خواطر ملونة

مجتمع شاطر
إعداد: رويدا السمرا

- بتعرف شو بيقولوا عن مجتمعنا؟- لأ ما باعرف.- بيقولوا إنو «شاطر»، وكيف ما بترميه بيجي واقف!- وإنت بتعرف شوية فيزياء؟

- ايه باعرف.- فإذن بتعرف إنو أي جسم، حتى يجي واقف كيف ما بترميه، لازم يكون فاضي من فوق، ويكون مركز ثقله من الوسط ونزول!

 

رزق الله إيام الحطب

قال:

- ماذا لديكِ ضدْ الذرّة؟
قلت:

- سوء إستعمال الوقود.

- تقصدين النقود طبعاً!- لا، أقصد الوقود، تماماً كما سمعت.- وماذا عن الوقود؟؟- الناس لا يستعملونها في محلّها. فقلبُهم صار يعمل على الذرّة، بينما بقي عقلهم يعمل على الحطب. والعكس هو ما كان يجب أن يحصل.

 

كُتُبٌ بلا عناوين

«واحد زوم زيتون». بهذه العبارة إستقبلني كما في كل يوم عندما يراني، المسؤول في كافيتيريا الشركة التي أعمل فيها. «واحد زوم زيتون»، صاح بصوته الذي يصدِّر أوامرَ غير مُجمركة، الى آذانٍ تُربِكُها كثرةُ الطلبات من مناقيش وفناجين قهوة. «زوم زيتون عالسريع»، نَطقَها، فتركتْ عتبة فمه، وهي غاضبة من لسانٍ زاد في «الرقّة»، وشفتين لا تبتسمان الاّ في المناسبات التعيسة! أما ما الذي يُجبرني كلّ يوم على بدء نهاري، بوجهٍ لا يضحك للدولار أو حتى للجنيه الإسترليني، فهو فنجان القهوة الذي أُحبّه في الصباح خفيفاً، لا يعرف من البُنّ سوى رائحته.
نظرتُ إلى ركن الكافيتيريا، الذي تنتظرني فيه عادةً زميلتي «نبيهة»، وذهبت إليها. كان وجهها عابساً، وحسبت للوهلة الأولى أن عدوى «البشاشة» إنتقلت إليها من أخينا صاحب الكافيتيريا. وسألتها:

- شو فيه يا «نبيهة»؟ مين رابطلِك حواجبك ببعض من عبكرة الصبح؟ وتغنّجت على قلبي «نبيهة»، نحو الدقيقة والنصف وعشر ثوانٍ، قبل أن تُطلق لسانها وراء الكلمات التي كانت تهرب من بين شفتيها:

- العمى بقلب هالحالة! بدون شي الواحد عم بيشتغل بالسّخرة، بيقوموا كمان بيشيلولو من معاشو! بيكون مقضّي كل حياتو عم بيشتغل من قلبو متل الحمار، حتى آخر شي يطلع بلا جميلة! ويا ريت هيك وبس بيطلع كمان ما بيسوا، وبيجي...

- روقي، روقي. مين هيدا؟ عن مين عم تحكي؟
وتابعت «نبيهة» وكأنها لم تسمعني:- بيجي هونيك واحد ما بيسوا قرش، ولأنو عندو ضهر وبطن وما باعرف شو، ولأنو فيه مين يحميه، بياكل الخميرة والفطيرة...

- يا «نبيهة» فهّميني بالأوّل عن مين عم تحكي. مين هو يللي هيك؟

- أنا. عم بحكي عني أنا.- إنتِ! على علمي إنتِ ستْ مش رجّال. وعلى علمي كمان إنك بتسوي أكثر من قرش، وعلى علمي كمان وكمان إنو ما عندك لا ضهر ولا واسطة.

- ييّ دخلِك. ما إلي جَلَد مزْحِكْ عبكرة الصبح. مش عم تفهمي علييّ؟ أنا يللي عم بشتغل متل الحمارة، و«سميرة» يللي ما بتسوا شي، وأنا يللي خصَملي المدير من معاشي. فهمتي واللا بعد؟- إيه ما تواخذيني، فهمي قليل هالأيام.
وتابعت «نبيهة» شكواها بتنهيدة:

- يا الله هالدنيا شو ما فيها عدل.- ومين قال الدنيا فيها عدل؟- مشان هيك، عالقليلة نحنا نكون عادلين مع بعضنا، حتى نخفّف شوي من ظلم هالعيشة.
وتأمّلتُ «نبيهة» وفكّرتُ أنه ينطبق عليها في هذه اللحظة، المثل القائل: خذوا الحكمة من أفواه النُبهاء. وقلت:

- خبّريني الخبريّة من أوّلها. شو صار عالمظبوط؟
وانطلقت «نبيهة»:- «سميرة» ما غيرا، بتعرفيها.- «سميرة» مين؟- ولِك الموظفة بقسم المبيعات، يللي مجوّزة زَلَمة «فلان».

