قبضة هرمز وانكشاف العراق
فرض الحصار البحري في الخليج العربي على المصدّرين الإقليميين الاعتماد بشكلٍ أكبر على خط الأنابيب شرق–غرب السعودية وعلى طريق الفجيرة الإماراتي. غير أنّ وضع العراق استثنائي الهشاشة؛ إذ كانت صادراته البحرية في العام 2024 ما يقارب 100% تمرّ عبر الجنوب. وبحلول آذار 2026، أدّى فقدان الوصول إلى هرمز إلى خفض الإنتاج الجنوبي للعراق بنحو 82%، متراجعًا من 4.4 ملايين برميل يوميًا إلى 800 ألف برميل يوميًا فقط.
وقد نجحت بغداد جزئيًا في استعادة الصادرات النفطية الشمالية عبر تركيا من خلال مسار كركوك–جيهان، إلا أنّ هذا الممرّ ما زال هشًا سياسيًا، محدود السعة، ومعرّضًا لتجدّد التوترات بين الحكومة الاتحادية وأربيل. وفي ظل هذا السياق الضاغط، لم يعد المنفذ المتوسطي عبر طرابلس مجرّد خيار بديل، بل أصبح ضرورة استراتيجية.
ميزة ”البنية القائمة“ في لبنان (Brownfield)
الاعتقاد السائد بأنَّ لبنان لا يكتسب أهميته إلا بإعادة بناء مصفاة نفط هو اعتقاد مغلوط. في الواقع، الفرصة الفورية تكمن في المرحلة الأولى، وهي مرحلة العبور وتشغيل المحطات.
يمتلك لبنان أصلًا من الأصول القائمة على بنية جاهزة (Brownfield): منشآت نفط طرابلس (TOI) وهي مرفق يحتاج إلى إعادة تأهيل، لا إلى معجزة تُبنى من الصفر.
بحسب المديرية العامة للنفط في لبنان، صُمّمت منشآت طرابلس أساسًا لاستقبال نفط كركوك عبر ثلاثة خطوط تقليدية بأقطار 12 و16 و30/32 إنشًا، وبطاقةٍ استيعابية تاريخية بلغت 900 ألف برميل يوميًا. ورغم أنّ المصفاة القديمة بطاقة 21 ألف برميل يوميًا لم تعد مجدية اقتصاديًا، فإن البنية التحتية للمحطة ما زالت تمثل كنزًا من القدرة الكامنة.
العائد التجاري: 275 مليون دولار سنويًا؟
رغم عدم وجود تسعيرة رسمية للرسوم، تشير المعطيات التاريخية وكلفة إعادة التأهيل الحديثة إلى أنّ «حزمة» الرسوم – بما في ذلك رسوم العبور والمناولة والشحن – قد تراوح بين 0.75 و1.50 دولار للبرميل الواحد.
وبحسب سيناريو تدفّق متوسط يراوح بين 300 ألف و500 ألف برميل يوميًا، قد يحقّق لبنان إيرادات سنوية إجمالية تراوح بين 80 مليونًا و275 مليون دولار. وإلى جانب العائدات النقدية، يعيد هذا المشروع للبنان ثقله الاستراتيجي، ويضعه كشريكٍ محوري في أمن الطاقة لكلّ من العراق وأوروبا الباحثة عن مصادر طاقة لا تمرّ عبر الخليج العربي.
مسار إعادة التشغيل
إنّ المسار الأكثر واقعية للمضي قدمًا يتجاوز تعقيدات عمليات التكرير، ويركّز بدلًا من ذلك على نموذج المحطة التصديرية (Export-Terminal Model). تتبع السلسلة مسارًا واضحًا ومباشرًا: من كركوك إلى سوريا، عبر ممرّ عكار الحدودي (حكر جوريت سرار)، وصولًا إلى حرم خط أنابيب شركة نفط العراق (IPC) القديم نحو خزانات البداوي/منشآت نفط طرابلس، وانتهاءً بمحطات الشحن في عرض البحر المتوسط.
غير أنّ «البساطة» لا تعني بالضرورة «السهولة»، إذ يتطلب استئناف العمل برنامجًا صارمًا لضمان السلامة الإنشائية (Integrity Program) ثلاثية الأطراف هي العراق وسوريا ولبنان. وفي هذا السياق يقترح الخبراء خارطة طريق تقنية من ست نقاط:
- مسح المسار (Route Survey): تأهيل حرم الخط وإزالة التعديات المتراكمة على مدى عقود.
- اختبارات الضغط (Pressure Testing): الكشف عن الأجزاء المتضرّرة من الأنابيب واستبدالها.
- الضخّ والقياس (Pumping & Metering): إعادة تأهيل شاملة لأنظمة التحكّم ونقاط القياس الجمركي.
