- En
- Fr
- عربي
تأثير الحرب الروسية-الأوكرانية في علاقة حلف شمال الأطلسي بالدول الأوروبية
المقدمة
اندلعت الحرب الروسية – الأوكرانية في 24 شباط 2022، تحت مسمى «العملية الروسية الخاصة»، لكنها لم تكن مجرد مواجهة حدودية بين دولتَين جارتَين، بل لحظة تاريخية حاسمة قد تعيد رسم النظام الدولي. جاءت هذه الحرب تتويجًا لتراكماتٍ جيوبوليتيكية عميقة، حيث امتزج عبق التاريخ «بحتمية الجغرافيا»1، وتداخلت السياسة بالاقتصاد، وتسابقت في إشعالها المعطيات المحلية والإقليمية والدولية، فإذا بها حربٌ جيوسياسية الأسباب، جيواقتصادية الأبعاد وجيواستراتيجية النتائج والتداعيات.
إنها حربٌ بين نظريات الجيوبوليتيك في مهد الجيوبوليتيك، حربٌ تتصارع فيها أوراسيا2 على «قلب الأرض»3 في قلب الأرض، حيث تُعاد رسم الخريطة العالمية للنفوذ والقوة. لقد تحوّل هذا القلب، الذي وصفه السير جون هالفـورد ماكينـدر4 Sir John Halford Mackinder بـالمحور الجغرافي للتاريخ5، من مركز للثروات ومصادر الطاقة إلى ميدان قتال مفتوح وساحة لتصفية حسابات تاريخية، أيديولوجية وسياسية. إنها مباراة نهائية غير ودية، تنعكس نتيجتها على رسم خريطة تحالفات جديدة ستؤثر لعقودٍ قادمة في شكل النظام العالمي، نظام سيولد مرة أخرى6 من المحور الجغرافي للتاريخ.
في عمق هذه الأزمة، تتواجه رؤيتان جيوسياسيتان متعارضتان: من جهة، العقيدة الأطلسية المتجذرة منذ الحرب الباردة والمدعومة بفكر ماكيندر، نيكولاس سبايكمان Nicholas John Spykman، وزبغنيو بريجينسكي7 Zbigniew Brzezi´nski، والتي تنطلق من مبدأ السيطرة البحرية، الطوق الأمني والردع الاستراتيجي.
من جهة أخرى، العقيدة الأوراسية التي يتبنّاها ألكسندر دوغين8 Alexander Dugin، والتي ترى أنّ روسيا ليست مجرد دولة قومية، بل حضارة مستقلة ينبغي لها أن تستعيد مجدها في الفضاء الأوراسي وتكسر طوق الاحتواء الغربي. تُجسد هذه الرؤية الأخيرة في تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Putin، والتي تُقدّم بوصفها دفاعًا عن الوجود الروسي، وإنْ اتخذت طابعًا هجوميًا صارخًا. ولكن، أوَليس الهجوم أفضل وسيلة للدفاع؟
يحمل هذا الصراع استراتيجية مزدوجة، إذ تتموضع دفاعات الولايات المتحدة وحلفائها من جديد، ويُفعّل مبدأ الاحتواء الذي وضعه جورج كينان9 George Kennan في منتصف القرن العشرين والهادف إلى منع توسّع روسيا وعزلها من دون الاصطدام المباشر معها. تتبنى روسيا في المقابل، ووفق مدرسة دوغين مبدأ الهجوم الاستباقي، وتسعى عبر حربها في أوكرانيا إلى منع تطويقها جغرافيًا، اقتصاديًا وعسكريًا وإعادة رسم توازن القوى.
وجدت أوروبا نفسها في وسط هذا الاشتباك، بين سِندان تبعيّـتها الأمنية للولايات المتحدة ومطرقة الهجوم الروسي الذي يهدد أمنها الاستراتيجي والطاقوي. سلّطت هذه الحرب الضوء على أوروبا الهشة، وأظهرت أنها ما زالت تعتمد على مظلة خارجية لحماية أمنها، على الرغم من تكرار الدعوات إلى بناء استقلالية استراتيجية10. كما أضاءت على أوروبا المنقسمة بين دولها الشرقية والشمالية المتشددة، ودولها الغربية والجنوبية الحذرة، ما يطرح أسئلة حول قدرة القارة على وضع سياسة دفاعية موحدة ومستقبل الوحدة الأوروبية.
يطرح المقال إشكاليته الأساسية: كيف تُعرّف الحرب الروسية – الأوكرانية العلاقة بين أوروبا وحلف الناتو، وما هو تأثيرها في توازن القوى الإقليمي والدولي؟ ما يطرح الأسئلة الآتية:

ما هي النظريات التي تحكم سياسات روسيا والناتو؟ ما هو تأثير الحرب في تماسك القارة والسيادة الاستراتيجية لأوروبا؟ وكيف تساهم في تسريع تشكيل نظام عالمي جديد أو إبطائه؟ يُجيب هذا المقال في مسعاه على هذه الإشكالية وأسئلتها الفرعية من خلال تحليل يجمع بين الفكر الاستراتيجي، التاريخ السياسي والمعطيات الجيوسياسية، بالإضافة إلى قراءة شاملة حول موقع روسيا وأوروبا في أي نظام عالمي مقبل، محاولًا استشراف السيناريوهات المستقبلية لعلاقة أوروبا والناتو وأثر الحرب في التوازنات الإقليمية والعالمية.

القسم الأول
قليل من التاريخ ينعش ذاكرة الإنسان
لا يمكن فهم التوترات المعاصرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي من دون العودة إلى الجذور التاريخية التي أنشأت هذا الحلف العسكري والسياسي. فحلف الناتو لم يكن وليد اللحظة أو رد فعل على أزمة بعينها، بل جاء نتاجًا لتراكماتٍ جيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تشكّل عالمًا ثنائي القطبية يقوده الغرب بقيادة الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى. كان يفرض هذا السياق على أوروبا الغربية البحث عن مظلة أمنية موثوقة، فجاء الناتو كتحالفٍ دفاعي جماعي يعكس فلسفة الردع والتوازن. ومع تغيرات العقود التالية، واجه الحلف تحديات وتحولات أعادت تشكيل مهماته وامتداداته. في هذا القسم، نسلط الضوء على ظروف نشأة الحلف، ومسارات تطوره، وتحوّل وظائفه، مع رصد ديناميكيات التوسع وتأثيرها في الأمن الأوروبي، تمهيدًا لفهم موقعه في الأزمة الأوكرانية الراهنة.
أولاًً: ظروف نشأة الناتو والتحولات الجيوسياسية بعد الحرب العالمية الثانية
تأسس حلف شمال الأطلسي «الناتو» في العام 1949 كتحالفٍ دفاعي بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، وذلك في سياق جيوسياسي مضطرب أعقب الحرب العالمية الثانية. كانت أوروبا تخرج حينها من كارثة إنسانية ومادية شاملة، وقد خيّم شبح التوسع السوفياتي على أوروبا الشرقية11. تشكلت قناعة لدى الغرب بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لردع النفوذ الشيوعي، بل لا بد من بناء هيكلية تحالفية دائمة. تزامن ذلك مع تصاعد حدة الاستقطاب بين المعسكرَين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي. بدأ التفكير في صياغة معاهدة أمن جماعي، وقد أدت معاهدة بروكسل في العام 1948، دورًا تمهيديًا في خلق مناخ مؤسساتي دفع نحو شمول الولايات المتحدة في الترتيب الدفاعي الجديد12.
في 4 نيسان 1949، وُقّعت معاهدة واشنطن التي أسست الناتو وضمّت 12 دولة13. مثّلت المادة الخامسة منها العمود الفقري للمفهوم الجديد للأمن الأوروبي – أي أن الاعتداء على أي دولة عضو يُعد اعتداء على الجميع. بهذا النص، تم إنشاء آلية ردع جماعية عبر الأطلسي، شكّلت ركيزة تماسك الحلف لاحقًا. لم يكن الناتو مجرد تحالف عسكري؛ بل كان تعبيرًا عن هندسة جديدة للأمن الغربي أرادت الولايات المتحدة من خلالها ترسيخ حضورها الأوروبي من جهة، وتقييد أي طموحات ألمانية بالعودة إلى التسلح من جهة أخرى. هكذا وُلد الحلف في قلب صراع أيديولوجي عالمي، ووسط شعور أوروبي حاد بالحاجة إلى مظلة أميركية تضمن البقاء في مواجهة السوفيات.
ثانيًا: توسّع الناتو وتكريس الانقسام الأوروبي خلال الحرب الباردة
منذ لحظة التأسيس، لم يكن الناتو كيانًا ثابتًا، بل اتسم بمرونةٍ توسعية استجابة للتحديات الجيوسياسية. شهد الحلف أولى موجات التوسع في خمسينيات القرن العشرين بانضمام تركيا واليونان في العام 1952، تلاها انضمام ألمانيا الغربية في العام 1955 14. هذا الحدث الأخير كان نقطة تحوّل جوهرية؛ فقد مثّل دمجًا لألمانيا في المنظومة الغربية من جهة، وصدمة استراتيجية لموسكو التي سارعت إلى تأسيس حلف وارسو في العام ذاته من جهة أخرى.
وبهذا الانقسام العسكري والسياسي، نشأ ما عُرف بـالستار الحديدي الذي قسّم أوروبا إلى قسمَين متواجهَين. رسم الناتو بدوره المحوري الحدود الجيوسياسية لهذا الانقسام. تموضعت آنذاك قواعد أميركية في دول أوروبا الغربية فارتكزت الاستراتيجية العسكرية بذلك على الردع النووي، بالإضافة إلى مواجهة أي اجتياح سوفياتي محتمل عبر وسط أوروبا من خلال اعتماد خطة دفاع مشترك.
