دراسات وأبحاث

روسيا تستعرض قوّتها العسكرية في الساحة الحمراء
إعداد: د. أحمد علو
عميد متقاعد

نحن هنا وليسمع العالم
شهدت الساحة الحمراء في موسكو في التاسع من شهر أيار الماضي، وبمناسبة العيد السبعين للانتصار على النازية في الحرب العالمية الثانية، عرضًا عسكريًا هو الأكبر منذ عقود. وهذا الاستعراض الذي اعتبر أهم استعراض علني للقوة منذ الحرب الباردة، جرى أمام حشد كبير من زعماء العالم ومئات آلاف المواطنين.
ولعل روسيا كانت «تعرض عضلاتها» وفق بعض الخبراء، ولكنها كانت أيضًا ومن خلال كلمة رئيسها فلاديمير بوتين في الاحتفال، ترسل رسالة واضحة للعالم وبخاصة إلى الولايات المتحدة التي تغيبت عن الاحتفال. مفاد الرسالة أن روسيا دولة قوية وتريد السلام والمشاركة في قيادة عالم متعدد الأقطاب، وأن هذا العالم ليس حكرًا على دولة واحدة فقط، فاحتكار القوة وقيادة دولة واحدة للعالم يخلّ بالتوازن الدولي وقد يقود إلى حرب عالمية.


عامل توازن واستقرار
في 13 أيار الماضي أعلن الرئيس الروسي بوتين أن القوات النووية الروسية الاستراتيجية والدفاع الجوي الصاروخي هي ضمان لأمن الدولة وعامل توازن واستقرار للسلم العالمي. وكان بوتين قد كشف قبل ذلك بيومين، أن إنتاج الأسلحة الحديثة للقوات المسلحة الروسية يسير بوتيرة متسارعة. كما أوضح أن القوات المسلحة كانت قد حصلت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 2015 على أكثر من ثلث الطائرات والمروحيات وصواريخ الدفاع الجوي التي ينبغي أن تتسلّمها قبل نهاية هذا العام، لافتًا إلى أن الجيش سيتسلّم المزيد من الدبابات والمدرعات والصواريخ الاستراتيجية والغواصات وسفن السطح. كذلك شدد الرئيس الروسي على ضرورة التزام المواعيد المحددة لتسليم الأسلحة الجديدة للقوات المسلّحة، مؤكدًا أهمية توفير التمويل اللازم، وضرورة التوسع في إنتاج ما كانت الصناعة الدفاعية تستورده من الخارج تحسبًا لأي ضغوطات قد تؤثر على استيراده لسبب من الأسباب.
ولفهم خلفيات الموقف الروسي، لا بد من العودة إلى العام 2013، يومها قال بوتين: «إننا نرى نشاطًا حول العالم لتطوير منظومات من الأسلحة التقليدية ذات الدقة العالية والتي تضاهي بامكاناتها الضاربة الأسلحة النووية الاستراتيجية، وهذا يعني أن الدول التي تمتلك مثل هذه الأسلحة تضاعف بشكل جوهري قدراتها الهجومية». بوتين كان يلمّح إلى المبادرة الأميركية التي سمّيت «الضربة العالمية الفورية التقليدية»، وإلى الأسلحة المتطورة التي تعمل على إنتاجها. فقد رأت روسيا في المبادرة الأميركية تهديدًا لأمنها القومي واعتبرتها أداة للسيطرة الأميركية على العالم.

 

