات اقتصادية بنيوية مؤلمة وسنوات من التقشف الصارم. ووفق صحيفة لوسوار Le Soir الصادرة في بروكسل التي تُعنى بالشأن الاقتصادي-التنموي، فإنّ القطاع السياحي الحيوي كان خشبة إنقاذ مالي. وهو يسهم بـ 13 في المئة من الناتج الإجمالي الخام، ما يؤكد وزنه المحوري في الاقتصاد الوطني. وقد بات متقدمًا على نسبة إسهامات هذا القطاع في اقتصادات كبرى، بما في ذلك ألمانيا (1%)، فرنسا (1%)، وإيطاليا (2%)، وإسبانيا (2%)، والمملكة المتحدة (1%) والولايات المتحدة الأميركية (4%). ووسط مجمل الإيجابيات، تمكنت أثينا من حل مشكلة البطالة، وطوت حقبة انهيار سوق العمل الذي لامس مستوى 25 في المئة، في ذروة الأزمة المالية، وانخفض إلى حافة 10 في المئة ومن ثم 8 في المئة خلال العامين 2024 و2025. وعند هذا المنعطف بالذات، قال ميتسوتاكيس مستقرئًا المستقبل في ضوء ديناميات الحاضر: «سوف تكون اليونان بحلول 2030 دولة مختلفة تمامًا، خصوصًا وأنّنا تمكنّا من تحقيق مسار نمو مرتفع مع انضباط مالي وحوكمة إدارية».
التخمة السياحية… استنزافية
لكن الوجه الآخر من الميدالية السياحية اليونانية هو استنزاف الموارد الطبيعية بسبب التخمة والإشباع. وقد تقلصت المياه، وسادت حرارة صحراوية الملمس خصوصًا في بعض الجزر الساحرة والعاصمة أثينا التي أصبحت من أكثر المدن الأوروبية سخونة. على سبيل المثال، تمثل جزيرة Santorini في بحر أيجه (جنوبي شرقي اليونان) درة التاج السياحي في حوض المتوسط، ويتخوف سكانها من تداعيات الإقبال الكثيف عليها. والوضع ليس مختلفًا في باقي الجزر التي تجتذب سياحًا، مثل باروس، وميكونوس وكريت. ولا تشذ العاصمة أثينا عن هذه الحالة المشوشة، إذ يقصدها نحو 10 ملايين سائح كل عام. وكشفت «لوسوار» Le Soir البلجيكية في بداية صيف 2025 أنّ حكومة اليمين المحافظ تواجه معضلة في الاختيار بين دعم وتيرة الانتعاش وحماية القطاع السياحي كحاضنةٍ للملايين من فرص العمل، من جهة، واحتواء الآثار «التخريبية» للسياحة المفرطة، من جهة ثانية. ويعترف عمدة أرخبيل سانتوريني بأنّ الواقع السياحي المستجد ضاعف أسعار العقارات وجعلها بعيدة عن قدرات المواطنين الذين باتوا يشعرون بأنهم غرباء عن أرضهم. ولا شك في أنّ السياحة اليونانية استفادت من تراجع الإقبال على تركيا، حتى أنّ أتراكًا قصدوا أثينا والجزر في العام الماضي، ويُقدّر عددهم بـ 300 ألف سائح.
وثمة رافعة اقتصادية أخرى من الوزن الثقيل، هي النقل البحري الذي يجوب العالم بأكثر من 5 آلاف سفينة. ويسيطر مالكوها اليونانيون على 20 في المئة من إجمالي الحمولة الساكنة العالمية (إجمالي وزن كل ما يمكن للسفينة حمله بأمان). هذا النشاط يرفد الاقتصاد المحلي بنحو 8 في المئة من طاقته. ووفق أحدث بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) للعام 2025، تربّعت اليونان على صدارة الترتيب للعام الثاني على التوالي بحصة بلغت 16,4 في المئة من الحمولة العالمية، مدعومة بأسطول ضخم يضم 124,5 سفينة تجارية. وبهذه الطريقة تواصل أثينا ترسيخ موقعها كلاعبٍ محوري في الشحن البحري العالمي، على الرغم من المنافسة المتصاعدة من آسيا.