برزت في هذه المرحلة عدة لحظات عبّرت عن توتر حرج، أبرزها في العام 1962، ما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية التي كادت أن تدفع العالم إلى حافة حرب نووية. على الرغم من بُعدها الجغرافي، كشفت الأزمة أن التوازن العالمي هَشّ، وساهمت بإبراز أهمية الناتو كمظلةٍ نووية واقية لأوروبا. كما أنها أظهرت اعتماد أوروبا الكلي على القوة الأميركية للردع، ما عمّق فكرة التبعية الاستراتيجية. لاحقًا، ولضمان التوازن الداخلي بين ضفتَي الأطلسي، بدأ الحديث داخل الحلف عن ضرورة تطوير الركيزة الأوروبية.
انضمت إسبانيا إلى الناتو في العام 1982. ومع نهاية الحرب الباردة، شهد الحلف موجات توسعية كبيرة: الأولى في العام 1999، والثانية في العام 2004، والتي شملت دول أوروبا الشرقية. في العام 2009، انضمت كل من ألبانيا وكرواتيا، وفي العام 2017 انضمت مونتينيغرو، وبعدها في العام 2020 انضمت مقدونيا الشمالية، تلتها فنلندا في العام 2023، والسويد في العام 2024. عَكَس هذا التوسع تحولات جيوسياسية عميقة كنتيجةٍ للحرب الأوكرانية، ما دفع دولًا تُعد حيادية تقليديًا للانخراط في المنظومة الأطلسية، فوصل عدد دول الناتو إلى 32 15.

ثالثًا: التحوّل واستراتيجية الردع النووي بعد الحرب الباردة
خلال العقود الممتدة من خمسينيات القرن العشرين حتى نهاية ثمانينياته، شكّل الردع النووي الركيزة الأساسية لاستراتيجية الناتو في مواجهة الاتحاد السوفياتي. نُشرت الأسلحة النووية الأميركية في أوروبا، في دول مثل ألمانيا الغربية وإيطاليا والمملكة المتحدة، بهدف ردع أي اجتياح سوفياتي محتمل. كما تبنّى الحلف عقيدة الرد الفوري ثم الرد المرن، والتي تفترض إمكانية اللجوء إلى السلاح النووي التكتي في حال تعرّضت أراضي الحلفاء لهجوم17.
تم دعم هذه العقيدة ببنية قيادة موحدة وتكامل في الخطط العسكرية بين الدول الأعضاء، وهو ما عزز من فعالية الحلف على المستوى العملياتي والسياسي.
أدت أزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962، دورًا محوريًا في ترسيخ أهمية الردع النووي، وأظهرت خطورة الحسابات الخاطئة في إدارة توازن الرعب. مع تقدّم العقود، انخرط الناتو في عملية إعادة تقييم دور الأسلحة النووية مع بروز دعوات أوروبية لنزع السلاح، وبخاصةٍ في ألمانيا. لكنه في الوقت نفسه واجه الحاجة للحفاظ على التوازن، لا سيما في ظل نشر الاتحاد السوفياتي لصواريخ ٢٠SS-، ما دفع الحلف في العام 1979، إلى تبنّي قرار المسار المزدوج18، الذي جمع بين الانخراط في مفاوضات نزع السلاح ونشر صواريخ أميركية جديدة في أوروبا.
طُرحت تساؤلات حول مستقبل الناتو وجدوى استمراره مع ما بدا أنه زوال للتهديد التقليدي مع انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991. أعاد الحلف بسرعةٍ تعريف مهماته لتشمل التدخلات الإنسانية، دعم الاستقرار وإدارة الأزمات. عكس هذا التحوّل تدخّله في البلقان وبخاصةٍ في البوسنة وكوسوفو، كما فُعّلت ولأول مرة المادة الخامسة بعد هجوم 11 أيلول 2001، فانخرط الناتو في أفغانستان تحت شعار الحرب على الإرهاب، ليتحوّل من تحالف دفاعي إقليمي إلى فاعل دولي ذي مهمات متعددة. هذا التطور أبرز قدرة الناتو على إعادة ابتكار ذاته وفق السياق الدولي الجديد، لكنه في المقابل فاقم النقاش داخل أوروبا حول حدود التبعية للولايات المتحدة ودور الحلف خارج النطاق الجغرافي الأوروبي.
رابعًا: الناتو بعد الحرب الباردة، من الميدان الأوروبي إلى الساحة العالمية
شهد حلف شمال الأطلسي الناتو نقطة تحول محورية في تاريخه الحديث مع قمة واشنطن في العام 1999، إذ قرر الحلف توسيع نطاق تدخّله خارج حدوده الجغرافية التقليدية في أوروبا وأميركا الشمالية. لم يعد الحلف محصورًا بمهمته الأصلية المتمثلة بردع الآلة العسكرية السوفياتية، بل بات معنيًا بحماية المصالح الحيوية للدول الأعضاء على المستوى العالمي، لا سيما تلك المتعلقة بأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل19.
سمحت هذه التحولات للناتو بإعادة تعريف ذاته كمنظمةٍ أمنية مرنة وقادرة على التدخل السريع في الأزمات العالمية، انعكس هذا التعريف في تدخّله ومن دون تفويض أممي في يوغوسلافيا في العام 1999 وبعدها في أفغانستان والعراق20.
وتم طرح قائمة جديدة من التهديدات العابرة للحدود تضمنت تهديدات إلكترونية متقدمة، الجريمة المنظمة، انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق والهجرة الجماعية.
أعاد الناتو بموازاة ذلك هيكلة قواته لتكون أكثر انتشارًا ومرونة مُظهرًا أنه لم يعد حلفًا دفاعيًا فقط، بل أداة لحماية النظام الليبرالي الدولي أيضًا، بما يلبّي بدرجةٍ أولى مصالح الولايات المتحدة الأميركية. شعرت روسيا بقلقٍ شديد مع دخول هذه الأدوار في العقيدة الاستراتيجية الجديدة للحلف الذي تمدد شرقًا مخترقًا منطقة نفوذها الحيوي وهو ما عبّر عنه بوتين صراحة في خطابه بميونيخ في العام 2007 21.
لقد دشّنت قمة واشنطن في العام 1999، بداية مرحلة عولمة الناتو، وهي المرحلة التي شهد فيها الحلف تحوّلًا نوعيًا من منظومة ردع إقليمية إلى لاعب دولي يحسم النزاعات ويوجه السياسات الأمنية خارج حدوده، واضعًا بذلك الأسس لإعادة صياغة موازين القوة العالمية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ما بين ولادة الناتو كأداة احتواء وامتداد لتوازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحوّله إلى تحالف متعدد المهام في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، يمكن القول إن هذا الحلف لم يكن يومًا كيانًا ساكنًا. لقد أثبت قدرة على التكيف مع السياقات الدولية المتغيرة، ولكنه في الوقت ذاته حمل معه بذور التوترات البنيوية بين أعضائه، خصوصًا في العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة. فالهوّة في تقاسم الأعباء، والتفاوت في الرؤية الاستراتيجية، وعدم التجانس في تصور التهديدات، جعلت من العلاقة الأطلسية علاقة شراكة بقدر ما هي علاقة تبعية.
مع دخول الحرب الروسية – الأوكرانية حيّز التصعيد، أُعيد تفعيل المنطق الجيوبوليتيكي الذي طبع مراحل الحرب الباردة، ولكن هذه المرة بأدواتٍ جديدة وخطابات أكثر أيديولوجية. وهنا تبرز النظريات الجيوسياسية بوصفها محددًا حاسمًا في مسار الحلف. فالرؤية التي يقدّمها ألكسندر دوغين للفضاء الأوراسي ككيانٍ حضاري مستقل، تتقاطع مباشرة مع رؤية جورج كينان حول ضرورة احتواء روسيا لمنعها من الهيمنة على قلب الأرض.
في القسم الثاني، سننتقل إلى تحليل صراع النظريات هذا بين الغرب والشرق، وسنحاول تفسير كيف اشتبك الجيوبوليتيك الأوراسي بالجيوبوليتيك الأطلسي، وما انعكاس هذا الاشتباك على وحدة أوروبا وأمنها الإقليمي وهويتها الاستراتيجية؟

القسم الثاني
حرب النظريات على المسرح الأوروبي
سبّبت الحرب الأوكرانية توترات متصاعدة أعادت إلى الواجهة مقاربات استراتيجية وفكرية قديمة، رسمت خطوط التماس بين القوى العالمية. يتناول هذا القسم الصدام بين نظريتَين جيوبوليتيكيتَين تتمثلان برؤيتَين مركزيتَين: عقيدة الاحتواء التي صاغها جورج كينان في الحرب الباردة، والرؤية الأوراسية التي وضعها ألكسندر دوغين كمشروعٍ مضاد للهيمنة الليبرالية الغربية. لا يُترجم هذا الصراع النظري في سلوك الدول فحسب، إنما يدخل في صميم الخيارات الاستراتيجية لسياسة حلف شمال الأطلسي من جهة، وفي النهج الروسي من جهة أخرى. يبدو أن المسرح الأوكراني بات مختبرًا حيًا لتفاعل هذه الرؤى وتبايناتها، ما يطرح أسئلة عميقة حول ديمومة النظريات التقليدية وملاءمتها لعالمٍ متعدد القوى.
أولاًً: نظرية كينان، عقيدة الاحتواء وبنية الردع الأطلسي
برزت نظرية الاحتواء لجورج كينان في خضم الحرب الباردة كأحد أهم أركان الاستراتيجية الأميركية في مواجهة التمدد السوفياتي. نصت هذه العقيدة على ضرورة تطويق النفوذ الروسي ومنعه من التوسع الجغرافي أو التأثير الأيديولوجي من دون الدخول في مواجهة مباشرة. نشر كينان تقريره المعروف باسم تلغراف موسكو في العام 1947، وأصبحت نظريته حجر الزاوية في الاستراتيجية الأميركية، اعتبر كينان في تقريره أن روسيا تسعى للتوسع والهيمنة نظرًا لتركيبتها السياسية والتاريخية، ومواجهة هذا التوسع يكون باحتوائها ضمن حدود لا تستطيع تجاوزها من دون كلفة مرتفعة23.