- تأهيل مجمع الخزانات (Tank Farm Restoration): تحديث منشأة التخزين في البداوي بسعة 430 ألف متر مكعّب.
- البيئة والأمن (Environmental & Security): تركيب أنظمة كشف التسرّب وإرساء منظومة أمنية مخصّصة لحماية الخط.
- الأنظمة البحرية (Marine Systems): ترميم عوامات الربط التقليدية (Conventional Buoy Moorings – CBM) المخصّصة للشحن في عرض البحر.
توافق دبلوماسي جديد
ما يميّز العام 2026 عن العام 2020 هو التحوّل في المشهدين السياسي والقانوني. فقد رفعت أو ألغيت العقوبات الاقتصادية الواسعة التي كانت تجعل من ممرّ العبور السوري خيارًا مستحيلًا في السابق، وذلك في أعقاب المرحلة الانتقالية التي شهدتها دمشق في العام 2025. وعلى الرغم من بقاء بعض القيود الأمنية المحدّدة، إلّا أنّ «جدار العقوبات» قد تداعى فعليًا.
إضافة إلى ذلك، نضجت العلاقة بين بغداد وبيروت، فاتفاقية الطاقة بين الدولتين التي قدّم بموجبها العراق الوقود لمحطات الكهرباء اللبنانية حتى العام 2025، أرست إطارًا عمليًا للتعاون المشترك. وفي حين أطلق العراق وسوريا بالفعل تقييمًا مشتركًا للمسارات المتوسطية، تبقى القطعة الناقصة هي إقرار إطار عبور ثلاثي (Tripartite Transit Framework) يضمّ لبنان رسميًا.
تمتلك سوريا «المفتاح» الجغرافي لمرافق نفط طرابلس (TOI) إذ يتعيّن على النفط المتجه إلى لبنان عبور ما يقارب 250 كيلومترًا من الأراضي السورية. ويمنح هذا الواقع الجغرافي–الاستراتيجي سوريا قدرةً على توظيف موقعها كورقة ضغط دبلوماسية، بما يتيح لها السعي إلى انتزاع شروط تجارية تفضيلية أو التفاوض على ترتيبات لتقاسم الطاقة الكهربائية مع الحكومة اللبنانية. وفي هذا السياق، كثّفت سوريا دورياتها العسكرية على امتداد الخط في صحراء حمص لحمايته من أعمال التخريب في إشارة إلى المستثمرين الدوليين بأنّ المسار أصبح «أقل عرضة للمخاطر».
استراتيجية ”بانياس أولاً“
يتمثّل الهدف الاستراتيجي الداخلي لسوريا في إعادة تأهيل ممر كركوك–بانياس، عبر اعتماد مسار جنوبي «عربي» يمر بمحافظة الأنبار وصولًا إلى حمص، بما يتيح تجاوز التقلبات السياسية المرتبطة بحكومة إقليم كردستان، فضلًا عن الاختناقات البنيوية عند الحدود التركية. وفي هذا السياق، يشير التحول من مقاربة «الترقيع والصيانة» إلى نهج إعادة بناء شاملة إلى سعي سوريا لإرساء بنية تحتية قادرة على استيعاب طاقة نقل أولية تراوح بين 350 ألفًا و500 ألف برميل يوميًا، الأمر الذي يوفّر منفذًا مباشرًا على البحر الأبيض المتوسط، متجاوزًا مسارَي قناة السويس ومضيق هرمز. وتتعامل دمشق مع رسوم العبور بوصفها شكلًا من «الريع السيادي» القادر على توليد عوائد كبيرة من العملات الصعبة. جزء من هذا الترتيب، يفترض تزويد العراق لسوريا بالنفط الخام مباشرة إلى مصفاتي حمص وبانياس، في إطار مقايضة تقوم على منح حقوق العبور مقابل إمدادات مستقرة من الخام. وفي ظل معاناة البلاد من انقطاعات كهربائية حادة تجاوزت 20 ساعة يوميًا في مطلع العام 2026، يبرز تأمين النفط العراقي منخفض الكلفة كأولوية قصوى ضمن استراتيجية الطاقة السورية، نظرًا لدوره المحوري في دعم استقرار منظومة الطاقة الوطنية.
استراتيجية ”بانياس وطرابلس“
تُقدّم هذه الاستراتيجية حجة تحليلية مفادها أنَّ السياسة النفطية العراقية ينبغي ألّا تقتصر على توجيه خام كركوك إلى بانياس، بل أن تشمل تفعيل منشآت نفط طرابلس بوصفها منصة تصدير متكاملة على البحر الأبيض المتوسط. إذ تتمتع طرابلس بقدرات لوجستية متقدمة، تشمل طاقة تخزينية تقارب 430 ألف متر مكعب، وإمكانات لمناولة النفط الخام، فضلًا عن مراسٍ عائمة تتيح تحميل ناقلات بحرية تصل حمولتها إلى نحو 250 ألف طن وزن ساكن. وتتعزز الجدوى الاستراتيجية لهذا الخيار بوقوع طرابلس عند نهاية مسار خط كركوك القديم، وهو ما تشير المديرية العامة للنفط في لبنان إلى إمكان إعادة تأهيله لتصدير النفط الخام.