ثقب الديون الأسود
تكشف مجمل الأرقام والمعطيات أنّ أزمة الانهيار الاقتصادي التي واجهتها «العاصمة الإغريقية» في السنوات 2009-٢٠١٨، ليس مردّها إلى جفاف الموارد أو تعطل الروافد، أو حتى تصحر السياسة وغرق الأسطول التجاري، بل تعود أساسًا إلى الاختناق بالديون ورفع الشارة الحمراء إيذانًا بالتوقّف عن السداد للدائنين الدوليين. تضاف إلى هذا «الثقب الأسود» حوكمة قاصرة بلا بوصلة، ولا رؤية، قادها اليسار اليوناني المفكك والمتضعضع، وفق خبير ألماني قضى فترة طويلة في أثينا وجزيرة كريت. وكان لا بد من صعود حزب «الديمقراطية الجديدة» بقيادة كيرياكوس ميتسوتاكيس وفوزه بانتخابات 2019 لكي تبدأ أزمة الديون بالانحسار، وتنحو تداعياتها الدراماتيكية إلى الانطفاء. وقد أعيد انتخاب زعيم الديمقراطية الجديدة لولاية ثانية في العام 2023، منتزعًا غالبية قصوى في البرلمان. وأهم من الاستقطاب الشعبي، كان صك البراءة الذي حاز عليه لعدم تورطه في أي لوثة فساد على علاقة بالتجسس على المعارضة السياسية وأهل الإعلام والصحافة. غير أنّ حادثة غرق نحو 600 مهاجر غير شرعي في بحر إيجه، في ليل 13-14 حزيران 2023، كاد أن يصدع الحكومة اليمينية الهلنية. فتماسكت بعد مخاض عسير، وصحّحت مسارها بصعوبة من جراء الحرائق المنتقلة والتغيير المناخي. وكان اتكالها على خطها اليميني، بعد نفور غالبية اليونانيين من الحزبين اليساريين الرئيسيين، أي Syrisa وPasok. واللافت أنّ الولاية الأولى لرئيس الوزراء التي افتتحها في العام 2019، أسدلت الستارة على عشرية من الأزمات والإفلاسات والاختناقات، سببها ما اصطلح على تسميته «أزمة الديون السيادية»، التي زلزلت بلاد الإغريق بدءًا من نيسان 2010. فاضطرت إلى اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذها من حفرة الإفلاس. وفي مقابل سلة القروض الضخمة، توجب على عاصمة الأكروبول أن تنفذ مجموعة إجراءات تقشفية طالت الجيوب وأساسيات العيش الكريم. ويُجمع الخبراء في المفوضية الأوروبية في بروكسل على أنّ خطة شد الأحزمة القاسية والمؤلمة كان لها وجهان: الأول تقوقع أثينا على نفسها والعضّ على الجرح. والثاني صوغ نافذة فرص لإطلاق مسار علاقات تواصل وتفاعل مع المحيط الأوروبي والشرق المتوسطي. وهنا بدأ التقارب مع مصر حجر زاوية لعلاقات مستقبلية وازنة، ولدور في معادلة الحل والربط الإقليمية. ولا شك أنّ رئيس الحكومة كيرياكوس ميتسوتاكيس، وهو ابن بيت سياسي عريق، احتسب خطواته بدقة، ونسج سياسة داخلية وخارجية تتسم بالديناميكية والشفافية والإنتاجية. فمنحه اليونانيون ولاية ثانية بدءًا من 7 تموز 2023.
الاستثمار في الشراكات
ما هي الكيمياء السياسية التي اعتمدها رئيس الحكومة اليونانية لتعويم اقتصاد بلاده، والقبض على زمام الرفاه الاجتماعي، وتشكيل قوس من التحالفات الخارجية، تبدأ في واشنطن وبرلين وباريس، ولا تنتهي في القاهرة وتل أبيب؟ يبدو من حزمة «البرمجيات» السياسية-الاستراتيجية التي تبناها ميتسوتاكيس، خريج جامعة هارفرد، أنّه في رهان على تكبير رقعة المصالح، وفق معادلة «رابح-رابح». وقد تلمّس بخبرته وحدسه ورؤيته أنّ هذه الصيغة صعبة أو شبه مستحيلة مع القيصر الروسي، فأدار ظهره له، من أجل المزيد من التعاون والاندماج مع الغرب. وقال بثقة : «باي باي» للزمن اليوناني – السوفياتي كما نسجته حكومات أثينا اليسارية. وركز اهتمامًا خاصًا على منطقة الشرق الأوسط. وأصبح لاعبًا في منتدى غاز شرق المتوسط الذي أبصر النور في بدايات 2019، وتحتضن القاهرة مقره الرئيسي، ويضم إلى اليونان وقبرص ومصر، كلًا من إيطاليا، والأردن، وفلسطين و«إسرائيل». وتحضر الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والإمارات العربية المتحدة والبنك الدولي، بصفة مراقبين. وفي مقاربة بانورامية نشرتها مجلة «فورين بوليسي» في أيلول 2020، وما زالت تردداتها مطابقة للواقع والوقائع الراهنة، جاء أن أثينا تعيد إحياء نفسها كقوة دبلوماسية فاعلة، مستشهدة بحراك كثيف بين «إسرائيل» وفلسطين، كما بجولة ميتسوتاكيس في شمالي أفريقيا، وبتوثيق العلاقات مع الرياض، وصونها وتنميتها بصورة غير مسبوقة مع القاهرة وعمان، وأبو ظبي، ونيقوسيا. ولا يهمل رئيس الوزراء اليميني الجانب العسكري في سلطته. وإذ يستخدم موانئ بلاده مثل بيرايوس وتيسالونيكي كبوابات للاتحاد الأوروبي ومنطقة البحر الأسود، فقد نجح في مساوماته وحصل على أسلحة متطورة بشروطٍ تفاضلية، مثل مقاتلات رافال الفرنسية، وجنّد 15 ألف عسكري إضافي. وفي جعبة حكومته خطط لزيادة أحجام الإنفاق العسكري ليلامس 10 مليارات يورو في السنوات العشر المقبلة.
