في ثكناتنا

دورة جديدة في الكلّية الحربية: منافسة وشفافية وحماسة
إعداد: :نينا عقل خليل

تثابر الكلّية الحربية على تنفيذ مهمتها باحترافٍ وأمانة لتنشئة ملازمين أكفّاء للقوات المسلّحة، وإعدادهم وفق مناهج أكاديمية متطوّرة، وتزويدهم ثقافة وطنية راسخة، وإحساسًا عميقًا بالانتماء إلى المؤسسة والوطن. والمهمة تبدأ من خطوة إجراء امتحانات الدخول إلى الكلّية وفق معايير الشفافية والعدالة والنزاهة. فقيادة الجيش تشدّد على هذه المعايير التي تلتزمها الكلّية بشكلٍ صارم. والتشدّد فيها أدّى إلى نتائج ملموسة ظهرت في قدرات متخرّجي الدورات الأخيرة.

 

تفقّد العماد عون التلامذة الضباط عقب التحاقهم، وتوجّه إليهم بكلمة أشار فيها إلى أنّ «الوضع الاقتصادي أدى إلى توقف عملية التطويع من بين المدنيين، فبادرت المؤسسة العسكرية إلى إجراء الاختبارات للعسكريين من مختلف الأجهزة الأمنية لسد النقص الحاصل»، وقال: «لقد نجحتم بفضل جهودكم وكفاءتكم، ولا مِنّة لأحد عليكم» (الكلمة في موضع آخر من هذا العدد).
 

التطويع من داخل السلك
تأتي هذه الدورة كما الدورة التي سبقتها في العام الماضي، حلًا لمسألة وقف التطويع بموجب ما أقرته موازنة العام 2019 التقشفية، إذ عمدت قيادة الجيش إلى تطويع الضباط من ضمن السلك العسكري تفاديًا لأي انعكاسات قد تصيب هرمية المؤسسة وهيكليتها. والنظام الذي اعتمد في السنتَين الماضيتَين هو نفسه الذي اعتُمد هذا العام في ما يتعلّق باستبعاد أي وساطة، والتزام قاعدة «الشاطر بشطارتو»، ضمن إطار مراعاة النظام الطائفي المعمول به.
 

الاختبارات
في ما يخص اختبارات المرشحين للتطوع بصفة تلميذ ضابط في الكلّية الحربية، يوضح رئيس اللجنة الفاحصة العامة للاختبارات العميد الركن نمر أبي ناصيف لمجلة «الجيش»، أنّه «خلال شهر كانون الأول من العام المنصرم أعلنت قيادة الجيش حاجتها لتطويع تلامذة ضباط في الكلّية الحربية، وكلّفت لجنة لاستقبال طلبات المرشحين من بين العسكريين فقط من دون المدنيين، في ظل وقف التوظيف في المؤسسات العامة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد».
ويقول العميد أبي ناصيف: «إطلاق مشروع التطويع هذه السنة من بين العسكريين ارتكز على عدة اسباب، أهمها تلافي انقطاع الإمداد السنوي لوحدات الجيش بضباط فتيان، واستمرار عمل الكلّية الحربية، لا سيما في ظل نجاح تجربة العام الماضي، وتوافر عدد كبير من الرتباء والأفراد الذين يتمتّعون بمستوياتٍ علمية جيدة تستوفي شروط الترشح إلى الكلّية الحربية، لا بل تتجاوزها لدى بعض المرشحين الذين يحملون إجازات جامعية، ما يتيح إعداد دفعة جديدة من الضباط من دون تحميل الخزانة العامة أعباء إضافية».
وعن مستوى المتبارين لهذا العام، يضيف رئيس اللجنة أنّه «تم استقبال طلبات ما يقارب الألف من العسكريين في الجيش والمديرية العامة للأمن العام والمديرية العامة لأمن الدولة. وقد عملت اللجنة الفاحصة العامة على إجراء الاختبارات اللازمة على مرحلتَين. أُجريت في المرحلة الأولى الاختبارات النفسانية والرياضية والطبية من قبل لجان مختصة بإشراف اللجنة العامة. فقد كان على المرشح اجتياز الاختبار النفساني للتأهل إلى اختبار الرياضة، والذي في حال اجتيازه يتأهل للاختبار الطبي، ونجاحه في الاختبار الأخير يؤهله للمرحلة الثانية. وبغية تأكيد شفافية الاختبارات جرى تعميم النتيجة على المرشحين في اليوم نفسه، عبر صفحة الجيش الإلكترونية وتطبيق LAF News. وقد اجتاز المرحلة الأولى بنجاح 430 مرشحًا، تأهلوا إلى المرحلة الثانية من الاختبارات التي تتضمن الاختبارات الخطية واختبار التقدير الذي يُعرف بالمثول أمام اللجنة».
 

