دراسات وأبحاث

سيكولوجية الجدران
إعداد: د. أحمد علو
عميد متقاعد

هويات قلقة منفصلة في عالم من دون حدود

 

يقول الفيلسوف السلوفيني المعاصر سلافوي جيجيك الموصوف بأنّه «أخطر فيلسوف في الغرب»، «يبدو لي أنّ الوجه الآخر للعولمة هو بناء جدران لا مرئيّة جديدة. وعلينا أن نسأل هنا، ليس فقط بين ماذا وماذا تقوم الجدران؟ أو بين من ومن، من الشعوب، ولكن أيضًا بين من ومن، من الأشخاص والهويات والحضارات والأديان والأعراق، والألوان البشرية المختلفة...؟».

 

جدران غير مرئية
يتساءل البعض: هل هو «عصر جديد» حيث «جدار الأغنياء» في «وول ستريت» (شارع المال والبنوك والبورصة في العالم)، ينبئ بولادة عصر الجدران المالية الفاصلة التي تزداد عددًا وارتفاعًا بين «الأغنياء والفقراء»، وترسم حدود هوية بشرية جديدة بين مختلف دول العالم وشعوبها، وتخاض حروبها بوجوه متعددة من الشعارات والعناوين المشحونة بمضمون حقيقي واحد: «المال والثروة» والسلطة...؟
قد يكون هذا الجدار افتراضيًا وغير مرئي ويحمل أبعادًا مجازية، رهابية (رهاب phobia) كما نرى اليوم، لكنّه أيضًا يمكن أن يكون، أو يصبح ملموسًا في أبعاده الجغرافية والمادية. فالجدران والحواجز تمتد عبر أرجاء العالم المختلفة متخذة لها أبعادًا وأهدافًا متباينة، قد يكون من أهم سماتها، ابتعادها عن المضامين الحدودية الصرفة، بحيث أصبحت توجد ضمن الأطر الإقليمية والترابية للدول بمختلف نظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبغض النظر عن مستويات تقدمها ورقيها الاقتصادي والسياسي.

 

جدلية مفهوم الجدار
في كتابها: «الجدران والحواجز.. مفارقات الأمن والسيادة وحقوق الإنسان»، تقيم الباحثة المغربية المتخصصة في الدراسات الإنسانية والاجتماعية والجيوستراتيجية سعيدة أحمد بلمير، مقاربة علمية تركز فيها على السياقات التاريخية لهذه الجدران، ومدى نجاحها في وظيفتها الأمنية، كما تعمد إلى تصنيفها وفق خلفية جيوسياسية تحدد سياقها الاستراتيجي. وتبيّن هذه المقاربة أن الجدران أخذت أشكالًا أكثر تطورًا في الوقت الحاضر، بسبب التحديات الأمنية الجديدة، وبخاصة مع التوظيف المتزايد للتكنولوجيا الحديثة، مما يفرض سؤالًا حول دور التقنيات المتطورة في تعزيز هذه الاستراتيجية ودعمها، وحول الإشكالات القانونية العديدة التي يطرحها وجود الجدران الأمنية بحد ذاتها.

 

عولمة الحواجز
يرى عدد من الباحثين، أنه مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين في تشرين الثاني - نوفمبر العام 1989، بدا العالم وكأنّه يتحول نحو ما عرف بـ«القرية الكونية»، وهو ما شكل تغيرًا استراتيجيًا كبيرًا، تجسدت معالمه في نهاية مفهوم تمركز الدولة الوطنية وتزعزع مفهوم الحدود الثابتة، والتوجه بشكل مطّرد نحو العولمة. وقد تميز هذا التحول الواسع بإزالة الحواجز التجارية الدولية تدريجًا في ظل اتفاقية «الغات»، ثم قيام «منظمة التجارة العالمية». وكذلك، في إيجاد فضاءات واسعة للتبادل الحرّ لتسهيل حركة البضائع والأموال والخدمات والأشخاص. وترافق ذلك كله مع ظهور تكنولوجيا جديدة لنقل المعلومات، من هواتف ذكية وشبكات عنكبوتية، سمحت بعولمة التواصل وتبادل الأفكار.
لكن مقابل هذه التطورات التي ترسم بنية التواصل والجمع على المستوى البشري في العالم حاليًا، برزت ظواهر عكسية تمثلت في الانتشار الواسع «للجدران الفاصلة» بين الدول والمجتمعات، بوصفها استراتيجية أمنية تهدف بالأساس، إلى تأمين حماية الداخل ضد التهديد الذي قد يشكله الخارج على اختلاف صوره.
وهكذا بات الحديث عن القرية الكونية الواحدة يتراجع لمصلحة التبريرات والتدابير الخاصة بـ«تسوير» الأقاليم، عبر إقامة جدران وحواجز في أنحاء كثيرة من العالم، خوفًا و تحسبًا من الآخرين، شركاء العولمة أنفسهم.
وإذا كانت الجدران تعتبر حاليًا رمزًا للأمن في العلاقات الدولية، كما يرى بعض المفكرين، فقد أصبح من الضروري أن تقوم الدول بالموازنة بين متطلبات الأمن من جهة، وسلاسة المبادلات على الحدود من جهة أخرى. أي أن تحقق مراقبة أفضل، ولكن مع السماح الدائم للأشخاص والسلع بالعبور، وهو ما يصطلح على تسميته بـ«الحدود الذكية».