- «سميرة» مجوّزة واحد إسمو «زلمة فلان».- يه شو بك اليوم؟!! مش إسم جوزا «زلمة». جوز «سميرة» هو زلمة «فلان» يعني متزلّم لـ«فلان».- آآه، يعني خرطوشة فردو! طيّب وبعدين؟  كمّلي.
وكَرَجت «نبيهة»:
من إسبوعين تقريباً، طلبوا مني بقسم المبيعات إنو ساعدهن بترتيب مشتريات جديدة. وبتعرفيني أنا وقت حدا بيطلب مني مساعدة، ما برفض. تاري الستْ «سميرة» احمرّت عينها منّي لأنها فكّرِت إنو بدي آخد محلّها. وأنا ما كنت بهالوارد أبداً. عندي شغلي مكفّيني وزيادة.- طيّب وشو فارقة معك شو بتفكّر «سميرة». هيدي مشكلتها...- طوّلي بالك، القصّة ما خلصت هون. الست «سميرة» راحت تشكيني لجوزها زلمة «فلان»، وجوزها حكي مع فلانو، وفلانو حكي مع المدير، والمدير خصملي من المعاش!
فقلت وكأني أزن كلّ كلمة ألفظها:

- «نبيهة»، رح عيد شو قلتيلي، تا شوف إذا فهمتِك منيح: مديرنا خصملك من المعاش لأنو «فلان» حكي معو، لأنو جوز «سميرة» حكي مع «فلان» لأنو «سميرة» حكيت لجوزها. مظبوط؟
وردّت «نبيهة» مصحِّحة بلهجة تحمل بعض الشك:

- يعني مش كتير مظبوط. قلتيهن بالمقلوب!!
وسألتُ بإستهجان:- ومديرنا، ما بعت وراكِ، ولا طلب منك أي توضيح؟؟- لأ، مديرنا بعت من وراي بطلب خصم من الراتب. هيك، من دون لا شور ولا دستور!- وإنتِ ما طلبتي تقابليه للمدير، وتشرحيلو الوضع؟- وبتفتكري يا ذكيّة، إنو يللي بياخد موقف من حدا، لمجرّد خبريّة وصلتلو على لسان فلان أو علاّن، رح بيهتمّ كتير يكون عادل أو يرجّع للناس حقّهن؟
ومرّة ثانية غلَبتني «نبيهة»! فقلت:

- معك حق، معك حق. إذا بدّك نصيحتي، أنا محلّك بطلب قابل المدير العام وبشرحلو القصّة متل ما صارت. على حدّ علمي إنو رجّال متفهّم، وما بياكل حق حدا.

- وبتفتكري معقول يصفّ معي ضد «فلان»؟- ما رح يصف لا معك ولا مع «فلان». رح يصفّ مع الحق. بس إنتِ خلليكي ضمن قانون الشركة وطالبي بحقّك. متل ما فيه مدير ظلمِك، بيكون فيه مدير بينصفِك. العالم يا «نبيهة» ما بيخلى من الأشخاص العادلين والحقّانيين، وإلاّ كانت الدنيا خربت أكتر ما هي خربانة.
 وردّت «نبيهة» وكأنها لم تسمع ما قلت:- ليكي شو قولك تحكيلي مع قريبك «فلان». أكيد إلو كلمتو. بلكي بيحكي عنّي للمدير. وساعتها خللي الستْ «سميرة» تعرف مين أنا!!!
أجبتُ من دون تردّد:

- يا عيني عليك يا «نبيهتي» شو إنك قويّة!- شو عم بتستلميني يعني؟!!- لأ العفو. بس عم بحاول إفهم كيف إذا قريبي هو يللي حكي، «سميرة» بتعرف مين إنتِ بتكوني!! عم بتذكريني يا «نبيهة» بوقت اللي كنت صغيرة. كانت الماما تبعتني عند «إم فادي» بيّاعة اللبن وتقللي: «قولي لـَ «إم فادي»، الماما بتسلّم عليكِ وبتقلّك تعطيني كيلو لبن، وحطّيلي فوقن قشطة».
فعلّقت «نبيهة» بإنزعاج:

