إعرف عدوّك

كيف زيّفت الصهيونيةُ الدينَ اليهودي (2)
إعداد: النقيب حسين غدار

أسطورة القومية اليهودية

 

«تريد الصهيونية إظهار الشعب اليهودي حول العالم على أنه قومية موحدة، وفي ذلك هرطقة فاضحة».
(الحاخام الألماني موشيه هيرش أحد أبرز الباحثين الدينيين اليهود في القرن التاسع عشر - واشنطن بوست عدد3 تشرين الأول 1978).


الكيان الإسرائيلي كيان استعماري مبني على نقل اليهود إلى فلسطين. وفي سبيل ذلك، اعتمدت الصهيونية في سياستها وترويجها لفكرة الوطن اليهودي على عدة مبادئ هدفها تزوير الوقائع وتحويرها بما يخدم إنشاء ذلك الكيان الغاصب. وقد بيّنا في المقال السابق (الجزء الأول) زِيف الادّعاءات الصهيونية المتعلقة بالعودة إلى فلسطين وحق اليهود في تلك الأرض (مفهوم أرض الميعاد). وأشرنا إلى أنّ الصهيونية سعت إلى توطين اليهود في عدة أماكن من العالم، قبل أن تستقر المصالح الكبرى على تثبيت اليهود في فلسطين. فالعودة المزعومة إلى فلسطين لم تكن عودة توراتية أو تلمودية أو دينية، إنما غزو واغتصاب.


يعتبر مفهومُ القومية اليهودية الركنَ الثاني من أركان الادّعاءات الصهيونية، بمعنى أنّ يهود العالم أجمعين ينتمون إلى قومية واحدة متجانسة، لها الحق الكامل في العودة إلى فلسطين أرض الآباء بعد أن عاشت في الشتات لآلاف السنين. مِن هنا برز المفهوم الصهيوني «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». فهل ينتمي يهود العالم جميعًا إلى عرق واحد أم أنهم خليط من الأجناس كلها في العالم؟ وهل توجد «شخصية يهودية عالمية» ذات سمات مميزة وثابتة مهما اختلفت البلدان؟ وهل كانت فلسطين قبل احتلالها، أرضًا بلا شعب كما تزعم الأسطورة الصهيونية؟
نشير بداية إلى التناقض الفاضح بين مبدأ الهويّة اليهودية، وما تدّعيه الحكومة الإسرائيلية من كونها حكومة ديموقراطية تساوي بين أبنائها اليهود والعرب ذوي الجنسية الإسرائيلية. فكيف يتوافق هذا الادّعاء مع الادّعاء الصهيوني القائم على فكرة «إسرائيل وطن قومي لليهود»؟ وهل تتفق العنصرية مع الديموقراطية والمساواة؟
تدّعي الصهيونية وجود قومية يهودية، أو هويّة يهودية شاملة تمثّل جوهرًا ثابتًا يجمع يهود العالم أينما كانوا. إلا أن هذا الادعاء لا يتفق مع الحقائق التاريخية والجغرافية. فهناك هويّات وتواريخ يهودية (أو تجارب تاريخية يهودية) تختلف باختلاف الزمان والمكان.
 
