- En
- Fr
- عربي
وجوه وحكايات
بعد ثلاثين عامًا على رحيله، لا يزال فيليب عقيقي حاضرًا في البال. هو الفنان العاشق لفنّه، الذي انتمى إليه بكليّــته، ومضى في دروبه بين المسرح والتلفزيون والسينما، يمنح الدور من روحه كما يُمنح النَفَس للحياة.
لم يكن ممثلًا عابرًا في مشهد فنّي متقلّب، بل ظاهرة متفرّدة، تجسّد صدق الأداء ونبل الالتزام. كلما تحدّثوا عن «الزمن الجميل»، حضرت صورته بين السطور، لأنّه لم يكن شاهدًا على ذلك الزمن فحسب، بل من بين الذين أسهموا في صناعته.
فيليب عقيقي نجم ما زال حيًا في الذاكرة، أبدَعَ وترك بصمة لا تُنسى على الرغم من رحيله.
سيرة ومسيرة حافلة
وُلد فيليب عقيقي في بلدة غوسطا العام 1924، وعاش سنوات طفولته الأولى في أوروبا حيث تلقى تعليمه، قبل أن يعود ويلتحق بمدرسة في بلدته. هناك، برزت موهبته وشغفه بالتمثيل. في التاسعة من عمره، أسّس مع رفاقه مسرحًا في ميدان القرية مستخدمين أوراق الصحف، فكتب وأخرج عدّة أعمالٍ مسرحية. وفي السادسة عشرة، صارح والده برغبته في امتهان التمثيل، فاختار الفنّ طريقًا لحياته، وبقي عازبًا مكرّسًا حياته بالكامل لفنّه، في منزله الكسرواني في قرية غوسطا.
انضم إلى «جمعية الأدب التمثيلي» ككومبارس، وسرعان ما ظهرت موهبته الفذّة، في زمن لم يكن التمثيل فيه أكاديميًا بل كان موهبة تُصقل بالممارسة، ما خوّله نيل أدوار بارزة في أعمال الراحل ميشال هارون. ومن مسرحياته في البدايات: «حياتي»، «الرفيق سجعان»، و«تحت رعاية زكور».
بدأت شهرته التلفزيونية منذ العام 1960، فكان في طليعة العاملين في هذا المجال، وتميّز بقدراتٍ استثنائية أوصلته إلى القمة، سواء في الكوميديا أو الدراما، امتلك حسًّا داخليًّا عميقًا، وحضورًا آسرًا، وخفة ظل، إلى جانب ملامح وجهٍ قادرة على إظهار مختلف أنواع التعبير وأشكاله.
كان في أوج نشاطه وعطائه رغم بلوغه سن السبعين، فقد اعتاد الوصول إلى مسرح «شاتو تريانو» في جل الديب قبل طاقم عمل مسرحية «حمار ساوس» في العام 1995، وذلك بحسب شهادة بطل العمل الراحل ابراهيم مرعشلي. وفي إحدى المرّات، أُصيب بعارضٍ صحي في أثناء أدائه مشهدًا مسرحيًا، لكنّه أكمل الحوار كأنّ شيئًا لم يكن، لأنّ التمثيل بالنسبة إليه رسالة مقدسة. بيد أنّ صحته راحت تتدهور بشكلٍ سريع، فتوقف عرض المسرحية بعد غياب أحد ركائزها الأساسية، وغادر فيليب عقيقي مسرح الحياة في 26 نيسان 1995.
في العام نفسه، أطلقت لجنة وقف مار سمعان العامودي في بلدته «جائزة فيليب عقيقي» تكريمًا لذكراه وتخليدًا لمسيرته الفنية، وفي العام 2004، أُقيم صالون للفنون المرئية يحمل اسمه.
حصد فيليب عقيقي العديد من شهادات التقدير والأوسمة والجوائز، ولعلّه الممثل اللبناني الوحيد الذي حصل على وسام الاستحقاق اللبناني في عهد الرئيس الأسبق الياس سركيس في العام 1980.
أهم الأدوار
شاء القدر أن يكون عمله التلفزيوني الأخير حلقة بعنوان «آخر المشوار» إلى جانب الفنانة وفاء طربيه، ضمن سلسلة «طالبين القرب» لمروان نجار، وقد عُرضت عقب وفاته بسنة تقريبًا على شاشة «أل بي سي»، في حين أنّ محطة «الجديد» كانت تعرض في السنة التي توفي فيها مسلسل «الأخوان» من بطولة وجيه صقر ومشاركة عقيقي، وكان الإعلان عن المسلسل يذكر أنه آخر أعمال الراحل التلفزيونية.