مشروع طموح
في نهاية العام 2011 وعلى أثر التجربة الأميركية الأولى في المحيط الهادىء لاطلاق عربة الصواريخ الاميركية «AHW» ضمن مبادرة الضربة العالمية الفورية، قال وزير الدفاع الروسي اناتولي سرديوكوف، إن الدفاع الجوي الروسي ستكون له الإمكانات المناسبة لاعتراض أي نوع من الصواريخ المهاجمة، فمنظومة الدفاع الصاروخي الروسي الفضائية ستتمكن من اعتراض أي صاروخ مهما كان نوعه أو سرعته.
في الواقع تعمل روسيا على مشروع طموح تحلم بتطبيقه، ويقضي بانتاج صواريخ باليستية (يارس SS-29) عابرة للقارات متمركزة على مقطورات للسكك الحديدية تكون جاهزة بحلول العام 2020. هذه الصواريخ الجديدة ستكون بنصف حجم الصواريخ المماثلة الحالية من طراز «SS-24» (التي تزن 104 طن وتحتاج إلى ثلاث قاطرات لشحنها)، بالإضافة إلى أنه من الصعب العثور عليها، لأنها تتحرك باستمرار. وقد أشار الجنرال سيرغي كارايف قائد قوات الصواريخ الإستراتيجية بأن الصواريخ الجديدة التي تعمل على الوقود السائل، تتميز بعامل حمولة أفضل نسبةً إلى الصواريخ التي تعمل على الوقود الصلب، وبالتالي فإن الصاروخ الجديد سيكون قادرًا على حمل رؤوس حربية أكثر قوة بالإضافة إلى رؤوس حربية وهمية من أجل التغلب على نظام الدفاع الصاروخي. كذلك قال الجنرال الروسي: «إن وجود صواريخ باليستية عابرة للقارات تعمل على الوقود السائل، يمنحنا الفرصة لتصميم أسلحة استراتيجية عالية الدقة مع رؤوس حربية تقليدية قادرة على التحليق لمسافات بعيدة جدًا، في حال لم تتخلّ الولايات المتحدة عن برنامجها لتحقيق مبادرة الضربة الفورية العالمية».
وقال رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف (في نهاية كانون الثاني 2015) إن تحديث الأسلحة يجب أن يمنع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسى (الناتو) من تحقيق أي تفوّق عسكري على روسيا.
وأضاف، الجيش سوف يتسلّم 50 صاروخًا باليستيًا عابرًا للقارات هذا العام من نوع «يارس»، محافظًا بذلك على أعلى وتيرة تحديث على الرغم من الانكماش الاقتصادي الذي تعانيه البلاد.
واعتبر غيراسيموف أن تطوير القوات الاستراتيجية النووية أولوية قصوى، وأن روسيا سوف تواجه نظام الدفاع الصاروخي الخاص بالناتو والذي تقوده الولايات المتحدة، وذلك بنشر أسلحة قادرة على اختراق الدروع الصاروخية. كما أكّد أن روسـيا تعمـل على تطوير دقة الأسلحة التقليديــة ردًا على برنامـج «الضربة العالمية الفورية» الأميركي.


الترسانة الروسية الجديدة
سعت روسيا منذ مطلع القرن الحالي، وبخاصة بعد العام 2010 إلى إعادة الإعتبار لقواتها القتالية وتطوير صناعاتها العسكرية، وقد رصدت لذلك نحو 800 مليار دولار في خطة مداها عشر سنوات (حتى العام 2020). كذلك، أنتجت روسيا حتى الآن أحدث أنواع الغواصات النووية وأكبرها، كما عملت على إنتاج أحدث الطائرات المقاتلة من طراز سوخوي «سو 27» و«سو30» و«سو 35س» و«سوخوي تي – 50 باك فا»، و«ميغ 31 وميغ 35» المعروفة لدى الناتو باسم «فولكروم إف»، وهليوكوبتر «مي 28 ن» و«مي 35»، وعملت على تحديث الطائرة الإستراتيجية القاذفة للصواريخ الضخمة توبوليف تي- يو 160، وهي بالإضافة إلى ذلك فاجأت العالم منذ مدة بأنتاج أحدث أنواع الدبابات من طراز «تي 14» أو ما يعرف بـ«أرماتا» التي شاهدها العالم في عرض الساحة الحمراء بمناسبة عيد النصر، وتطوير قواها الصاروخية من مختلف الأنواع وبينها الصواريخ البالستية الحديثة ذات السرعات العالية، مثل س س300 وس400 تريومف وس500 الذي يمكنه التعامل مع نحو 10 أهداف دفعة واحدة ومن مسافات بعيدة وارتفاعات عالية.


• «يارس» وما يشبهه:
الصاروخ «ر س 24 – يارس» أو «س س 29» هو أحد الصواريخ الروسية الحديثة وهي عابرة للقارات (من الجيل الخامس) بمدى يزيد على 7500 ميل. يمتاز هذا الصاروخ بدقة عالية وقدرة فائقة على المناورة، ويمكنه حمل عدة رؤوس نووية وقد بدأ تزويد الجيش الروسي به منذ العام 2010. وفي العام 2014 قدّرت معظم المصادر أنه تم تزويد القوات الروسية الصاروخية الاستراتيجية بنحو 50 صاروخًا، على أن يضاف إليها 24 صاروخًا خلال العام الحالي. وسيعمل هذا الصاروخ بالإضافة إلى الصواريخ الاستراتيجية الحديثة الأخرى من طراز «توبول م» و«بولافا» و«إسكندر».


