- En
- Fr
- عربي
شؤون دولية
تَعاقب العديد من الزعماء على سدّة الحكم في تركيا منذ اتفاقية Sèvres في 10 آب 1920، أبرزهم مصطفى كمال (1881- 1938) الملقّب بــ ”أتاتورك“، أي ”أب الأتراك“ الذي ألغى الخلافة، وأطلق الجمهورية التركية الحديثة، وصولًا إلى رجب طيّب أردوغان الملقّب بــ ”السلطان“ وهو أشهرهم وأقواهم، وأطولهم حكمًا واستمرارية في السلطة. شغل منصب رئيس الوزراء بين 2003 – 2014، وأسّس ”حزب العدالة والتنمية“ (AKP) في العام 2001، قبل أن يُـتوّج رئيسًا (2014)، انطلاقًا من خلفية سياسية إسلامية. وبدا من الواقع والوقائع أنّ لا شيء يكبح صعوده؛ فقد قبض على السلطة شبه المطلقة.
اكتسح الرئيس أردوغان في كل المعارك النيابية والرئاسية التي خاضها ضد منافسيه جميعًا في أحزاب المعارضة. وتخلّص من غالبية رفاقه في تأسيس حزب AKP، بحجة أنّ مهرّجَين اثنين لا يستطيعان اللعب على حبلٍ واحد. كما أنّه خطّط لشق قناة بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ورسّخ قبضته في الداخل بعد تطهير الجيش من الانقلابيين، وعزّز سلطة المخابرات، وعطّل فتيل التمرّد الذي أشعله حزب العمّال الكردستاني منذ 1982.
طفا نفوذه على المسرح الإقليمي، ولم يُهمل المسرح الدولي، فإلى أين يريد الوصول؟
الزلزال وطموح ”السلطان“
أطلّ رجب طيب أردوغان (71 عامًا) على السلطة في أنقرة، على صهوة حزبه «العدالة والتنمية» AKP في تشرين الثاني 2002. ومنذ ذاك التاريخ، لم يترجّل عن الحصان في أصعب مسار تاريخي مُـثقل بالتحدّيات والمفارقات والتناقضات. ولعلّ سرّ هذه الاستمرارية يكمن في قدرته على التكيّف والتأقلم مع الأحداث المستجدّة، مهما كانت عاصفة وساحقة، على غرار الزلزال الذي ضرب ولاية قهرمان مرعش، في بدايات شباط 2023، فقضى على 50 ألف شخص، وشرّد نحو مليون مواطن ومقيم. والأكثر إيلامًا وسط معالم الكارثة وآلاف الهزّات الارتدادية في الفالق الأناضولي، هو سيل الانتقادات التي طالت الرئيس وحزبه، واتهمتهما بالسيطرة على قطاع الإنشاءات والتفريط فيه لمصلحة محسوبيات من دون أي اهتمام بمعايير السلامة. وقد خرج معارضون من تحت ركام الصمت، وندّدوا بدورهم بــ «الدولة العميقة» القائمة على نخب ووجهاء من «حزب العدالة والتنمية» لأنّهم منحوا عقود بناء مربحة على مدى سنوات لشركات صديقة مقابل دعم سياسي ومالي. كما تواترت التقارير عن فساد واسع فاقم في أعداد الضحايا. والمعروف أنّ شعبية أردوغان استندت إلى قدرته على استيلاد طبقة تركية وسطى، جديدة وعصرية، وفّر لها مساكن في متناول ميزانياتها ضمن منطقة الجنوب الشرقي، وخط المدن، والبلدات المحاذية للحدود السورية العراقية. ومع أنّ الزلزال وجّه ضربة قوية «للسلطان الجديد»، وأضعف شعبيّته، لكنه لم يطرحه أرضًا مغميًّا عليه، والدليل أنّه حدث قبل 3 أشهر من انتخابات رئاسية وبرلمانية (14 أيار 2023) أسفرت عن خروج أردوغان وحزبه رابحين ضدّ تحالف من 6 أحزاب معارضة. وقد قيل يومها إنّه حتى الزلزال لا يعوق طموح «السلطان» الذي انتزع ولاية رئاسية ثانية (2014 – 2019 – 2023) في انتظار احتمالات الولاية الثالثة (2028).
