- En
- Fr
- عربي
مشاكل مستجدة
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد تقنية ثورية تُحدث تحوّلات في التعليم والطب والإعلام والصناعة، بل بات جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. بفضل تطبيقاته المختلفة، صار بإمكان أي مستخدم كتابة نصوص، وإنشاء صور، وتحليل بيانات، أو حتى البحث عبر الإنترنت بطريقة أسرع وأكثر دقة. غير أنّ هذا الوجه البرّاق يخفي جانبًا آخر مظلمًا بدأ يتكشف تدريجيًا: الأثر البيئي الهائل لاستخدام الذكاء الاصطناعي، والذي يهدد بأن يصبح أحد أبرز التحديات البيئية في العقود المقبلة.
في خضم السباق المحموم بين عمالقة التكنولوجيا، مثل Microsoft وGoogle وOpen AI، من أجل دمج الذكاء الاصطناعي في محركات البحث والخدمات الرقمية، ارتفع الطلب بشكلٍ غير مسبوق على مراكز البيانات العملاقة، التي تشكّل البنية التحتية الأساسية للتقنيات الجديدة. عَمَل هذه المراكز على مدار الساعة يستلزم تبريدًا مستمرًا للحواسيب والخوادم، ما يعني استهلاكًا مضاعفًا للكهرباء والمياه. وتشير التقديرات إلى أنّ البحث الواحد عبر أدوات الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة أكبر بثلاثين مرة من البحث التقليدي على محرك Google، فيما يستهلك توليد صورة واحدة بالذكاء الاصطناعي من الكهرباء ما يكفي لتشغيل هاتف ذكي لساعاتٍ طويلة.
أزمة مياه ونفايات إلكترونية
يتم التداول بأرقامٍ مقلقة للغاية: بات الإنترنت مسؤولًا عن نحو 4% من الانبعاثات العالمية لثاني أوكسيد الكربون؛ والأسوأ أنّ هذا الرقم مرشّح للتضخّم ليصل إلى 8% خلال سنوات قليلة، مع التوسّع المتسارع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتزايد أعداد الخوادم. ووفق وكالة الطاقة الدولية، استهلكت تطبيقات الذكاء الاصطناعي والعملات المشفّرة مجتمعة ما يقارب 460 تيراواط (460 مليون ميغاواط) ساعة من الكهرباء في العام 2022، أي ما يعادل استهلاك دولة متوسطة الحجم مثل فرنسا.
هذا الاستهلاك المفرط لا يقتصر على الكهرباء وحدها، بل يشمل المياه أيضًا؛ إذ تحتاج مراكز البيانات إلى تبريدٍ دائم لمنع ارتفاع حرارة الخوادم، ما يجعلها تضغط على الموارد المائية المحلية وهذا يؤدي إلى تفاقم أزمات الشحّ. يضاف إلى ذلك المخاطر المرتبطة بالنفايات الإلكترونية التي تحتوي على معادن سامة مثل الزئبق والرصاص، فضلًا عن الكلفة البيئية العالية لاستخراج المعادن النادرة المستخدمة في صناعة الرقائق الإلكترونية.
وعود بيئية متناقضة
المفارقة أنّ الشركات الكبرى التي تعلن التزامها الحياد الكربوني والطاقة المتجددة، هي نفسها التي تسجّل اليوم ارتفاعًا غير مسبوق في انبعاثاتها: فقد أعلنت Google أنّ انبعاثاتها زادت بنسبة 48% خلال عام واحد، بينما ارتفعت انبعاثات Microsoft بنسبة 29% في الفترة نفسها. هذه الأرقام تطرح تساؤلات جدية حول جدوى التعهّدات البيئية التي تقدّمها الشركات، ومدى قدرة التكنولوجيا على أن تكون جزءًا من الحل بدل أن تتحول عنصرًا جديدًا في المشكلة.
ولعلّ أخطر ما كشفت عنه الدراسات الحديثة هو الأثر الصحي المباشر لتوسع مراكز البيانات؛ فقد توقعت دراسة لجامعة كاليفورنيا ومعهد كالتيك في العام 2025 أن يتسبّب تلوث الهواء الناتج عن تشغيل هذه المراكز في الولايات المتحدة وحدها، بخسائر صحية قد تتجاوز 20 مليار دولار سنويًا بحلول العام 2030، نتيجة الأمراض التنفسية والوفيات المبكرة المرتبطة بتراجع جودة الهواء. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي، الذي يُسوَّق له كأداة لتحسين حياة البشر، مسؤولًا في الوقت نفسه عن تهديد صحتهم وبيئتهم.
الحلّ في الوعي الجماعي
في مواجهة هذا الواقع، يطرح الباحثون والخبراء مجموعة من الحلول الممكنة، تبدأ بتحسين كفاءة الخوارزميات كي تستهلك طاقةً أقل عند التدريب والتشغيل، وصولًا إلى اعتماد الطاقة المتجددة كمصدرٍ أساسي لتشغيل الخوادم. كما يدعو بعضهم إلى إنشاء أنظمة تقييم شبيهة بشهادات كفاءة الأجهزة الكهربائية لقياس البصمة الكربونية لكل خوارزمية أو أداة رقمية، بما يتيح للمستخدمين وصنّاع القرار خيارات أكثر وعيًا واستدامة. ومن بين الحلول أيضًا، إدارة أفضل للنفايات الإلكترونية عبر إعادة التدوير والتصميم القابل للتفكيك، إضافة إلى سنّ تشريعات تلزم الشركات الكشف عن انبعاثاتها وتَحمُّل مسؤولية بيئية أكبر.
يبقى أنّ للوعي المجتمعي دورًا محوريًا في هذا السياق؛ فالمستهلكون، أفرادًا ومؤسسات، قادرون على التأثير عبر اختيار الأدوات الأقل استهلاكًا للطاقة، وتجنّب الإفراط في استخدام التطبيقات التي تولّد بصمة كربونية عالية. وبهذا المعنى، فالذكاء الاصطناعي ليس قدرًا محتومًا، بل أداة يمكن توجيهها إمّا لخدمة البيئة أو للإضرار بها، تبعًا لمدى وعي المستخدمين ومسؤوليتهم.
لذا، إن لم يدمج البعد البيئي في صناعة الذكاء الاصطناعي منذ الآن، فقد نجد أنفسنا أمام مأزق مزدوج: أزمة مناخية متسارعة تُغذّيها الأداة ذاتها التي كان يُفترض أن تجد حلًا للمشاكل.