- وهلّق شو خصّ اللبن والقشطة بيللي عم نحكي فيه؟؟!- خصّو إنك عم بتفكري متل الولد الصغير. بدّك حدا وراكي يعطيكِ دفشة، ويقول عنك يللي إنتِ لازم تقوليه! حضرتك ناطرة كلمة من قريبي أو حياللا حدا غريب حتى يعرّف عنك!! يعني إنتِ، من دون قريبي، وكلمة قريبي ما بتسوي شي! متل ما «سميرة» ما بتسوى شي من دون جوزها، يللي هو كمان ما بيسوى شي من دون «فلان» تبعو. ليكي، شو رأيك تعملي زلَمة قريبي؟ هيك بتنحلْ مشكلتك، وبيزيدوا واحد، عدد المتزلمين بالبلد؟- ييّ دخلك، خلص خلص. ضروري كل هالمحاضرة بعِلم الإجتماع، حتى تقوليلي إنو ما بدّك تعمليلي هالخدمة؟ على كلٍ بلا جميلتك. أنا بعد الظهر بقول لجارتنا «سعاد». إختها بتشتغل سكرتيرة عند «فلان الفلاني».
وبالطبع لم أعلّق على ما تفتّقت به نباهة زميلتي، ولم أعد أسمع ما بقيَتْ تبيضه من «ذهب». لقد إنشغلتُ بأفكاري التي حملتني بعيداً: «نبيهة»، «سميرة»، وزوجها هم نموذج للشريحة الأكبر من مجتمعنا «المتزلّم». مخلّفات من عهود الإستعمار والإقطاعية والقبليّة، أدخلناها في فولكلورنا الشعبي، ونصرّ على الإعتزاز بها! نحن شعبٌ من شعوبٍ لم تتحرّر إلاّ بالظاهر فقط. ولأننا لسنا مستعدّين بعد للتحرّر في الجوهر، فنحن نحتاج دائماً إلى من يُبقينا تحت جناحه، حتى نشعر بوجودنا، فتكون هويّتنا من هويّته، وكلمتنا من كلمته. لقد اعتدنا أن نتلقّى الأوامر، فأصبحنا نستصعب إتّخاذ القرار. تعوّدنا أن نسلّم أمورنا إلى «الوالي»، وأن يُمسِك «الخديوي» بكل صغيرة وكبيرة، فصرنا نعرف كيف نتحمّل مسؤولية الفعل أو الكلمة، ولا نريد حتى أن نعرف.
نحن كتبٌ فارغة، لا تحمل عناوين لأنها من دون مضمون محدّد. صفحاتُنا، تقلّبها الأيدي من هنا وهناك، وتملأ فراغاتها لُفاظاتٌ (ما يلفظه الفم) وشعارات جوفاء، يطرحها كلّ من يُطرب لسماع زغاريد تبائعه (جمع تبيع أو نصير). نحن قوم نخاف من الفشل، فنسلك درب التبعيّة لأنها الأسهل. ننادي بالحريّة، ونُدخِلُ معاصمنا طوعاً، في قيودٍ يرصّعها بالجواهر متزعّمٌ من هنا، وزَعومٌ من هناك! يهتاج واحدُنا كالثور الغاضب، إذا نُعِت بـ «جوز الست» وتنتفضُ رجولتُه، لكنه يتبختر كالطاووس فخراً، إذا قيل عنه إنه «زلمة» فلان و«خرطوشة فرده»! نحن شعب نهزأ بالموت من أجل أن نحطّم نيراً فرضه المستعمر، لكننا نضع على رقابنا أنياراً، يوجّهها سيّدٌ من هنا وراعٍ من هناك. نقفز فوق القانون، ثم نزحف عند أقدام من يتطاول عليه، لكي «ينصِفَنا». نطالب بالعدالة، لكنّنا نلجأ إلى من يحمينا من سيفها، ويحمي مطامعنا. نحن نتقاتل من أجل حريّة الرأي، لكننا ننتظر أن تتحرّك شفتا أحدهم، لنحرّك شفاهنا على إيقاعهما، حتى لو كان إيقاعاً ناشزاً يخدش الأذن! نتغنّى بالكرامة ونقترض العنفوان لكي نعرضَه في سوق الخلافات الرخيصة، لكننا لا نتأخّر في استرضاء، واستعطاف، واستجداء فلان أو فلان، من أجل أن يعطينا أبسط ما لنا من حقوق مشروعة! مثل الهِررة، نُماسح هذا أو ذاك، لكي يقوم بما عليه من واجبات تجاهنا، وينفّذ ما وعد به من إلتزامات!! نحن قومٌ ننسى إنتماءنا للوطن، ونقسم بالولاء لمواطنين. نحن بإختصار، قومٌ نجهل حتى اليوم حقيقة جوهرنا وقدْرنا، فنبحث عن هويةٍ لنا في متزعِّمٍ يفتّش عن متزلِّمٍ، ونَدخلُ في لعبة التزعُّم والتزلُّم!!
فإذا جاء يوم نريد فيه بالفعل لا بالقول، أن نستحقّ هذا الوطن الصغير الكبير، الذي يرفع رأسه منذ الازل، بأرزه الخالد، وجباله الشّامخة، وشمسه العالية، فلنقتدِ بما خصّته به الطبيعة من عنفوانٍ أصيل، ونتزلّم فقط للّه أولاً، ومن بعده لبنان والقانون.