نكسة غير مسبوقة
البقاء على القمة رهان مستحيل، وأحيانًا عديدة، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. وهذا ما حدث لأردوغان في العام 2025 الذي يبدو عام الانتكاسة غير المسبوقة منذ سنة 2014. وتمثّل الإخفاق في انتخابات آذار البلدية. ولأول مرّة منذ تشكّله في العام 2001، لم يعُد حزب العدالة والتنمية التنظيم السياسي الأول، بل تراجع إلى المرتبة الثانية، مسجّلًا خسارة نحو 5 ملايين صوت. وتصدّر خصمه اللدود والتاريخي، أي حزب الشعب الجمهوري، سليل الكمالية الأتاتوركية، السباق البلدي الحسّاس، منتزعًا الموقع الأول منذ 1977. ولا شك في أنّ الهزيمة في صناديق الاقتراع جعلت هالة أردوغان السياسية تتآكل. ويفسّر الكاتب بكير أجيردير (Bekir Agirdir) ذلك بــ «تعب الناخبين الذين واجهوا مسلسل استحقاقات في وقت تراكمت الصعوبات والتحدّيات»، مضيفًا «أنّ الأتراك اقترعوا كل عام منذ 2011، من دون أن يتغيّر شيء جوهري في حياتهم..». واعترف أردوغان بــ «المنعطف الذي خلط الأوراق والمعادلات»، تبعًا ليوميّة لوسوار Le soir- الصادرة في بروكسل، فاختار تهدئة الحياة السياسية، ومدّ يده إلى منافسه الألدّ، زعيم حزب الشعب الجمهوري CHP، أوزغور أوزيل (Ozgur Ozel)، ودعاه إلى لقاء في مقر AKP مع حلفائه المعارضين. وهذا أول لقاء من نوعه منذ 8 سنوات. لكن مفاعيله وفق صحيفة حرييت كانت محدودة جدًا. وبعدما صحّح أردوغان طريقة التعامل مع قواعده الحزبية، صاغ استراتيجية «ردم الفجوات» في الموازنة العامة، في اتجاه لجم التضخم وتسريع النمو وخفض البطالة. وهذه الإجراءات لم تستقم من دون ما قابلها من خطوات في التعامل مع مشكلة اللاجئين السوريين والآسيويين والأفغان.
ورقة اللجوء السوري
الثابت أنّ اللاجئين السوريين لعبوا دورًا في المعادلة السياسية بين الحزب الحاكم ومعارضيه، وتحوّلوا من خلال كثافتهم العددية ومتاعب استيعابهم واحتواء التداعيات الاقتصادية لانتشارهم إلى ورقة قوية في يد المعارضة. ففي شارع «إي 5»، وسط العاصمة الاقتصادية، إسطنبول، ما زالت لوحة المرشّح الرئاسي السابق، كمال كليتشدار أوغلو مُرفقة بصورته إلى جانب كلمتين اختصرتا أحد عناوين برنامجه السياسي: «سيذهب السوريون». ومنذ انتخابات أيار 2023، طفا على السطح ملف اللجوء السوري، وبرز كإحدى أقوى الأوراق التي استخدمتها المعارضة للتغلّب على أردوغان، الذي هدّد بدوره العواصم الأوروبية بفتح الحدود أمام تدفق المهاجرين إذا لم تفِ بالتزاماتها تجاه أنقرة. وهذا الوعيد جعله يكسب 3 مليارات دولار ثمنًا للحدود المغلقة. عند هذا المنعطف الدقيق، واستجابةً لتحدّيَين كبيرَين: تداعيات الزلزال، شباط 2023، في منطقة متحركة جيولوجيًّا، ذات طابع صناعي-زراعي، وتُسهم بـ 9.3 من الناتج المحلي الإجمالي (PIB)، وعبء اللاجئين السوريين، كورقة رابحة في يد تحالف المعارضة، كان لا بدّ من خطوة جراحية خارج المألوف. وقد لجأ أردوغان إلى وزارة الدفاع بعد تطهيرها من الانقلابيين الموالين للداعية فتح الله غولن، حليفه السابق وخصمه اللدود راهنًا، الذي توفي لاجئًا إلى ولاية بنسلفانيا الأميركية في 20 تشرين الأول 2024. وكانت أنقرة اتّهمته بتدبير الانقلاب الفاشل في 15 تموز 2016. كما أنّه استنفر خلايا متخصصة من جهاز مخابرات MIT ذات الأذرع الطويلة، وكان بقيادة وزير الخارجية الحالي خاقان فيدان، وخطّط لتحوّلٍ سياسي كبير في دمشق، ضمن منظور استراتيجي جديد للعلاقات معها، يطوي صفحة أكثر من 50 عامًا من التجاور الصعب والمأزقي.
