الجيش وأهله

عندما يصبح العسكري ”وطنًا“: حكاية وفاء بين الجيش وشعبه
إعداد: د. تراز منصور

تُجسّد الجيوش لدى شعوبها مفهوم الوطنية والانتماء، وتؤدي دورها الرئيسي في حماية الحدود والدفاع عن سيادة الدولة واستقلالها ودستورها. لذلك، تُعدّ العلاقة بين الشعوب وجيوشها من أهم الروابط الوطنية لأنّها تعكس مستوى الانتماء والثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. فالجيش ليس مجرد قوة عسكرية مهمتها الدفاع عن الحدود، بل هو رمزٌ للسيادة والوحدة الوطنية والاستقرار.

وفي لبنان، تتخطى هذه العلاقة المفهوم التقليدي، إذ تحظى المؤسسة العسكرية بمحبةٍ راسخةٍ في وجدان اللبنانيين، قلّ نظيرها في العالم، حتى بات العسكري يُخاطَب بعبارة تختصر مكانته في الوعي الوطني: ”يا وطن“.

غالبًا ما يضمّ الجيش أفرادًا من مختلف المناطق والطوائف والفئات الاجتماعية، ما يجعله نموذجًا للوحدة الوطنية والتعايش، ومصدرًا للأمان والاستقرار، خصوصًا في أوقات الأزمات والحروب والكوارث. كما يحظى العسكريون باحترام الشعوب لما يقدمونه من تضحياتٍ جسام في سبيل حماية الوطن. وتُترجم محبة الشعب في أشكالٍ متعددة، أبرزها: الاحتفال بالأعياد الوطنية والعسكرية، تكريم الشهداء والجرحى وعائلاتهم، المشاركة في الأنشطة الداعمة للمؤسسة العسكرية، التعبير عن الفخر بالجيش في المناسبات الوطنية، غرس قيم الانتماء واحترام المؤسسة العسكرية لدى الأجيال الجديدة.

وثمّة عوامل تعزّز محبة الشعب لجيشه وهي: التزام الجيش الدفاع عن جميع المواطنين وحمايتهم من دون تمييز، والمشاركة في أعمال الإغاثة والإنقاذ في أثناء الكوارث والأزمات واحترام حقوق الإنسان والقانون.

 

حالة وطنية جامعة

في الحالة اللبنانية، يُنظر إلى الجيش اللبناني من قبل المواطنين، بوصفه مؤسسة وطنية جامعة تجسّد وحدة الوطن وتضحيات أبنائه، في سبيل الحفاظ على الأمن والاستقرار والسيادة.

وتنبع خصوصية هذه العلاقة من كون الجيش مؤسسة وطنية تضم أبناء جميع المناطق والانتماءات، وتعمل تحت راية الدولة الواحدة. وفي بلدٍ يتميّز بتنوّعه الديني والثقافي والسياسي، يكتسب الجيش مكانةً رمزية استثنائية بوصفه مثالًا للوحدة الوطنية ومظلّة جامعة تتجاوز الانقسامات.

كما أنّ الظروف التي مرّ بها لبنان، من حروبٍ وأزماتٍ أمنية واقتصادية وكوارث، عزّزت مكانة الجيش وأسهمت في ترسيخ صورته الإيجابية في الوعي الجماعي. فكثيرًا ما اضطلع بأدوارٍ تتجاوز المهام العسكرية التقليدية، إذ شارك بفعالية في أعمال الإغاثة والإنقاذ وحفظ الأمن ومساندة المواطنين في الظروف الصعبة.

من هنا يُمكن القول إنّ علاقة اللبنانيين بجيشهم تحمل طابعًا مميزًا مقارنةً بالعديد من الدول، لكنّها ليست حالة فريدة بالكامل في العالم. فهناك شعوب أخرى تربطها بجيوشها علاقات قوية جدًا، قائمة على الثقة والاعتزاز الوطني. لكنّ خصوصية الحالة اللبنانية تكمن في أنّ الجيش يؤدي دورًا وطنيًا جامعًا، داخل مجتمع شديد التنوّع والحساسية، الأمر الذي يمنحه مكانة رمزية وبُعدًا وطنيًا وإنسانيًا، يتجاوز المفهوم التقليدي للعلاقة بين الشعب وجيشه.