• الدبابة «أرماتا» تي -14:
شهد العام 2013 استعراض نموذج تجريبي لدبابة «أرماتا» الروسية من الجيل الجديد. وتعتبر هذه الدبابة اختراقًا حقيقيًا في صناعة الدبابات الروسية كما يرى بعض الخبراء العسكريين، علمًا أن المواصفات الفنية والقتالية للدبابة الجديدة لا تقلّ عن تلك المتوافرة لدى مثيلاتها المستخدمة في حلف الناتو بل تتفوق عليها. ومن المواصفات التي تميزها عن مثيلاتها، بريج غير مأهول أصغر حجمًا، وكبسولة مدرعة للطاقم، إضافة إلى بعد الذخيرة عن الطاقم، ونظام الإدارة الآلية الرقمية للاشتباك عن بعد.
ويفترض أن تزوّد هذه الدبابة بمدفع 125 ملم أو 150 ملم ذي ماسورة ملساء ينصب خارج كبسولة الطاقم ويتم التحكم فيه عن بعد تحكمًا آليًا ورقميًا، إلى40 شكلًا للذخيرة مختلفة الوظائف، ورشاشات تفوق مواصفاتها مواصفات كل سابقاتها. أما بقية مواصفات الدبابة فتعتبر سرّية حتى الآن.

• الغواصات:
إلى جانب الغواصة النووية القديمة العملاقة «تايفون» التي ما تزال في الخدمة، عملت البحرية الروسية وما زالت تعمل على إنتاج صنف جديد من الغواصات المختلفة المهمات والطراز. فمن الغواصة «ك 329» (سيفيرودفينسك) النووية الحديثة التي تعتبر الأضخم في العالم والأقدر على التخفي والتي دخلت الخدمة منذ سنوات قليلة، إلى «قازان» (ك - 561) من فئة «ياسن» الشبحية و«نوفوسيبرسك» (ك - 573) و«غرازنويارسك»، وغيرها من الغواصات قيد البناء التي وضعت روسيا الثانية في العالم من حيث ضخامة اساطيلها البحرية (أكثر من 400 قطعة بحرية عسكرية مختلفة).

 

•حاملات الطائرات:
تمتلك روسيا حاليًا حاملة طائرات واحدة عاملة هي» إدميرال كوزنتسوف» التي أطلقت في العام 1985. وهي تعمل على بناء حاملة طائرات أخرى منذ فترة كما صرح قائد البحرية الروسية في آذار الماضي الادميرال فيكتور شيركوف الذي ذكر أنها ستكون قادرة على حمل أكثر من 100 طائرة مقاتلة، وهي بذلك ستتفوق على حاملة الطائرات الأميركية من فئة «نيميتز» التي يمكنها حمل 90 طائرة.


• الطائرات الاستراتيجية:
توبوليف تي يو 160 (الإوزة البيضاء)، قاذفة قنابل وصواريخ استراتيجية أسرع من الصوت (2.05 ماك) تعتبر من الطائرات الأضخم في العالم والأقدر على حمل الأسلحة الصاروخية النووية. وهي تمتاز بقدرات تقنية فائقة وقدرة على التشويش وخوض الحرب الإلكترونية والتسلل، يفوق مداها العملي 12 الف كلم، وتمتلك روسيا عشرات الطائرات منها.
إلى ذلك تجرى دراسات وتجارب لتطوير طائرة شبحية قاذفة مقاتلة جديدة (توبوليف «باك- دا»)، وانتاجها بحلول العام 2020 أو 2023. وستكون مزودة أسلحة نووية وصواريخ «كروز» الجوالة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، ومنظومات تجهيزات الحرب الإلكترونية، مما يسمح لهذه الطائرة بأن تطلق صواريخها السريعة، الموجّهة والبعيدة المدى، حتى من دون أن تدخل عميقًا في أرض العدو.

 

هل من تسويات وحلول؟
إن ما سبق ذكره، هو من نتائج التطوير التكنولوجي الروسي لمنظومات القيادة والسيطرة وأجهزة المراقبة الجوية والفضائية، التي تعتمد على شبكة من الأقمار الاصطناعية ووسائل الاتصال والتشويش، ضمن حرب الشبكة العنكبوتية المركزية وأسلحة الفضاء السيبيري والإلكتروني. فهذه الأخيرة تشكّل عصب أي حرب جديدة وسلاح جديد، كما أنها العمود الفقري لاحتواء أي هجوم الكتروني وصدّه.
إن سعي روسيا إلى تطوير ترسانتها الحربية في مواجهة الترسانة الأميركية يعكس من دون شك استمرار الصراع بين الكبار، والذي تترجمه النزاعات في عدة مناطق من العالم، ولا سيما الشرق الأوسط. فهل يؤدي «استعراض القوة» إلى تسويات وحلول، أم إلى حرب مباشرة لا تبقي ولا تذر؟

 

المراجع:
• sputniknews.com/military/20111122/168930933.html-
• missilethreat.com/-
• csis.org/.../us-navy-deploying-new-measures-counter-russian-cruise-miss...-
• arabic.rt.com/.../638434-دبابة_أرماتا_نجم_صاعد
• nationalinterest.org/.../get-ready-america-russia-wants-new-stealthy-long-