حضارات قديمة

بابل مدينة حمورابي والشرائع ومهد الحضارة
إعداد: جان دارك ابي ياغي

عبّر القدماء عن إعجابهم الشديد ببابل المدينة العظيمة. واليوم بعد ألفي عام من تدمير المدينة ما يزال الإسم يثير في الأذهان مشهداً يتسم بالغنى والعظمة.
لا شك أن بابل كانت أعظم مدينة في زمانها, وإن لم تكن مستوطنة قديمة جداً ولم تكن لها أية أهمية, حتى بعد مرور فترة طويلة على اكتساب حضارة بلاد ما بين النهرين لشكلها المميز والثابت. فهي لم تصبح مقراً للملوك قبل زمن الطوفان الأسطوري, كما أن اسمها لا وجود له بين أسماء المدن التي دوّنها الكتبة البابليون المجتهدون القدماء. وفي حين أن دول المدن السومرية (الجزء الجنوبي من بلاد النهرين) تنافست في ما بينها على السلطة والشهرة, فإن بابل لم تكن سوى قرية غير مهمة, وفي الواقع بقي اسمها مجهولاً حتى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد, أي بعد ألف سنة من اختراع الكتابة وبعد عدة آلاف من السنين من تأسيس أقدم القرى الزراعية في ما سمي بلاد بابل بعدئذ.

 

الموقع والاسم

تقع مدينة بابل على بُعد 90 كلم الى الجنوب من بغداد, واسمها محرف من "باب ايلي" الذي يعني "باب الآلهة". وهي من أشهر المدن القديمة, تضرب الأمثال بعظمتها وبجمال أبنيتها وبثقافة أبنائها. ولا تعرف مدينة استمرت في هذا المركز المرموق بقدر ما بقيت فيه بابل ماسكة بزمام الحضارة منمية إياها لخمسة عشر قرناً, وذلك منذ أن ظهر فيها الآموريون في نحو 1850 ق. م. (وكان حمورابي المشرّع العظيم والمصلح الإجتماعي الكبير أحد ملوكهم), الى أن اتخذها الإسكندر المقدوني عاصمة لامبراطوريته. ولما عدد المؤرخون اليونان والرومان عجائب الدنيا السبع, ذكروا من بينها أسوار بابل وجنائنها المعلّقة. فما هي قصة هذه المدينة؟

 

العهد البابلي القديم

عرفت هذه المدينة شهرة عالمية جلبت لها الكره واللعنات, ولا سيما من أنبياء العهد القديم.
تعني بابل "باب الالهة"؛ عزز الملك حمورابي دورها وموقعها وبنى فيها معبداً ضخماً لتكريم الإله مردوك, كما شيّد فيها برجاً دينياً أعاد نبوخذ نصّر بناءه وعرف بـ"برج بابل".
وقعت امبراطورية حمورابي في يد الأشوريين نحو عام 1250 ق. م. وأحرق الحثيون مدينة بابل نحو عام 1531 ق. م., ودمّرها الأشوريون عندما ثارت عليهم في 1239 ق. م. ثمّ حوّلها الملك الأشوري سنحاريب الى صحراء وأباد سكّانها ودمّر منازلها, ونقلت السفن ترابها الى الشمال حيث بنى قناة جديدة. وبعد أن جرفت المياه ما تبقى من آثار المدينة, ظن الجميع أن بابل انتهت.
كان الملوك الأشوريون يحكمون في نينوى المزدهرة على ضفة دجلة الشرقية في شمال البلاد, وكانت تلك المدينة ذات موقع استراتيجي تحسد عليه, وقد جدد سنحاريب
(705 -­ 681 ق. م) عماراتها وجعلها فردوساً أرضياً بحدائقها ومجاري المياه التي تعبرها.
كان حاكماً حازماً وسياسياً بارعاً, استخدم القوة والبأس في حروبه ضد أعدائه وابتكر الخطط العسكرية والأسلحة وقضى على دويلات أهل البحر في أقصى الجنوب, وأمر بصنع السفن وجلب لذلك صانعين ماهرين, من الفينيقيين واليونانيين صنعوا له سفناً فأبحر بها جنوباً (ثمة في المتحف العراقي لوح كبير من الرخام يحمل نقشاً يمثل هذه الحملة).
اشتهر سنحاريب كذلك بانجازاته العمرانية, ولا سيما حفر القنوات, وجلب المياه الى نينوى من منابع نهر الكومل في جبل بافيان. وسيّرها في قنوات تشق القناطر المبنية بالحجر. وفي نهاية حكمه عيّن ابنه أسرحدون من زوجته الآرامية ولياً للعهد بدلاً من إخوته الذين يكبرونه, فثار ضدّه أحد أبنائه بمساندة رجال الحكم وقتلوه عام 681 ق. م.

