- En
- Fr
- عربي
أفكار ونقاشات
قد تشكّل الشراكة بين القطاعَين العام والخاص أحد أبرز الحلول الناجعة في ظلّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة في لبنان. فهي ترفع مخاطر المشاريع الخدماتية عن كاهل الدولة، وتوفّر الخدمات العامة للمواطنين بجودةٍ أفضل وكلفةٍ أقل.
في هذا الإطار، يقدّم عدد من الخبراء مقاربات متكاملة حول مفهوم الشراكة وأهمية تفعيلها اليوم، ولا سيّما في مجال جذب المستثمرين في القطاعات الحيوية كإنتاج الطاقة والاتصالات والمطارات…
يمتد تاريخ الشراكة بين القطاعَين العام والخاص (PPP) public – private partnership في لبنان إلى عقود، إلّا أنّ أبرز محطاته الحديثة تمثّلت في صدور القانون رقم 48 في أيلول 2017 الذي ينظّم هذه الشراكة، وقد أُقرّ بعد نقاشاتٍ طويلة ومحاولات سابقة تعود إلى العام 2007.
تاريخيًا، اعتمد لبنان على صيغٍ مختلفة للشراكة، أبرزها نظام امتياز المرافق العامة مثل مرفأ بيروت، وشركة سوكلين لمعالجة النفايات، وشركة الكهرباء، وشركات الاتصالات الخلوية. كما شكّل قانون الخصخصة رقم 228 للعام 2000 خطوة مهمة في هذا الاتجاه، أدّت إلى تعديل اسم «المجلس الأعلى للخصخصة» ليصبح «المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة».
بين الخصخصة والشراكة
يوضح رئيس المنظمة العالمية لوحدات الشراكة في جنيف زياد حايك (الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للخصخصة في لبنان) الفرق بين الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص، مشيرًا إلى أنّ الخصخصة هي بيع أصول الدولة إلى القطاع الخاص، في حين أنّ الشراكة بينهما (PPP) هي إبرام عقود جديدة مع القطاع الخاص غير موجودة سابقًا، توفّر فرص عمل كبيرة.
ويؤكّد حايك أنّ الشراكة بمفهومها العام، هي عقدٌ يرفع المخاطر عن الدولة، ويوفّر خدمةً أفضل للمواطنين بكلفةٍ أقلّ، وبأسرع وقت ممكن. فالدولة هي الحاضنة وتملك القوانين والتشريعات، ومن الأفضل أن تُسلَّم الخدمات لشركاتٍ خاصة تتولّى إنجاز المهمات وتتحمّل المخاطر المختلفة مثل التمويل، سعر الصرف، الإنشاءات، السوق، وغيرها، ولا سيّما في مشاريع معامل تدوير النفايات الصلبة، الكهرباء، الطاقة المتجدّدة وسواها من المشاريع. ويشير إلى الاستثناء الذي يمكن أن تطلبه الدولة عند إنجاز المناقصة، لناحية فرض بند يمكّنها من الاستفادة من أي مشروع بنسبة 5% مثلًا، علمًا أنّ هذه النسبة قد تحوّلها الشركات إلى ضريبة يدفعها المواطن في نهاية المطاف.
ويوضح الدكتور حايك أنّ المجلس النيابي قام بتعديل بعض النقاط في القانون رقم (48) الصادر في العام 2017 وأبرزها: توضيح مفهوم الشراكة المرتبطة بعدة عقود.
إنّ ربط العقود بالهيئات الناظمة، قد يسبّب مشكلة مع المستثمر، لناحية عدم إلمام هذه الهيئات بطبيعة العقود ونوعية الاستثمار في معظم الأحيان. كما يشكل ذلك خرقًا فاضحًا لقانون الشراكة، التي هي من صلاحيات المجلس الأعلى للخصخصة. وتجدر الإشارة إلى أنّ التعديل يمنح الحكومة إمكان فرض تنفيذ مشاريع، قد لا يجد فيها المجلس أي جدوى اقتصادية.
السياسة الضريبية وتمويل الدولة
يشدّد الدكتور حايك على أهمية إعادة النظر في السياسة الضريبية في لبنان، بغية توفير المداخيل في الخزينة، من خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة على الدخل والممتلكات. وكذلك إعادة النظر في الشفافية الضريبية على المداخيل، لترسيخ مبدأ العدالة بين المواطنين. ويشير إلى ضرورة اعتماد الحكومة الإلكترونية بهدف تعزيز الشفافية الضريبية، وإلى أهمية تأجير الدولة لأصولها.
ويلفت في السياق، إلى أنّه ومنذ نحو 48 عامًا، كل العقود المسمّاة بـ «خصخصة» أو «شراكة»، هي ليست إلا عقودًا خاصة مع الدولة، فيها الكثير من التنفيعات الوظيفية والفساد…
نماذج لمشاريع نجحت فيها الشراكة
وعن المشاريع التي تنجح فيها الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يشير الدكتور حايك، على سبيل المثال لا الحصر، إلى مشاريع إنتاج الطاقة الهوائية، إنتاج الطاقة في معملَي دير عمار والزهراني، المشاريع المتعلقة بالاتصالات، ومشروع الـ «Terminal 2 » في مطار رفيق الحريري الدولي.
