اسماء لامعة

عميد المعلنين في لبنان
إعداد: تريز منصور

فيليب الحتّي: من رحاب السهل والثقافة إلى قمم النجاح

 

من أبرز الرواد الذين أرسوا دعائم صناعة الإعلان والعلاقات العامة في لبنان. دخل ميدان الإعلام والإعلان من الباب العريض مسلّحًا بثقافة واسعة وقدرة فطرية على الإبتكار، فكان النجاح رفيقه في كل المحطات.
إنه عميد المعلنين في لبنان فيليب الحتّي الذي ساهم في إنشاء نقابة وكالات الدعاية والإعلان وفرع المنظمة الدولية للإعلان (IAA)، وكان فاعلًا في إدارتهما مع رفاق له، واستطاع أن يجعل من الإعلان صناعة مفعمة بالفن والإبداع والعطاء.

 

شذا الورد والمعرفة
في بلدة الدامور الشوفية ولد فيليب الحتّي العام 1928 في عائلة مؤلفة من 12 ولدًا. والده يوسف أيوب الحتي، مؤسـس صحيفة «أرزة لبنان» (1916) في الريو دي جانيرو - البرازيل، والدته زهيّة وردان رحمة من مدينة بشري.
 ترعرع بين بساتين التوت والفاكهة، حيث كانت صناعة الحرير مزدهرة وعرفت بـ«موسم العزّ». تنشّق شذا الورد الجوري والياسمين اللذين كانا يسيّجان بيوت الدامور آنذاك، كما تأثّر بالأفق الوسيع الرحب لسهلها. جمال ورحابة كان لهما على الأرجح دور كبير في حس الإبتكار لديه، وفي النزعة إلى المبادرة والحرية في اتخاذ القرارات. وهذان العاملان اضطلعا بدور مهم في مستقبله المهني.  
تأثّره بوالده أيقظ باكرًا حسه الوطني، كما ساهم في اندفاعه إلى تحصيل المعرفة والثقافة. فالندوات التي كان يعقدها والده في منزله في الدامور كانت تضم نخبة من أهل العلم والثقافة والسياسة والادب. وفي هذا الجو ترعرع فيليب الحتي فأغرم بمطالعة الكتب على تنّوعها، لدرجة أنه كان يغفو والكتاب بين يديه.  وكان في الدامور آنذاك مجموعة من أهل الفكر والعلم والثقافة والسياسة والصحافة، حتى أنها سميت بلدة أهل القلم، فما بين الثلاثينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كان أصحاب 30 في المئة من الصحف والمجلات التي تصدر في لبنان والمهجر من أبنائها، كما كان أول نقيب للصحافة اللبنانية ايضًا من أبنائها (الصحافي والأديب والشاعر وديع عقل).
بدأ مسيرته التعليمية في مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في الدامور، وما لبث والده أن توفيّ فاضطرته الظروف إلى دخول معترك العمل باكرًا (العام 1946). عمل مع عمّه خليل الحتّي صاحب «الشعر القومي» التي كانت منبرًًا لكبار شعراء الزجل اللبناني، والتي كانت تعتبر أول مجلة زجلية في لبنان والعالم.
 بدأ يتلمّس طريق مستقبله في العلاقات العامة والإعلان والإعلام، باعتبار أن عمله كان يحتّم عليه الإتصال بجميع المسؤولين عن المراحل العملية التي يمرّ بها اصدار المجلة، بدءًا من إعداد المواد الى التصحيح والإخراج والطباعة والتوزيع والترويج وتنظيم قبض الإشتراكات وغيرها...
في موازاة عمله وجد نفسه مضطرًا إلى متابعة دراسته والتعمق في فن التسويق والعلاقات العامة والإعلان، إضافة إلى اللغة الإنكليزية، فانتسب العام 1947 إلى الجامعة الأميركية في بيروت - الفرع المسائي، وبدأ بمتابعة الدروس الخاصة في هذه الإختصاصات، واضعًا نصب عينيه هدف النجاح والترقي.
تزوّج فيليب الحتّي من السيدة فيوليت الياس بشارة (مؤسسة معهد بيبلوس للعلوم والمهن والمسؤولة عنه، وهي مجازة في علوم تنسيق الأزهار)، وأنجبا أربعة أولاد.