 

هويات قلقة
إن التقدم العلمي والمعرفي الذي بلغته البشرية، لم يسعفها في ابتكار أساليب علمية أو وسائل جديدة قائمة على لغة الحوار والتعاون وأنسنة المصالح المشتركة، وتبادل الحماية، والاعتمادية المتبادلة، بدلًا من اللجوء إلى لغة القطيعة، وبناء الجدران العازلة والأسلاك الشائكة. ولعل هذا ما كان يجب أن يدفع الدول المختلفة الحضارات، أو حتى تلك التي تنتمي إلى حضارة واحدة أو بيئة واحدة، إلى بناء القدرة على ابتكار أساليب لحلّ المشاكل الناجمة عن اختلال الظروف السياسية في بعض النزاعات المؤقتة.
فسياسة بناء الجدران، في رأي الكثير من المفكرين، لا تمثّل مظهر قوة، بقدر ما تمثل انكفاء الانسان إلى الداخل، وتعبّر عن عجز واضح في التعامل والتواصل الحضاري بين قادة الشعوب المتجاورة. كما أنها تعبّر عن الانكماش والتقوقع ضمن هويات منفصلة وقلقة.
ويعكس بناء الجدران حجم القلق الداخلي الذي يتفاقم داخل الدول، وشعور شعوبها العميق بالخطر والتهديد.

 

الجدار... بين التحدي والاستجابة
على الرغم من أن إقامة الجدران والحواجز ليست ظاهرة جديدة، فإن الجديد يكمن في المفارقات التي تطرحها، والسياق الحالي الذي توجد فيه، حيث تزايد عدد الحواجز المادية أمام المبادلات في عصر العولمة الموسوم بالحركة وحرية التنقل، وبزوال الحواجز، وبدت «نهاية الإقليم» وكأنها واقع جديد.
ويعتقد البعض أن إقامة الجدران اليوم، تعد ردًا فاعلًا(أو استجابة)، على تحديات أفرزتها العولمة. فالدول بدأت تتجه نحو أشكال جديدة متطورة من الجدران تتيح ردع أي تهديد من خلال التحكم في المدخلات والمخرجات. وهذه الجدران بمعظمها تقام كما يقال ويعلن رسميًا، لمنع الهجرة السرية والتهريب ومنع تجارة المخدرات وتسلل الارهاب...
فمع التقدم التكنولوجي، وظهور تهديدات عابرة للحدود، أصبحت هذه الجدران والحواجز تضمّ أجهزة إلكترونية متعددة للرصد والمراقبة، وقد تكون معززة بمراقبة جوية أو بحرية، وهي بالتالي قد رسخت سياسة جديدة في التحكم.
 

الجدران والقانون الدولي
لا يعطي القانون الدولي تعريفًا دقيقًا للجدران، لأن الجدار ليس له نظام قانوني خاص به، ماعدا كونه منشأة مقامة فوق أرض إقليم ما، أي أن أهميته القانونية نابعة من علاقته بالإقليم حيث يوجد.
وانطلاقًا من التعارض بين الحدود أو الخطوط العادية من جهة، والجدران من جهة أخرى، فإن هذه الأخيرة تفرض إعادة قراءة أكثر إنسانية في ما يتعلق بالصلاحيات «الكلاسيكية» للسيادة الإقليمية للدول. والتأثير الذي تعكسه الجدران على الحدود، يجب أن يقود إلى إعادة النظر في طبيعة هذه الأخيرة، فالحدود وخطوط الترسيم العادية تتميز بسهولة اختراقها، وهي تتصف بدرجة معينة من حرية الحركة والتنقل خارج مراقبة الدول، والتي لم تسلط عليها النظرية الكلاسيكية للحدود الضوء بشكل كافٍ.
أما في ما يتعلق بالآثار القانونية للجدران الأمنية، فإن هذه الآثار تنطوي على تداعيات تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان عمومًا، وهذه رؤية القانون الدولي الإنساني في الأقاليم التي تعرف حاليًا نزاعات مسلحة، حيث تحلّ الجدران محل الحواجز، لتشكل عائقًا غير منسجم مع عصر حرية التنقل والحركة، وتتعارض مع مفهوم «الجسور» كهدف جديد ونموذجي للحدود «الحسنة».

 

فنّ صياغة الخوف
أوحت نهاية الحرب الباردة بانطباع جماعي مفاده أن مفهوم الحدود سيصبح وهمًا لمصلحة ظهور مجموعات جديدة عبر وطنية، أو فوق وطنية...

لكن ذلك لم يحدث، فالجدران والأسلاك الشائكة والحواجز الملموسة الأخرى في فترة الحرب الباردة، أخلت المكان لأشكال أخرى من الجدران، حتى أصبح الجدار يمثل أحد المعطيات الثابتة في العلاقات الدولية، وكأنه «قطع مؤقت لعلاقة دائمة وثابتة»، أو «تدشيم ثابت لعلاقة مؤقتة».

 

مراجع وهوامش:


- الجدران والحواجز، سعيدة احمد بلمير، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2016.
- http://www.alittihad.ae/wajhatdetails
- https://arabic.rt.com/news
- https://www.du.edu/korbel/ sie/media/documents/quickfacts-and-policy-br-
- WALLS AS A NONVIOLENT STRATEGY. IN ARMED CONFLICT.-
- : http://www.ammonnews.net/

** (wall street) ومعناه الحرفي: «شارع الجدار»، ويقع في مدينة نيويورك، حيث بنى المستعمرون الأوائل لمنطقة نيويورك في منتصف القرن السابع عشر جدارًا من الخشب والحجارة، لصدّ غزوات القراصنة والهنود الحمر، ثم جاء الإنكليز فدمّروه مطلع القرن الثامن عشر.