ويختم الدكتور حايك بالتأكيد على ضرورة إعادة النظر في مفهوم الشراكة كوسيلةٍ لتقديم الخدمات للمواطنين بجودةٍ أعلى وكلفة أقلّ، وليس للمنفعة الخاصة، مؤكّدًا وجود الأمل رغم التحديات.
هل الحلّ بالشراكة؟
من جهته، يوضح الكاتب والباحث في الشؤون الماليّة والاقتصاديّة البروفسور مارون خاطر أنّ تطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) في لبنان، الذي يَرزح تحت أعباء أزماته السياسية الاقتصادية والمالية والإدارية، هو أحد أهم الحلول المُمكنة لإعادة بناء الثقة واستعادة فاعلية الدولة.
ويؤكد بالقول: «مَع ترهّل مؤسسات القطاع العام وانعدام انتاجيَّته، واستشراء الفساد والزبائنية السياسية، وغياب معايير الكفاءة في تقديم الخدمات، باتَ استنهاض الدولة من الداخل مهمة شبه مستحيلة، ما لم يتم ضّخ دمٍ جديد من خارجها. وفي هذا السياق تحديدًا، يأتي دور القطاع الخاص من باب الشراكة والتكامل، وليس من باب المنافسة والسيطرة».
وفي ظلّ الانهيار التام للنموذج التقليدي للدولة الراعية، يؤكّد البرفسور خاطر أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص أصبحت ضرورة وجودية لإعادة تعريف دور الدولة، التي فقدت قدرتها على الإنتاج والمراقبة في آنٍ معًا.
مدخل إلى الإصلاح
يشدّد البروفسور خاطر على أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) تمثّل صيغة تحديثية للدولة، لا مسارًا لخصخصة مؤسساتها. فهي تعيد صياغة العلاقة بين الإدارة والمواطن من منطق «المنفعة» إلى منطق «الخدمة»، وتستبدل الولاء بالمساءلة. ففي ظلّ منظومة قانونية شفافة، لا يمتلك القطاع الخاص تَرَف الهدر أو الزبائنية، بل يتحرك وفق منطق الجدوى والنتيجة.
ويوضح أنّ الشراكة تحفظ للقطاع العام دوره السيادي في التنظيم والرقابة، فيما يتولى القطاع الخاص التنفيذ والإدارة والاستثمار، وفق معايير مهنية ومحاسبة دقيقة. وبهذه المعادلة، تتحوّل الشراكة إلى أداة لإصلاح الحوكمة، أكثر منها أداةً للتمويل، ما يجعل النجاح الاقتصادي مدخلًا للإصلاح السياسي.
ويشير البروفسور خاطر إلى أنّ قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 48/2017، يُشكّل نقطة تحوّل بُنيوية في التشريع اللبناني الحديث. ويُعتبر هذا القانون من أبرز القوانين الإصلاحية التي وُضعت في مرحلة ما قبل الانهيار، إذ أسّس لإطار قانوني يُتيح تنفيذ مشاريع استثمارية كبرى عبر صيَغ متعدّدة كالـ BOO والـBOT. ويضيف، أنّ القانون لم يأتِ لتكريس الخصخصة أو لتفويض الدولة لمصالح خاصة، بل لإعادة رسم الحدود بين السلطة العامة والمبادرة الخاصة وفق منطق «الحَوكمة الرشيدة». إلا أنّ هذا القانون بقي، كالكثير من النصوص النافِذة، رهينة ضعف الإطار التطبيقي والمؤسساتي المتمثل بغياب الإرادة السياسية والمراسيم التطبيقية.
ويشير في هذا الإطار إلى أنّ تشكيل الهيئات الناظمة المستقلة وتفعيلها خلال الأشهر الماضية، يُعد خطوة مهمة وأساسية باتجاه جعل القرار الاقتصادي محكومًا بمعايير الجدوى لا بالولاء السياسي، متوقعًا أن تكون هذه الخطوة مِفصليّة لناحية تحويل العقد بين الدولة والمستثمر إلى عقد ثقة بين الدولة والمواطن.
وفي السياق، يؤكّد أنّ الشراكة بين القطاعين العام والخاص ليست مشروعًا اقتصاديًا، بل اختبار حقيقي لالتزام الدولة بسيادة القانون، وهي رافعة أساسية وخطوة ثابتة نحو استعادة الدولة لدورها ولاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين بها.
ويشدّد في الختام، على أنّ أي تقدم على أيٍ من المستويات، لا بدّ من أن يرتكز على استقرار سياسي مُستَدام يسمح بتفعيل العدالة وبسط دولة القانون ومكافحة الفساد.