 

محطات رسّخت الثقة والمحبة

لم تُبنَ العلاقة بين الجيش وشعبه بالشعارات، بل نسجتها سنوات طويلة من التضحية والوفاء. فالجيش كان حاضرًا في أصعب المحطّات التي مرّ بها لبنان، حارسًا للوحدة الوطنية، وحاميًا للأرض والإنسان، ومصدرًا للأمل عندما تشتدّ المحن وتضيق السُبل.

أمّا إذا نظرنا إلى الماضي القريب فإنّ معركتَي نهر البارد وفجر الجرود تحضران في وجدان اللبنانيين ليس كمجرد مواجهتين أمنيتين في تاريخ المؤسسة العسكرية، بل كصفحتين مشرقتين سُطرتا بدماء الشهداء الذين قدّموا أغلى ما يملكون، دفاعًا عن الوطن وأمن أبنائه.

ففي نهر البارد، واجه العسكريون الإرهاب بشجاعةٍ استثنائية، وقدّموا التضحيات الجسام كي يبقى لبنان آمنًا ومستقرًا. وفي فجر الجرود، وقفوا أبطالًا وسدًّا منيعًا في وجه التطرّف والإرهاب، مُثبتين أنّ الجيش هو درع الوطن وسياجه الحصين.

يكنّ اللبنانيون لجيشهم محبةً خاصة واحترامًا عميقًا، لأنّه لم يطلب يومًا مقابل تضحياته، سوى أن يبقى الوطن بخير. وكل شهيد ارتقى في سبيل لبنان ترك في قلوب المواطنين أثرًا لا يُمحى، ورسّخ قناعة بأنّ الجيش واحدٌ من أهم ركائز الدولة ورمز وحدتها وسيادتها.

تجلّت هذه القناعة في الكثير من المناسبات والمحطات، ومن بينها الاستقبال الشعبي الحاشد الذي رافق عودة أبطال الجيش بعد انتصارهم في نهر البارد، إذ احتشد اللبنانيون على امتداد الطرقات من الشمال إلى بيروت لاستقبالهم، فكانت محطّات مشرّفة، تَعانق فيها الشعب اللبناني مع الأبطال، ونثرت النُسوة الورود والأرزّ، والتُقطت الصور في لحظاتٍ مؤثّرة وثّقت العلاقة بين الجيش وشعبه بدماء الشهداء الأبطال التي روت أرض الوطن. كما برز التعاطف الشعبي خلال حرب الجيش ضدّ الإرهاب في معركة فجر الجرود، فاستنفر اللبنانيون دعمًا لمؤسستهم الوطنية.

 

الجيش بين أهله وناسه

في كل مرة ينتشر فيها الجيش اللبناني في الجنوب، لا يرى فيه الأهالي القوة العسكرية من آليات وأسلحة أو نقاط مراقبة، بل يرون أبناءً وإخوةً يحملون على عاتقهم مسؤولية حماية الأرض والناس وصون الاستقرار. فالجيش بالنسبة إليهم هو جزء من نسيجهم الوطني والإنساني، يجمعهم به تاريخ طويل من الثقة والاحترام المتبادل.

وقد تجلّت هذه العلاقة بصورةٍ واضحة بعد حرب الـ 2024، ولا سيما مع عودة الأهالي إلى القرى الحدودية. ففي الأيام التي أعقبت انتهاء مهلة الانسحاب الإسرائيلي من عدد من المناطق الجنوبية في كانون الثاني 2025، واكب الجيش اللبناني الأهالي إلى بلداتهم، وعمل على تأمين عودتهم وتقييم المخاطر الأمنية، وسط استقبال شعبي واسع للجنود والآليات العسكرية. واكتسب هذا المشهد دلالات وطنية عميقة، إذ شكّل الجيش مصدرًا للشعور بالأمان، في منطقة عانت سنوات طويلة من الاحتلال والاعتداءات والحروب.

وخلال عمليات العودة، كان العسكريون إلى جانب المدنيين، يوجّهونهم ويحمونهم من المخاطر، ما عزّز صورة «الجيش بين أهله»، هذه الصورة عكستها عبارة ترحيب واحدة كانت على ألسنة الجميع: «أهلًا يا وطن».

بقي الجيش اللبناني المؤسسة الوطنية الجامعة التي تحظى باحترامٍ واسع، لأنّه يضمّ أبناءً من مختلف المناطق والطوائف، وبينهم عدد كبير من أبناء الجنوب أنفسهم.