 

عهد أسرحدون: سياسة المصالحة مع بابل

كان أسرحدون (681 -­ 669 ق. م.) في الشمال عند مقتل والده فتقدم نحو نينوى وفتحها وقضى على حركة التمرد فيها, اعتمد سياسة المصالحة مع بابل وجدد ما تهدّم منها وعيّن ابنه الأكبر حاكماً لها, وفي 676 ق. م. فتح كل المدن الداخلية والساحلية في سوريا والسواحل الفينيقية, واشتهر بغزوه لمصر, ونقش لدى عودته منها صورته في الصخور الجبلية عند مصب نهر الكلب في لبنان, كذكرى لهذا الانتصار.
 

قضى مؤسس السلالة البابلية الأخيرة نبوبولصر
(626 -­ 605 ق. م.) على المملكة الأشورية وتقاسم مع ملك الماذيين كي أخسار ممتلكاتهم ثم شرع في بناء بابل, وبعد وفاته تولّى العرش ابنه نبوخذ نصّر (605­- 562 ق. م.) الذي كان يقود الجيوش البابلية المحاربة في فلسطين وعند الحدود المصرية. وأمضى الأخير عمره في بناء بابل وتشييد المعابد فيها, وأبرزها معبد إسكانكيلا الكبير للإله مردوك وبرجه العالي (أي ثمين انكي). كما بنى باب عشتار وزيّنه بالآجر الزجاجي ذي الألوان الزاهية, والحامل رسوماً نافرة لحيوانات كالأسد والثور, الى الحيوان الخرافي المسمى "مشخشو", رمز الإله مردوك.
كان الكهنة يدرسون في البرج العالي حركة الكواكب والنجوم, وقسّموا السماء الى اثني عشر برجاً ملكياً, ذات رموز حيوانية, وكانوا يحسبون مسبّقاً الكسوف والخسوف. لم يكن اهتمامهم الأساسي علم الفلك بل معرفة مصير الإنسان في حركة النجوم, فعلم الفلك كان في خدمة التنجيم, وكهنة مردوك هم مكتشفو حسابات الأبراج, ولكن "قراءة المستقبل" لم تكن تتم عبر النجوم فحسب, فكل أشكال التنبؤ مصدرها بلاد بابل, وقد انتشرت المعابد في هذه المدينة وبلغت نحو ثلاثة وخمسين معبداً.

 

