متاحف في بلادي

متحف الحرير في بسوس
إعداد: جان دارك أبي ياغي

يضع البلدة على الخارطة السياحية والثقافية

محاولة لإنعاش ذاكرة مواسم عزّ

وسط كروم الزيتون الساحرة، والحديقة التراثية الخلاّبة، يمكننا اكتشاف سرّ الحرير بواسطة متحف في بسوس ­ قضاء عاليه، يحكي مراحل إنتاج الحرير وصناعته، ويعيدنا الى مواسم عزّ كانت. متحف الحرير، لصاحبه جورج عسيلي، تحوّل من متحف الى موقع أثري وثقافي واقتصادي من الدرجة الأولى، بفضل تعاون ثلاثة أشخاص: جورج عسيلي نفسه وجورج انطاكي والفنان جان لوي مانغي. درب الحـرير، يعيدنا بالذاكـرة الى سـنوات القـرن التاسـع عشر، حيـث كان الحـرير في أسـاس الإقتصـاد والنسيج الإجتـماعي اللـبناني، وكان سبـباً لانطـلاق القـول الشـهير: "نيال اللي عندو مرقد عنزة في جـبل لبنان". فـي هذا التحقيق المصـوّر، نتـذكر أيـام الـعز وحـرير الأيـام القديمـة.

 

أعادت بلدة بسوس بعضاً من معالم الماضي عبر مشروع استثنائي الأهداف والتطلّع: إحياء جزء حميم من ذاكرتها، حين كانت تربية القز وصناعة خيط الحرير السمة المشتركة بين أبناء جبل لبنان، وكانت زراعة التوت من الزراعات الأساسية لهذه الصناعة التي كان يعتاش منها أهالي المنطقة وسكانها، قبل اكتشاف خيط الحرير الصناعي. وفي هذا المجال، جاءت خطوة "جمعية التراث والإنماء" Amed التي أسسها جورج عسيلي في العام 2000 ­ وهدفها الرئيسي الحفاظ على التراث النباتي والمعماري وإنمائهما ­ لتعيد بريق الماضي العريق بجمالياته وتفاصيله الحميمة.

 

"على درب الحرير"

بعد افتتاح معرض "على درب الحرير" في متحف الحرير في بسوس ­ وهو المعرض الرابع للسنة الرابعة على التوالي ­ قدّم مؤسس المتحف جورج عسيلي شرحاً عن "جناح الحرير الحي". بدءاً بعملية "تفقيس" دودة القز، مروراً بالشرانق، وصولاً الى إنتاج خيط الحرير وحياكته، حيث عرض كل مراحلها التي تميز بها جبل لبنان تاريخياً، وتوقف عند القسم الثاني من المعرض الذي ضمّ جناحاً لفساتين مستوحاة من اللباس اللبناني التقليدي للسهرات والمسرح، فيما حمل الجناح الثالث عنوان "شرق من الحرير والذهب"، وضم جناحاً لكنوز حقائب عائلة أنطاكي (حلب) ، من القرن التاسع عشر حتى مطلع القرن العشرين.

 تميز المعرض بالعرض الحي لتربية دودة القز عبر مراحل تطورها، فضلاً عن عرض أنسجة مصبوغة وفق الطريقة التقليدية، ووثائق عن أعماق البحار والنباتات التي تستعمل للصباغ، إضافة الى أقمشة الحرير المصبوغة والمرسومة يدوياً، وغيرها من الأنشطة التي تعيد الى الذاكرة تاريخ لبنان في القرنين الماضيين. ويعود الفضل في استعادة هذا المشروع بتقنياته القديمة الى "جمعية التراث والإنماء" Amed التي استطاعت أن تدرج بلدة بسوس ضمن الخريطة السياحية والثقافية في لبنان. الى جانب الجزء التصنيعي من المعرض، المركّز على إحياء آلات الغزل والنسيج، وتربية الدود، كانت هناك صالات فخمة وكأنها لوحات من كتب ألف ليلة وليلة، عرضت فيها قطع نادرة من الألبسة الحريرية المزركشة والمطرزة بخيطان من ذهب، من الزمن العثماني والنماذج الفارسية، فضلاً عن ألبسة لبنانية وسورية. ومعظم هذه المجموعة استعارها "متحف الحرير" من السيد جورج أنطاكي، رجل الأعمال والأديب الحلبي المعروف بهواياته الفنية ومجموعات الكتب والأيقونات التي يملكها في داره في حلب. جرى عرض هذه المجموعة على تماثيل توزعت في صالات "وهمية"، جدرانها من صور مكبّرة لصالونات ومقاعد وطنافس وثيرة. وأشرف على الإخراج الفنان اللبناني جان لوي مانغي. رافقت كل من المشاهد لوحة تفسيرية بلغات ثلاث، الى آلات موسيقية وأوان أثرية، تعود الى العهود والمجتمعات التي أخذت منها الأزياء. إشارة الى أن المعرض سينتقل بعد فترة الى متحف متروبوليتان في نيويورك، ليساهم في إبراز رسالة لبنان الحضارية وإبداعه وجماله.