 

من الرعيل الأول
يوم بدأ الرعيل الأول يطوّر صناعة الإعلان في لبنان لتواكب تطوّر هذه الصناعة في الدول الأوروبية والأميركية، كان فيليب الحتي في طليعة هذا الرعيل.
إنعدام القوانين والأنظمة في القطاع الإعلاني جعل عملية التسويق الإعلاني صعبة، لكن الصعوبات كانت تزول أمام طموحات الحتّي، الذي سعى مع زملاء له إلى وضع قوانين ترعى مصلحة المعلن والوكالات الإعلانية والوسائل الإعلامية في الوقت نفسه.
في هذه الحقبة من العصر الذهبي (1952 - 1975) حضر الحتي مجموعة من المؤتمرات العالمية التي عقدتها في لندن ونيويورك وباريس والريو دي جانيرو مؤسسة IAA. وخلال الفترة نفسها أسّـس مجموعة من الشركات (12 شركة) ضمت نخبة من رجال المال والأعمال، وكانت جميعها في قلب العاصمة، وقد ضمّت ما يقارب 75 مساهمًا و120 موظفًا وعاملًا.
أسّـس في مونتريال وأوتاوا ونيويورك شركة اعلانات وعلاقات عامة (CAP)، ومدّ جسرًا بين كندا ودول الخليج والعالم العربي من خلال ملاحق خاصة في مجلة «TIME» الاميركية (طبعة الشرق الاوسط). عندما طرح فكرته على السلطات الكندية ومجلة تايم، لاقى ترحيبًا كبيرًا والجواب الأول أتى من المجلة التي دفعت له 25 الف دولار أميركي تقديرًًا للفكرة و15 في المئة من الأرباح. كما اتصلت به سكرتيرة رئيس وزراء كندا الفدرالية براين مارلوني لتقول له إن «الرئيس أعجب بهذه الفكرة وطلب من مساعديه أن يبقوا على اتصال دائم بك، لتحقيق المشروع». هذا الإتصال أعقبته رسالة من رئيس الحكومة هنّأ فيها الحتّي وقال له: «إن كندا بحاجة إلى أمثالك من المبدعين».
العام 1948 تولّى مسؤولية القسم التجاري في جريدة «الزمان» لصاحبها روبير أبيلا، ومن ثم تولى مسؤولية إدارة جريدة «الشعب» لصاحبها أمين بك نخله، وكان يشرف على سياستها من خلف الستار دولة الرئيس رياض بك الصلح.
ويخبر الحتّي أنه اجتمع آنذاك برئيس الحكومة رياض الصلح في وزارة الخارجية، طالبًا منه راتبًا شهريًا قدره 700 ل.ل. إضافة الى 15 في المئة من الأرباح الصافية للجريدة ، فقال له الصلح: «إن النائب يتقاضى 225 ل.ل. في الشهر...»، فأجابه الحتّي: «إذًا وظّف نائبين وليتولّيا مسؤولية الجريدة وتأمين المداخيل الإعلانية لها». صمت دولته قليلًا وقال: «يا حتّي ما راح وظّف غيرك بس بدّي منك توقّف العجز في الجريدة»، وهذا ما حصل...
خلال عمله في صحيفة «الشعب»، أنشأ وكالة اعلانات خاصة به تحت إسم Hitti Advertising Agency، تولّت مسؤولية إعلانات العديد من الشركات الكبرى ومنها أليطاليا التي كان أول إعلاناتها من تصميم المخرج المسرحي الكبير روميو لحود وتنفيذه.
وفي هذه الفترة ( أوائل الخمسينيات) إتفق الحتّي مع إيلي نوّار على إنشاء شركة اعلانات جديدة حملت إسم «شركة الإعلانات العالمية» «Publicité universelle»، تولّت مسؤولية القسم التجاري في جريدة «الدستور» التي كان يصدرها النائبان محمد العبود وخليل أبو جودة. تقاضى الحتّي مقابل هذا العمل راتبًا شهريًا مقداره الف ليرة لبنانية. وقدّم له النائب العبود مكتبًًا مفروشًًا في بناية الأوبرا التي يملكها، والمعروفة اليوم بمركز «Virgin» في ساحة الشهداء.
 بعد نحو سنة اغتيل العبود خلال قيامه بزيارة الرئيس كميل شمعون في قصر القنطاري، وانتقلت شركة الإعلانات العالمية الى مكتبها الخاص في شارع المعرض.