اللوبي اليوناني في الكابيتول
غير أنّ «درة التاج» في قوس التحالفات الخارجية هي أميركية في الدرجة الأولى، ثم تأتي فرنسا في المقام الثاني، وتليها ألمانيا في الموقع الثالث. وثمة لوبي يوناني في تلة الكابيتول في واشنطن تشكّل من أعضاء فاعلين في الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، يؤثر في خيارات البيت الأبيض وقراراته تجاه أنقرة. من هنا سياسة المحاباة التي تنتهجها العاصمة الفيدرالية الأميركية مع اليونان على حساب تركيا. ولعبت جماعات الضغط الإغريقية دورًا محوريًا في فرض عقوبات على نظام رجب طيب أردوغان (2020) بسبب حصوله على منظومة صواريخ روسية من طراز – . ويرى الأكاديمي التركي شفق ياوود أنّ تأثير اللوبي اليوناني زاد بقوة في عهد بايدن، والدليل هو الحفاوة غير المسبوقة التي حظي بها كيرياكوس ميتسوتاكيس إبّان زيارته إلى واشنطن في أيار 2022. ويتواصل هذا النفوذ مع الرئيس ترامب الذي يشيد في المناسبات الوطنية بـ«الشتات اليوناني». ومن المعروف أنّ في الولايات المتحدة زهاء 3 ملايين أميركي من أصول يونانية، في حين أنّ عدد الأتراك الأميركيين يصل إلى 350 ألفًا فقط، ما يؤسس لفوارق كبيرة في الحضور والزخم والدور والمفاعيل. ومن أبرز الجماعات الضاغطة الدائرة في فلك اللوبي اليوناني «مجلس القيادة الأميركية-اليونانية»، و«الرابطة اليونانية الهيلينية التعليمية» و«المعهد الهيليني-الأميركي» و«الاتحاد الهيليني-الأميركي». هذه المؤسسات تنشد الأهداف ذاتها، وفي طليعتها التضييق على تركيا على الساحة الأميركية ومنعها من الحصول على طائرات F-35 وF-16، والعديد من التقنيات العسكرية ما وراء الحديثة. وتجدر الإشارة إلى أنّ جماعات الضغط اليونانية على الساحة الأميركية تتعاون مع لوبي «AIPAC» اليهودي، وتستمد منه دعمًا موثوقًا. هذا التناغم أدى إلى التحالف العسكري الثلاثي: تل أبيب-أثينا-نيقوسيا، الذي كانت ترجمته الميدانية مناورات مشتركة في بحر إيجه، على مرمى حجر من الشواطئ التركية، فيما الطيارون الإسرائيليون في المجال الجوي اليوناني والقبرصي. وقد تعاقدت أثينا لشراء عشرين طائرة F-35 و84 طائرة F-16، علاوة على أسراب من مسيرات «أم كيو-9». والثابت أنّ ملف العلاقات الأميركية-اليونانية يحظى باجماعٍ توافقي في الكونغرس بشقيه. ويتجه التوافق نحو صوغ تحالف استراتيجي جديد يقوم على استخدام بعض الجزر الإغريقية كقواعد عسكرية خلفية. وهذا ما دفع نيكولاس بيرنز السفير الأميركي السابق لدى الناتو إلى وصف أثينا بأهم شريك عسكري لأميركا شرق المتوسط.