وداعًا حزب العمّال
سارع أردوغان إلى توظيف سقوط نظام بشار الأسد في تعطيل لغم اللجوء السوري الكثيف في أرجاء «إمبراطوريته»، ومنع المعارضة من استثماره سياسيًا وانتخابيًا وبلديًا. والمعروف أنّ اللاجئين، وقد لامس عددهم في بعض الأوقات نحو 3.2 ملايين شخص، شرعوا في مغادرة المخيمات تدريجًا والاستقرار في مدن الغرب التركي المعروف باسم شبه جزيرة الأناضول. ويضم إسطنبول، إزمير، بيرغاموت، بودروم، أفسس، أدرنة، وكوساداسي التي تتوافر فيها فرص العمل بسبب جاذبيتها السياحية. رتّب هذا النزوح إلى المدن تحدّيات اقتصادية وأمنية. وفي كانون الثاني 2017، تقاربت أنقرة تكتيكيًا مع روسيا وإيران في سورية ضمن مسار أستانا، ممّا منحها فرصة تمدّد إضافية حول إدلب عُرفت بــ «منطقة خفض التصعيد». فاستغلّت هذا الترياق الجغرافي لبناء منازل جاهزة وإفراغ بعض مناطقها من اللاجئين السوريين، لكن ذلك، على أهمّيته، لم يكن كافيًا. فقد استمرّت المعارضة في النقر على ملف اللجوء لإضعاف حزب التنمية والعدالة (AKP) الحاكم. وتجاوزت بمطالبها ملاذ النازحين الجديد في إدلب وبعض أرياف حلب، وحماة، واللاذقية. وفي منتصف 2018، بدأت التحضيرات والتدريبات لإسقاط النظام في سوريا واحتلال دمشق، تطبيقًا للمثل القائل: «آخر الدواء الكيّ». وخلاصة القول إنّ سقوط بشار الأسد بالنسبة إلى تركيا الأردوغانية لا يقلّ أهمية عن انهيار الاتحاد السوفياتي بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، إذ جعلها تصيب هدفين بحجر واحد: فقء دملة النزوح السوري الكثيف وترسيخ أمن خاصرتها الجنوبية، من جهة، وصياغة فرصة ذات أبعاد تاريخية – استراتيجية من جهة ثانية، مؤدّاها معالجة أم القضايا المأزقية في السياسة التركية، وهي المسألة الكردية. وأول الغيث في هذا المجال تمثّل في إلقاء حزب العمال الكردستاني (PKK) سلاحه بعد النداء الذي أطلقه مؤسّسه عبد الله أوجلان السجين منذ 1999 في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة. وقد حُكِم بالإعدام بتهمة الخيانة والانفصالية. وبدأ مقاتلوه في مغادرة تركيا مع سلاحهم إلى جبل قنديل في شمال العراق. ويبقى الهمّ الكردي الآخر لــ «السلطان» متمثّـلًا في قوات سورية الديمقراطية (قسد) التي يقودها مظلوم عبدي منذ تأسيسها العام 2015، وتدعو إلى الفيديرالية وهي متحالفة مع PKK.
عقدة ”قسد“
تضغط الأردوغانية على قسد ليس فقط لإلقاء السلاح كما الأمر مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني، بل تنشد في شكل خاص إدماج هذه القوات في دوائر النظام السياسي الجديد الذي أقامه الرئيس السوري أحمد الشرع في مرحلة ما بعد بشار الأسد. وعملية انخراط الأكراد السوريين وحلفائهم من سريان وأشوريين تمّ التوافق عليها في مفاوضات شاقّة بين الدولة الجديدة وقيادة قسد في آذار الماضي، على أن تتم مراسمها قبل نهاية العام الحالي. لكن التعثّر والخلافات في وجهات النظر عرقلت المشروع برمّــته. وتحدّث مراقبون عن تردّد مظلوم عبدي في المضي إلى الأمام خوفًا من الذوبان في وعاء الدولة الكبير وضياع جهوده في بناء جيش نظامي قاتل داعش وكبّدها خسائر كبيرة بدعمٍ موثوق من الأميركيين، كما أنّه واجه بشجاعةٍ جيش الأسد، كما جيش أردوغان. وأمام المراوحة شبّهه الكاتب خورشيد دلي براقص «Paso doble» الإسبانية حيث يفترض الإيقاع خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء. وهنا، دخل العرّاب أردوغان ورئيس جهاز MIT الذي أعقب حقّان فيدان، وهو إبراهيم كالين، وحذّرا قسد من سلوك مسارات خاطئة، وشدّدا على رفض أي نزعة انفصالية، معتبرين أنّ «وحدة سوريا وسلامة أراضيها خط أحمر… ومن يتّجه نحو أنقرة ودمشق يربح، ومن يفتّش عن أوصياء آخرين يخسر». وأبلغ وزير الدفاع التركي يشار غولر (Yasar Güler) أنّ بلاده ترغب في فكفكة عقدة وحدات حماية الشعب الكردية بالوسائل السلمية وتستبعد أي لجوء إلى القبضة الحديدية من أجل تحفيز الإيجابيات في العلاقات التركية – الأميركية التي تمر الآن في مرحلة شهر عسل، والدليل وصول الرئيس الانتقالي السوري إلى البيت الأبيض في 10 تشرين الثاني الماضي. وقد لعبت الرياض وأنقرة دورًا محوريًّا في ترتيب هذه النقلة النوعية، كما أنّ «السلطان الجديد» التركي أقنع صديقه «القيصر الروسي»، فلاديمير بوتين باستقبال أحمد الشرع في الكرملين، وهو اللقاء الذي تمّ في 15 تشرين الأول الماضي. وتركّز النقاش حول مستقبل القواعد الروسية في غرب سوريا، والعلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستويات متطوّرة. لذلك كتبت صحيفة «حرييت» واسعة الانتشار أنّ الحزب الحاكم في أنقرة هو الرابح الأول من لعبة الروليت السورية بعد إبعاد إيران واجتثاث نفوذها وتحييد جاذبيات الحضور الروسي، والدليل هو أنّ الصادرات التركية إلى سوريا زادت بنسبة 55 في المئة منذ نهاية 2024.