مناصفة بين الذكور والإناث
توزع المؤهلون للمرحلة الثانية مناصفة بين الذكور والإناث تقريبًا، وبلغت نسبة حملة الإجازات الجامعية بينهم 60٪. وبما أنّ الإناث يشكّلن شريحة كبرى، فثمة ما يُبشّر بفرص نجاح واعدة لهنّ للالتحاق بالكلية الحربية ومتابعة الدراسة فيها لثلاث سنوات أسوة بالذكور.
وفي ما يتعلّق بالاستراتيجية التي يتم الاستناد إليها في وضع امتحانات الدخول، يوضح العميد أبي ناصيف أنّ «إنجاز الاختبارات الخطية لا يقتصر على اللجنة الفاحصة العامة، بل تتكامل جهود عدة أطراف في هذا السبيل. فتتولى مديرية التعليم وضع أسئلة مختلف مواد الاختبارات بالتعاون مع أساتذة متخصصين من المركز التربوي للبحوث والإنماء التابع لوزارة التربية، بغية تحقيق الانسجام التام مع المنهاج المعتمد في الصفوف الثانوية. وتوضع الأسئلة ليلة الامتحان في قاعة مغلقة معزولة عن أي وسيلة اتصال، وتبقى كذلك حتى لحظة توزيع المسابقات على المتبارين، وذلك تحقيقًا لنزاهة الامتحانات وشفافيتها».
أما عن المعايير التي أعتُمدت في وضع الأسئلة، فيوضح، «أنّها تنسجم أولًا مع المنهاج المعمّم على المرشحين عند تقديم طلبات الترشح، والمعيار الأهم هو المحافظة على مستوى الامتحانات بالمقارنة مع السنوات السابقة، وبكلامٍ أوضح عدم التنازل عن المستوى المطلوب للدخول إلى الكلّية الحربية، مراعاة للمرشحين كونهم من العسكريين. وجدير بالذكر أنّ العدد المطلوب لدخول الكلّية يقارب المئة تلميذ بحده الأقصى، أما العدد الذي سيتم اختياره فهو عدد الذين سيتمكنون من اجتياز الاختبارات بنجاحٍ، حتى ولو كان أقل بكثيرٍ من العدد المطلوب».
 

التدابير
وفي معرض حديثه عن التدابير التنظيمية والإدارية المتخذة لضمان سير الامتحانات، يقول رئيس اللجنة أنّه «بعد وضع الأسئلة من قبل مديرية التعليم، باشرت اللجنة الفاحصة العامة تنفيذ الاختبارات الخطية للمرشحين وذلك بتاريخَي 9 و10 كانون الثاني الفائت. وفي ظل جائحة كورونا كان الهم الأول احترام التدابير الوقائية منعًا لانتشار الفيروس (وضع الكمامات، المحافظة على التباعد الاجتماعي، اعتماد عدة مداخل متباعدة للوصول إلى أمكنة الاختبارات منعًا للازدحام خلال تفتيش المرشحين...). كما حرصت اللجنة على تأمين الأجواء المناسبة لتحقيق نزاهة الاختبارات وعدالتها من خلال المراقبة المشددة من قبل ضباط دورة الأركان بالتعاون مع رتباء من مختلف قطع الجيش ووحداته».
أخيرًا، يشير العميد أبي ناصيف إلى أنّه «فور انتهاء الامتحانات الخطية، بوشرت عملية تصحيح المسابقات بإشراف اللجنة الفاحصة العامة، وذلك باعتماد نظام الترميز Barcode على المسابقات، بغية عدم إظهار اسم المتباري للمصحح، وبالتالي تحقيقًا للشفافية، علمًا أنّ كل مسابقة تخضع لتصحيح مصححَين اثنين وفق تعليمات الامتحانات».
 

أرقام
بلغ عدد الطلبات التي تلقّتها اللجنة العامة لامتحانات الدخول إلى الكلّية الحربية 818 طلبًا، توزّعت بين عدة أجهزة منها: 629 تلميذًا من الجيش، 144 من الأمن العام و45 من أمن الدولة، وكانت مناصفة بين الذكور والإناث. واللافت أنّ 60% من هؤلاء هم حملة شهادات جامعية، وضمن هذه الفئة شكلت فئة الإناث الشريحة الكبرى ما يدل على نجاح نسبة كبيرة منهنّ.
 