عقدة التاريخ والجغرافيا
الثابت أنّ العقدة التاريخية والجغرافية بين أثينا وأنقرة والصراع الطويل الناجم عنها هما العنصران المحوريان في صياغة سياسات اليونان الخارجية وتحديدها. والمعروف أنّ جذور الخلافات الأولى ترقى إلى حرب الاستقلال اليونانية (1820). ودخلت العوامل القومية، والدينية، والجيوسياسية كوقودٍ إضافي على نار متأججة. وتجدد الصراع بعدما شاركت أثينا مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى واحتلت أراضي تركية، ثم تخلت إيطاليا عن 14 جزيرة في بحر إيجه لمصلحة اليونان، بموجب اتفاقية باريس 1947. ومشكلة عدم ترسيم الحدود البحرية في هذا البحر، ما زالت قائمة حتى اللحظة. ويلاحظ مؤرخون يونانيون أنّ مياه شرق المتوسط لامست الاشتعال في آب 2020 على خلفية مواصلة أنقرة التنقيب عن الغاز في المناطق المتنازع عليها بالقرب من الجزر اليونانية. وتفاقم الوضع بعد تصادم بين فرقاطتين يونانية وتركية، أعقبه نشر فرنسا سفنًا حربية في المربع البحري دعمًا لأثينا. وتدخلت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، وأسهمت في سكب ماء بارد على الرؤوس الحامية. وبلغت لعبة ليّ الذراع مستوى متفجرًا في 15 أيلول 2020، عندما خاطب الرئيس أردوغان نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بلهجةٍ شديدة الحدة، واتهمه بالجهل، حتى بتاريخ فرنسا، وبتحريض اليونان والعبث بمصالح تركيا. وردّ عليه نزيل الإليزيه قائلًا إنّ «شرق المتوسط خط أحمر أمام تركيا»، معلنًا دعم باريس المفتوح لليونان وقبرص. ودخل يومئذٍ على خط التصعيد وزير الدفاع التركي السابق خلوصي أكار «مهددًا اليونانيين ومتوعدًا بأنّ الدول التي تحيك المكائد لتركيا في شرق المتوسط، ستكون الخسارة مصيرها، كما حدث في التاريخ». لكن غبار التهديد والوعيد سرعان ما تبدد، و حلّ مكانه هدوء ما بعد العاصفة الكلامية. إذ سحبت العاصمة التركية سفينة الأبحاث «اوروتش رئيسي» من البقعة المتنازع عليها. وتزامنت خطوة «نزع الفتيل» مع ضغوط أميركية حاسمة، وإدراج قبرص اليونانية في برنامج التدريب الخاص بالأمن البحري والموانئ الذي يوفّر المعدات اللازمة وأدوات الأمن السيبراني. وإذ بدت تركيا في عزلة شديدة، اقتضت براغماتية أردوغان مهادنة اليونان، وإطلاق عجلات الحوار السياسي المجمّد مع أثينا منذ 2016.
تعطيل أميركي لقنابل متفجرة
لعبة الثلاث أوراق السياسية لا تستقر على معادلة واحدة يمكن قراءتها بوضوح. فالمفاجآت واردة في أي لحظة. وتخلط ما اعتبر ثوابت أو قواعد عمل. والدليل التقارب بين واشنطن وأنقرة بعد مرور «قطوع» الصواريخ الروسية. والرئيس ترامب لا يترك مناسبة إلّا ويشيد فيها بالرئيس التركي، وعلاقته بـ«حماس» التي بات يرى فيها عنصرًا مساعدًا للدخول في المرحلة الثانية من خطة غزة، على الرغم من الرفض الإسرائيلي لأي دور تركي في القطاع المحاصر والمدمر. وتقود أميركا وساطة الظل لبناء الثقة بين الجارين اللدودين، أنقرة وأثينا، على أساس أنّ التوتر مقرونًا بالإصبع على الزناد يحرم الطرفين عوائد استغلال الثروات البحرية في المنطقة. ولعل «ديبلوماسية الغاز»، كما يشدد عليها وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو قادرة على صوغ إطار لبناء الثقة وإرساء تفاهمات استراتيجية مستدامة في شرق المتوسط ومنطقة المعابر والمضائق ذات الحساسية القصوى في ظل الحرب الروسية-الأوكرانية. وفي المؤتمر الأخير لحزب «الديمقراطية الجديدة» الحاكم الذي انعقدت فعالياته في أثينا، في أيلول 2025، طرح رئيس الوزراء مشروعًا طموحًا لـ«يونان المستقبل» يتمثّل في تحديث الأسس والبنى التحتية للدولة «التي شاخت كثيرًا» على حد قول أحد المؤتمرين. وتوقّف كيرياكوس ميتسوتاكيس عند تحديات المداخيل والموارد وعدم ملاءمتها مع ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة، متعهدًا بزيادات في الرواتب تغطي كافة القطاعات، الاستراتيجية منها، في شكل خاص، مثل الزراعة، والتصنيع المحلي والأسلاك العسكرية والأمنية. ولعلّ هذه الورشة، جذرية الطابع، مشدودة إلى استحقاق 2027 الانتخابي الذي سيواجه خلاله ميتسوتاكيس وحزبه تكتلات اليسار.
