في كل بيت

لماذا يفشل الزواج وما هي الأسباب التي تؤدي الى الطلاق؟
إعداد: ناديا متى فخري

الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

كيف ينعكس إنفصال الأهل عن بعضهم على سلوك أولادهم ومستقبلهم؟

الأنانية
نحن نعرف أن الأنانية لم تدخل نفساً إلاّ وتسببت لصاحبها بكراهية الناس وإحتقارهم له, فالأناني يُزعج الآخرين بتصرفاته ويفرض رأيه الى درجة المضايقة, معتبراً أنه دائماً على صواب والآخرين على خطأ. وفي الحياة الزوجية, إذا كان أحد شركاء الزوجية يتسم بطبع أناني, ومتعصباً لمحبة ذاته, لا بدّ أن تقع المشكلة, لأن أنانية الزوج أو الزوجة, تولّد لديه ميلاً لتحقيق طموحاته ومصالحه, وتُثنيه عن أهمية التفاعل مع إهتمامات الفريق الثاني وتطلعاته, وما قد تثيره تصرفاته الأنانية من إزعاج لرفيق الدرب الذي يصير, بطبيعة الحال, عاجزاً عن الإستمرار في مشاركة مماثلة.. وهذا يثبت أن الأنانية هي من الأسباب التي تُنشئ تصدّعاً في العلاقة الزوجية, وتُلحق بها جفافاً وجماداً.

 

الغيرة

إذا كان الروتين في الحياة الزوجية مقبرة الحب, كما يُقال, فالغيرة قاتلة الحب والمطرقة التي تهدم كيان الأسرة.
لماذا نغار؟ سؤال يحتاج الى إجابة دقيقة, لأن الأسباب التي تحرّك الغيرة وتوجدها وتُخرجها من مواطن النفس, متعددة. وقد ورد في إجتهادات علم النفس الإجتماعي, أن الغيرة حالة نفسية معقدة وحساسة, تفرض حول الزوج أو الزوجة حصاراً من الحيرة, هي أقسى حيرة يُمكن أن تواجه إنساناً في حياته, بيد أنها نوع من الإنفعال النفسي الذي يدفع الرجل أو المرأة, غالباً, الى إتخاذ موقف من شريكه بعيداً كل البعد عن المنطق. فالغيور, إنسان عاجز عن كبح جماح غيرته, والسبب أن الغيرة على إختلاف ضروبها وألوانها, مردّها الى حالة من إثنتين: إما حب الإمتلاك, أو عدم الثقة بالنفس وبالشريك الآخر (الزوج أو الزوجة), فالغيرة تشل التفكير, وهي نتاج للشعور بالنقص وترجمة لعقد نفسية متداخلة تعيث فساداً بأمننا النفسي وتهدد سلام معنوياتنا.
والغيرة نوعان: غيرة مرضية وغيرة منطقية. وفي بعض الحالات تكون دوافع الغيرة سطحية, فقد يغار أحد الزوجين من أقرب الناس (الأب, الأم, قريب أو صديق), وفي هذه الحالة تكون أسباب الغيرة مرضية: الإفتقار الى النضج النفسي والعاطفي, نوع من الإكتئاب يُفرغ شحناته الإنفعالية عن طريق الغيرة اللامنطقية... وقد اتفق علماء النفس الإجتماعيون, أن للغيرة الزوجية مظهرين أساسيين: أولهما أن الغيور قلّما يعرف حقيقة غرضه من غيرته.. وثانيهما, أن الغيرة تثور في النفس إما بدافع من شعور حقيقي وثوابت أكيدة, أو أنها تنشأ عن شعور وهمي مرتبط بنوع من الحساسية الزائدة والإحساس بالعجز الذي ينجم عن فقدان الثقة بالنفس, وهذا ما يجعل الغيرة مريرة الوقع في النفوس؛ ومن العسير جداً التفريق بين الغيرة المرضية والغيرة المنطقية, إلاّ بعد البحث والتنقيب عن أسبابها ودوافعها... والغيرة هي الغيرة, ونتائجها واحدة: الشعور باليأس والإحباط والفشل.

 

العناد والكبرياء

العناد والكبرياء, سمتان مرفوضتان في طبيعة العلاقة الزوجية, فالعنيد إنسان متسلّط يفرض رأيه ويرفض الحوار, والكبرياء يملأ النفس غروراً فيرفض صاحبه الإصغاء الى نداء العقل وصوت الواجب في العلاقة الزوجية. فإذا كان أحد الزوجين يأسره الكبرياء ويتصرّف بعناد فلا رجوع عن فكرة ولا تفاهم في مسألة, ويرى أنه دائماً على حق وسيّد كل موقف, هنا يكون السبب عدم النضج الكافي في التفكير والرؤية الموضوعية لمسؤوليات الزوجية, وهذه الخصال تتسبب في إنهيار جسر العلاقة الزوجية وإنزلاقه حتى قعر الهاوية الرهيب, هاوية الخلافات والنزاعات.. ولأن كل علاقة زوجية تتطلب نضوجاً وتفهماً وإنصهاراً مع الآخر, على الزوجين بناء حياتهما إستناداً الى خبرة عميقة, وبقسط أوفر من الحب والتفاهم المتبادل وأن يجعلا للتواضع مكانة في تعاطيهما اليومي, لأن التواضع يُلغي كل سمة سلبية في الشخصية.