 

الحرير في الأزياء اللبنانية التقليدية

 المشوار على "درب الحرير" لا يكتمل من دون التعرف الى الحرير في أزياء النساء اللبنانيات، وهذا ما فعله القيمون على المعرض. فقد خصص جناح للزي النسائي اللبناني التقليدي، الجناح من تصميم بابو لحود سعاده وفيه نتعرف الى سراويل الحرير التي كانت ترتديها الأميرات في القرن التاسع عشر و"السترة" و"الغمباز" و"الطنطور" و"الطربوش" الذي تلف حوله عمامة من الحرير، الى مناديل القرويات والخادمات...

 

الحرير في لبنان

عرف الحرير في لبنان منذ نحو 2500 سنة، وكان يرد إليه من الصين عن "طريق الحرير" عبر بلاد الفرس والعراق، وكان يصنّع ويصبغ في المدن الفينيقية، ويعاد تصديره الى مدن حوض البحر الأبيض المتوسط وخصوصاً روما. وقد كانت "طريق الحرير" أطول طريق تجارية عرفها التاريخ. في ظل حكم الأمير فخر الدين الثاني (­1580-1634)

تطوّرت صناعة الحرير في الجبال اللبنانية، وبلغ اللبنانيون في هذا الميدان حداً كبيراً من المهارة. كان لبنان ينتج الشرانق والحرير الخام ويصدرهما. وفي سنة 1930 بلغ دخله من صناعة الحرير خمسة ملايين ليرة لبنانية أي ما يساوي 50% من الدخل الزراعي العام. لحقت بإنتاج الفيالج والحرير أزمات متتالية بيولوجية واقتصادية وسياسية، كما حصل مثلاً أثناء الحرب العالمية الأولى (­1914-1918) إذ اقتلعت بساتين التوت بالجملة وحلت محلها مزروعات أخرى. أما صناعة الحرير فكانت تتغلب دوماً على الأزمات وتعود الى الازدهار من جديد كونها متأصلة في عادات البلاد. بيد أن أزمة 1928 ­-  1930 الإقتصادية والتطوّر التكنولوجي الذي تبعها دون أن يلحق لبنان منه نصيب، أضعف قدرتها على المقاومة والنمو.

 

مكتب الحرير

تجاه هذا الواقع كان على الحكومة اللبنانية أن تقوم بعمل ما، فقررت إنشاء جهاز خاص هو مكتب الحرير ووضعت على عاتقه ­ تحت إشراف وزارة الزراعة ­ مهمة إعادة تنظيم جميع القطاعات العائدة الى صناعة الحرير في لبنان، كالتبذير وزراعة التوت، وتربية دود الحرير وحل الفيالج والصباغ والنسيج. وقد عدل قانون إنشاء مكتب الحرير بمرسوم اشتراعي صدر في حزيران 1977 بشكل يجعله قادراً على القيام بمهامه. وعملية تربية دود الحرير وإنتاج الشرانق تؤمن في الوقت الحاضر دخلاً مسانداً للمزارع اللبناني، لا يتعارض مع الأعمال الزراعية الأخرى التي يقوم بها، كما أن تعدد المزروعات هو ضمانة للمزارع لتأمين دخل أكبر، مع العلم أن أعمال تربية دود الحرير يمكن أن يقوم بها النساء والأولاد والمسنون إذ أنها لا تتطلب مجهوداً جسدياً كبيراً. فهل يمكن أن نحلم بعودة مواسم الحرير الى قرانا وبلداتنا؟

 
تربية دود الحرير

 - تمر اليرقة الناتجة من بيضة دودة الحرير التي تضعها الفراشة خلال دورة حياتها بالمراحل التالية:

 - ­ بيوض الحرير.

 - ­ اليرقة أو دودة الحرير.

­ - الخادرة أو الزيز. ­

 -  فراشة.

 تبيض دودة القز 500 بيضة تقريباً. ويبلغ طول خيط الحرير 1500 متر تقريباً.

شرانق الحرير ثلاثة ألوان: أبيض، أصفر، وبرتقالي. الأبيض يعطي خيط حرير باب أول، والأصفر باب ثان، أما البرتقالي فباب ثالث. تتغذى دودة القز من ورق التوت فور خروجها من البيضة، ولكي تفقس تتعرض لحرارة 24 درجة "مئوية" مدة عشرة أيام حيث تخرج منها اليرقات (الدود) وتستمر بأكل ورق التوت حتى تصبح قادرة على نسج الشرنقة. تمر دودة الحرير، منذ خروجها من البيضة الى أن تصبح شرنقة، بخمس مراحل تسمى "أعمار الدودة". يفصل بين العمر والعمر فترة انسلاخ، تسمى "الصومة"، وعددها أربع، تتوقف خلالها الدودة عن الأكل، لتخلع عنها جلدتها القديمة كي تتكون لها جلدة جديدة تمكنها من النمو. وعندما تباشر الدودة نسج الشرنقة تتوقـف عن الطعام وتبحث عن مكان مرتفـع تثبت نفسها علـيه بواسـطة أرجلها الثمانية الخلفية، وتبدأ بفرز خيط الحرير من فمها وتغلف نفسها به تدريجياً. عندما تكتمل الشرنقة، تتحول الدودة تدريجياً الى (خادرة) أو (زيز) وبعد مرور أيام عدة تتحول الى فراشة. وحين يكتمل نموها تفرز مادة آكلة للحرير تمكنها من ثقب الشرنقة والخروج منها. بعد خروجها من الشرانق تتلاقح الفراشات وتضع الإناث بيوضها لتعيد دورتها الحياتية مجدداً.