دمجت نظرية كينان عناصر الجغرافيا السياسية مع الحسابات الاستراتيجية، وفي أحيان كثيرة تمّت مقارنتها برؤية هالفورد ماكيندر حول أهمية السيطرة على قلب أوراسيا لفرض الهيمنة العالمية. غير أن التدقيق في أسس نظرية كينان يكشف تقاربًا أوثق مع أطروحة نيكولاس سبايكمان24، مُـنظّر حافة الأرض أو الريملاند، الذي اعتبر أن القوة الحاسمة تكمن في السيطرة على المناطق المحاذية لحافة أوراسيا، وليس على قلبها كما اعتقد ماكيندر.
في هذا السياق، يتقاطع منطق كينان مع سبايكمان في التركيز على أهمية تطويق الفضاء الأوراسي عبر تحالفات مرنة وقواعد عسكرية برية وبحرية. وهو ما يفسر الهيكل الدفاعي الذي بنته الولايات المتحدة على شكل طوق جغرافي يمر بأوروبا الغربية، تركيا، الشرق الأوسط واليابان25. هذه الفلسفة تتجلى بوضوحٍ في استراتيجية الناتو اليوم، حيث يتبع الحلف سياسة احتواء مرن تعزز الحضور في مناطق الحافة بدلًا من المغامرة في عمق قلب الأرض.

كما أن كينان لم يكن يشارك ماكيندر إيمانه بالمحدد الجغرافي كقوةٍ شبه حتمية في تشكيل مصير الأمبراطوريات، بل رأى عوامل مهمة في السلوك السياسي والقدرة على التكيف الاستراتيجي. أما ماكيندر فأعطى وزنًا حاسمًا للجغرافيا وبخاصةٍ في مقولته الشهيرة «من يسيطر على شرق أوروبا يسيطر على قلب الأرض، ومن يسيطر على القلب يسيطر على الجزيرة العالمية ومن يسيطر على الجزيرة يسيطر على العالم»، بينما آمن كينان بإمكانية إدارة التهديد الروسي بالضغط الاستخباراتي والدبلوماسي والاقتصادي، من دون الحاجة إلى التوغل أو السيطرة المكانية الكاملة.
ويُلاحظ أن نظرية كينان، على الرغم من مرور أكثر من سبعين عامًا على صياغتها، لا تزال تشكّل مرجعًا ضمنيًا في مقاربة الناتو للصراع مع روسيا، حتى وإن لم تُذكر بالاسم27. فالحلف، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حرص على تطويق روسيا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا من دون الانخراط المباشر في المعركة. أُعيد تموضع القوات في شرق أوروبا، وزُوّدت أوكرانيا بالأسلحة والدعم الاستخباراتي، وفُرضت على روسيا عقوبات اقتصادية، بينما تجنب الناتو الاصطدام المباشر مع موسكو، في ترجمة شبه دقيقة لمبادئ كينان الأصلية.
وهكذا، يبدو أن منطق الاحتواء ما زال حاضرًا بقوةٍ، لكن بصيغةٍ مُحدَّثة تُراعي المعطيات الدولية الجديدة، من ضمنها التوازنات الاقتصادية، مرونة التحالفات وخطر الانزلاق إلى حرب عالمية. بل ويمكن القول إن الصيغة الحالية للاحتواء أقرب إلى تكييف مشترك بين عقيدة كينان ورؤية سبايكمان، إذ تُعطي الأولوية لمناطق الريملاند، وضبط موازين القوى في محيط روسيا، بدلًا من استهداف القلب مباشرة وفق مقاربة ماكيندر. عبر التركيز على دعم أوكرانيا ودول البلطيق، وتعزيز الجبهات البحرية في البحر الأسود وبحر البلطيق، عن استراتيجية تحكمها بامتيازٍ حسابات الريملاند، وأثبتت نظرية كينان مرونتها وصلاحيتها في عالم متغير وتمتعت ببُعدٍ براغماتي مُحدث.
ثانيًا: دوغين، الهوية الحضارية ونظرية الجيوبوليتيك الأوراسي
قدّم ألكسندر دوغين – أحد أبرز المنظّرين الروس – رؤية جيوبوليتيكية مغايرة للعقيدة الغربية، انطلق فيها من أن روسيا هي كيان حضاري مستقل يجب أن يستعيد مركزه في النظام العالمي، وهي ليست مجرد دولة قومية. تستند أطروحة دوغين إلى مفاهيم الأوراسية، حيث يرى أن للفضاء الممتد من سيبيريا إلى أوروبا الشرقية سمات حضارية خاصة تختلف عن الغرب الليبرالي. ويؤمن بأن هذا الفضاء يتطلب قيادة روحية وثقافية تقف في وجه ما يراه اختراقًا غربيًا ماديًا يُفرغ الهويات من مضامينها28.
يُعيد دوغين قراءة التراث الجيوبوليتيكي الروسي انطلاقًا من رموزه الفكرية كلافروف29 وسافيتسكي30، مدمجًا ذلك بمفاهيم حول الوجود والهوية والروح القومية. ويعتبر أن روسيا مدعوة لإحياء الرسالة الأوراسية بوصفها مشروعًا مناهضًا للعولمة والنظام الليبرالي العالمي. في هذا السياق، تُشكّل الجيوبوليتيك عند دوغين وسيلة لتجديد الإمبراطورية الروسية في مواجهة الأطلسي، حيث ترتكز الجغرافيا على البنية الروحية، ويُفهم الصراع الجغرافي كامتدادٍ لصراعٍ حضاري كوني.

تحولت نظرية دوغين إلى مرجعية أيديولوجية للنظام الروسي الحالي، ويتردد صداها في خطابات الرئيس فلاديمير بوتين وممارسات السياسة الخارجية الروسية31. يتبدّى ذلك بوضوحٍ منذ التدخل في جورجيا في العام 2008، مرورًا بضم القرم في العام 2014، ووصولًا إلى الحرب الشاملة في أوكرانيا في العام 2022. يُقدّم الكرملين هذه التحركات كدفاعٍ عن مجال حضاري وتاريخي، وهو منطق يعكس بوضوحٍ البنية النظرية لدوغين.
وما يُضفي عمقًا على هذا الطرح هو ارتباطه بمبدأ السيادة المتعددة والرفض القاطع لهيمنة الغرب الليبرالي. فدوغين لا يقدّم مشروعًا توسعيًا بالمعنى الكلاسيكي، بل مشروعًا يهدف لإعادة التوازن العالمي من خلال إنهاء الأحادية القطبية. بهذا المعنى، يشكّل المشروع الأوراسي بديلًا حضاريًا واستراتيجيًا يُصارع على المسرح الجغرافي باسم الهوية والقيم.
ثالثًا: بين كينان ودوغين، حرب بالوكالة أم اشتباك مباشر؟
تجسّد الصدام بين نظرية كينان وعقيدة دوغين في أوكرانيا على نحو درامي ومباشر. فالميدان الأوكراني تحوّل إلى رقعة اختبار لجدوى كلا الرؤيتَين: هل يمكن للاحتواء الغربي أن ينجح في صد التوسع الروسي من دون اللجوء إلى الحرب؟ وهل تستطيع روسيا عبر الهجوم الاستباقي أن تعيد فرض نفوذها على مجال تعتبره جزءًا من عمقها الاستراتيجي؟
من جهة الغرب، اعتمد الناتو سياسة الدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي لأوكرانيا، من دون التدخل المباشر. ويشير بعض الباحثين إلى أن هذا النهج يعكس تطويرًا لمبدأ كينان في الاحتواء، ولكن بصيغة احتواء نشط تستثمر فيه أدوات غير مباشرة ومتعددة الأبعاد تهدف إلى ردع الخصم واحتوائه من دون خوض حرب شاملة33. ومن جهة روسيا، تم تبرير الغزو بوصفه حماية للأمن القومي ومنعًا للتوسع الأطلسي، لكن في العمق، تكشف الرواية الروسية عن رؤية حضارية تعتبر أوكرانيا جزءًا لا يتجزأ من المجال الروسي التاريخي.
ولعل ما يعمّق هذا الصراع هو البعد الرمزي لأوكرانيا في كلا المنظومتَين. فهي بالنسبة للغرب تمثّل خط المواجهة الأخير في وجه عودة الأنظمة السلطوية، ولروسيا هي بوابة الأمن القومي ودرع الأمة الأوراسية. وهكذا، لم تعد الحرب على الأراضي الأوكرانية تدور حول حدود جغرافية، بل حول الحدود الثقافية للنظام الدولي34.
وقد أخذ الصراع طابعًا هجينًا يتجاوز المعركة التقليدية إلى مستويات الحرب السيبرانية، الإعلامية والاقتصادية. نشهد اليوم تجليات ما بات يُعرف بـالحرب الهجينة Hybrid Warfare، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع شبكات معلوماتية والعقوبات الاقتصادية مع التعبئة الثقافية، في مشهد يُعيد تشكيل مفهوم القوة والنفوذ.
رابعًا: نهاية مرحلة أم بداية حرب باردة جديدة؟
يكشف تحليل هذا الصدام بين النظريتَين عن مفارقة عميقة: فبينما يتحدّث العالم عن نظام عالمي جديد، لا تزال النظريات الكلاسيكية في الجيوبوليتيك تحكم الفعل الاستراتيجي. لقد أثبتت الحرب في أوكرانيا أن منطق كينان، على الرغم من قِدمه، لا يزال حيًا في العمق الفكري والسياسي للناتو، حتى وإن لم يُصرّح به. كما أثبتت أن الرؤية الأوراسية لم تعد مجرد أطروحة فكرية أيضًا، بل تحوّلت إلى استراتيجية دولة35.
إن استمرار الحلف في اتباع سياسة الاحتواء غير المعلنة يُشير إلى أن أدوات الماضي لا تزال تُستخدم في إدارة صراعات الحاضر. وقد تكون أوكرانيا اليوم مسرحًا لحربٍ بالوكالة Proxy War كتجلياتٍ لحربٍ باردة جديدة، ولكن بصيغٍ مختلفة: حرب معلومات، حرب طاقة وحرب هوية. في المقابل، تسعى روسيا إلى إعادة ترسيم معادلة الأمن الأوروبي بشكلٍ يُجبر الغرب على الاعتراف بمصالحها.