عدد الملتحقين
أسفرت نتائج الامتحانات عن نجاح 35% من المؤهلين للمرحلة الثانية، أما العدد الذي تمّ التحاقه في صفوف الكلّية فهو 108 مرشحين موزّعين على ثلاث مؤسسات: الجيش 88 تلميذ ضابط، الأمن العام 16، و4 لأمن الدولة. وهؤلاء المرشحين الـ 108 موزّعون مناصفة تقريبًا بين الذكور والإناث (53 ذكًرا و55 أنثى). وقد لفت نظر اللجنة الفاحصة في أثناء اختبار التقدير الحضور القوي للإناث، من ناحية الشخصية والثقافة، ما يبشر بالخير ويشجع على وجودهنّ في صفوف الجيش وفي مختلف الوظائف.
 

حماسة وآمال
لدى استقبال التلامذة الضباط الجدد في الكلّية الحربية، غمرت الساحات فرحة كبرى كما في العام الماضي. فالعسكريون الذكور والإناث من مختلف الأجهزة العسكرية ودّعوا رفاق السلاح في القطع والوحدات وتوافدوا إلى الصرح العسكري الأكاديمي، محققين أحلامهم بعد أشهر من السهر والدرس ومتسلّحين بحماستهم لتحمّل مسؤولية الدفاع عن الوطن.
قائد الكلّية الحربية العميد الركن جورج صقر الذي لفتته حماسة التلامذة الجدد، أكّد «أهمية الخطوة التي اتخذتها القيادة العام المنصرم، وهي استمرار انخراط التلامذة في الكلّية، تفاديًا لأي انعكاسات لقرار وقف التوظيف لمدة ثلاث سنوات. والتلامذة اليوم هم من صفـوف العسكـر، ويملكـون المؤهـلات ليكونـوا جاهزيـن فـي أي اختصـاص، وهـم من حملـة الإجـازات، ومستعـدون لأن يصبحـوا ضباطًـا قـادة».
وعن تجربة التلامذة الضباط الإناث، قال: «هذه تجربة ناجحة في المؤسسة العسكرية، وهنّ يتلقَّينَ التدريبات كرفاقهنّ الشباب لمدة ثلاث سنوات، وقد أثبتت المرأة مهنيتهـا وحرفيتها وجدارتها في مختلف الميادين، وخصوصًا في القـوات الجويـة والبحريـة والشرطـة العسكريـة...».
أما بالنسبة لتطوير منشآت خاصة لاستقبال العسكريين الإناث، فقال: «بالنسبة للكلّية هنَّ لسنَ الإناث الأوائل اللواتي سينمنَ فيها، إذ لدينا إناث ضمن عديدنا ولديهنَّ منشآتهنَّ الخاصة، وقد خصّصنا طابقًا كاملًا للتلامذة الضباط الإناث». ولفت إلى أنّ «الفصل بين الإناث والذكور سيكون في المنامة فقط، أما النشاطات من الرياضة إلى تمارين السير والتعليم والتدريب فهي مشتركة مع الذكور».
وأكّد أنّ «التعليمات نفسها للجميع ولم تُعطَ تعليمات بتمييز الأنثى عن الذكر في التدريبات، وبالتالي لا تفرقة لا من حيث الحجز أو التعب أو المعموديات أو الطعام أو الرياضة والتدريب والتعليم». بالنسبة إلى الاختصاصات، يضيف قائد الكلّية: «على كل عسكري أن يختار الاختصاص الذي يريده وهذا يشمل الإناث كما الذكور».
 

نؤمن بالمساواة
يتحدث الرائد أنيس معوّض مدرّب السنة الاولى في الكلّية عن كيفية تأقلم المدربين مع وجود إناث في الكلّية من ناحية التدريب، فيقول: «في الكلّية يقف الشباب إلى جانب رفيقاتهم، الكتف إلى الكتف لا فـرق بينهما، فنحـن نؤمن بالمساواة والقدرات. وخلافًـا للأفكـار التقليديـة السـائدة في مجتمعنا، هم يؤمنون بأنّ الفتاة قد تفوقهم قدرةً، والتحـدّي معهـا جـدّي، ويبقـى الهـدف الأسمى واحدًا: خدمة الوطـن والمصلحـة العامـة قبـل أي مصلحـة شخصيـة».
أما عن برنامج التدريب فيشرح الرائد معوّض أنّه «ضمن برنامج التدريب المتبع في الكلّية، لا يوجد تمييز من حيث الجندرة بين الذكور والإناث، فالمعاملة هي بالمثل في جميع النشاطات من حيث المخاطبة أو الأوامر، وذلك ضمن إطار الأنظمة والتعليمات. أمّا بالنسبة للتدريبات فنأخذ بعين الاعتبار قدرة الفتاة الجسدية على تحمل الضغط الجسدي والوزن، في حين لا فرق بين مدة التدريب ونوعيته. فمثلًا عند تنفيذ تمرين سير لمسافة 50 مترًا، تطبق الإناث التمرين إسوة بالذكور من حيث المسافة والظروف المناخية وطبيعة الأرض ولكن مع مراعاة موضوع وزن حقيبة الظهر بالإضافة إلى السلاح».
يلفت مدرب السنة الأولى إلى أنّ حملة الإجازات يتلقفون المعلومات بسهولة خلال إعطاء الدروس والتمارين. ويشير إلى أنّ التلامذة الضباط الإناث في السنة الأولى أثبتن في اختبارات العام الماضي تفوّقهنّ في المواد العامة والمدنية والرياضة وتفكيك الأسلحة ودروس القتال وغيرها، إذ أحرزن المركزين الأول والثاني في الترتيب العام.
 

