قضايا اقليمية

محكمة لاهاي والمغالطات الإسـرائيلية
إعداد: احسان مرتضى

تعتبر محكمة العدل الدولية، التي يقع مقرها في قصر السلام في لاهاي (هولندا) ، والتي بدأت نشاطها منذ العام 1946، أعلى هيأة قضائية في الأمم المتحدة. وكانت قد شكلت في حينه للفصل في النزاعات بين الدول وتقديم آراء استشارية في ما يتعلق بقضايا القانون الدولي التي تحال إليها من احد أجهزة الأمم المتحدة. والجدير ذكره أن أي حكم تصدره هذه المحكمة غير ملزم، ومع ذلك فإن إسرائيل تخشى أن يؤدي حكم في غير مصلحتها، بشأن الجدار العنصري الفاصل، الذي تقيمه في أماكن عدة من الضفة الغربية وقطاع غزة بموجب طلب رسمي من الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، الى تحرك دولي ضدها قد يشمل فرض عقوبات سياسية أو اقتصادية، مثلما حصل بشأن تقرير عدم شرعية احتلال دولة جنوب أفريقيا، في عهد نظام الفصل العنصري، لناميبيا 1971.

 

بالإضافة الى ما تقدّم، ومن منطلق إدراك إسرائيل عدم شرعية ما تقوم به من احتلال واضطهاد لكل من الأرض والشعب الفلسطينيين، فإنها بادرت الى رفض الإعتراف بأهلية المحكمة للنظر في قضية الجدار التي وصفتها بأنها "قضية سياسية". خبراء القانون الدولي رفضوا من جهتهم هذه الذريعة واعتبروا أن السؤال المطروح على المحكمة قانوني من دون شك ويتناول عناصر محددة من القانون الدولي، ويتعلق بحدود الحق في الدفاع عن النفس وواجب قوة احتلال حيال السكان المدنيين وحيال قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، التي تدين إسرائيل بسبب تجاوزها الخط الأخضر وبناء المستوطنات داخل الأراضي الفلسطينية. يذكر في هذا السياق ما ورد في وجهة النظر القانونية التي أعدتها مجموعة أوكسفيل، وهي تضم عدداً من القانونيين الخبراء بالقانون الدولي من جامعة أوكسفورد في بريطانيا حول المترقبات القانونية لإقامة الجدار الفاصل، والتي جاء فيها: إن المسار الحالي للجدار الفاصل بين إسرائيل والمناطق المحتلة هو خرق للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان الدولية. فإسرائيل لم تطرح أي تبرير جدير بالاعتبار على خلفية أمنية لمسار الجدار الحالي، الذي يفرض قيوداً غير ضرورية وغير مناسبة على حقوق الفلسطينيين الإنسانية، ولا سيما حقهم في امتلاك أراضيهم وحرية التصرف بها وفيها.

 