في المقابل، تؤدي بانياس داخل سوريا دورًا وظيفيًا مغايرًا، إذ يُوجَّه إليها النفط أساسًا للتخزين والمعالجة، بينما تعمل مصفاتها بطاقةٍ محدودة تُقدَّر بنحو 95 ألف برميل يوميًا نتيجة تقادم البنية التحتية. وعليه، تبدو بانياس أكثر ملاءمة كمركزٍ للتكرير والتخزين المحلي، بدلًا من كونها منفذًا تجاريًا رئيسيًا لتصدير النفط العراقي.
ورغم رفع الاتحاد الأوروبي للعقوبات الاقتصادية عن سوريا في أيار 2025، ما تزال الأنشطة التجارية المرتبطة بها خاضعة لاعتبارات سياسية ومتطلبات امتثال مرتفعة، ما يجعل توجيه الصادرات عبر طرابلس خيارًا أكثر وضوحًا وجاذبية من الناحية التجارية لشركات الشحن والتأمين والمؤسسات المالية والمشترين. عمليًا، يبرز نموذج تشغيلي أكثر كفاءة يقوم على توزيع الأدوار، إذ تُخصَّص بانياس للتكرير والتخزين ضمن السوق السورية، في حين تُطوَّر طرابلس كمحورٍ للتصدير والخدمات اللوجستية القابلة للتوسع، بدل الاعتماد على بانياس كنقطة نهاية وحيدة للصادرات.
الاستفادة من الميزة البحرية لطرابلس لمصلحة العراق وسوريا
يوفّر الطابع البحري والبنية التحتية لمنشآت نفط طرابلس (TOI) مزايا تنافسية في مجالي التحميل والشحن مقارنةً بمرفأ بانياس (انظر الملحق 1). ويمكن تحليل هذه المزايا وفق قيمتها الاستراتيجية لكلٍ من العراق وسوريا على النحو الآتي:
ملخص المزايا المشتركة
التوصية: مبادرة الـ 90 يومًا
في عالم ما بعد أزمة هرمز، يشكّل خط كركوك – طرابلس كأكثر الجسور منطقية نحو مستقبل طاقةً أكثر أمانًا. ومن خلال توفير «صمام ضغط» للخام العراقي، سيقدم لبنان خدمة إقليمية حيوية، ويحجز لنفسه مكانًا بارزًا على أجندة أمن الطاقة العالمي. إنّ لبنان لا يملك ترف الانتظار، لذا يتعين على الحكومة طرح مبادرة ثلاثية فورية لمدة 90 يومًا مع العراق وسوريا، بهدف محدّد وجوهري: إعادة تشغيل المرحلة الأولى من التصدير.
لكي ينجح هذا المسار في غضون 90 يومًا، يجب على الأطراف الاتفاق على إرجاء النقاش حول مصفاة التكرير. فإذا غرق الشركاء في جدلية «من يحصل على المشتقات المكرَّرة»، سيتعثّر المشروع. يجب أن يبقى التركيز حصرًا على عبور النفط الخام إلى البحر الأبيض المتوسط.
المخطط التقني: مبادرة الممرّ الثلاثي خلال 90 يومًا
الهدف: إعداد ملف شامل بعنوان «الجهوزية التقنية والتجارية» لإعادة تشغيل المرحلة الأولى لأغراض التصدير.
الشهر الأول: تقييم السلامة والإطار القانوني
يركّز الشهر الأول على «فتح الملفات» والمعاينة الميدانية للأصول القديمة التي كانت متوقفة أو شبه متعطلة.
- تشكيل اللجنة الوطنية التوجيهية (National Steering Committee – NSC): إصدار قرار رسمي بإنشاء اللجنة الوطنية التوجيهية، وتعيين أمانة سرّ للمشروع، مع إلزامها برفع تقارير أسبوعية خطية، وتقديم حزمة تسليم نهائية خلال 90 يومًا.
- التحرك الدبلوماسي: فتح قناة دبلوماسية رسمية مع العراق وسوريا، وتعميم مذكرة لبنانية غير رسمية (non-paper)، وتأمين الموافقة على عقد اتصال وزاري ثلاثي، مع تسمية اللجنة الفنية المشتركة.
- تشكيل اللجنة الفنية المشتركة: تعيين مهندسين كبار من شركة نفط الشمال العراقية (NOC)، ووزارة النفط السورية، والمديرية العامة للنفط في لبنان.