ويبدو أن هذه الحرب قد أرست حدودًا جديدة للقوة والتأثير، حيث بات واضحًا أن التفوق لا يُقاس بالقدرات العسكرية فقط، بل بالقدرة على الصمود الاقتصادي والشرعية الخطابية. وهنا تبرز أهمية استقراء المستقبل: هل نحن أمام صراع مزمن طويل الأمد يعيد العالم إلى نموذج الانقسام القطبي، أم أن النظام الدولي سيتكيف لخلق توازن جديد أكثر مرونة؟
يبدو أن الإجابة ستتضح في مسار الصراع الأوروبي الداخلي، وفي قدرة الاتحاد الأوروبي على إعادة تعريف هويته الأمنية. وهو ما سنناقشه في القسم الثالث، الذي يتناول أثر الحرب الأوكرانية على التماسك الأوروبي والأمن الإقليمي، في ضوء التباينات داخل البيت الأوروبي والانقسام بين أولويات الجغرافيا والمصالح.

القسم الثالث
أثر الحرب الأوكرانية على التماسك الأوروبي والأمن الإقليمي
أعادت الحرب الروسية - الأوكرانية خلط أوراق الأمن الجماعي في القارة الأوروبية، ودفعت الدول إلى مراجعة أولوياتها الدفاعية، السياسية والاقتصادية. لم تكن هذه الحرب مجرد نزاع عسكري إقليمي، بل شكلت لحظة فاصلة في علاقة حلف شمال الأطلسي بأوروبا، سواء على مستوى التماسك بين الحلفاء أو في تفاعله مع الخصوم. من جهة، سرّعت الحرب من وتيرة التعاون الدفاعي داخل الناتو وأعادت تأكيد أهمية المادة الخامسة36؛ ومن جهة أخرى، أظهرت هشاشة الإجماع الأوروبي في ما يتعلق بالمواقف من روسيا، والعقوبات وتوزيع الأعباء. كما طرحت الحرب تحديًا لمفهوم السيادة الأوروبية وأثارت تساؤلات حول مستقبل الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. وقد أحدثت الحرب الروسية - الأوكرانية أيضًا، زلزالًا استراتيجيًا في بنية الأمن الأوروبي، وأعادت رسم حدود الثقة داخل الحلف الأطلسي وخارجه. فبينما أعاد الناتو التأكيد على التزامه بحماية أعضائه، ظهرت الشروخ داخل أوروبا التي تتعلق بتباين المقاربات، تفاوت التحمل الاقتصادي واختلاف الأولويات الوطنية.
يتناول هذا القسم التأثيرات المتداخلة للحرب على مستوى العلاقة بين الناتو وأوروبا، مسلطًا الضوء على التحولات التي طالت بنية الحلف، واختبارات الثقة داخل الاتحاد الأوروبي، والاحتمالات المستقبلية لتموضع القارة في ظل النظام العالمي المتحول. ويتناول ، تحليل التأثيرات الإيجابية والسلبية التي خلفتها الحرب على علاقة حلف شمال الأطلسي مع أوروبا أيضًا، سواء على مستوى الحلفاء أو الخصوم، مع التطرق إلى سيناريوهات محتملة لمسارات إعادة التوازن داخل القارة.
أولاًً: التأثيرات الإيجابية، تعزيز اللحمة الأطلسية وتفعيل الردع
شكلت الحرب الأوكرانية لحظة مفصلية في استعادة الناتو لدوره التقليدي كركيزةٍ مركزية للأمن الأوروبي، إذ دفعت إلى تفعيل مبدأ الردع الجماعي وتوحيد الجهود العسكرية بين الدول الأعضاء. فمع تصاعد التهديدات الأمنية، بدا الحلف أكثر تنبهًا لأهمية التنسيق العملياتي والاستعدادات المشتركة، وهو ما أُبرز في خطاباته الاستراتيجية المختلفة. وانعكس في قرارات قادة الحلف في قمة مدريد حزيران 2022 القاضية بتعزيز الجناح الشرقي للحلف بوحدات انتشار سريع وبنية تحتية دفاعية متقدمة. يُعد ذلك مؤشرًا على تحوّل في استراتيجية الحلف نحو الجاهزية والمرونة، بما يعكس تفاعلًا تكتيًا واستباقيًا مع التطورات الجيوسياسية.

أما على الصعيد السياسي فقد تجددت الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا بعد فترة من الفتور، ما ساعد في تقوية الانسجام داخل الحلف. عكست هذه التطورات عودة مركزية الحلف كمظلة أمنية ذات مصداقية، وأعادت رسم علاقات الثقة داخل منظومة الأمن الأطلسي38.
انضمت بدافعٍ من الخطر المشترك بعض الدول الأوروبية الحيادية تاريخيًا مثل السويد وفنلندا إلى الحلف. تعززت شرعية الناتو كخيار حماية لا بديل عنه في المدى المنظور مع تحوّل في التصورات الأمنية العامة. ومع واقع جيوسياسي مضطرب تمثّل المكسب الإيجابي في قدرة الحلف على التكيف السريع وتحويل التهديد إلى فرصة لتجديد الالتزام الجماعي وإعادة تصويب بوصلته الاستراتيجية.
ثانيًا: التأثيرات السلبية، تصدّع الثقة داخل الاتحاد الأوروبي وتضارب الأولويات
على الرغم من التماسك الظاهري الذي أبدته أوروبا في دعم أوكرانيا، إلا أن الحرب كشفت عن تباينات بنيوية في مواقف الدول الأوروبية، ما أضعف مفهوم الوحدة السياسية داخل الاتحاد الأوروبي وأعاد إحياء الانقسامات التقليدية بين شرق القارة وغربها، وبين دول الشمال والجنوب. فمن جهة، بدت دول مثل ألمانيا وفرنسا حذرة في مقاربة التصعيد، بينما أظهرت دول أوروبا الشرقية وفي مقدمها بولندا ودول البلطيق تشددًا في موقفها من روسيا ودعت إلى تعزيز الردع.
انعكس هذا الاختلاف في الآراء على مستوى الاستجابة للعقوبات، حيث ترددت بعض الدول في تطبيق سياسات قد تضر باقتصاداتها التي تعتمد على الطاقة الروسية. كما حصل تضارب في تحديد أولويات الإنفاق العسكري مقابل الاحتياجات الاجتماعية بسبب اختلاف الهواجس الأمنية، الأمر الذي خلق توترًا داخليًا في عدد من الحكومات الأوروبية.
كما طرحت الحرب بالإضافة إلى ذلك، إشكالية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وقد سعت فرنسا وبعض الدول للدفع بهذا المفهوم قُدُمًا، إلا أن اعتماد أوروبا المتجدد على الحماية الأميركية عزز منطق التبعية الأطلسية، ما أضعف الطموحات القارية بتشكيل منظومة دفاعية ذاتية. وبرزت تساؤلات حول قدرة أوروبا على اتخاذ قرارات مستقلة في ما يخص أمنها، وبخاصةٍ في ظل تفوّق واشنطن في قيادة الموقف والتنسيق العسكري.
وقد أفرزت الحرب توترًا بين بعض دول الناتو والاتحاد الأوروبي أيضًا، كما في حالة تركيا التي تمارس سياسة مغايرة في عدة ملفات، وهو ما يضيف طبقة من التعقيد للعلاقات داخل المعسكر الغربي. وترافق ذلك مع صعود تيارات شعبوية في بعض الدول الرافضة لمزيدٍ من الانخراط في الصراعات الخارجية.
ثالثًا: الناتو بين أعداء الخارج وأخصام الداخل
في ظل غياب العداء التقليدي داخل القارة، يواجه الناتو اليوم خصومًا جيوسياسيين غير متجانسين، حيث تتجلى التحديات في قيام روسيا بزعزعة استقرار الحدود الشرقية للحلف عبر أدوات هجينة تشمل الحروب السيبرانية، المناورات الإعلامية، استعراض القوة واحتلال بعضًا من الأراضي الأوكرانية وفتحها ممرًا نحو شبه جزيرة القرم.
وقد برزت ملامح الردع المعاكس من قبل موسكو، التي تسعى إلى تقويض شرعية الناتو في الرأي العام الأوروبي والعالمي، عبر تصوير الحلف كمصدر تهديد للأمن بدلًا من كونه ضامنًا له. يُضاف إلى ذلك، استثمار روسيا في الانقسامات الأوروبية، وتوظيفها في سياق معركتها الأوسع ضد النظام الأمني القائم منذ نهاية الحرب الباردة.
ومن ناحية أخرى، تُظهر بعض الدول على أطراف الناتو، مثل صربيا، ميلًا إلى التماهي مع الخطاب الروسي، ما يطرح إشكاليات تتعلق بحدود النفوذ الأطلسي ضمن الفضاء الأوروبي، وقدرة الحلف على صياغة استراتيجية احتواء فعالة39. هذا الواقع يعكس حالة من التعددية في التهديدات، فضمان تحصين الجبهة الأوروبية من الداخل، يتطلب من الناتو ليس تعزيز قوته الصلبة فقط، بل تطوير أدواته الناعمة وتوسيع تأثيره السياسي والاقتصادي أيضًا.
رابعًا: ماذا في المستقبل، هشاشة في الوحدة أو تحوّل استراتيجي؟
شكّلت الحرب الأوكرانية نقطة تحوّل بنيوية في مسار العلاقة بين أوروبا والناتو، ماذا في مستقبل هذه العلاقة؟ سنعرض في هذه الدراسة أكثر السيناريوهات احتمالًا من بين عدة سيناريوهات مطروحة.
1.السيناريو الأول: أوروبا مستقلة بدفاعها
تسعى أوروبا لبناء قدرة دفاعية ذاتية، تُحرر القرار الأمني للقارة من الهيمنة الأميركية وتمنح الاتحاد الأوروبي استقلالية استراتيجية حقيقية. الفكرة ليست جديدة؛ بل تعود جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، وتكرست لاحقًا في مبادرات مثل السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي، ومشروع السيادة الاستراتيجية الذي دعت إليه فرنسا بقوةٍ في العقد الأخير.
