وجهة نظر

حارسان عند حدود لبنان: الوحدة الوطنيّة والقوانين الدوليّة
إعداد: جورج علم

رقصة الأمم فوق حقول النفط

 

شاخ. تقوّص ظهره. اتّكأ على عصا الزمن بعدما أثقلت مناكبه تراكمات السنين. مئة عام، بل أكثر. ماذا بقي من سايكس – بيكو؟ ومن قصاصات ذلك المبضع الفولاذيّ الذي قطّع الشرق الأوسط أوصالًا بعيد انتهاء الحرب العالميّة الأولى؟!
هل أدّى ذلك الاتفاق التاريخي الهرم قسطه للعلى، فبدأت تنهار الحدود، والفواصل؟ الجواب بسيط، ولا يحتاج إلى منجّمين في علوم التاريخ والجغرافيا. بعد «الربيع العربي» وما أحدثه من اهتزازات، وتفسّخات عميقة في البنية السياسيّة – الاجتماعيّة - الاقتصاديّة لشعوب المنطقة ودولها. وبعد الحديث عن «القاعدة»، و«داعش»، و«الإرهاب»، يعود الحديث اليوم عن الحدود الجديدة، عن التقسيمات التي تفرض نفسها على أرض الواقع، عن الأقاليم التي تستحدث من العراق، إلى سوريا، وصولًا إلى اليمن السعيد!

 

نبذة تاريخيّة
بين الأمس واليوم، تغيّرت الأسماء، وتبدّلت الأدوار، لكن المبضع لا يزال في أيدي الكبار يقصقصون الجغرافيا، ويمزّقون الأوطان والشعوب، ويستحدثون أقاليم، وكيانات وفق ما تقتضي لعبة مصالحهم.
بعد تهاوي الدولة العثمانيّة في الحرب العالميّة الأولى، ولد تفاهم واتفاق بين فرنسا وبريطانيا، بمصادقة من الأمبراطوريّة الروسيّة، يقضي باقتسام منطقة الهلال الخصيب، لتحديد مناطق النفوذ في غربي آسيا.
كانت المفاوضات سريّة للغاية، وبدأت في تشرين الثاني من العام 1915، بين الدبلوماسي الفرنسي فرونسوا جورج بيكو، والبريطاني مارك سايكس، واستمرّت حتى أيار من العام 1916، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا، وبريطانيا، وروسيا القيصريّة آنذاك. ​مع وصول الشيوعيّين إلى سدّة الحكم في روسيا في العام 1917، تمّ الكشف عن الاتفاق، فثارت ثائرة الشعوب التي يمسّها، وأصيبت فرنسا وبريطانيا بحرجٍ كبيرٍ، لكن الصراخ والضجيج لم يغيّرا فاصلة من المخطط المرسوم، وتمّ تقسيم منطقة الهلال الخصيب، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا، ولبنان)، ومنطقة الموصل في العراق، فيما فرضت بريطانيا سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي، متوسعةً بالاتجاه شرقًا لتضمّ بغداد والبصرة، والمناطق الواقعة بين الخليج العربي، والمنطقة الفرنسيّة في سوريا.
أمّا فلسطين، فتقرّر أن تقع تحت إدارة دوليّة يتمّ الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ونصّ الاتفاق على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكّا، على أن يكون لفرنسا حريّة استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا بريطانيا في المقابل استخدام ميناء الإسكندرونة.
لاحقًا، وتخفيفًا للإحراج الذي أصيب به الفرنسيّون والبريطانيّون، وبعد الكشف عن هذا الاتفاق، وعن وعد بلفور، صدر كتاب تشرشل الأبيض في العام 1922، ليوضح بلهجة مخفّفة أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين، إلّا أنّ محتوى اتفاق سايكس - بيكو تمّ التأكيد عليه مجددًا في مؤتمر سان ريمو في العام 1920. بعدها، أقرّ مجلس عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنيّة في 24 حزيران من العام 1922، لإرضاء أتاتورك، واستكمالًا لمخطط تقسيم سوريا وإضعافها.
في العام 1923، تمّ التوصّل إلى اتفاق جديد، عرف باسم «معاهدة لوزان» لتعديل الحدود التي أقرّت في معاهدة سيفر، وتمّ بموجب هذه المعاهدة التنازل عن الأقاليم السوريّة الشماليّة لتركيا الأتاتوركيّة، بالإضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أُعطيت لليونان في معاهدة لندن السابقة.
وقسّم اتفاق سايكس - بيكو وما تبعه، سوريا الكبرى أو المشرق العربي، إلى دول وكيانات سياسيّة كرّست الحدود المرسومة، التي تخضع اليوم لمبضع جديد يُمسك بأحد طرفيه الأميركي ومن معه، فيما يُمسك بالطرف الآخر الروسي ومن معه!.