ومن هذا المكتب المستقل كانت الانطلاقة بكامل زخمها، وبدأت المسؤوليات تكبر والأشغال تزدهر، وفي ظل الإبداع الذي ميّزها أخذت أعمالها تتوسّع وأصبح عدد الزبائن يقارب الخمسين بميزانية تفوق المليون ل.ل. سنويًا. وكان من بين هؤلاء الزبائن مجموعة من كبرى الشركات العالمية.
كذلك تولّت الشركة مسؤولية الإعلانات على شاشات ما يقارب 85 في المئة من صالات السينما في لبنان، بالإضافة إلى إعلانات هذه الصالات في الصحف والتلفزيون.
إنطلق العصر الذهبي لصناعة الإعلان في لبنان مع إنطلاقة أول محطة تلفزيونية (شركة التلفزيون اللبنانية -C.L.T) العام 1959 أي العام الذي تأسست فيه نقابة وكالات الدعاية والإعلان. وهذه المحطة كانت تبث على القناة 7 باللغة العربية وعلى القناة 9 باللغة الفرنسية. وقد انطلقت بعدها محطة التلفزيون الثانية (تلفزيون لبنان والمشرق - T.L.O) ، وبدأت تبث على القناة 11 باللغة العربية وعلى القناة 5 باللغتين الفرنسية والانكليزية.
وفي هذه الحقبة أيضًا دخلت الصحافة اللبنانية عصرها الذهبي، بعد أن بدأت إستعمال «الإنترتيب» و«اللينو تيب» و«الأوفسيت»، وأصبحت الصحف والمجلات اللبنانية تغطي جميع أسواق العالم العربي إضافة إلى السوق اللبنانية، كما أخذت الشركات العالمية تعتمد على الصحف والمجلات اللبنانية للدعاية لمنتجاتها في لبنان والعالم العربي.
ساهم فيليب الحتّي في تأسيس نقابة وكالات الدعاية والإعلان مع مجموعة من الزملاء منهم: محمد شقير، فؤاد فرعون، مختار شملي، جان رزق، شفيق هدايا، فايز سلطان، تيودور صروف، عادل بيهم، احمد بكار، جان صعب وغيرهم، وكان عدد وكالات الدعاية والإعلان يوم تأسيس النقابة لا يتجاوز الـ18 وكالة، وفي أواسط الستينيات من القرن الماضي قفز هذا العدد إلى الأربعين.
إنتخب الحتّي أمينًا للسر في أول مجلس للنقابة وظلّ عضوًا فيه خلال ثلاثين عامًا تولّى خلالها عدة مراكز من بينها رئاسة النقابة.
 ساهم مع زملائه في نقابة وكالات الدعاية والإعلان في وضع اتفاق مع نقابة الصحافة يحفظ مصالح الطرفين ومصلحة المستهلكين في الوقت نفسه. وكان من بنود الإتفاق إلتزام عدم نشر أي إعلان لأي خدمة او سلعة لا تتمتع بالمواصفات الحقيقية التي يتضمنها الإعلان.
منذ نحو 17 عامًا تسلّم إدارة وإنتاج وتسويق مجلة «الصحافة اللبنانية»، وهي مجلة فصلية تصدر عن نقابة الصحافة اللبنانية. كما تسلّم منذ العام 2007 إدارة وإنتاج وتسويق «المجلة الدبلوماسية» التي تصدر عن منتدى سفراء لبنان.

 

رسالة من تشرشل
يرى الحتي انّه «على رجل الإعلان والعلاقات العامة أن يتحلّى بثقافة إعلامية وإعلانية وتقنية واسعة، وأن يتمتع بمعرفة شاملة وعميقة»، وهو ينظر بكثير من الإعتزاز والرضى إلى مسيرة مفعمة بالحيوية والنجاح متمنيًّا أن يبقى لبنان واحة الحرية والإبداع.
عرف هذا الرجل الكثير من أسرار النجاح وامتلكها، فكان واحدًا من الروّاد في مجاله وحصد الكثير من جوائز التقدير والميداليات محليًا وعالميًا. كرّمته شركة التلفزيون اللبنانية، وشركة تلفزيون لبنان والمشرق، ومجلة «التايم»، وحمل ميداليات من إتحاد الصحافة الدولية، والمنظمة الدولية للإعلان ونقابة وكالات الدعاية والإعلان، ومن مؤسسات إعلامية مقروءة، مرئية ومسموعة...
بين أوراقه الخاصة عدة رسائل تهنئة يحفظها بعناية من بينها رسالة من رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.