في هذا السيناريو، تعمل الدول الأوروبية على تطوير صناعاتها العسكرية المشتركة، وتوحيد العقائد القتالية، وإنشاء قوة رد سريع أوروبية مستقلة. سيكون على الاتحاد الأوروبي استحداث آليات تمويل جماعية للدفاع أيضًا، وتأسيس قيادة موحدة تتجاوز الانقسامات الوطنية وتضمن استجابة منسقة للأزمات. من الناحية النظرية، من شأن هذا النموذج أن يمنح أوروبا القدرة على حماية أمنها وحدودها، من دون الارتهان للضمانات الأميركية أو الخضوع لشروط الناتو.
لكن على الرغم من هذه الجاذبية النظرية، يواجه هذا السيناريو عراقيل كبيرة. أولها الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي: دول الشرق والشمال تعتبر التهديد الروسي وجوديًا وترفض أي مشروع قد يبدو وكأنه بديل عن الضمانة الأميركية. في المقابل، دول مثل فرنسا وألمانيا أكثر ميلًا إلى فكرة الاستقلالية الدفاعية، لكن حتى بينهما تبرز خلافات حول القيادة والتمويل والأولويات الاستراتيجية.
علاوة على ذلك، يفتقر الاتحاد الأوروبي حتى اليوم إلى إرادة سياسية موحدة لتمويل هذه الطموحات بشكلٍ كافٍ. الالتزامات المالية الدفاعية موزعة وغير منسقة، ومعظم العقود الكبرى تذهب إلى شركات أميركية في إطار الناتو، ما يعيد تدوير التبعية الصناعية. البيروقراطية الأوروبية، وطول آليات اتخاذ القرار، تجعل من الصعب الاستجابة السريعة للأزمات، وهو ما يقلل من مصداقية أي قوة ردع أوروبية مستقلة في المدى القريب. كما أن مظلة الناتو القائمة توفر حماية نووية يصعب على أوروبا تعويضها بمفردها، في ظل غياب إرادة واضحة لتطوير قدرات ردع نووي أوروبي مستقل، واعتمادها شبه الكامل على القدرات الأميركية في هذا المجال41. التهديدات الهجينة مثل الهجمات السيبرانية تحتاج إلى استثمارات ضخمة وتنسيق استخباراتي معقد أيضًا لا يزال في مراحله الأولى أوروبيًا.
وأخيرًا، أثبتت الحرب الأوكرانية – بدلًا من دفع الاتحاد نحو الاستقلال الدفاعي – أنها زادت من اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، التي فرضت نفسها كضامنٍ للأمن لا بديل عنه. تزايد الإنفاق العسكري على تعزيز البنية الأطلسية، وتم تعزيز القرارات الاستراتيجية الكبرى التي جرى اتخاذها بإطار الناتو مثل إمداد أوكرانيا بالأسلحة.
يصطدم هذا السيناريو بالواقع السياسي المنقسم، والقيود المالية والضغوط الأمنية التي تضع أمام أوروبا الناتو كخيارٍ جاهزٍ وفعالٍ ولو على حساب سيادتها الكاملة. يظل هذا السيناريو مؤجلًا إلى مرحلة لاحقة تتطلب توافقًا سياسيًا أعمق، واستثمارًا طويل الأمد في القدرات الدفاعية الذاتية.
2. السيناريو الثاني: تعزيز اللحمة الأطلسية
يُتوقع في هذا المسار أن تتجه أوروبا إلى توطيد شراكتها الدفاعية مع الولايات المتحدة الأميركية ضمن إطار الناتو، مع توسيع الانتشار العسكري في شرق أوروبا، ورفع جاهزية قوات الردع الجماعي. مثّلت الحرب الأوكرانية جرس إنذار مدوي كشف هشاشة الترتيبات الأمنية الأوروبية، وأعاد الاعتبار لمبدأ الردع الجماعي الذي يقوم عليه الناتو منذ تأسيسه42. واستجابة للضغوط الأميركية لزيادة المساهمات المالية، رفعت الدول الأوروبية ميزانياتها الدفاعية بشكلٍ غير مسبوق وصلت إلى 5% من الناتج المحلي في بعض الدول. يتضمن هذا السيناريو عدة جوانب، منها العسكري الضيق ومنها التعاون الاستخباراتي وتكثيف التدريبات المشتركة وإنشاء بنى تحتية دفاعية متقدمة في بولندا ورومانيا ودول البلطيق. ويسعى إلى تحديث القدرات السيبرانية لمواجهة التهديدات الهجينة التي يتسم بها الصراع الحديث مع روسيا بالإضافة إلى تشديده على تكامل أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي.
أرسلت الولايات المتحدة بدورها إشارات قوية تؤكد التزامها بأمن أوروبا، عبر نشر قوات إضافية، وتوسيع الضمانات الأمنية، ما أعاد بناء الثقة المتصدعة بين ضفتَي الأطلسي بعد سنوات من التوترات في عهد إدارة ترامب الأولى. هذه العودة الأميركية القوية أعادت التوازن الداخلي داخل الناتو، وأقنعت العديد من الدول الأوروبية بأن التحالف مع واشنطن يظل الخيار الأكثر واقعية وفاعلية لضمان أمنها في بيئة دولية مضطربة.
تخلق الانقسامات بين دول الشرق والغرب صعوبة في إنشاء منظومة دفاعية أوروبية موحدة ومستقلة عن الناتو. فالدول الشرقية ترى في روسيا تهديدًا وجوديًا، أما الدول الغربية فهي ميالة إلى الحياد النسبي والديبلوماسية.

من جهة أخرى، أوجد هذا السيناريو فرصة ذهبية للولايات المتحدة للحد من طموحات روسيا والصين معًا، وتأكيد دورها كقوةٍ ضامنة للاستقرار الدولي. يتيح الناتو للولايات المتحدة الأميركية الإمساك بمفاتيح الأمن الأوروبي بيدها، ويسمح لها بتوجيه سياسات حلفائها وتنسيق المواقف في أزمات عالمية أخرى، من الشرق الأوسط إلى بحر الصين الجنوبي.
لذلك، وعلى الرغم من الانتقادات الأوروبية حول التبعية الاستراتيجية، يظل هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأمد المنظور، باعتباره الحل العملي الأقل كلفة سياسية وأمنية. فهو يضمن الردع الفوري في مواجهة روسيا، ويوفر مظلة أمنية مجربة ومعترفًا بها، من دون الحاجة إلى بناء هياكل جديدة من الصفر. في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، وتفاقم التهديدات الأمنية في الشرق الأوسط، كما أظهرت المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية الأخيرة، تبدو أوروبا أكثر ميلًا إلى الاحتماء بالمظلة الأطلسية، ولو على حساب أحلام السيادة الاستراتيجية. إنه خيار براغماتي يوازن بين الحاجة الملحة للأمن الجماعي والاعتراف بالقيود السياسية والاقتصادية التي تعرقل الدفاع الأوروبي المستقل.
القسم الرابع
الناتو: عصا أميركية في دواليب النظام العالمي
حين اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية، كان السرد الرسمي في الغرب يعتبرها اعتداء سافرًا من قوة توسعية يجب ردعها. لكن خلف هذا الخطاب، يكشف التدقيق في الأبعاد الاستراتيجية عن صراع أوسع يتعلق بإعادة رسم شكل النظام العالمي. حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس في خضم الحرب الباردة كدرعٍ جماعي ضد الاتحاد السوفياتي، لم يكتفِ بعد انهيار خصمه التاريخي بإعادة تعريف دوره دفاعيًا، بل سعى إلى عولمة مهمته، متبنيًا عقيدة التدخل خارج محيطه الجغرافي التقليدي لحماية مصالح أعضائه، وبشكلٍ خاص المصالح الأميركية.
هذا التحوّل لم يكن مجرد تغيير في بنود ميثاقه، بل كان تعبيرًا عن رؤية استراتيجية أميركية أعمق: احتواء روسيا والصين ومنع أوراسيا من أن تتوحد تحت أي شكل يهدد التفوق الغربي. توسّع الناتو شرقًا كان رسالة سياسية وعسكرية لروسيا، التي رأت فيه تهديدًا وجوديًا مباشرًا وخرقًا صريحًا لضماناتٍ سابقة. توسعت الهوة بين موسكو والغرب، وأظهرت موجات التوسع أن الصدام المسلح في أوكرانيا مسألة وقت لا أكثر.
في هذه المقاربة، برز المهندس الرئيس الذي يستخدم الناتو أداة لإدارة الأمن الأوروبي وفق مصالحه ألا وهو الولايات المتحدة، التي تبقى يدها الراسمة لحدود التحرك وتحديد خطوط الردع والتصعيد على الرغم من الخطاب الأطلسي عن التضامن والدفاع المشترك. من جهتها، وجدت أوروبا نفسها معلقة بين رغبتها في بناء استقلال دفاعي حقيقي، وبين واقع الاعتماد التاريخي على الحماية الأميركية. تصريحات ماكرون حول موت الناتو دماغيا44، وانتقادات ترامب بأن الحلف شيء من الماضي45، تعكس بوضوحٍ هذه الأزمة في الرؤية والشراكة.
هذا القسم لا يكتفي بوصف الناتو كحلفٍ دفاعي، بل يحاول أن يعرّي طبيعته بوصفه أداة جيوسياسية في يد القوة الأميركية، تسعى من خلالها واشنطن إلى ضبط الحلفاء والخصوم معًا، ومنع أي توازن عالمي جديد قد يزعزع هيمنتها. وهكذا، فإن الحرب الأوكرانية ليست مجرد أزمة إقليمية، بل قد تكون الضربة الاستباقية المزدوجة التي تمنع أوروبا وروسيا معًا من تأدية أي دور مستقبلي في رسم النظام العالمي المقبل.
أولاًً: الناتو في وجهه الخفي
بتعريفه الرسمي، يضمن الناتو الأمن والاستقرار في أوروبا كتحالفٍ جماعي دفاعي. ويظهر دوره بشكلٍ غير رسمي كأداةٍ استراتيجية في خدمة المصالح الأميركية، تُستخدم لتوجيه خيارات أوروبا العسكرية والاقتصادية ولضبطها سياسيًا وأمنيًا بما يضمن استمرار التفوق الغربي بقيادة واشنطن.