■ للاحتفاظ بالشرانق كما هي توضع في أكياس نايلون داخل الثلاجة حيث يتم خنق الزيز في داخلها.

■   للحصول على خيط الحرير توضع الشرانق في ماء مغلية، ويسحب خيط الحرير على مغزل خاص.

■ للحصول على البيوض تترك الشرانق في علبة مفتوحة وبعد 20 أو 25 يوماً تصبح فراشات ويتم التزاوج وتؤخذ البيوض منها.

■ يحفـظ البيض داخل ورق أبيض ناعم في البراد للسنة القادمة، وعندما يأتي موسم التوت القادم يخرج من البراد ويوضع في مكان دافئ (24 درجة مئوية) لمدة عشرة أيام تقريباً، حيث تخرج من كل بيضة يرقة (دودة) ، وبسرعة يفرم لها ورق التوت على قياسها. وكلما ازداد حجمها يفرم الورق بقطع أكبر حتى تصبح الدودة بقياس الورقة نفسها، وتتغذى منها مدة 40 يوم تقريباً لتغدو قادرة على نسج الشرنقة.

                                          

نظرة على الماضي والحاضر والمستقبل

متحف الحرير في بسوس هو متحف بيئي بامتياز ومركز للثقافة يتضمن برنامجه المحيط الذي يعيش فيه الإنسان والعلاقات التي ينسجها مع هذا المحيط. وتتوفر 3 عناصر في هذا المتحف وهي: المجموعة السكانية والأرض والزمان. يبرز المتحف البيئي الذاكرة الجماعية لمنطقة بأسرها، ويحث هذه المجموعة السكانية لإلقاء نظرة جديدة على ماضيها وحياتها اليومية ومستقبلها. فتح المتحف أبوابه اعتباراً من 4 أيار ويستمر لغاية 29 آب 2004 من الساعة العاشرة صباحاً حتى السادسة مساءً (ما عدا الاثنين).

 

أهداف "جمعية التراث والإنماء"

انطلاقاً من أهدافها العامة عمدت الجمعية في المرحلة الأولى الى تحقيق ما يلي:

■ إنشاء مشروع نموذجي، يسمح للمدارس والجامعات وكذلك البلديات، الإستفادة من هذه التجربة بغية العمل معاً للحفاظ على البيئة واحترامها.

■ التعاون مع السلطات المعنية، وأصحاب الكفاءة، من أجل حماية وتطوير التراث الريفي وتشجيع الناس للمحافظة على هذه القيم.

■ توعية الجميع الى الخطر الذي يهدد البيئة والثروة الحرجية، وحثهم على إيجاد سبل لحمايتها.

■ إحياء تراثنا اللبناني بأوجهه المختلفة.

 

 هل تعلم؟ ­

- نحتاج الى 110 شرانق تقريبـاً لصـنع ربطة عنـق مـن الحـريـر. ­

- نحتاج الى 630 شرنقة تقريباً لصنع قميص من الحرير.

- ­ نحتاج الى تربية 3000 دودة قز تأكل 65 كلغ من ورق التوت لصنع كيمونو من الحرير السميك.

- ­ 8000 دودة قز تأكل 170 كلغ من ورق التوت وتمكننا من صنع عشرة قمصان من الحرير. ­

- إن شرنقة متوسطة الحجم تحتوي على 300 أو 400 متراً من خيط الحرير.

-­ إن الشرنقة الأنثى تزن أكثر من الشرنقة الذكر.

 
ميزات الحرير

■  له لمعية ينفرد بها عن بقية الخيوط الكيمائية والطبيعية.

■ يمكن صبغه وطبعه بمعظم أنواع الصباغ ويعطي ألواناً جميلة وجذابة.

■ ملمسه ناعم وطري يزيد لابسه رونقاً وجمالاً.

■عازل ممتاز للحرارة لذا فهو دافئ في الشتاء وبارد في الصيف.

■ يمتص الرطوبة حتى معدل 30% من وزنه ومع ذلك تشعر به جافاً فهو يمتص العرق ولا يلتصق بجسد من يرتديه.

■ أمتن الخيوط على الإطـلاق فإذا أخــذنا على سبــيل المثال خـيطاً من الحــرير وخــيطاً مـن الفـولاذ بالقــطر نفسـه فإنهـما فـي هــذه الحـالة بالمــتانـة نفســها.

تصوير: المجند انترانيك أوهانيان