سر نجاح الأردوغانية..
الحروف الأولى في أبجدية الصمود والسيطرة والغلبة ترمز إلى حزب العدالة والتنمية (AKP) الذي تشكّل في 14 آب 2001 على يد نوّاب انشقّوا عن حزب الفضيلة الإسلامي بعدما رفعوا عبثًا راية التجديد والتحديث في هيكليّــته وصفوف مريديّة. وثلة المؤسّسين بلغ تعدادها 63 شخصًا بزعامة رجب طيب أردوغان، أول رئيس للتنظيم الجديد الذي يجسّد الجناح الإسلامي المعتدل في بلد الــ 86 مليون نسمة، ويطرح نفسه كتيارٍ ديمقراطي محافظ وإصلاحي، مُدرجًا هدف تجاوز إرث عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاجتماعية – التنموية التي عصفت بالبلاد بين 2000 و2015. وفي أول انتخابات خاضها الحزب في تشرين الثاني 2002، حقّق فوزًا ملحوظًا وحصد ثلثي مقاعد البرلمان في سابقة مدوّية لم تشهد دولة البوسفور مثيلًا لها منذ أكثر من عقد من الزمن. وفي 2003، تسلّم أردوغان رئاسة الحكومة ودشّن حقبة حكم متّصلة الحلقات ومستقيمة الخط السياسي-الإصلاحي-التنموي، جاعلًا من AKP المؤسّسة الحزبية الأطول ديمومة على رأس هرم السلطة منذ الشرارة الأولى للتعدّدية الحزبية في العام 1946. وتُجمع شرائح واسعة من سكان أنقرة وإسطنبول وإزمير وملاطيا وأنطاكيا على أنّ AKP هو المرادف للاستقرار السياسي بعد عقود من الخلل والهشاشة السياسية على يد حكومات ائتلافية لإدارة الأزمات. والثابت أنّ AKP واجه الجنرالات في أكثر من منافسة آخرها وأكثرها دويًّا، ما حدث بعد الانقلاب الفاشل في تموز 2016، حيث جرت عملية تطهير منهجية ومحاكمات واسعة. وتقول نُخَب فكرية في العاصمة الاقتصادية اسطنبول إنّ الحزب الحاكم ركّز على التنمية البشرية ورفع مثلًا عدد الجامعات من 76 جامعة في العام 2002 إلى أكثر من 200 جامعة تحتضن اليوم 8 ملايين طالب.
ورقة MIT الاستخبارية
وتكشف الحروف الأخرى في أبجدية الصعود والسيطرة والغلبة عن رافعة أردوغانية وازنة وذات فعالية على المستويين الداخلي والخارجي، هي منظّمة الاستخبارات الوطنية والتركية (Milli Istihbarat Teskilati) واختزالًا MIT. تأسّست في العام 1965، وحلّت مكان «خدمة الأمن الوطني» التي تعود إلى العام 1926، زمن مصطفى كمال أتاتورك. وعندما تسلّم وزير الخارجية الحالي، حقّان فيدان، دفّة القيادة، على رأس جهاز MIT في 25 أيار 2010، بادر إلى إعادة هيكلية جسمها التنظيمي، عددًا وعدّة وأقسامًا ووحدات متخصّصة في الأمن السيبراني. وحرص أردوغان على هذا التحديث البنيوي لأنّ الجهاز رأس حربة في مشروعه السياسي وطموحاته الاستراتيجية في الإقليم، وكما أنّ فيدان «الحليف الوفي» الذي يقرأ بدقّة في أفكار «السلطان»، كذلك خليفته على رأس MIT منذ 5 حزيران 2023، إبراهيم كالين، يسير في الخط ذاته ضمن تصليب عود الجهاز لتسهيل التدخّل في ليبيا وسوريا وأعالي القوقاز، وصولًا إلى الصومال والسودان والسنغال وغينيا بيساو وجمهورية الكونغو الديمقراطية (RDC)، من دون أن ننسى جمهورية شمال قبرص التركية. في هذا الإطار وبرضى أردوغان الضمني، تشكّل قسم «العمليات الخارجية» في الجهاز بهدف استيعاب المخابرات العسكرية. وهنا، تماهت منظّمة MIT مع وكالة المخابرات المركزية الأميركية وحصلت على تفويض من البرلمان لأوسع عمل استخباري في الخارج. لذلك، فاوض فيدان وكالين من بعده حزب العمال الكردستاني (RKK) في أوسلو وإمرالي، ولعبا أدوارًا سريّة حاسمة مع فصائل المعارضة السورية، وكذلك مع جيش الدبيبة في طرابلس الغرب. ودفعت «هواجس الداخل»، والاحتمالات الانقلابية، وتصاعد قوة المعارضة، إلى بناء مقر جديد خارج أنقرة باسم «القلعة» التي طاردت أنصار الداعية فتح الله غولن في جميع أنحاء العالم. وفي نهاية 2022، ذكرت صحيفتان ألمانيتان، هما دير شبيغل الأسبوعية ودي فيلت أنّ المخابرات التركية ضاعفت أنشطتها التجسّسية في جميع الأرجاء الألمانية. وقد تمّ التحقيق مؤخّرًا في 17 حالة، وكانت الخلاصة أنّ نشاط المخابرات التركية في ألمانيا، يتمحور حول عناصر من المعارضة، الكردية منها بشكلٍ خاص، وهيئات ألمانية. ولعل «أم المعارك» تخوضها MIT ضد الموساد الإسرائيلي وVevak الإيراني اللذين ينشطان في الساحة التركية. وقد حقّق الجهاز الأردوغاني نجاحات في هذا المجال خصوصًا منذ عملية طوفان الأقصى واحتدام المواجهات، وهو يلجأ أحيانًا إلى وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) للقيام باختراقات سياسية عبر قفازات القوة الناعمة.