- المسح الجوي والأرضي للمسار: نشر طائرات مسيّرة مزوّدة تقنية LiDAR لمسح كامل مسار حق المرور (Right Of Way) من كركوك إلى طرابلس، بهدف تحديد التعدّيات غير القانونية، والتجاوزات العمرانية (مبانٍ/مزارع فوق الخط)، والمناطق الحرجة التي تتطلب حفرًا أو تدخلًا هندسيًا أو حفريًا فوريًا.
- «مسودة المعاهدة»: تتولى الفرق القانونية إعداد اتفاق حكومي موحّد (Inter-Governmental Agreement – IGA) يتضمن:
– الحصانة السيادية: حماية النفط الخام المنقول من أي حجز أو مصادرة من أطراف ثالثة.
– الولاية القانونية: تحديد القانون الواجب التطبيق في حال نشوء نزاعات عبور.
– ضمان «التدفّق» (Through-Put Garantee): إلتزام العراق بحجم يومي أدنى لضمان قابلية المشروع للتمويل.
- الإطار «المالي والتجاري»: تكليف وزارة المالية بوضع نموذج شامل لهيكل الرسوم، يشمل رسوم العبور عبر الخط، رسوم المناولة في المحطة، رسوم التخزين عند الاقتضاء، ورسوم التحميل البحري، مع اختبار آليات تسجيل الإيرادات، وعزلها ماليًا، وتدقيقها والإفصاح عنها، لضمان الحوكمة والشفافية.
الشهر الثاني: اختبارات الضغط وخطة إعادة تأهيل منشآت طرابلس
في هذا الشهر، يتم الانتقال إلى التفاصيل الهندسية لمحطة طرابلس بناءً على نتائج المسح.
- اختبارات الضغط الهيدروستاتيكي للمقاطع: إجراء اختبارات ضغط لكل مقطع على حدة. وفي حال وجود أي خلل، تقوم اللجنة الفنية المشتركة بتحديد الكميات الدقيقة من الأنابيب الفولاذية المطلوب استبدالها.
- تدقيق محطة البداوي: سلامة خزانات منشأة التخزين: إجراء فحوصات وفق معيار API-653 لخزانات التخزين البالغة 430 ألف متر مكعب، لتحديد ما هو صالح منها لـ «الملء الفوري» وما يتطلب «أعمال تأهيل كبيرة».
- فحص نظام عوّامات الربط (CBM): قيام غواصين ومركبات ROVs بفحص الخطوط البحرية المؤدية إلى العوامات المخصّصة للشحن في الموقع رقم 2 ( CBM #).
- قائمة مشتريات «الأعمال المبكرة» (Early Works Procurement List): تحديد المعدات ذات فترات التوريد الطويلة مثل المضخات الكبيرة، والصمامات المتخصّصة، وأنظمة التحكم SCADA، وطلبها بشكل فوري لضمان الجاهزية خلال 12 شهرًا.
الشهر الثالث: النمذجة التجارية وهيكل الأمن
يركّز الشهر الأخير على البنية التجارية والأمنية للمشروع.
- هيكل الرسوم الثلاثي: استكمال الهيكل التسعيري النهائي الذي يتضمّن من:
– رسوم العبور بين العراق وسوريا: يتم التفاوض على السعر لكل برميل.
– رسوم العبور على الأراضي اللبنانية إلى المحطة: تشمل المقطع من حكر جوريت سرار إلى البداوي.
– رسوم التحميل والتصدير: بما يشمل عمليات الشحن والمراقبة البيئية.
- البنية الأمنية للممر (Corridor Security Architecture – CSA): الانتقال من نموذج الحراسة التقليدي (guards at every mile) إلى نموذج يعتمد على التكنولوجيا ويشمل:
– أنظمة استشعار صوتي عبر الألياف البصرية لرصد الحفر أو الاهتزازات قرب الخط.
– دوريات طائرات مسيّرة حرارية على المناطق الحدودية في عكار/شمال لبنان.
– إنشاء مركز تنسيق أمني ثلاثي الأطراف.
- التقرير النهائي للمرحلة الأولى: تُختتم فترة الـ 90 يومًا بعقد قمة وزارية مشتركة في طرابلس لتوقيع «بروتوكول التشغيل» والذي يطلق تمويل إعادة التأهيل.
المراجع
- Tripoli Port Authority / TSEZ Briefing (2026): Strategic Advantages of the Tripoli Deep-Water Basin.
- Tripoli Port Guide (2025/2026): Technical Specifications of Quays and Hinterland Connectivity.
- Levant Maritime Review: Operational Reliability Comparison: Levantine SBMs vs. Protected Docking.
- Syrian Petroleum Company (SANA) Technical Update (March2026): Banias Tanker Capacity and Unloading Schedules.