 

ماذا عن لبنان؟
مرّت الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلّة بثلاث مراحل تاريخيّة.
الأولى، في العام 1923، عندما بدأت مفاوضات شاقّة بين ممثل الانتداب الفرنسي المقدّم بوليه N. PAULET، وممثل بريطانيا، المقدّم نيوكمب S.F.NEW COMB. توصّل الطرفان في 7 أيار 1923 إلى اتفاق تضمّن 38 نقطة فصل بين لبنان وفلسطين، بالإضافة إلى النقطة 39 على الحدود المشتركة اللبنانية – السوريّة – الفلسطينيّة، من رأس الناقورة إلى منطقة الحمّة السوريّة. حدّدت النقاط بعلامات موصوفة ومرقّمة، وأودع الاتفاق لدى عصبة الأمم، وتمّ التصديق عليه كوثيقة دوليّة في 6 شباط 1924.
المرحلة الثانية، فرضتها حرب 1948 وتأسيس الكيان الصهيوني، وتلت تلك الحرب اتفاقية الهدنة بين لبنان وفلسطين المحتلّة بتاريخ 23 آذار 1949، وصادق عليها مجلس الأمن الدولي. قضت المادة الخامسة من تلك الاتفاقيّة بتشكيل لجنة عسكريّة لبنانية – صهيونيّة بإشراف الأمم المتحدة. وعلى الأثر بدأت اجتماعات مطوّلة للجنة الهدنة، شارك فيها عن الجانب اللبناني المقدّم شهاب، النقيب غانم، النقيب ناصيف، وعن جانب العدو الإسرائيلي الضابطان غوزنسكي، وسيغال، وتمّ الاتفاق على رسم الحدود استنادًا إلى اتفاق بوليه – نيوكمب (1923)، على أنّ تتناول الأعمال إعادة وضع إشارات ونقاط الحدود في مكانها، وكذلك وضع إشارات أو نقاط متوسطة، بين النقاط الـ38 الأساسيّة، من النقطة BP2 (الناقورة) لغاية BP38 (الجسر الروماني على نهر الوزّاني).
في العام 1961، عقدت لجنة الهدنة اجتماعًا، وتمّ الاتفاق على وضع الشارات الـ38، (سميّت BP)، وتمّ زيادة نقاط وسطيّة (سميّت B) وعددها 97، ونقاط مساعدة (سمّيت BP) وهي ثمانية. وفيما بقي الموقف اللبناني مستندًا إلى اتفاق بوليه – نيوكمب، واتفاقية الهدنة، أقرّ العدو بالاتفاقيتين، لكنّه تحفّظ على «دقّة» الخرائط لترسيم الحدود.
أما المرحلة الثالثة، فهي مرحلة ما بعد انسحاب العدو الإسرائيلي في 25 أيار 2000، على أساس «الخط الأزرق». يومها تسلّم الجانب اللبناني خريطة كناية عن صورة جويّة سمّيت خريطة «لارسن»، نسبة لتيري رود لارسن، المنسّق الخاص السابق للأمم المتحدة لـ«عمليّة السلام». وأجريت عليها دراسة، وتمّ وضع ثلاثة تحفظات في BP16 (الرميش)، وBP35 وBP36 وBP37 (مسكفعام)، وBP38 وBP39 (المطلّة). وفي 23 حزيران 2000 تسلّم لبنان من اليونيفيل لائحة إحداثيات مؤلفة من 198 نقطة، إلّا أنّه تحفّظ على مزارع شبعا والجزء اللبناني من بلدة الغجر.
بعد عدوان تمّوز في العام 2006، تمّ وضع لائحة مؤلفة من 593 نقطة، وتمّ قياس 268 نقطة ووضع العلامات عليها، كما تمّ تحديد 147 نقطة. أما النقاط الباقية فهي 178 نقطة، تقع داخل مناطق «متحفّظ عليها» وهي 13 منطقة، ولا يعتبرها لبنان الرسمي «متحفّظ عليها»، بل نقاط لبنانية صافية، استنادًا إلى اتفاقية الهدنة، وأيضًا اتفاق بوليه – نيوكمب، والتي عمل واضعو «الخط الأزرق» على حرمان لبنان منها.
أبرز هذه المناطق تلك المتّصلة بنقطة رأس الناقورة، التي تعرف بـB1 – BP1، ومساحتها 3341 مترًا مربعًا، وهي منطقة جدّ مهمّة، أوّلًا لتأثيرها على مجرى ترسيم الحدود البحريّة، والمنطقة الاقتصاديّة الخالصة، ثم لأنها تملك امتيازًا جغرافيًّا يسمح لمن يسيطر عليها بالإشراف على مساحات شاسعة من البرّ والبحر الفلسطينيّين، بدءًا من مستوطنة روش هانيكرا الملاصقة لرأس الناقورة، وصولًا إلى رأس مدينة حيفا المحتلة.
ولا يوفّر ضباط العدو الإسرائيلي اجتماعًا من اجتماعات اللجنة الثلاثيّة مع الأمم المتحدة والجيش اللبناني، إلّا ويكرّرون مطالبتهم بهذه البقعة، فيما يؤكد الجانب اللبناني على لبنانيتها، والتمسّك بها. أما النقطة الثانية فهي B10 – B11، في علما الشعب، وتبلغ مساحة المنطقة المتأتّية عنها 33273 مترًا مربعًا. والنقطة الثالثة هي B13، وتقع أيضًا في علما الشعب.
 

