مشروع الإنسحاب من غزّة في المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي

مشروع الإنسحاب من غزّة في المنظور الإستراتيجي الإسرائيلي
إعداد: إحسان مرتضى
باحث في الشؤون الاسرائيلية

ليس هناك اليوم في الدّيباجات الاسرائيلية للتّسوية على المحور الفلسطيني، لغز أكثر تعقيداً أو استعصاءً على الحلّ من لغز تفسير حقيقة الموقف الذي يبيّته رئيس الحكومة الاسرائيلية آرييل شارون من خطّتي خارطة الطريق والفصل الأحادي الجانب بشأن الإنسحاب من قطاع غزة، بما ينطوي عليه هذا الإنسحاب من تفكيك جميع المستوطنات المقامة هناك وإحداث تغييرات أساسية في الخرائط الجيوسياسية للإحتلال. والمفارقة الغريبة أنّ شارون نفسه هو الذي تحدّث علناً عن «احتلال» اسرائيل الضفة والقطاع، (بالرغم من تراجعه لاحقاً عن تصريحه)، إلاّ أنّه هو نفسه أيضاً الذي وصل الى منصب رئاسة الحكومة بفضل شعار أن لا حلّ مع الفلسطينيين والعرب عموماً إلاّ من خلال استخدام القوة. فشارون لم يتصوّر نفسه أن يكون رجل سلام، ولم يدَّع  شرف البحث عن هذه الصفة، بل كان يعلن باستمرار احتقاره العميق للأغراب «غوييم» وليس فقط للعرب. فالأميركيون والأوروبيون والأفارقة في نظره سواء: أعداء لإسرائيل. وهو بالمناسبة صاحب شعار:«كل العالم ضدّنا» وهو الذي كان اتهم الأميركيين والغرب أثناء المواجهات مع انتفاضة الفلسطينيين الأخيرة، ببيع اسرائيل كما باعوا تشيكوسلوفاكيا أثناء الحرب العالمية الثانية. وموقف شارون من خارطة الطريق، بما انطوى عليه من مناورة وتهرّب من الإستجابة للشرعية الدولية، وفرض شروط قاسية بلغت المئة ثم انخفضت الى أربعة عشر شرطاً تعجيزياً، إنّما كشف عن نواياه الحقيقية من الدولة الفلسطينية العتيدة، وهو موقف يقوم على القبول الشكلي والرفض والتعطيل العملي، لا سيّما وأنّ المشروع الإستيطاني الذي قاده شخصياً على مدى أكثر من ثلاثين سنة لم يترك للفلسطينيين أيَّ متنفّس حقيقي لإقامة دولتهم المنشودة، لأنَّه لا معنى لأي شكل من أشكال مثل هذه الدولة من دون إزالة المستوطنات واستعادة السيادة على الأرض. وقد كتب غال أوهوفسكي في معاريف 9/6/ 2003 في هذا المجال يقول: «إنّ شارون لم يأتِ ليحلَّ المشاكل بل ليخلق وقائع صعبة على الأرض، حقائق من النوع الذي لا يمكن اصلاحه ابداً، أو على الأقل من النوع الذي يتطلَّب سنوات طويلة تغمرها الدماء».

 

الإنسحاب في المناورة السياسية
في العام ألفين، وبعد سبع سنوات من اتفاق أوسلو، حاول رئيس الحكومة الاسرائيلية الأسبق إيهود باراك، في محادثات كامب ديفيد-,2 إعادة استنساخ اتفاق أوسلو جديد مع رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات، وقدّم طروحات ضبابية وغير واضحة تتضمّن أفخاخاً تستطيع إسرائيل من خلالها أن تصل إلى ما تقتضيه مصلحتها الأمنية والسياسية بخصوص شكل وجوهر الكيان الفلسطيني العتيد، بحيث يتم تفريغه من مقوّمات الحياة والإستمرار، مع الاستحصال على اعتراف فلسطيني بإنهاء الصراع، وتتحوّل بالتالي كل مطالبة فلسطينية لاحقة بحقوق مهدورة، إلى مطالبة غير محقّة وغير مشروعة في نظر الرأي العام الدولي.
إنّ شعار الفصل السياسي والإقتصادي هو شعار قديم ينطلق من تهديد زعماء إسرائيل بأنّ في حوزتهم ردّاً مناسباً على تحدّيات المقاومة والطروحات السياسية التي يطرحها عليهم الفلسطينيون عندما يطالبون بحقوقهم الوطنية المشروعة أو بتطبيق الإتفاقيات الموقّعة معهم. ولقد نشأ في إسرائيل بعد عام 1967 مفهومان تقليديان متعارضان في السياسة الإسرائيلية[1] هما:
 