هذا الوجه الخفي للناتو بات أكثر وضوحًا مع الحرب الأوكرانية وتصاعد التوترات العالمية. فالولايات المتحدة، تحت شعار تقاسم الأعباء، فرضت منذ سنوات مطلبًا برفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي. إلا أن قمة هولندا الأخيرة حزيران 2025 شهدت ضغطًا غير مسبوق للمطالبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرفع المساهمة إلى 5% من موازنات الدول الأعضاء، بذريعة مواجهة التهديد الروسي وضمان الجاهزية الجماعية46.
يُملي الأمن الجماعي بقيادة الولايات المتحدة، آلية إعادة هندسة الأولويات الاقتصادية الأوروبية، فيتم الاقتطاع من قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية لصالح التسلح. تتحوّل هذه الموازنات إلى دعم مباشر للاقتصاد الأميركي وتمنح واشنطن نفوذًا طويل الأمد على القدرات العسكرية الأوروبية إذ تُوجه معظم العقود الدفاعية الجديدة نحو الشركات الأميركية، فيتم تعزيز التبعية الأوروبية للمجتمع الصناعي العسكري الأميركي ويروج لشرط مواجهة التهديد الروسي وضمان الجاهزية الجماعية على أنه ضرورة استراتيجية.

كما نصّت مقررات قمة هولندا على تعزيز الانتشار المتقدم في أوروبا الشرقية، خصوصًا في البلطيق وبولندا ورومانيا. هذا التموضع لا يهدف إلى ردع روسيا فقط، بل يرسم حدود النفوذ الأميركي داخل أوروبا، ويحول دون تطوير أي قدرة دفاعية أوروبية مستقلة. إذ يضع القدرات الأوروبية تحت إمرة القيادة الأطلسية ويُبقي القرار العملياتي بيد واشنطن.
يضاف إلى ذلك، أنّ الولايات المتحدة تعارض أي مشروع دفاعي أوروبي موازٍ أو تكميلي خارج هيكل الناتو، خشية أن يمنح أوروبا هامش استقلال في تحديد سياساتها الأمنية. حتى المفاهيم التي روّج لها قادة أوروبيون مثل السيادة الاستراتيجية الأوروبية أو الركن الأوروبي في الناتو تصطدم في الواقع برفضٍ أميركي فعلي، يتم تغليفه بخطاب الوحدة الأطلسية.
في ضوء هذه التناقضات، يغدو السؤال الجوهري: هل يضمن الناتو الأمن الأوروبي فعلًا؟ أم أنه أداة تستخدمها الولايات المتحدة لمنع ولادة قوة أوروبية مستقلة، ولإبقاء القارة في موقع التابع الاستراتيجي الذي يدفع الفاتورة ويقبل بشروط القوة المهيمنة؟
ثانيًا: أوروبا، الخيار الصعب بين التبعية والاستقلال
يشكّل الناتو والاتحاد الأوروبي بنيتَين متباينتَين في جوهرهما، ليس في الأهداف فقط، بل في الفلسفة السياسية والأمنية. إذا كان الناتو تجسيدًا صريحًا للقوة الصلبة والعسكرية التي تعتمد على الردع والتدخل، فإن الاتحاد الأوروبي قام على تصوّر مغاير للأمن، يقوم على القوة الناعمة والدبلوماسية والتكامل الاقتصادي والسياسي.
هذا التباين ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل يعكس رؤيتَين متعارضتَين للعالم وعلاقات القوة. الاتحاد الأوروبي بُني على فكرة تجاوز السيادة القومية الضيقة، والتأسيس لمجتمعٍ سياسي مشترك يُدير المصالح بالخلاف والتفاوض، وليس بالإملاء العسكري. تجسدت هذه الفلسفة في آليات الحكم المشترك، صياغة معايير موحدة لحقوق الإنسان وحكم القانون، وفي السياسات التوسعية عبر الشراكات الاقتصادية.
أما الناتو، فيفرض منطقًا استراتيجيًا مبنيًا على التحالفات العسكرية، الاصطفافات الأمنية، والردع النووي. يرى في القوة العسكرية أداة أساسية لصون النظام الدولي، ويعتبر التهديدات الأمنية مبررًا لتوسيع دوره ونفوذه. مع الحرب الأوكرانية، بدا أن هذه الفلسفة العسكرية غلبت تمامًا على الساحة الأوروبية، مُلزمة الحكومات بزيادة ميزانياتها الدفاعية، حتى لو جاء ذلك على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثمار في البنى التحتية.
ومع تصاعد الضغوط لتوحيد الجبهة ضد روسيا، بات النقاش الأوروبي حول السيادة الاستراتيجية يواجه معضلات عملية. برامج الدفاع المشتركة الأوروبية ظلت حبرًا على ورق في كثير من الأحيان، بسبب الخلافات بين الدول الأعضاء، تفاوت المصالح، وعدم الرغبة في التخلي عن الضمانة الأميركية. هذا التناقض الداخلي عطّل بناء صناعة دفاعية أوروبية متكاملة، وأبقى مشتريات الأسلحة موجهة بشكلٍ كبير نحو السوق الأميركية48.
كما غذّت هذه الدينامية خلافات سياسية داخل الاتحاد نفسه. دول في الشرق الأوروبي ترى في الولايات المتحدة حليفًا ضروريًا، ترفض أي إشارة للحياد أو التهدئة مع موسكو، وتطالب بتصعيدٍ دائم. في المقابل، تعبّر دول أخرى عن تردد في منطق التصعيد، وتحاول الموازنة بين دعم أوكرانيا والحفاظ على قنوات التواصل مع روسيا، أو على الأقل تجنّب انجرار طويل الأمد إلى سباق تسلح جديد يرهق اقتصاداتها.
أبعد من ذلك، يثير الناتو إشكالية تحديد أولويات الأمن الأوروبي: هل يحق لدولةٍ كبرى مثل الولايات المتحدة أن تحدد وحدها من هو العدو ومن هو الشريك؟ هذا السؤال ليس نظريًا فقط، بل يحمل تبعات استراتيجية عميقة، لأنه يحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة سياسة خارجية موحدة ومستقلة، تحمي مصالحه الخاصة في عالم متعدد الأقطاب.
في النهاية، يظهر أن الناتو لا يضمن الأمن العسكري فقط، بل يحدد ملامح السياسة الأوروبية، ويقيّد إمكانات التحرك المستقل أيضًا. إنه إطار أمني يفرض قواعد اللعبة على أعضائه، ويعيد إنتاج التبعية السياسية والاستراتيجية، حتى مع اعتراف الجميع بالحاجة إلى الردع الجماعي في وجه التهديدات49. تقف أوروبا بهذا المعنى أمام معضلة عميقة: كيف توفّق بين حاجتها للقوة الصلبة التي يوفرها الناتو، ورغبتها في صياغة هوية سياسية وأمنية مستقلة تعكس قيمها وطموحاتها الخاصة؟
ثالثًا: الحرب الأوكرانية، ضربة مزدوجة؟
لطالما جرى تقديم الناتو باعتباره تحالفًا دفاعيًا جماعيًا قائمًا على مبادئ الشراكة والمساواة بين الأعضاء. غير أن تحليل أعمق لدينامياته يُظهر أنه في جوهره أداة جيوسياسية مُكرّسة لتحقيق المصالح الأميركية، ليس عبر احتواء روسيا فقط، وإنما من خلال ضبط أوروبا ذاتها ومنع تحررها من المدار الاستراتيجي الأميركي أيضًا.
في بعده الأول، يُعيد الناتو اليوم إحياء مبدأ الاحتواء الذي صاغه جورج كينان خلال الحرب الباردة. لكن في صيغته المعاصرة، لم يعد الأمر يقتصر على مواجهة الاتحاد السوفياتي ككتلةٍ أيديولوجية صلبة، بل بات يهدف إلى إضعاف روسيا الحديثة ومنعها من استعادة أي نفوذ استراتيجي في جوارها القريب50. توسّع الحلف شرقًا منذ التسعينيات، على الرغم من اعتراضات موسكو، لم يكن مجرد سياسة أبواب مفتوحة، بل استراتيجية منهجية لإغلاق المنافذ أمام أي مشروع أمني أوراسي بديل.

رأت روسيا من جانبها في هذا التمدد خرقًا للتوازنات التي أنهت الحرب الباردة، وتهديدًا لمجالها الحيوي المباشر. رفض واشنطن تقديم أي ضمانات بعدم توسع الناتو، وصولًا إلى حدود روسيا، شكّل في نظر الكرملين اعتداء غير مباشر يستوجب الرد. وهكذا، ساهمت هذه الدينامية في تأجيج التوترات التي انفجرت حربًا في أوكرانيا، إذ يصفها البعض بأنها نبوءة تتحقق بفعل سياسة الاحتواء الاستباقي.
لكن البعد الثاني والأكثر خفاء لهذا الاحتواء المزدوج هو استهداف أوروبا نفسها. عبر الناتو، تضمن واشنطن بقاء القارة منقسمة سياسيًا واستراتيجيا وغير قادرة على صياغة سياسة دفاعية موحدة ومستقلة. أي مشروع أوروبي لبناء قدرة دفاعية مشتركة يصطدم بقيودٍ بنيوية فرضها النظام الأطلسي، سواء من خلال البنية القيادية التي تترك القرار النهائي في يد أميركا، أو من خلال الاعتماد العسكري والتكنولوجي العميق على القدرات الأميركية.
حتى الإنفاق الدفاعي الأوروبي المتزايد، الذي يُعرض كالتزامٍ جماعي لمواجهة روسيا، ينتهي في معظمه في السوق الأميركية. وبهذا المعنى، فإن الحلف لا يوفر الأمن فقط، بل يعيد تدوير الموارد الأوروبية وإنتاج التبعية الاقتصادية والعسكرية. إنه يضمن أن يظل القرار الأوروبي مقيدًا بمعايير الأمن الجماعي كما تحددها واشنطن، وليس وفق تقييمات المصالح الأوروبية الذاتية.