صبايا حقّقن أحلامهن
عند مدخل الكلّية الحربية التي كان المتطوعون يتوافدون إليها بحماسة، التقينا التلميذ الضابط كريستين ندور (أمن عام) وعند سؤالنا لها عن شعورها، أكّدت أنّ خدمة الوطن شرف وتضحية ووفاء، وبأنها مستعدّة لهذه اللحظة بعد كل الجهود التي بذلتها على مدى ست سنوات. كرستين تعد بتحمّل كل المسؤوليات في مسيرتها الجديدة، وتنوّه بالاستقبال الرائـع في الكلّية الحربيــة.
أما التلميذ الضابط ماريا غصن (مهندسة داخلية في المديرية العامة للإدارة)، فتؤكد أنّ حلمها الذي راودها منذ الصغر بأن تكون ضابطًا بدأ يتحقق. تشكر القيادة على هذه الفرصة الثمينة، وتعرب عن حماستها لخوض التجربة، آملة أن تكون على قدر التحدّي والمسؤولية الملقاة على عاتقها...
وتقول التلميذ الضابط جمال بصبوص (أمن دولة): نجحت في الانتساب إلى الكلّية الحربية، وهو حلم بدأ يراودني منذ تخرّجي من كلّية الحقوق. أنا مستعدّة لتحمّل الصعوبات النفسية والجسدية والفكرية التي قد تواجهني، وأقسم على تجسيد شعار الجيش (شرف تضحية وفاء). كما أتوجه إلى كل صبية تحلم بالتطوع في الجيش لأقول لها: لا تفقدي الأمل.
 

ماذا يقول الشباب؟
من نقطة لقاء التلامذة الضباط بالعرّابين، توجّهنا نحو غرف المنامة، حيث يوضّب التلامذة الضباط الذكور أمتعتهم وأغراضهم الشخصية، ويلقون نظرة على أسرّتهم الجديدة وعلى غرفهم التي سيمكثون فيها ثلاثة أعوام مع زملاء لهم من جميع المناطق والطوائف، وينصهرون ضمن بوتقة المؤسـسة العسكرية. نلتقي التلميذ الضابط ميسم القاق (الفوج المجوقل)، الذي أتى إلى الكلّية متسلّحًا بالكثير من الخبرة والعزم. وهو يعرب عن امتنانه للعماد قائد الجيش الذي منحهم هذه الفرصة، لا سيّما في تطوير الذات والتقدم في المراكز والمسؤوليات، مبديًا استعداده لتحمّل التضحيات الجسام.
يعشق التلميذ الضابط طارق بيتموني (الشرطة العسكرية - ماستر في الأدلة الجنائية) الحياة العسكرية، وها هو يحقق حلمه بالدخول إلى الكلّية الحربية. وإذ يدرك تمامًا ما ينتظره يدعو رفاقه إلى العمل والاستعداد لخوض المغامرة، شاكرًا عائلته الصغيرة على دعمها له.
لقاؤنا الأخير كان مع التلميذ الضابط طوني نصار، يُخبرنا أنّه كان في مديرية أمن الدولة - قسم حماية الشخصيات، وقرّر الانتساب إلى الكلّية الحربية. هو في غاية السعادة يتحدث بحماسة معربًا عن أمله في التقدم مرحلة تلو الأخرى، وتحقيق المركز الأعلى، شاكرًا للضباط والعسكريين حفاوة الاستقبال.
كما تسهر قيادة الجيش على شفافية سير الاختبارات ونزاهتها، تعمل الكليّة الحربية بشكلٍ دائم على أن يتخرّج من معقلها ضباط وطنيون أشدّاء ومثقفون، يستثمرون علمهم للانخراط في مضمار الحياة العسكرية بصورةٍ سليمة، من أجل الدفاع عن لبنان...