 ومما جاء في وثيقة أوكسفيل أيضاً أن المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة تخرق معاهدة جنيف الرابعة، وقرارات عدة صادرة عن مجلس الأمن. فإسرائيل لا تستطيع أن تستخدم الوسائل الأمنية المتاحة بصورة قانونية للدفاع عن مستوطنات غير قانونية، لا سيما وأن أمن هذه المستوطنات غير الشرعية قد استدعى حرمان الفلسطينيين من الكثير من حقوقهم الوطنية والإنسانية، مثل منع العلاج الطبي وحرية الإنتقال والعمل والتعليم وإمداد المواد الغذائية والمياه وحرية العبادة، إضافة الى تدمير مصادر الرزق ومصادرة الأراضي، مما يصل الى مستوى جريمة الحرب والتمييز العنصري. إزاء هذه الاعتبارات الجوهرية، واجهت إسرائيل مأزقاً قانونياً واعتبارياً بالغ الأهمية، مما دفعها الى رفض المشاركة في جلسات المحكمة في لاهاي للدفاع عن نفسها، وآثرت بدلاً من ذلك شن حملة مضادة تركز على ما تسميه الإرهاب الفلسطيني وعلى التشكيك في صلاحية المحكمة. مستعينة في ذلك بما تحصل عليه من دعم سياسي وديبلوماسي غير محدود من قبل الولايات المتحدة. إلا أن تخبطها هذا لم يؤد بها إلا الى المزيد من الغرق في مغالطاتها، والى انكشاف ضعف موقفها، وقد انعكس ذلك في البلبلة الكبيرة داخل الحكومة الإسرائيلية والتي تجلت في تناقض بالمواقف ما بين وزير العدل يوسف لابيد (من حزب شينوي) الذي رفض التغيب عن جلسات المحكمة ودعا الى تغيير مسار الجدار الفاصل، وبين موقف وزير الإسكان إيفي إيتام (المفدال) الذي طالب بقانون يمنع الجيش من إجلاء المستوطنين. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون فاندفع بأسلوبه الغوغائي المعروف ليندد بما وصفه بـ"حملة النفاق التي تجري ضد إسرائيل في السيرك الدولي في هاغ ­ لاهاي". وفي حديث مع صحيفة يديعوت أحرونوت قال شارون: إن ما يجري في هاغ هو محاولة لحرمان إسرائيل من الحق الأساسي في الدفاع عن نفسها. نحن لن نستسلم وإسرائيل ستبني الجدار الأمني وتكمله مثلما قررت حكومتها. وفي محاولة منه للظهور بمظهر البراغماتية والموضوعية، عارض شارون الإحتفاظ بجميع الأراضي الفلسطينية المحتلة والمستوطنات المقامة فيها وقال: لا يحتمل أن تبقى كل المستوطنات بيد إسرائيل. من يعتقد ذلك فهو مخطئ، هذا الأمر جعله يتعرض لحملة انتقادات قاسية من قبل اليمين المتطرّف سواء في لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست أو في داخل كتلة الليكود التي يتزعمها، حيث دافع عن نفسه بقوله: إن تحقيق خطة فك الإرتباط أقل خطراً بكثير من ردها والوقوف في وجه الجميع. ليس في القاعة واحد يعرف غزة مثلي، ولكن في رؤية بعيدة المدى لا أرى أن بوسع اليهود أن يعيشوا هناك. كل واحد يرغب في أن نتواجد في كل أرض إسرائيل، ولا سيما أنا، ولكن من يوهم نفسه بأنه، في الظروف السياسية القائمة سيؤيد أحد ما في العالم هذا، بما في ذلك الولايات المتحدة، فإنه حالم، مخطئ ومضلل. تريدون كل شيء... ستدفعوننا الى أن نبقى بلا شيء معلوم في هذا السياق أن إسرائيل تريد أن تضحي بمستوطنات غزة لتكريس وجود مستوطنات الضفة الغربية الأكثر أهمية على مختلف الصعد الإستراتيجية، وهي تطالب من أجل ذلك باعتراف أميركي أولاً بالكتل الإستيطانية في معاليه أدوميم وآرييل وغوش عتسيون، التي تكرس القدس عاصمة أبدية لها وتمنع إقامة دولة فلسطينية.

 

الناطقون بلسان الحكومة الإسرائيلية وإعلاميوها حاولوا قلب الحقائق رأساً على عقب بتصوير إسرائيل على أنها ضحية للإرهاب أو كيس ملاكمة للأمم المتحدة وكارهي إسرائيل في أرجاء العالم، على حد تعبير صحيفة هآرتس. ولكن أغلب المسؤولين الأمنيين السابقين والحاليين بمن فيهم رئيس مجلس الأمن القومي اللواء غيورا آيلاند انتقدوا جدار الفصل ومساره، بعدما تحوّل الى جدار سياسي بامتياز يرمي الى حجز عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين ضمن ما سماه رئيس الحكومة الفلسطينية أقفاص الدجاج. أما رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق شلومو غازيت، فاعتبر أن إسرائيل واقعة لا محالة في مأزق أعمالها، وفي ورطة مغالطاتها التي شرحها في مقال نشره في صحيفة معاريف بتاريخ 23/2/2004، حيث قال: كان يمكن ظاهراً أن نبعث الى هاغ بمتضرري الإرهاب الفلسطيني، الذين هم من سكان الضفة الغربية وغزة، وهناك غير القليل من هؤلاء... إلا أن هؤلاء الشارحين، إذا ما أرسلوا ووصلوا الى هناك فسوف يتعين عليهم أن يردوا على سؤال بسيط: من الذي سمح لهم بالاستيطان في هذه الأرض؟.