أولًا: أهم التجمعات اليهودية حول العالم

في إطار الرد على المزاعم الصهيونية، يُورِد شلومو ساند في كتابه «اختراع الشعب اليهودي» The Invention of the Jewish People عدة أمثلة تاريخية تُبيّن الاندماج الكامل لأتباع الديانة اليهودية في العديد من بلدان العالم، بحيث شكّلوا جزءًا أساسيًّا من مجتمعات أوروبا وآسيا وأميركا والعالم العربي قبل وجود الكيان الإسرائيلي وولادة الصهيونية بمئات السنين، وربّما بآلاف السنين، وكان منهم الشعراء وأهل الطب والهندسة والسياسة من غير أن تكون اليهودية عائقًا أمام اندماجهم في النسيج المحلي.
فقد ظل يهود بابل (العراق وما حوله حاليًّا) في موطنهم منذ الألف الأول قبل الميلاد، وظلّ اليهود يشكّلون حوالى 2.6% من سكان العراق حتى العام 1951 حين قام العملاء الصهاينة المتخفّون بإلقاء المتفجرات عليهم لبثّ الرعب في قلوبهم ولإيهامهم بأن حياتهم محفوفة بالمخاطر خارج الكيان الإسرائيلي.
أما في مصر، فيعود تاريخ اليهود إلى العام 650 قبل الميلاد. وفي العصر الحديث، شكّل يهود مصر واحدًا من أكبر التجمعات اليهودية في العالم العربي وأكثرها نفوذًا وانفتاحًا ومشاركةً في مختلف أوجه حياة المجتمع المصري، وبلغ عدد يهود مصر حوالى 75 ألفًا حتى العام 1922. ومن أشهر المصريين من أصل يهودي الفنانة ليلى مراد.
تعود جذور اليهود في المغرب إلى القرن السادس قبل الميلاد، وهناك كانوا في اختلاط دائم مع سائر مكوّنات المجتمع المغربي واحترفوا ركائز الحياة الاقتصادية كلّها من صناعة وزراعة وتجارة وكان عددهم يقارب 250 ألفًا في العام 1940. وعلى الرغم من أنّ العديد منهم هاجر إلى فلسطين المحتلة بعد نشوء الكيان الإسرائيلي الغاصب، فإنّ كثيرًا من معابدهم وأحيائهم القديمة لا يزال قائمًا.
كما يعتبر بعض الباحثين أنّ يهود اليمن وإيران هم من أقدم التجمعات اليهودية في العالم بحيث تعود جذورهم إلى القرن الخامس قبل الميلاد. وكان تعدادهم في اليمن يتجاوز 50 ألفًا حتى العام 1940. ويعيش في إيران اليوم ما يقارب 45 ألف يهودي.
ويرجع تاريخ اليهود في إسبانيا إلى القرن الخامس الميلادي، أي قبل 1600 سنة تقريبًا، وفي روسيا إلى القرن التاسع الميلادي، أي قبل 1200 سنة تقريبًا، وفي وسط أوروبا إلى القرن الحادي عشر الميلادي في عهد الإمبراطورية الرومانية، أي قبل حوالى ألف سنة، وتوزعوا هناك على عدة دول أهمها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا. وفي الولايات المتحدة، ظهر اليهود منذ بدايات القرن التاسع عشر الميلادي. يُضاف إلى ذلك تجمعات صغيرة قديمة من اليهود في عدة دول عربية مثل سوريا ولبنان، وهي لم تعد موجودة اليوم.

 