فوق البوسفور وتحته
استطاع رجب طيّب أردوغان بناء نظام اقتصادي – اجتماعي ديناميكي ومتماسك، يتّسم بقدر وازن من الإنتاجية الزراعية – الصناعية، يُسعفه في ذلك الموقع الجيو استراتيجي لتركيا على مفترق المضائق والمرافئ والممرات البحرية. وفي العام 2022، بلغ الناتج القومي الخام (BIP) نحو 719 مليار دولار، متّكلًا على نمو تصاعدي وموارد متنوّعة ومستدامة طوال العقدين الماضيين، ممّا ارتقى بدولة الـ 88 مليون نسمة إلى المرتبة التاسعة عشرة بين أقوى اقتصادات العالم.
ومع نموّ سنوي بمعدل 5.7 منذ 2010، تبوّأت تركيا موقعًا متقدّمًا بين اقتصادات الشرق الأوسط الأكثر إنتاجًا للموارد والثروات. والجانب القطاعي الأكثر ازدهارًا هو البناء والبنى التحتية. تكفي زيارة إلى إسطنبول من أجل التقاط النبض العمراني المذهل في الجسور العملاقة فوق البوسفور وعددها ثلاثة، ومترو الأنفاق الذي بناه اليابانيون تحت البوسفور، إضافةً إلى مطار إسطنبول الدولي الجديد بقدرةٍ استيعابية خارقة. وفي الفضاء الخاص بالعاصمة الاقتصادية تلوح غابة من الرافعات والآليات، تسدّ الأفق لكثافتها وتردّد في مجالس إسطنبولية خاصة أنّ هذه النقلات النوعية مردّها إلى تعزيز الحزب الحاكم للقطاع الخاص وتيسير حصوله على القروض الانتمائية من أجل الاستثمار، وخلق فرص عمل، وتوظيف خرّيجي الجامعات، والحدّ من هجرة الأدمغة. والثابت من الأرقام أنّ الذين يهاجرون من تركيا اليوم، هم في غالبيّـتهم أكراد يتحدّرون من جنوب شرقي الأناضول، ولأسبابٍ سياسية واقتصادية معًا.
وادي السيلكون التركي
لا شك في أنّ كلمة السرّ في الهبة الصناعية (طائرات، مسيّرات، أدوات تقنية حديثة)، والنقلة الزراعية، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين هي الاستقرار السياسي والرسوخ الأمني، ما خلق بيئة جاذبة للاستثمار. وكان الهمّ الرئيسي في فكرة أردوغان جعل تركيا مركزًا لوجستيًّا متقدّمًا في سلاسل التوريد والإمداد العالمية. وتبلور هذا البعد بشكلٍ خاص منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية. كما أنّ النفط الأذري الذي يذهب يوميًا إلى الخزّانات الإسرائيلية في حيفا يمرّ في أنبوب يُدعى باكو جيهان التي هي مدينة تابعة لمنطقة أضنة، وتُعتبر ميناءً حيويًا على البحر المتوسط. تُضاف إلى هذا البند المشاريع اللوجستية الخاصة بالبنية التحتية مثل الجسور، والطرق البرية، وخطوط السكك الحديدية، والموانئ والمعابر. ويُجمع المتابعون على أنّ القاطرة الجديدة للاقتصاد الأردوغاني هي اقتحام القطاع الصناعي لمجالات متطورة، ذات أبعاد ريادية تتمثّل في الصناعات الدفاعية الحسّاسة والتكنولوجيا الحديثة الخاصة بالسيارات والآلات والعربات والطائرات والمسيّرات، فضلًا عن الروبوتات المبرمجة ودخول قطاع الذكاء الاصطناعي. وأطلقت الحكومة وادي السيلكون التكنولوجي الخاص بتركيا على غرار وادي السيلكون الأميركي (جنوب سان فرنسيسكو في ولاية كاليفورنيا). وأسّست منذ بداية 2019، وكالة الفضاء التركية التابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا، وهي تعمل في علاقة وثيقة مع معهد توبيتاك لأبحاث تكنولوجيا الفضاء. ومن المقرّر أن يهبط الأتراك على سطح القمر في العام 2028، وهذا الهبوط ليس مجرّد حلم إذ عبّدت أنقرة الطريق أمام الأدمغة المتخصّصة، ورصدت الميزانيات الملائمة، ونسجت الشراكات مع روسيا والصين. وفي المفكرة إنشاء منطقة تطوير تقنيات الفضاء، وتدريب روّاد فضاء أتراك في معاهد متخصّصة في أنقرة وإسطنبول، كما يكشف مراد كوروم، وهو وزير البيئة والتعمير والتغيّر المناخي. ومن المنتظر أيضًا توقيع عقود تتعلّق بمشاريع «ميلكار» و«ميلكيد» المرتبطة بأنظمة الاتصالات الفضائية والحرب الإلكترونية وهي برامج العام 2026.