 

أولادنا وسلبيات الطلاق

قد تعترض الحياة الزوجية مشكـلات بسيطة تنعكس آثارها سلباً على الأبناء, ولكن أكثر ما يؤثّر بأولادنا ويُشعرهم بمرارة عميقة وجارحة, هو “الطلاق”, فالطلاق بين الزوجين يُلغي الإحساس بالأمان في أعماقهم, ويعزز فيهم مشاعر الإحباط والإرهاق والعجز, وكأن الطـلاق مشكلـتهم هم بالذات. فكيف يطمئن أولادنـا حين يـرون أن النموذج المثالي لحياتهم قد تهدّم وعليهم أن يبحثوا عن نموذج جديد بـين الأنقاض؟ قد يكـون “الطلاق” دواء لداء مستعص, ولكنه في المقابل, سمّ قاتل نقـدّمه لأولادنا بلا رحمـة.
وللطـلاق إنعكاسات نفسـية ومعنويـة وبيولوجيـة سلبية تؤثر في النمو الصـحي والتوازن العاطـفي والوجداني لدى الأبـناء, ولا يحصدون منها إلا التردد والتمرد على واقع فرض عليهم الحرمان المادي والمعنوي, وأفقدهم القدرة على التعايش والمشاركة في أجواء عائلية مستقرة.
وفي جميع الحالات التي يترتب عنها طلاق الأبوين, فإن الأبناء وحدهم يكونون الضحية, لأن الطلاق يحدث شرخاً عميقاً في نفوسهم من الصعب ترميمه.
كما أن هناك تحدياً كبيراً يواجهه الأبناء في حياتهم العائلية, ومردّه الى أن الآباء ذوي المشكلات الحادة, يعمدون الى ترجمة فشلهم بطريقة خاطئة, إذ يلجأ البعض الى معاقبة أولادهم بقسوة, وكأنما ينتقمون لأنفسهم من أولادهم ويحملونهم مسؤولية فشلهم, وهذه المعاملة السيئة تؤذي الأولاد بالتأكـيد, وتتـرك بصمـات سيـئة في قرارة نفوسهـم تؤثـر على سلوكهـم كأهـل في المستقبل.. ثـم إن الحرمـان العاطـفي, يخلـق لديهـم الشعـور بالعدائية والتطـبّع بطباع جافّـة.. فالخلافـات الزوجية الـتي تؤدي الى إنخفاض مستوى الكـفاءة في العلاقـة بين الأهـل والأبنـاء, ليست أقــل خـطراً من التـي تبيح الطلاق؛ وهـذا يقتضي تريثاً وتدبيراً حكيماً من قبـل الأهـل, ويطالبهم بمراجعة الذات والتفكير جدياً قبل اتخاذ أي قرار يكـون بدايـة لنهايـة مؤسفة, وأن يتفاديا الإصطدام بأي جدار يكون مانعاً لديمـومة تماسك الحيـاة العائلية.

 

ورد وشوك

إن الحياة العائلية هي كالحياة في الطبيعة, فيها الورد وفيها الشوك. والحياة بين الزوجين بكـل ما يسودها من مشاركـة إيجابية في العُسر وفي اليُسر, وما يتسرّب إليهـا من خلافـات ونزاعـات, يجـب أن تظـل صامـدة وتحافـظ على توحدها وإستقرارها...
فالـزواج قـرار إرادي مصيري ينطوي على إعتبارات رفيعة تبدأ منها حدود العائلة. وعقد الزواج في جوهره هو دعوة عميقة لحياة إنسانية يسودها الحب والرضى والإحترام والتفاهم والتوافق والثقة المتبادلة. ولم يكن الزواج يوماً, سوى مشروع إنساني إجتماعي, الهدف منه تأسيس عائلة وإنجاب الأطفال وتربيتهم تربية صالحة؛ وعليه, يترتب على الزوجين ألا يستهترا بالحياة الزوجية وأن ينظرا إليها نظرة صحيحة؛ فالزواج ليس مشاركة عاطفية فقط, بل مشاركة إنسانية أيضاً تُملي على الزوجين الإلتزام بالضوابط والمعايير والثوابت التي ترفد الحياة الزوجية وتضبط مسيرتها.
إذن, الزواج هو الحجر الأساس لبناء أسرة مثالية, ويجب أن نحافظ بأمانة على هذا الرباط النزيه ليبقى في الصورة التي ينبغي أن يكون عليها؛ والحياة الزوجية يجب بناؤها على أساس قوي متماسك, فإن لم يُبنَ البيت على أساس متين, عبثاً يتعب البناؤون.
أما الطـلاق فهو حالـة بالغـة التعقـيد. وكلمة “طـلاق”, تعني فسـخ زواج قائـم في المحاكم الشرعية ولدى السلطات الدينـية, التي تلتزم بمبادئ وقواعـد وأنظمة لا يجوز الخروج عليها, وهي في مجملها توفّر الضمانات التي تصـون الكرامـة الإنسانيـة وتحمـي الأســـرة مــن التفـكــك, والأبنــاء من التشـرّد في متاهــات أجواء خانقــة لا يحصـدون منـهـا إلا القـلق والخوف من المستقبل.
واخيراً, إذا كان الحب يمتّـن الـزواج, فالمسامحة تجعلـه أعمـق وأصـفى وأجمـل... وإذا كانـت إبتسامـة طـفـل تحوّل المنـزل الى جنّـة سعيـدة, فلمـاذا نحرم أولادنـا من أن يعيـشـوا في جـنّة هي من صنـع إبتسامتـهـم؟!