إضافة إلى ذلك، يسمح هذا الإطار لواشنطن بأن تكون الضامن والحَكم في أي انقسامات داخلية أوروبية، مانعة أي مشروع قاري مستقل قد يُنافسها في إدارة النظام العالمي. في جوهره، يعمل الناتو كعصا جيوسياسية مزدوجة الاستعمال: تردع روسيا عبر تطويقها عسكريًا وتشل طموحات أوروبا لتأدية دور مستقل.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح النقاش حول الناتو أبعد بكثيرٍ من قضية عضوية أو دفاع مشترك. إنه سؤال عن شكل النظام الدولي نفسه: هل ستظل أوروبا ساحة تنافس للقوى الكبرى، أم تتمكن يومًا من بناء مقاربة مستقلة ومتوازنة تحفظ مصالحها وتمنحها صوتًا في صياغة المستقبل العالمي؟
رابعًا: الحرب الأوكرانية والنظام العالمي الجديد، الولادة المؤجلة
منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، بدا واضحًا أنها ليست مجرد نزاع حدودي تقليدي، بل تُعد مسرحًا لصراعٍ استراتيجي أكبر يعيد تشكيل موازين القوى الدولية52.
في هذا السياق، يظهر أن أحد الأهداف الضمنية والأكثر خطورة لهذا الصراع هو استنزاف روسيا وأوروبا معًا، بحيث تخرجان منهكتَين اقتصاديًا وعسكريًا، وتفقدان قدرتهما على تأدية أي دور مستقل أو مؤثر في صياغة النظام العالمي الجديد.
روسيا، على الرغم من كونها قوة نووية كبرى ووريثة لإمبراطورية شاسعة النفوذ، تجد نفسها اليوم غارقة في حرب طويلة الأمد، تستنزف مقدراتها المالية، مواردها البشرية، وصورتها الدولية. شلت العقوبات الغربية قطاعات اقتصادية حيوية، وجعلت موسكو أكثر اعتمادًا على شراكات غير متكافئة مع الصين والهند وإيران، ما يحد من استقلال قرارها الاستراتيجي. وفي حال استمرار الحرب أو حتى الوصول إلى تسوية هشة، ستظل روسيا منشغلة بإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية، ما يجعلها بعيدة عن تأدية دور قيادي في النظام الدولي المقبل.
في المقابل، أوروبا بدت موحدة ظاهريًا في مواجهة موسكو، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا. الإنفاق الدفاعي المتسارع أنهك الميزانيات العامة، وأدى إلى اقتطاعات في الإنفاق الاجتماعي، بينما خلقت أزمات الطاقة وتضخم الأسعار احتقانات سياسية داخلية وتباينات بين دول الاتحاد. الأهم أن الاعتماد المتجدد على المظلة الأمنية الأميركية قضى على أي طموح جدي ببناء سيادة استراتيجية أوروبية مستقلة. تخرج أوروبا في هذا السياق من الحرب أقل تماسكًا، أقل استقلالية، وأكثر هشاشة أمام التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
هذا الاستنزاف المزدوج يُقصي فعليًا روسيا وأوروبا معًا من قائمة اللاعبين المرشحين للمشاركة في صياغة النظام العالمي الجديد، ما يترك الساحة عمليًا أمام قوتَين: الولايات المتحدة والصين. لكن تظهر هنا مفارقة إضافية، على الرغم من صعودها الاقتصادي الهائل، لا تزال الصين تفتقر إلى النفوذ العسكري العالمي المتكافئ مع الولايات المتحدة. لا ينافس أسطولها البحري بعد، وإن كان في طور البناء، القدرة الأميركية على نشر القوى واستعمال القوة في أي مكان في العالم.
أضف إلى ذلك أن إدارة ترامب، من خلال سياسة التعرفات الجمركية والحرب التجارية، نجحت إلى حد كبير في كبح جماح النمو الصيني ومنع تحوّله إلى تفوق تقني وهيكلي شامل. وحتى اليوم، لا يمكن القول إن الصين ند حقيقي متكافئ مع الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي، على الرغم من كونها المرشح الأقوى على المدى الطويل53.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن الولايات المتحدة، من خلال إدارة الحرب الأوكرانية ومن خلال أدوات مثل الناتو، نجحت في تأخير ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب، وأبقت النظام أحادي القطب قائمًا، وإن كان مترنحًا. تدخّلها الحاسم في الحرب الإيرانية - الإسرائيلية وإنهاؤها بسرعةٍ، دليل إضافي على قدرتها على فرض إرادتها ومنع تمدد النزاعات بما يهدد استقرار النظام الذي تديره.
إن الحرب الأوكرانية، بهذا التحليل، لم تكن مجرد صراع جغرافي سياسي في أوروبا الشرقية، بل كانت أداة استراتيجية لإعادة رسم التوازنات الدولية، وتثبيت استمرار القيادة الأميركية للعالم، ولو إلى حين.

الخلاصة
في ضوء ما سبق، يتبيّن أن الحرب الروسية – الأوكرانية لم تكن مجرد نزاع حدودي بين دولتَين جارتَين، بل لحظة كشف استراتيجي أعادت تعريف العلاقة المعقدة بين حلف الناتو وأوروبا، وأثّرت عميقًا في بنية النظام الدولي. لقد طرحت هذه الحرب سؤالًا مركزيًا عن قدرة الناتو على الحفاظ على أمن أوروبا، وكشفت هشاشة مفهوم السيادة الاستراتيجية الأوروبية في مواجهة حقائق الاعتماد الأمني والسياسي على الولايات المتحدة.
في معالجة الإشكالية المطروحة: كيف أعادت الحرب تعريف العلاقة بين الناتو وأوروبا وما هي تأثيراتها في توازن القوى الإقليمي والدولي؟ برزت ثلاثة محاور أساسية:
أولًا، من الناحية النظرية، برزت أطر قديمة - جديدة لإدارة الصراع. على الضفة الغربية، عادت عقيدة الاحتواء التي صاغها جورج كينان إلى الواجهة، وإن بصيغةٍ مُحدّثة تُراعي المرونة والتحالفات الإقليمية، وتركز على تطويق روسيا من دون مواجهة مباشرة. على الضفة الأخرى، تمظهرت رؤية ألكسندر دوغين الأوراسية كإطارٍ أيديولوجي للصراع، تؤكد البعد الحضاري والروحي لروسيا وتبرر هجومًا استباقيًا لحماية مجالها الحيوي. الحرب في أوكرانيا جسدت هذا الاشتباك النظري على الأرض، محولة الفضاء الأوراسي إلى مسرح مواجهة بين استراتيجيات ردع غربية وهجوم أوراسي.
ثانيًا، على الصعيد الأوروبي الداخلي، أثرت الحرب في التماسك السياسي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من وحدة الصف الظاهرية في دعم أوكرانيا، كشفت الخلافات العميقة بين دول الشرق والغرب حول حجم الدعم، العقوبات والإنفاق العسكري. عززت الحرب من اعتماد أوروبا على المظلة الأمنية الأميركية وهكذا، بدا مشروع السيادة الاستراتيجية الأوروبية أكثر هشاشة في ظل الحاجة إلى الردع الجماعي الذي يقدّمه الناتو بقيادة أميركا.
ثالثًا، على مستوى توازن القوى الدولي، ساهمت الحرب في استنزاف روسيا وأوروبا معًا. روسيا غارقة في حرب طويلة الأمد استنزفت مواردها الاقتصادية والعسكرية وأفقدتها بعضًا من نفوذها التقليدي، أما أوروبا فدفعت تكلفة اقتصادية واجتماعية عالية نتيجة تضخم الأسعار وأزمات الطاقة والإنفاق الدفاعي المتزايد. هذا الاستنزاف المتبادل يُضعف الطرفَين كمرشحَين لتأدية دور مستقبلي أو قيادي في النظام العالمي الجديد، ويُبقي الساحة مهيأة للولايات المتحدة لتستمر كقوةٍ مسيطرة، وإن كانت تواجه تحديًا صاعدًا من الصين.
لكن المفارقة هنا أن الصين، على الرغم من صعودها الاقتصادي الكبير، لا تزال تفتقر إلى القدرات العسكرية والانتشار العالمي المتكافئ مع الولايات المتحدة، في حين تعمل واشنطن بفعاليٍة لاحتواء طموحاتها، كما أظهرت سياسات التعريفات الجمركية والحرب التجارية، وحتى الدور الأميركي الحاسم في إنهاء الحرب الإيرانية - الإسرائيلية الأخيرة. هذا يُرجح أن ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب ستظل مؤجلة، وأننا أمام استمرار نظام دولي أحادي القطب، لكن أكثر اضطرابًا وتنافسية.
في الختام، يمكن القول إن الحرب الروسية - الأوكرانية أعادت تفعيل نظريات الجيوبوليتيك الكلاسيكية، وأظهرت حدود مشروع أوروبا المستقلة، وأظهرت دور الولايات المتحدة الأميركية في الناتو كضابط إيقاع لأداء الحلفاء، ورادع للخصوم معًا. إنها لم تُسرّع في بناء نظام عالمي جديد، بل أعاقت تشكّله، تاركة أسئلة مفتوحة حول مستقبل الأمن الأوروبي، توازنات القوى وشكل النظام الدولي في العقود المقبلة.

المصادر والمراجع
باللغة العربية
1. بسمة جمال خلف خميس وآخرون، إشراف أحمد وهبان، تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية على الأمن الأوروبي، كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسكندرية، 2023.
2. دوغين ألكسندر، أسس الجيوبوليتيك الأوراسية، ترجمة المركز الروسي للدراسات الاستراتيجية، موسكو، 2020.
3. سعد باسم، مستقبل حلف شمال الأطلسي في ظل تهديد بعض الدول بالانسحاب منه، بحث عسكري، الجيش اللبناني، 2022.
4. عبد الجبار إسماعيل إبراهيم، العلاقات الروسية وحلف الناتو: دراسة في التعاون والصراع، مجلة العلوم السياسية، جامعة بغداد، العدد 69، 2025.
5. عبد الشافي عصام، الحرب الروسية - الأوكرانية ومستقبل النظام الدولي، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، 2022.