”بيرقدار“ تحسم حرب القوقاز
يتحدّث الأتراك بنوع من الخيلاء، وحتى المعارضون منهم، عن «مفخرة» الصناعات العسكرية لديهم، وهي الطائرة المسيّرة بيرقدار أقنجي (Bayraktar Akinci) التي طوّرتها شركة Baykar Savunma لتصنيع الطائرات من دون طيّار، وبدأت التحليق في آب 2019 بمحرّكٍ توربيني أوكراني. وبعد رحلة تجريبية، تمّ نقلها إلى قاعدة جورلو العسكرية الخاصة بالقوات المسلّحة التركية. وإلى جانب أنقرة، تستخدمها باكو، وإسلام آباد، وطرابلس الغرب، والرباط (منذ شباط 2025)، ومقديشو (منذ آذار 2025)، وبوركينا فاسو. وإلى جانب هذه المتسلّلة الكاميكازية، هناك شقيقة لها تدعى بيرقدار TB2 التكتيكية التي تقوم بعمليات المراقبة والهجوم ويمكنها التحليق على ارتفاع 25 ألف قدم مدّة 20 ساعة متواصلة، وتنقضّ على أهدافها في الليل والنهار. والملاحظ أنّ الطلب الإقليمي والعالمي زاد في الفترة الأخيرة على المسيّرات التركية، وفي صدارتها بيرقدار TB2، باكورة الإنتاج التركي التي استخدمها بكثافةٍ الجيش التركي في شمالي سوريا بدءًا من 2016، وفي ليبيا ضدّ قوات الجنرال حفتر في 2019. والثابت أنّ القوات الأذرية التي استعادت إقليم ناغورنو كاراباخ (ارتساخ)، لجأت إلى مسيّرات بيرقدار TB2 التي زوّدتها بها أنقرة. وتُعدّ أنقرة الداعم المحوري لأذربيجان في الإقليم الذي هو بمثابة كوريدور للنفوذ الأردوغاني في منطقة القوقاز. وما يجمع بين أذربيجان ودولة تركيا هو اللّغة التركية غير أن المصالح تطغى على العلاقات بينهما، ويتصدّرها النفط والغاز والأنابيب والمصبّات البحرية، منذ استقلال أذربيجان. وقد بلغ هذا التلازم ذروته مع الثنائي أردوغان – علييف، وتجسّد في دعم مطلق لباكو في خضمّ نزاعها مع يرقان، وفي رفع شعار «أمة واحدة – دولتان»، كما في إبرام «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والدعم المتبادل» (2010). ولعلّ «المجلس التركي» الذي تأسّس في الثالث من تشرين الأول 2009 في مدينة نخجوان (Naxcivan) الأذرية، ويضمّ تركيا وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، فضلًا عن قرغيزستان، هو التعبير الأكثر مباشرة ووضوحًا لخريطة النفوذ التي صاغها أردوغان في أعالي آسيا.