عهد نبوخذ نصّر : بابل أكبر مركز تجاري ومالي في العالم

البضائع الثمينة التي كانت ترد الى بابل كان مصدرها بلدان عديدة, فمن مصر النحاس والذهب, ومن إسبانيا الفضة, ومن بريطانيا القصدير, ومن فينيقيا المرجان, ومن أرمينيا النبيذ, ومن إيران الحرير والأحجار الكريمة, ومن الهند البهارات والعاج والألماس... فقد كانت بابل أكبر مركز تجاري ومالي في العالم, وكان الكهنة يديرون المصارف, وتنقل البضائع عبر النهر وفي قوارب كروية من القصب المطلي بالزفت ثم تحمل على ظهور الحمير أو الجمال أو في العربات التي تجرّها الأبقار.
كل هذا الإزدهار حصل في عهد نبوخذ نصّر الذي لم يكتف بالإنجازات العمرانية بل وسّع اهتماماته الى الشؤون الاجتماعية والدينية والفنية, وبقي اسمه في التاريخ كأحد المؤسسين البارزين. لقد بنى القصور الفخمة, وشيّد لزوجته الحدائق المعلقة التي اعتبرت إحدى عجائب الدنيا السبع. وشملت أعماله العمرانية كل بلاد بابل التي أنشأ فيها السدود. كما كان مصلحاً دينياً, نشر الثقافة البابلية في كل بلدان الشرق الأوسط, مثلما أشاع عبادة الإله مردوك رغم المنافسة الشديدة من أنصار الزرداشتية في إيران, وأنصار العقائد الأخرى.
إثر وفاة نبوخذ نصر اعتلى ابنه الضعيف العرش ومنح لليهود حرية واسعة في ممارسة طقوسهم الدينية, وحدّ من سلطة رجال الدين فثاروا عليه وعزلوه ونصّبوا مكانه أحد أقاربه الذي لم يحكم طويلاً, إذ قتله رجال الدين وعيّنوا مكانه نيونيد
(556-­539 ق. م.) الذي أعاد بناء البلاد والمعابد.

 

بابل في عهد الإسكندر المقدوني

في أوائل القرن الخامس عشر ق. م. اندلعت حروب دامية بين الفرس الأخمينيين والإغريق, ولم تهدأ المنطقة إلا مع ظهور الإسكندر المقدوني عام 331 ق. م. فقضى على الدولة الأخمينية.
ضمّ فيليب المقدوني, والد الإسكندر, كل مقاطعات البلاد اليونانية وجزرها, ثم شنّ حملة ضد آسيا الصغرى والشرق لمحاربة الفرس. وقاد الإسكندر تلك الحملة بعد وفاة والده وبلغ سواحل آسيا الصغرى عام 334 ق. م. وفتح سواحل فينيقيا وفلسطين ثم مصر, معرّجاً على بلاد الرافدين عن طريق دير الزور وأعالي دجلة. قهر الفرس وفتح كل العراق ودخل بابل عام 331 ق. م. محترماً مجدها الآفل ومركزها الحضاري العالمي ومجدداً بنيانها ومعبدها الكبير, معيداً الاطمئنان الى أهلها ورجال الدين فيها. وحين أراد شنّ حملة على الجزيرة العربية عاد الى بابل عبر النهر ليجعل منها مركزاً رئيسياً لأعماله الحربية والإصلاحية, لكنه مرض ومات فيها. وبعد وفاته اقتسم قادته الأربعة الكبار المملكة الشاسعة, وكانت بلاد الرافدين من حصة سلوقس (312 ­- 281 ق. م.) مؤسس الدولة السلوقية. ومع تأسيس الدولة السلوقية تضاءل شأن بابل وهجرها معظم سكانها, وتعاقب على حكم مملكة سلوقية عدة ملوك أشهرهم انطيوخس الثالث
(223 -­ 187 ق. م.) الذي انتعشت في عهده الحضارة البابلية وعلم الفلك والتنجيم, لكن معظم أولئك الملوك كانوا ضعفاء ففقدوا القسم الشرقي من المملكة وبقيت بلاد الشام تحت حكمهم.
طغاة عديدون, منذ الإسكندر المقدوني الى هتلر, أعجبوا بتلك البلاد ودُهشوا بها, ففي 1942 تنبأ هتلر بأن برلين لن تكون مدينة عالمية إن لم تغدُ شبيهة بمصر الفرعونية أو ببابل أو بروما.
سحقت برلين بين 1943 و1945, لكن بابل نبوخذ نصر التي انهالت عليها ألوف اللعنات, لم تمت ميتة عنيفة. بيد أن العهد الجديد تنبأ لها بالدمار والزوال, فهل فرحت الملائكة لسقوطها؟