في الخلاصة، يمكن القول إنّ علاقة الشعوب بجيوشها تشتد متانةً كلّما واجهت أوطانها تهديدات أمنية أو حروبًا، أو عندما يؤدي الجيش، إلى جانب دوره العسكري، أدوارًا إنسانية واجتماعية وتنموية. كما يؤدي التجنيد الإلزامي دورًا أساسيًا في هذه المسألة.

ففي لبنان، تكتسب هذه العلاقة خصوصيتها من كون الجيش يعمل داخل مجتمع متعدد الطوائف والانتماءات، ما يجعله أحد أهم رموز الوحدة الوطنية، وقد غدا في وجدان كثير من اللبنانيين تجسيدًا للوطن نفسه. فمحبة الشعوب لجيوشها ليست مجرد مشاعر عاطفية، بل هي ثمرة ثقة بمؤسسةٍ تحمل مسؤولية حماية الوطن وصون وحدته. وكلّما ازداد الجيش قربًا من شعبه، ازداد تماسك المجتمع، وتعزّزت فيه قيم الانتماء والتضحية والوفاء للوطن.

 

نماذج عن علاقة الشعوب بجيوشها

تختلف طبيعة العلاقة بين الشعوب وجيوشها باختلاف التجارب التاريخية التي مرّت بها الدول، وحجم التحديات الأمنية التي واجهتها، والدور الذي اضطلعت به الجيوش في صون الأمن في الداخل وعلى الحدود، ومشاركتها في الحروب والنزاعات الإقليمية والدولية.

وفي ما يأتي نماذج تعكس أشكالًا مختلفة لهذه العلاقة:

 

الولايات المتحدة الأميركية

يُعدّ الجيش الأميركي من أكثر المؤسسات احترامًا داخل مجتمعه، ولا سيما بعد مشاركته في الحروب العالمية. يرتبط الشعب الأميركي بقوةٍ بجيشه، وينظر إليه كرمزٍ للدفاع عن الحرية والدستور، فيما يحظى الجنود والمحاربون القدامى بتكريمٍ واسع في المناسبات الوطنية مثل «يوم المحاربين القدامى».

 

فرنسا

يحتل الجيش الفرنسي مكانةً تاريخية بارزة منذ الثورة الفرنسية، وترتبط به الأمة كرمزٍ للجمهورية والسيادة الوطنية. ويجسّد العرض العسكري السنوي في «يوم الباستيل» في الرابع عشر من تموز مدى الارتباط بين الشعب والجيش، ويُعدّ من أبرز المناسبات الوطنية في البلاد.

 

مصر

ترتبط القوات المسلّحة المصرية بعلاقةٍ وثيقة مع المجتمع، استنادًا إلى دورها التاريخي في الحروب والدفاع عن البلاد. ويُنظر إليها كحارسٍ للدولة ومشارِك في مشاريع التنمية ومواجهة الأزمات، الأمر الذي عزّز مكانتها في الوعي العام بوصفها إحدى ركائز الدولة.

 

الهند

يحظى الجيش الهندي باحترامٍ واسع في بلادٍ تتميز بتنوّعها وتحدياتها الأمنية. يرتبط المواطنون بالقوات المسلحة الهندية كرمزٍ للوحدة الوطنية في بلد متعدّد الثقافات والديانات. ويُحتفى بالجنود في المناسبات الوطنية والاحتفالات الرسمية.

 

كوريا الجنوبية

تجعل الخدمة العسكرية الإلزامية في كوريا الجنوبية العلاقة مع الجيش جزءًا من التجربة الوطنية لكل مواطن تقريبًا. ويُنظر إلى القوات المسلحة كدرعٍ أساسي ضد التهديدات الخارجية، خصوصًا في ظلّ الوضع مع كوريا الشمالية.

 

سويسرا

يقوم النظام الدفاعي في سويسرا على مفهوم «جيش المواطن»، حيث يؤدّي معظم الرجال الخدمة العسكرية، ويحتفظ الكثير منهم بدورٍ احتياطي بعد انتهائها. ويُشكّل ارتباط المجتمع بالقوات المسلحة السويسرية جزءًا من هوية الدولة القائمة على الدفاع الذاتي والحياد.