حديقة أفغانية خلفية
في سياق هذا التمدّد، سعت الأردوغانية إلى غرس راياتها في أفغانستان التي لا تشترك معها في حدود برية، وعرضت المساعدة في إدارة مطار كابول على سبيل الطُعم الجاذب للتدخّل، وعندما حصل الانسحاب الأميركي الدراماتيكي من العاصمة الأفغانية في 30 آب 2021، قال حقّان فيدان يومها، وكان ما يزال رئيسًا لجهاز MIT الاستخباراتي: «نرفض أن نكون كومبارس في المشهد الأفغاني». وطلب ضمّ شخصيات من الأقليّة الأوزبكية أو التركمانية إلى حكومة كابول التي تشكّلت بعد رحيل الأميركيين. فجاءه الرفض من وزير الخارجية الطالباني أمير متّقي الذي وافق في المقابل على زيارة أنقرة لــ «شدّ العرى وتوثيق التعاون». وبدا واضحًا، مرةً جديدة، أنّ العرق التركي هو ورقة أنقرة لمدّ رقعة نفوذها في المدى الأفغاني، والجوكر الذي تُعوّل عليه هو نائب رئيس أفغانستان بين 2014 – 2020، عبد الرشيد دوستم الذي يعيش لاجئًا في إسطنبول بعد سيطرة طالبان على الإمارة الإسلامية. ودخلت الأردوغانية بقوة على خط النزاع الدموي المستجد بين باكستان وأفغانستان. واستضافت أنقرة جولة مفاوضات ماراتونية بين البلدين لم تُسفر عن أية تسوية. وقد تعهّد نائب الرئيس التركي جودت يلماز ورئيس دائرة الاتصال في قصر الرئاسة برهان الين دوران الاستمرار في الوساطة إلى جانب قطر، والرهان الآن على الهدنة كمدخلٍ إلى الحلّ.
اختراق المنازلة الروسية – الأوكرانية
منذ الشرارة الأولى للحرب الأوكرانية، سارع الرئيس أردوغان الباحث عن شراكات في لعبة المصالح، إلى التقارب وتوثيق العلاقات مع القيصر الروسي، فلاديمير بوتين، وأبرم معه في نهاية 2023 بروتوكول تعاون رسم خريطة طريق لمسار مرصود على السنوات العشرة القادمة. وتركّز على الطاقة والزراعة والصناعة والسياحة والمقاولات والجمارك. وضاعف من استخدام الليرة التركية والروبل في المبادلات. وبات أول مفاعل نووي تركي صناعة روسية على يد شركة Posatom وسوف يُصار إلى تدشينه في العام 2028. وهذه الطفرة في التواصل والتلازم لم تحُل دون استقبال الرئيس الأوكراني فولودومير زيلنسكي على ضفاف البوسفور في 15 أيار 2025. وبذلك أرسل الزعيم التركي إشارة ذات دلالات مفادها أنّ بلاده لاعب رئيسي في تشكيل مستقبل أوكرانيا، وتتطلّع إلى سيناريوهات ما بعد الصراع، بما في ذلك الإشراف على وقف النار، ولو تمّ بالعصا السحرية الأميركية. وهذان المساران المتوازيان جعلا من أردوغان وسيطًا مرغوبًا فيه، لدى الكرملين والرئاسة الأوكرانية التي تسلّمت حزمة من المعدّات العسكرية التركية بينها مسيّرات Bayraktar. هذه الازدواجية تسبّبت بصليّـة انتقادات للأردوغانية، لكنّ أردوغان لم يخفّف من دينامية لعبته القائمة على ثنائية النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية. فأطلق مبادرة «حبوب البحر الأسود» التي تقوم على ممر مائي كشريان حياة لأكثر من 350 مليون شخص، ما انعكس إيجابًا على الاقتصاد الأوكراني المضطرب. ونجحت جهود أنقرة الدبلوماسية في ترتيب صفقات تبادل أسرى روس وأوكرانيين، ومن المتوقّع أن يوظّف أردوغان هذا الاختراق «النوعي» بين قطبي المنازلة التي تُدمي الطرفين، في رفع أسهمه الانتخابية في معركة الولاية الثالثة في العام 2028.
معضلة العلاقات الأميركية – التركية
يُعرف وريث الكمالية الأتاتوركية ببراغماتيّـته وتجربته أنّ كل الطرق السياسية والعسكرية تقود إلى واشنطن، خصوصًا في الزمن الترامبي. ومرّت العلاقات الثنائيّة بين واشنطن وأنقرة في وضعية المدّ والجزر. وأصعب الأزمات كان في 12 تموز 2019 عندما بدأت أنقرة تتسلّم أنظمة الدفاع الجوي الصاروخي الروسية «إس-400»، في تحدٍّ مكشوف للتحذيرات الأميركية. بدت العاصمة التركية في هذه المشهدية كخصمٍ للعمّ سام وليس كحليفٍ استراتيجي. ولذلك نفّذت واشنطن تهديداتها وأخرجت أنقرة من برنامج مقاتلات إف 35. وغادر الطيّارون الأتراك المتدرّبون القواعد الأميركية في نهاية تموز من العام نفسه. وهنا لوّح أردوغان بإغلاق قاعدة انجرليك التي تُعدّ حصنًا جويًا رئيسًا في تركيا، شيّده الأميركيون في جنوب البلاد في العام 1951، في أقسى ظروف الحرب الباردة. تبوأت تركيا موقع الصدارة الاستراتيجية لدول الناتو