الحدود البحريّة
تدخّلت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة من موقع «الوسيط» لمعالجة مطامع العدو الإسرائيلي بحقل الغاز والنفط رقم 9، في المياه الإقليميّة اللبنانية، وزار بيروت تباعًا نائب مساعد وزير الخارجيّة ديفيد ساترفيلد، ثم وزير الخارجية ريكس تيليرسون، ودار بحث معمّق حول ما بات يعرف بـ«خط هوف» البحري، نسبة إلى الدبلوماسي الأميركي السفير فريدريك هوف.
وحول هذا الموضوع يقول خبيرٌ نفطيٌّ لبنانيٌّ بارزٌ، ومطّلع على مجريات الأمور: «إنّ خط هوف طُرح قبل ما يقارب أربع سنوات، عندما كان السفير فريدريك هوف يقوم بوساطة كموفدٍ أميركي بين لبنان والعدو الإسرائيلي في ما يتعلّق بالنزاع البحري الحدودي بين الجانبين آنذاك. وفي النهاية كان هوف مقتنعًا بوجهة النظر اللبنانية بأن العدو الإسرائيلي يحاول أن يتمدد من دون وجه حقٍ خارج حدوده البحرية باتجاه الحدود البحرية للمنطقة الاقتصادية الخالصة جنوبي لبنان».
يضيف: «آنذاك اصطدم هوف بالعناد الإسرائيلي، وقد اقترح على الجانب اللبناني أن يقبل مؤقّتًا أن يتراجع العدو الإسرائيلي ما يقارب الـ60 بالمئة من المنطقة التي يحاول قرصنتها، والتي تبلغ مساحتها الكاملة 860 كيلو مترًا مربعًا. أمّا الـ40 بالمئة من المنطقة المتبقية، أي 310 كيلومترات مربعة، فتبقى كما هي من دون أن يستثمرها لبنان أو العدو». إلّا أنّ لبنان رفض «لأن لا أحد لديه كرامة وطنية يقبل بهذا الطرح، ولأن هذه المياه تعود ملكيتها إلى لبنان».
أضاف: المنطقة الجنوبيّة كلها تحوي النفط والغاز، وإن العدو الإسرائيلي قد قام بنشاطات استكشافيّة استبق فيها لبنان، ووجد حقولًا غازيةً قريبةً من الحدود اللبنانية في شمالي فلسطين، وحقل كاريش كان آخرها، وهو يبعد نحو 4.5 كلم من حدود لبنان البحريّة، من ناحية «البلوك 9». وهمّ العدو الأوّل محصور بالشريط البحري البالغ 860 كيلو مترًا مربعًا، وصحيح أنه كان على استعداد للتخلي عن جزء منه، إلّا أنّ الجزء المحاذي لمنطقة العدو لن يُسمَح بأي نشاط بترولي فيه، لأنّ الحقول التي تقع على الحدود المقربة، إنّما هي حقول مشتركة، ما يؤمّن للعدو الجزء الذي يحاول أن يستأثر فيه امتدادًا لنشاطاته، فيصبح الغاز الموجود بالآبار المشتركة عائدًا للعدو الإسرائيلي، وبالتالي يحاول العدو من خلال اختلاق المشاكل والتهديدات، إبعاد الشركات النفطيّة الثلاث التي تعاقد معها لبنان عن هذه المنطقة.
 