6. وزارة الدفاع الأميركية، تقرير عن استراتيجية الناتو ما بعد قمة واشنطن، ترجمة مركز الدراسات العسكرية، القاهرة، 2000.
روابط الإنترنت باللغة العربية
1. الموقع الرسمي للناتو، على الرابط: https://www.nato.int/cps/en/natohq/topics_52044.htm
2. فلمستروم آندي، العقيدة النووية عند روسيا والناتو وأهمية تطبيق قواعد الاشتباك، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 2023 على الرابط: https://www.europarabct.com/?p=87286
3. أبو العُلا عبد الرحمن، ألكسندر دوغين... فيلسوف بوتين وعقله المدبر، الجزيرة نت، 23 آب 2022، على الرابط: https://www.aljazeera.net/encyclopedia/2022/8/23/
4. الجزيرة نت، دول حلف الناتو تتعهد بزيادة الإنفاق الدفاعي، 25 حزيران 2025.
5. خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن، 2007، الكرملين، على الرابط: http://en.kremlin.ru/events/president/transcripts/24034
6. الرابطة الدولیة للخبراء والمحللین السیاسیین، ما هي نبوءات جورج كينان حول حرب أوكرانيا؟، على الرابط: https://apa-inter.com/post.ph
7. زين العابدين أحمد، التغيير في العلاقات العسكرية الأميركية-الأوروبية، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، على الرابط: https://ncmes.org
8. مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، تصريح إعلامي، أوروبا ليس لديها بديل عن المظلة النووية الأميركية، قناة RT Arabic، نيسان 2025.
9. المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، الناتو، تداعيات أي انسحاب أميركي محتمل من الحلف؟، 2025، على الرابط: https://www.europarabct.com/?p=71150
10. وحدة الدراسات والتقارير، الدفاع الأوروبي في اعقاب البريكست، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 2020، على الرابط: https://wp.me/p8HDP0-bDA
11. وزارة الخارجية التركية، انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، أنقرة، 2022، على الرابط: https://www.mfa.gov.tr/nato
12. الرابطة الدولیة للخبراء والمحللین السیاسیین، ما هي نبوءات جورج كينان حول حرب أوكرانيا؟، على الرابط: https://apa-inter.com/post.ph
13. زين العابدين أحمد، التغيير في العلاقات العسكرية الأميركية - الأوروبية، المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، على الرابط: https://ncmes.org
14. مارك روته، الأمين العام لحلف الناتو، تصريح إعلامي، أوروبا ليس لديها بديل عن المظلة النووية الأميركية، قناة RT Arabic، نيسان 2025.
15. المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، الناتو، تداعيات أي انسحاب أميركي محتمل من الحلف؟، 2025، على الرابط: https://www.europarabct.com/?p=71150
16. وحدة الدراسات والتقارير، الدفاع الأوروبي في اعقاب البريكست، المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، 2020، على الرابط: https://wp.me/p8HDP0-bDA
17. وزارة الخارجية التركية، انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، أنقرة، 2022، على الرابط: https://www.mfa.gov.tr/nato.tr.mfa
باللغة الأجنبية
1. Clover C., Black Wind, White Snow: The Rise of Russia’s New Nationalism, Yale University Press, 2016.
2. European External Action Service, EU Strategic Compass for Security and Defence, Brussels: EU, 2023.
3. Jason W. Davidson, NATO after Russia’s Invasion of Ukraine: Threat Perceptions and Major Defence Decisions, Georgetown University Press, Washington DC, 2024.
4. Judy Dempsey, Is European Strategic Autonomy Over?, Carnegie Endowment for International Peace, January 19, 2023.
5. Kaplan L. S., NATO and the United States: The Enduring Alliance, Twayne Publishers, New York, 1999.
6. Kennan, G., The Sources of Soviet Conduct, Foreign Affairs, Vol 25, Issue 4, New York, 1947.
7. Mackinder H. J., The Geographical Pivot of History, The Geographical Journal, Vol. 23, Issue 4, 1904.
8. Metin Aksoy, Onur Limon, and Elif Gürdal Limon, Strategic Flashpoints: NATO’s Containment of Russia in the Black Sea and Arctic Regions, Codrul Cosminului Journal, Vol.30, Issue 2, December 2024.
9. Min Ruiming, Does Trump’s Tariff Make America Great Again? An Empirical Analysis of US–China Trade War Impact on American Business Formation 2018–2025, arXiv, Cornell University/Cornell Tech, June 1, 2025.
10. North Atlantic Treaty Organization, The North Atlantic Treaty, NATO Official Text,Brussels, 1949.
11. Perotto Gabriella, The Legal Framework of the EU Defence Industry and the Pursuit of Strategic Autonomy, European Papers, Vol. 8, Issue 1, 2023.
12. Sloan S. R., Permanent Alliance? NATO and the Transatlantic Bargain from Truman to Obama, Continuum, New York, 2020.
13. Stokesbury J. L., A Short History of World War II, Harper Perennial, New York, 1990.
14. Tsygankov A. P., Russia’s Foreign Policy: Change and Continuity in National Identity, Rowman & Littlefield, Maryland, 2016.
روابط الإنترنت باللغة الأجنبية
1. Burr William, Thirtieth Anniversary of NATO’s Dual-Track Decision, The Road to the Euromissiles Crisis and the End of the Cold War, National Security Archive, G. Washington University, 2009, https://nsarchive2.gwu.edu
2. CBS News Staff, A Guide to Trump’s Past Comments about NATO, CBS News, February 6, 2017, https://www.cbsnews.com/news/trump-nato-past-comments.
3. Macron Emmanuel, Interview by The Economist, November 7, 2019. Quoted in Pierre-Alain Ribes, Reuters, November 7, 2019, https://www.reuters.com/article/worldNews/idUSKBN1XH1H6.
4. Map Of The Cold War Between the US and USSR, http://resourcesforhistoryteachers.pbworks.com
5. Sperling James, and Mark Webber, NATO and the Ukraine War: The Return to Collective Defence, European Journal of International Security, Vol. 8, Issue 1, 2023, https://doi.org/10.1017/eis.2022.24.
The Impact of the Russian-Ukrainian War on NATO’s Relationship with European Countries
Brigadier General Jihad Merhi
This article examines the radical transformation of the Atlantic security balance following the Russian-Ukrainian war that began on February 24, 2022, assessing its consequences for the relationship between NATO and Europe, as well as its impact on shaping a new international order. Rooted in long-standing geopolitical dynamics, this conflict transcends mere regional scope; it reflects a clash between rival strategic doctrines, the Western deterrence paradigm (anchored in the ideas of Mackinder, Spykman, Brzezinski, and readapted by Kennan), and the Eurasian offensive strategy embodied by Dugin and executed by Putin. Europe, situated at the heart of this confrontation, is caught between its reliance on American protection and its urgent need for strategic autonomy. The key findings indicate three major developments:
Reactivation of NATO’s collective defense: A resurgence of mutual defense missions and increased military budgets, exemplified by decisions made at the Madrid Summit, reflect a renewed Atlantic unity under American leadership.
Revealed European vulnerabilities: Despite outward unity in responding to Russian aggression, European states diverge in implementing sanctions, making energy policy decisions, and determining expenditure levels, casting doubt on cohesion and underscoring the persistence of transatlantic dependence.
Strategic exhaustion of both Russia and Europe: The prolonged conflict has weakened Russia militarily and economically while severely impacting European economies, societies, and energy supplies, delaying the emergence of a meaningful counterbalance to American dominance and reinforcing a unipolar world order.
By interweaving geopolitical theory, contemporary policy decisions, and future projections, this article illuminates how the Russian–Ukrainian war redefines NATO–Europe relations and contributes to structuring the emerging global order. It reveals that the conflict transcends the military domain, representing a strategic rupture for Europe, one that demands a reinvention of its identity and role in an order still largely dominated by the United States.
L’impact de la guerre russo-ukrainienne sur la relation de l’OTAN avec les pays européens
Brigadier Général Jihad Merhi
Cet article analyse la transformation radicale de l’équilibre sécuritaire atlantique à la suite de la guerre russo-ukrainienne du 24 février 2022, en évaluant ses conséquences sur la relation entre l’OTAN et l’Europe ainsi que sur la configuration d’un nouvel ordre international. Issue de dynamiques géopolitiques de longue date, ce conflit dépasse la dimension régionale : il exprime l’affrontement entre doctrines stratégiques rivales, la dissuasion occidentale (ancrée dans Mackinder, Spykman, Brzeziński et réactualisée par Kennan), et la stratégie offensive eurasienne incarnée par Dugin et mise en œuvre par Poutine. L’Europe, au cœur de ce choc, est prise entre sa dépendance à la protection américaine et son urgent besoin d’autonomie stratégique. Les principaux enseignements indiquent trois dynamiques majeures :
Réactivation de la défense collective de l’OTAN : le retour en force des missions de défense mutuelle, l’augmentation des budgets militaires suivie des mesures prises lors du sommet de Madrid, illustrent la réaffirmation de l’unité atlantique sous-direction américaine.
Fragilités européennes révélées : malgré l’unité affichée contre l’agression russe, les États européens divergent dans la mise en œuvre des sanctions, les choix énergétiques et les niveaux de dépenses, ce qui remet en cause la cohésion et souligne la persistance de la dépendance transatlantique.
Épuisement stratégique de la Russie et de l’Europe : la guerre prolongée a affaibli économiquement et militairement la Russie, tout en pesant lourdement sur les économies, les sociétés et les approvisionnements énergétiques européens, retardant l’émergence d’un contrepoids sérieux à la suprématie américaine et favorisant un statu quo unipolaire.
Mettant en dialogue théories géopolitiques, décisions contemporaines et projections prospectives, cet article éclaire la manière dont la guerre russo-ukrainienne redéfinit les relations OTAN-Europe et contribue à la structuration du nouvel ordre mondial. Elle montre que le conflit dépasse le cadre militaire : il représente une rupture stratégique pour l’Europe, qui doit réinventer son identité et sa place dans un ordre encore largement dominé par les États-Unis.