ثانيًا: اليهود من الناحية الأنثربولوجية
الأنثربولوجيا، أو علم الإنسان، هي علم يدرس أصل النوع الإنساني والظواهر المتعلقة به، ويدخل فيها تكوين جسم الإنسان وتطوره وثقافته.
لقد سعت الصهيونية إلى الترويج لمزاعمها تحت غطاء علمي، فأبرزت في حملاتها الدعائية دراسات أنثروبولوجية تدّعي أنّ الأصل البيولوجي مشترك. ويهمنا في هذا الإطار مؤلَّف قيّم بعنوان «اليهود أنثروبولوجيًّا» (متوافر على شبكة الإنترنت)، أي اليهود من الناحية الأنثروبولوجية، أصدره في العام 1967 (وأُعيد إصداره في العام 1996) الدكتور جمال حمدان الباحث الجغرافي المصري الذي كان صاحب السبق في فضح أكذوبة أنّ اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من فلسطين خلال حقبة ما قبل الميلاد. وأثبت حمدان في كتابه المذكور بالأدلة العلمية، أنّ اليهود المعاصرين الذين يدّعون أنّهم ينتمون إلى فلسطين، هم ليسوا في الحقيقة أحفاد اليهود الذين خرجوا من فلسطين قبل الميلاد، وإنّما ينتمون إلى أعراق وإثنيات مختلفة، وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات الكاتب والصحفي البريطاني آرثر كوستلر مؤلّف كتاب «القبيلة الثالثة عشرة» الذي صدر في العام 1976.
وجدير بالذكر أنّ الدكتور حمدان قد وُجد ميتًا في شقته في العام 1993 عن عمر 65 عامًا في ظروف مريبة، وقد حامت عدة شكوك حول ضلوع الموساد في مقتله.
يرتكز الدكتور حمدان في كتابه على مجموعة من الصفات الجسمانية: شكل الأنف، شكل الرأس، عرض المنكبين، لون البشرة، لون العينين. ويأخذ كلاً من هذه الصفات ويدرسها لدى الجماعات اليهودية في عدة مناطق مقارنًا إياها بين الجماعة اليهودية في منطقة ما وباقي سكان تلك المنطقة، وكذلك يدرس تغيّر هذه الصفات الجسمانية لدى اليهود من منطقة إلى أخرى.
وإذا نظرنا على سبيل المثال إلى ما جاء في الدراسة عن لون بشرة اليهود في عدد من المناطق، يتبيّن ما يلي:
لا يدل لون البشرة إذًا على صفة جسمانية خاصة باليهود، بل يدل في المقابل على انعدام أي وحدة بين يهود العالم بالنسبة إلى لون البشرة. كما أنّ نسبة انتشار لون بشرة معيّن بين اليهود تقارب النسبة الموجودة بين السكان الباقين، ما يعني أنّه يمكن اعتبار اليهود عيّنة تمثّل إجمالي السكان، أي أنّ اليهود في منطقة ما أو بلد ما يتّصفون إجمالًا بالصفات الجسمانية نفسها الشائعة لدى سكان ذلك البلد. وتبيّن الصفات الباقية التي تم تناولها في «اليهود أنثروبولوجيًّا» نتائج مماثلة.
يظهر مما سبق، أنّ أتباع الديانة اليهودية لم يكونوا إثنيّة موحّدة يشترك أفرادها جميعًا في أصل واحد، إنّما مجموعة إثنيات وأعراق توزّعت على العديد من دول العالم، واندمجت بشكل كامل في مجتمعات تلك الدول، فكانوا على مر التاريخ جزءًا من التركيبة الحضارية التي وُجدوا فيها، شأنهم في ذلك شأن البشر كلّها. ولم يبرز اليهود في حال من الأحوال كمجموعة بشرية منعزلة في حالة شتات دائم ترفض الاندماج في المجتمع.
وفي الختام، ليس أدلّ على الدجل الصهيوني من القادة الصهيونيين أنفسهم، فقد ورد في سِيَر العديد من القادة الصهاينة، كما في الجزء السادس من موسوعة اليهود لعبد الوهاب المسيري، أنهم لم يكونوا من اليهود الملتزمين إطلاقًا، بل إن العديد منهم، مثل تيودور هرتزل ولاحقًا مناحيم بيغن وديفيد بن غوريون، كانوا في الحقيقة يحتقرون الالتزام الديني بالمطلق، ويعتبرون أن الشعائر الدينية تؤدي بالإنسان إلى التخلّف والجهل.
من ناحية أخرى، تُظهِر إحصاءات نُشرت في صحيفة لوموند (عدد 15 تشرين الثاني 1991) قامت بها حكومة الكيان الإسرائيلي أنّ حوالى 15% فقط من «الإسرائيليين» هم من اليهود الملتزمين، في حين أنّ حوالى 85% من «الإسرائيليين» هم إمّا يهود لا يمارسون أيّ شعائر دينية إطلاقًا، أي يهود بالاسم فقط، وإما ملحدون لا يؤمنون بالله أصلًا، وفي ذلك دليل إضافي على بطلان خرافة القومية اليهودية الجامعة.

 

المنطقة أو البلد

لون البشرة

النسبة الإجمالية لدى السكان

النسبة لدى اليهود

العراق

أسمر

80%

82%

ليتوانيا

أسمر

40%

43%

القرم (جنوبي أوكرانيا)

أشقر

30%

28%

شمالي أفريقيا

أشقر

5%

3%

 

المراجع:
- موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 1999، ج6.
- اليهود أنثربولوجيًّا، جمال حمدان، دار الهلال، القاهرة، الطبعة الثانية 1993.
The Invention of the Jewish People, Verso, London, 2009.-
- صحيفة لوموند عدد 15 تشرين الثاني 1991.