اللواء الركن المتقاعد شحيتلي
تحدّث اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، الذي شغل مهمّة رئاسة الوفد اللبناني الذي كُلّف بترسيم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصاديّة، لإحدى وسائل الإعلام المحليّة، عن «خط هوف» الذي يعمل الأميركيّون بتحريض صهيوني على إحيائه، فينطلق من العام 2007 حين كلّف مجلس الوزراء اللبنـاني لجنـة لترسيم حدود لبنان الاقتصاديّـة من الجهة الجنوبيّـة، والتي بـدورها أودعــت الأمم المتحدة هـذه الحدود، ليتـمّ بعـدها توقيع «اتفاقية الحدود» بين لبنان وقبرص.
وينتقل شحيتلي إلى العام 2010، الذي صدر خلاله قانون لمجلس النواب نصّ على ما يتعلّق بالحدود البحريّة والبريّة، والحقوق النفطيّة للبنان. كما صدر مرسوم حدّد حدود إحداثيات النقاط البحريّة على الشاطىء اللبناني، وحدود المنطقة الاقتصاديّة في المياه الإقليميّة اللبنانية، وجرى إيداعها أيضًا لدى الأمم المتحدة التي أعلنت بدورها عن هذه الإحداثيات في منشور لها. وعلى الأثر أودع كيان العدو بدوره الأمم المتحدة «حدوده» البحريّة الاقتصادية في بحر فلسطين المحتلّة. وتبيّن أنّ بين الإيداعين تداخلًا في الحدود مقداره 860 كيلومترًا مربعًا، ما استدعى وفق قانون البحار الصادر في العام 1982 ضرورة لجوء الطرفين إلى إجراء مفاوضات مباشرة، وهذا يستحيل تطبيقه لأن بيروت ترى في تل أبيب عدوًّا. انتقلت «الوجهة» إلى خطوة أخرى تنصّ على تحكيم وسيط يُجري مفاوضات بين الطرفين، وعندها طلب لبنان من الأمم المتحدة أن تقوم بدور الوسيط، إلّا أنّ كيان العدو رفض ذلك، ليجري الاتفاق على قيام واشنطن بهذا الدور، وتمّ تلزيمها مهمّة الاتصالات والمفاوضات، حينها بدأت قصّة «خط هوف»، وهو الخط الذي اقترحه السفير هوف «خطًّا وسطيًّا»، لكنه من المنظار اللبناني وحتى الدولي، غير قانوني بالمطلق.
ويقول اللواء الركن المتقاعد شحيتلي في هذا المجال، إنّه عندما أعلن لبنان حدوده، ارتكز على مرجعيّة قانونية دوليّة تحدد كيفيّة ترسيم الحدود، أما الجانب الصهيوني فلم يستند إلى أي مرجع حقوقي لذلك. ووفق القانون الدولي، فإنّ الحدود التي رسمها كيان العدو ليست ذات صدقيّة أبدًا، وهنا يشدد لبنان على ضرورة إجراء المزيد من المحادثات لإجراء تعديلات على «خط هوف»، الذي يتشبث به كيان العدو ويأخذ بمقترحاته. ووفق رأيه فإنّ الخط الذي رسمه العدو خارج البحث ولا يعنينا، وعلى واشنطن إجراء المزيد من المباحثات، وتعديل خطّها. فوفق المادة 74 من قانون البحار، «إذا لم يستطع الطرفان المتنازعان التوصل إلى حلٍّ عادلٍ خلال فترة معقولة من الزمن، عليهم تطبيق الجزء الخامس عشر»، والذي ينصّ على أنه «في حال عدم وجود اتفاق، فعلى كل دولة أن لا تتعدّى الحد الوسطي ما بين الدولتين».
ويضيف اللواء الركن المتقاعد شحيتلي: «خطّنا هو العادل، فيما خطّ هوف غير عادلٍ مطلقًا، ولبنان يحصّن حدوده بالقانون الدولي».