في تلك الحقبة، في مواجهة موسكو السوفياتية، وشكّلت الجناح الجنوبي لحلف الأطلسي. وتبعد انجيرليك نحو 400 كلم عن الحدود السورية. وخطورتها تتمثّل في كونها مخزنًا لرؤوس نووية أميركية وتُقدّر دوريات فرنسية وبلجيكية متخصّصة، ومنها أسبوعية Air et Cosmos أنّ المخزون المشع الأميركي يبلغ نحو 50 قنبلة حرارية من طراز بي 61، جزء منها هيدروجيني. والمعروف أنّ واشنطن نشرت في الدول الأعضاء في الأطلسي، بما فيها تركيا، نحو 180 سلاحًا نوويًا منذ العام 1945. والباب العالي التركي عضو في الناتو منذ 1952. ولا شكّ في أن المسح البانورامي للسياق التاريخي للأحداث يظهر أنّ أميركا عانت دائمًا من مشكلات مع جميع حلفائها وأعدائها. وتركيا تقع داخل هذا القوس من المدّ والجزر، والليونة والتشدّد، والبراغماتية المصلحية والراديكالية المبدئية. وكما يقول رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو (2014 – 2016)، وهو أبرز مفكّري حزب العدالة والتنمية، فإنّ هناك عوامل متداخلة جعلت العلاقات بين واشنطن وأنقرة في غاية التشابك والتعقيد لأسباب تاريخية وجيو-استراتيجية ومصالح مؤسّسية من الصعب تجاوزها في معادلات الدبلوماسية الأكثر اختراقًا، والموازين والأوزان الاقتصاديّة-العسكريّة-الاستخبارية. ومع انتزاع الرئيس دونالد ترامب ولاية أولى (2017 -2021) طُوي جزء من المشكلات المتراكمة، وتراجع التصعيد وتوجّه أردوغان للتقارب مع القيصر الروسي والمارد الأصفر الصيني. فأسفر هذا الانعطاف عن وصلة من عضّ الأصابع الأميركية-التركية، ما مهّد لنوع من «عناق المصالح» في الولاية الثانية لترامب الذي لا يتردّد في الإشادة بــ «سلطان العثمانية الجديدة»، ملوّحًا بتزويده مقاتلات إف-16، وإذا لزم الأمر بـ إف-35، «جوهرة» الترسانة الجوية الأميركية.
2028 محرقة أم عبور آمن؟
تؤكّد تركيا الأردوغانية على موقعها في خرائط النفوذ والأدوار كقطبٍ إقليمي من الصعب الالتفاف عليه، بفضل الجغرافيا، والوزن الديموغرافي، والقاعدة الاقتصادية بدينامية مشهود لها. وهذه المميّزات والمزايا ذات قدرة على الجذب والإغراء، كما أنّها تنطوي على مفاعيل مقلقة. وفي خلال أكثر من 20 عامًا، وهو يمسك بدفّة السلطة، نجح أردوغان في تطوير بلاده وتحديثها في العمق، فارضًا نفسه كصانع «المعجزة الاقتصادية»، وناشرًا جيشه في مسارح النزاعات والحروب في سوريا، وليبيا، وشمال العراق وصولًا إلى القوقاز، حتى تخوم الخلاف والسخط مع شركائه التقليديين، أي الولايات المتّحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. وكقائدٍ إصلاحي، عانق منذ 2003، عند وصوله إلى السلطة كرئيس حكومة، حلم الانضمام إلى مؤسّسات القارة العجوز، لكن توجّهاته الأيديولوجية غلبت براغماتية البدايات، إذ سعى إلى إضعاف الجيش لكي تخلو الساحة، وهندس نظامًا رئاسيًّا على قياس طموحاته، وهدفه زرع بصماته في التاريخ على غرار مؤسّس الجمهورية مصطفى كمال الملقّب بــ أتاتورك. وهو يتطلّع إلى بناء «قرن تركيا»، لكنّ الرياح لا تهبّ في اتّجاه واحد، ويشعر الربّان بأنّ سفينته تعبر المضيق بصعوبةٍ، وهذا هو استحقاق 2028، الذي يستعدّ له الحزب الحاكم، فالمعارضة بأحزابها الستة تشحذ أسنانها بقوّة. وسجين زنزانة بحر مرمرة، رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو (55 عامًا) هو التحدّي الأبرز، ويشكّل خطرًا على حظوظ أردوغان.
المراجع
– Diplomatie (Août-Septembre 2021) Géopolitique de la Turquie: les grands dossiers N°.69
– Le Service Secret Turc: Milli Istihbarat Teskilati: Guerre sur tous les fronts Constantin Pikramenos, Savvas Kalenteridis, Va Editions – 2020 – France
– La Turquie, un partenaire incontournable: Didier Billion – Edition Eyrolls – 2021
– Russie – Turquie, un défi à l’occident? Ouvrage réalisé sous la direction d’Isabelle Facon- Editions: Passés Composés – 2022
– La Turquie: L’invention d’une diplomatie émergente: Janna. J. Jabbour Paris- CNRS – Editions 2017
– La Révolution Kurde – Le PKK et la fabrique d’une Utopie – Olivier Grojean Paris- La Découverte – 2017