تأشيرة عبور إلى المستقبل
«يونان المستقبل» لا تقوم فقط على ورشة التحديث الداخلي، وهي تستند أيضًا إلى إعادة هندسة وتدوير العلاقات والتحالفات الخارجية. وفي هذا السياق، يتطلع كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى صوغ هوية جيو-سياسية لليونان في ضوء التحوّلات بعيدة المدى في الإقليم، وما يمكن أن تخلّفه الحرب الروسية- الأوكرانية، إذا بقيت في حدودها الراهنة. وهو يرى أنّ دول حوض البحر الأبيض المتوسط مرشحة لاستقطاب المزيد من الأهمية بسبب اكتشافات الغاز الكبيرة واجتذاب أدمغة للانخراط في زمن الذكاء الاصطناعي والسباق السيبراني. وأمام هذا الواقع والوقائع، جنح ميتسوتاكيس زعيم «الديمقراطية الجديدة» نحو بناء شبكة علاقات وتحالفات وثيقة، من دون أن يغوص في الوحول الإقليمية. وفي هذه النقطة بالذات تتجلى روحية «أثينا القديمة»، وهي الحكمة على حساب روحية «إسبارطة»، وهي النزاعات والمواجهة. ويمثل مسار التعاون مع مصر عيّنة من الهوية الجديدة لبلاد الإغريق. وثمة محللون عديدون، داخل اليونان وخارجها وفي المدى الأوروبي، ينظرون إلى التواثق المصري – اليوناني كـ «قصة نجاح» كتبتها الحكومة الأولى لميتسوتاكيس، ويدعون إلى الاستمرار في هذا النهج ذي العوائد الكبيرة على الاقتصاد اليوناني، كما على الدور الجيوسياسي في معادلات التأثير الإقليمية. لكن هذه القفزة النوعية مع القاهرة لا تخفي اصطفاف أثينا الأوروبي – الأميركي، وتقديم نفسها كرأس جسر للغرب في شرق المتوسط، كما قالت مراسلة صحيفة لوموند الفرنسية في أثينا Marina Rafenberg. والمثير أنّ هذه التحوّلات التي يدرجها البعض في خانة الإنجازات، تصطدم بعقدة العلاقات مع أنقرة، وذاكرة الصراعات المديدة المثقلة بها. ومع أنّ الرئيس أردوغان كان قد كسر جدار الجليد وزار أثينا في 7 كانون الأول 2023 معلنًا أن «ليس هناك مشكلات مستعصية على الحل»، فإنّ الخلاف في قبرص ما زال ساخنًا ويرخي بظلاله على العلاقات الثنائية.
”لا شك في أنّ السياحة هي النفط اليوناني الأخضر، وبفضل مواردها السنوية، خرجت بلاد الإغريق من المنطقة الحمراء التي تشكلت بفعل أزمتها المالية الضارية عام 2012، وقادت إلى إصلاحات اقتصادية بنيوية مؤلمة وسنوات من التقشف الصارم.“
”في اليونان رافعة اقتصادية من الوزن الثقيل، هي النقل البحري الذي يجوب العالم بأكثر من 5 آلاف سفينة، ويسيطر مالكوها اليونانيون على 20 في المئة من إجمالي الحمولة الساكنة العالمية. هذا النشاط يرفد الاقتصاد المحلي بنحو 8 في المئة من طاقته.“
المراجع
- Le Bilan du Monde 2025- Le Monde Hors série
- L’Etat des conflits dans le Monde-Revue bimestrielle Diplomatie. Décembre 2025-janvier 2026-Areion group
- Histoire Grecque (5ème édition) Claude Orriaux et Pauline Schmitt Pantel- Editeur Puf- collection: Savoirs-Parution : 08/01/2025
- La Grèce et les Balkans : du Vème Siècle à nos jours-Olivier Delorme- Editeur : Gallimard- Paris 2014
- De la Grèce aux Balkans : des voisins lointains- Dimitrios Kargiotis. Editeur : l’Harmattan 2025- Paris – collection : Histoire et Perspectives Méditérranéennes.