قدّم عقيقي أعمالًا لا تُحصى في التلفزيون والإذاعة والمسرح والسينما، خلال زمن الأبيض والأسود، وتنوّعت أدواره بين الدرامي والكوميدي، بين الجدّ والحنون والمعلم، مؤديًا شخصيات تقمّصها بإتقانٍ نادر.
من أبرز أدواره التلفزيونية: الخال المحبّ في «حول غرفتي» إلى جانب هند أبي اللمع، وقد حقق المسلسل نجاحًا كبيرًا، فاستُكمل بجزءٍ ثانٍ بعد سنوات، حمل عنوان «حياتي» وشاهده جمهور الثمانينيات بالألوان. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية سُئل عقيقي عن ذلك الدور، إثر إعادة عرض المسلسل في أوائل التسعينيات، فذكر أنه لم يكن يشعر بالاستغراب عندما كانت تناديه الراحلة هند أبي اللمع «خالي» لأنّ لديه 17 قريبًا ينادونه بهذه الكلمة.
تقمّص فيليب عقيقي الشخصية الدرامية، فكان والد الزوج الحنون إلى جانب إلسي فرنيني في سباعية «زوج الآنسة» (1990)، والجَدّ المليء بالطيبة مع الممثلة السورية نادين وفادي إبراهيم في «الكوخ القديم» (1990). وفي الكوميديا، كان معلمًا لا نظير له واعتُبر خير سند للثلاثي إيلي صنيفر وصلاح مخلّلاتي وحنا المعلوف في رائعة أنطوان غندور «أربع مجانين وبس» (1982) التي اختصرت آلام وأوجاع الوطن الذي مزّقته الحرب. كما أبدع في مسلسل «الكابتن بوب» لابراهيم مرعشلي (1991) رغم صغر مساحة الدور الذي أُسند له. وشارك في مسلسل طالبين القرب وسوى ذلك الكثير من الأعمال…
في الإخراج المسرحي
كممثلٍ، شارك عقيقي في عدد كبير من المسرحيات، من بينها مسرحية «شهر العسل» مع صباح و«بنت الجبل» مع سلوى القطريب. ويُذكر أنّ إسهامه في المسرح لم يقتصر على دوره كممثلٍ قدير، بل تخطاه إلى الإخراج خصوصًا في السبعينيات من خلال أعمال للكاتب جميل تابت، قُدمت في العديد من البلدات والقرى ضمن ما عُرف بالمسرح الجوال آنذاك. ومن بين هذه الأعمال «ضيعة برسم البيع» التي شارك في تمثيلها عبد المجيد مجذوب وليلى حكيم ومجموعة من الفنانين، إلى عدة مسرحيات تولّت تمثيلها فرقة ساحل علما الفنية. وفي النصف الأول من الثمانينيات أخرج مسرحية «زخيا وبس» من كتابة جميل تابت أيضًا، ومثّل دور البطولة فيها إلى جانب فادي إبراهيم وفيفيان أنطونيوس وآخرين، قُدّمت المسرحية على خشبة مسرح فينيسيا في جونية.
أعطى فيليب عقيقي الفنّ كل وقته وعمره ومشاعره، كراهبٍ ناسك نذر نفسه للعبادة واستوحد في محرابها. لم يتزوج إلّا الفن، حتى إنّه لم يرتبط بعلاقات حبّ طويلة مخافة أن تقوده إلى الزواج الذي كان يعتبره «مقبرة للفنان».
وعلى الرغم من تواضع أحواله المادية، تمسّك بقناعاته الفنية الصلبة، رافضًا الانزلاق نحو الفن الرخيص: «ولو بدّي موت من الجوع»، كما كان يقول. هو الذي احترم عمله بكل تفاصيله، فلم يكن يتأخّر عن مواعيد التمارين أو العروض.
جمع في شخصه براءة الأطفال، ونضارة الشباب، ورزانة البالغين، وحكمة الشيوخ. حمل راية الفن ومشى طوال سبعين عامًا صوب المجد.
بأقلامهم
يستذكر جوزف غانم محامي فيليب عقيقي، الفنان الراحل، ويقول: «النجاح، بالنسبة إليه، لم يكن سوى الإخلاص في أداء رسالته. وقد علّمه الفشل بألّا يتراجع أمام العقبات».
أما صديقه جاك منسى، فيراه «الإنسان الذي لم يكن يُمثّل أدوارًا بل يعيشها، فينقل الشخصيات من الورق إلى الحياة بصدق وحرارة».
ويقول الممثل جورج حرّان عن «خاله»: «كان نجمًا بكل ما للكلمة من معنى، شعاره الوفاء، والإبداع، والرقي من أبرز سماته».











