قضايا إقليمية

تهويد القدس ونقل السفارة: الحيثيات والمخاطر
إعداد: إحسان مرتضى
باحث في الشؤون الإسرائيلية

من الممكن تعريف عملية تهويد القدس بأنها مجموعة المحاولات والإجراءات المستمرة من قِبَل الصهيونية العالمية وجيش الاحتلال الإسرائيلي بهدف نزع الهوية العربية، الإسـلاميـة، المسيحيـة والتاريخـيـة عنها، وفرض طابع مستحدث جديد عليها، وهو الطابع العنصري اليهودي التلمودي حصرًا.

 

منذ أن قام العدو باحتلال القسم الشرقي من المدينة في العام 1967، وهو يعمل جاهدًا للسيطرة عليها بأكملها وتغيير معالمها. وقد استخدم لأجل ذلك الكثير من الوسائل، وقام بالعديد من الإجراءات ضد المدينة وسكانها، فكان الاستيطان فيها وفي الأراضي التابعة لها أحد أهم الوسائل لتحقيق هدف اليهود النهائي تجاهها، وهو جعلها عاصمة موحدة وأبدية لكيانهم الغاصب.
لقد قام العدو بتوسيع حدود القدس بضم مستوطنة معاليه أدوميم التي يقطنها نحو 20 ألف مستعمر، إضافة إلى مستوطنات عسكرية أخرى من الجهة الشرقية، وضم مستعمرات عديدة من الشمال، مما أدى إلى مضاعفة عدد المستعمرين ليصبح 380 ألف مستعمر. ولا شك أنّ عملية الاستيطان اليهودية في القدس وضواحيها قد خلّفت آثارًا كبيرة على السكان الفلسطينيين يمكن إجمالها بالنقاط الآتية:

• مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي التابعة للقرى الفلسطينية وإقامة المستعمرات عليها. وعلى أراضي محافظة القدس لوحدها، تمّت إقامة 43 مستوطنة على مساحة تزيد عن 46 ألف دونم.

• تطويق التجمعات السكنية الفلسطينية وخنقها والحدّ من توسّعها، وتهديد بعضها بإزالته نهائيًا.

• تضييق الخناق على المقدّسيين، وتقليل فرص العمل والسكن أمامهم لترحيلهم.

• إبقاء فلسطينيّي القدس وضواحيها في حالة خوف ورعب دائمين، من خلال الاعتداءات والإهانات المتكررة التي يمارسها ضدهم المستوطنون المدججون بالسلاح والمحميّون من جيش الاحتلال.

• عزل مدينة القدس وضواحيها عن محيطها الفلسطيني والتحكّم بحركة الفلسطينيين بين شمالي الضفة الغربية وجنوبها. وفي هذا الإطار افتتحت إسرائيل ما يعرف بمعبر شعفاط العسكري، وهو معبر ضخم يضم منافذ للمشاة والسيارات، ويتحكم بحركة عبور الفلسطينيين من حَمَلة بطاقة الهوية الإسرائيلية الزرقاء إلى المدينة، ويحرم أكثر من 50 ألفًا من هؤلاء من الإقامة فيها.

• قطع التواصل الجغرافي بين أنحاء الضفة الغربية، وتقسيمها إلى بقع متناثرة والحيلولة بالتالي دون إقامة دولة فلسطينية متكاملة الأركان وذات سيادة.

• تشويه النمط العمراني الرائع للقدس العتيقة والقرى الفلسطينية المحيطة بها، وتغيير أسماء الشوارع والأماكن العربية الإسلامية إلى أسماء عبريّة تلمودية، والعمل على هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

• حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وبناء كنائس يهودية لأداء الطقوس التلمودية فيها، وتهديد المسجد بالسقوط مع تكريس الوجود اليهودي داخله، وذلك بالصلاة فيه يوميًا، وباقتحام باحاته في وضح النهار، وأيام الأعياد بحماية الشرطة الإسرائيلية أو ما يسمَّى حرس الحدود، لتثبيت مبدأ أحقية اليهود فيه.

أمّا بالنسبة إلى المواطنين الفلسطينيين المقيمين في القدس فتنظر إليهم إسرائيل على أنهم مواطنون أردنيّون، وذلك وفق القوانين التي فرضتها على المدينة والتي تنصّ على أن كل من يغيّر مكان إقامته في القدس، يفقد حقّه بالعودة إليها. وتغيير مكان الإقامة ليس إلى خارج الكيان الغاصب فقط، وإنما حتى خارج الحدود البلدية للمدينة، وهو يعرضّ من يعمد إليه لسحب حق الإقامة منه، وإخراجه من البلاد. وكل ذلك من أجل كسر التوازن الديموغرافي لمصلحة الإسرائيليين، وجعل السكان العرب أقلية معزولة في المدينة المقدّسة.
بالنسبة إلى الأماكن المقدسة في المدينة، اعترفت إسرائيل بالشق المسيحي من اتفاقية الوضع القائم التي كان وقّعها السلطان العثماني، ووقعت بناء عليه اتفاقًا رسميًا مع الفاتيكان بشأنها، في حين أنها رفضت الاعتراف بالوضع نفسه بالنسبة إلى المقدسات الإسلامية، وسنّت قوانين عنصرية تعسّفية تخدم أهدافها التوسّعية، متذرّعة بأنّ الوضع القائم قد ألحق الظلم باليهود، وأنّ ما تقوم به يندرج ضمن مساعيها للحفاظ على مقدساتها الخاصة. لذلك قامت بتوسيع ساحة البراق – الحائط الغربي لتتسع لأكبر عدد ممكن من اليهود لأداء طقوسهم في المكان بعد السيطرة عليه، وسنّت قوانين تتحدث عن حرية العبادة لكن القصد منها تمكين اليهود من انتهاك حرم المسجد الأقصى.
أمّا بالنسبة إلى نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، فالحقيقة أن القاسم المشترك بين كل الرؤساء الأميركيين، كان الاعتراف ضمنيًا بأنّ القدس عاصمة للدولة الصهيونية، لكن الأمر في السابق لم يتعدَ كونه اعترافًا شفهيًا من دون فرض أمر واقع جديد من شأنه إشعال المنطقة. إذ كانوا يغلّبون منطق سياسة التهدئة والمناورة على منطق التصعيد والاستفزاز. أمّا الرئيس ترامب فخالف الجميع ووفى بوعده الانتخابي للإسرائيليين واستجاب لجماعات المصالــح والضغـط التي يقودها اللــوبــي اليهــودي (الإيباك)، في مقابل الوضع المتأزم الذي يعانيه الرجل داخليًا.
مع ذلك لا ينبغي أن نستغرق طويلًا في صدمـة قرار ترامب وكأنه مفاجئ، لأن القرار سبقته مقدمات وإشارات واضحة تقود إلى هذا المصير الطبيعي، فأكثر من 78% من الأراضي الفلسطينية احتلّتها إسرائيل، فيما الأراضي المتبقية للسلطة منزوعة السيادة بالكامل. والمفارقة المخزية في هذا السياق عربيًا ودوليًا، هي في عدم تمكين أصحاب الأرض الحقيقيين منذ نكبـة 1948 من إعلان دولتهم الشرعية، بينما يتمتع الكيان الصهيوني بدعم وتأييد واعتراف دولي وإقليمي، لاسيما من قبل دول كانت تعتبر إسرائيل العدو الأوحد والأول يومًا ما. ما حصل اليوم هو أن الرئيس ترامب استثمر فرصة ذهبية برزت أمامه، للإجهاز على ما تبقى من حقوق العرب والفلسـطينيــين القومــية والتـاريخيــة والدينية.