الأول: مفهوم الإندماج الذي قاده وزير الدفاع آنذاك موشيه ديّان في الفترة بين 1967- ,1974 والذي روّج للإندماج الأقصى بين الشعبين، حتى أنه اتّخذ خطوات عملية للبنى التحتية للتعايش، مثل فتح الحدود وربط المياه والكهرباء والشوارع.
ومن أجل تجسيد هذا المفهوم اعتاد ديّان على شبك أصابع يديه والقول: مثلما أصابعي متشابكة بصورة وثيقة علينا أن نخلق اندماجاً بين الشعبين بحيث لا يمكن فصلهما.
الثاني: قاده وزير المالية آنذاك بنحاس سافير الذي أعتقد أنّ على إسرائيل أن تخلي على وجه السرعة المناطق المحتلّة، وأن تضع خطّاً حدوديّاً واضحاً. وبرغم أنّه كان هناك في الحكومة من أيّد سافير، ومن بينهم يسرائيل غاليلى ويغئال ألون، إلاّ أنَّ سياسة ديّان هي التي نفّذت وتمَّ العمل بها في نهاية الأمر ، واستمرت في ما بعد في حكومات الليكود والعمل، حتى اسحق رابين المؤيّد الأبرز للفصل  اضطرّ لمواصلة هذه السياسة، لأنّ الإندماج أصبح أمراً واقعاً ومن الصعب تغييره.
انّ فشل محادثات كامب ديفيد- 2 وانطلاقة انتفاضة الأقصى شكّلا صدمة حقيقية للشارع الإسرائيلي الذي أمل كثيراً من التسوية المفترضة والمفروضة بوساطة اميركية، إلاّ أنّه لم يشكّل مفاجأة في حينه لمبلوري القرار الإسرائيلي. فقد سرّب الإعلام الإسرائيلي لاحقاً أنّ أجهزة التقدير الإستخبارية التابعة للمؤسسة العسكرية والأمنية قد قدّرت وتوقّعت إمكانية تردّي الأوضاع الأمنية ووقوع المواجهة على خلفية حتمية فشل المفاوضات النهائية مع الفلسطينيين، وبالتالي وضعت الخطط الأمنية والعسكرية للمواجهة المحتومة بشكل يكفل إعادة تصويب الأمور و «زرع الهزيمة في الوعي الفلسطيني» على حدّ تعبير رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال موشيه يعلون.
ومنذ بدء انتفاضة الأقصى وحتى نهاية حكم إيهود باراك وجزء كبير من فترة تولّي آرييل شارون رئاسة الحكومة، كان الخطاب الإسرائيلي يتّجه نحو تحميل رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية والتنظير لضرورة قيامه بواجباته بحسب الإتفاقات التي وقّع عليها، أي إعادة الروح لأجهزة السلطة الأمنية الفلسطينية كمقاول فرعي محلي لمصلحة الأمن الإسرائيلي... إلاّ أنّ تراخي السلطة الفلسطينية وخوفها من السقوط في مستنقع حرب أهلية بالغة الخطورة، وتنامي الإستعداد والقدرة الشعبية على المقاومة واستمرار العمليات التي طالت الداخل الإسرائيلي، قد دفعت بالقرار السياسي - الأمني الإسرائيلي، وبتغطية أميركية واضحة، إلى دخول الجيش الإسرائيلي أراضي السلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية المسمّاة بأراضي (أ)، بحسب اتفاقات أوسلو، واحتلالها بالكامل.
لقد هدفت العملية المسماة بـ «السور الواقي» التي نفذت في شهر نيسان من العام 2002, إلى تحقيق ما رفضت السلطة الفلسطينية القيام به بحسب الرواية الإسرائيلية، أي إيجاد واقع أمني مريح لإسرائيل من خلال تدمير ما أسماه الجيش الإسرائيلي بالبنية التحتية للإرهاب، مما يسمح بإنهاء أو تخفيض وتيرة وقوّة العمليات الفلسطينية التي تطال الإسرائيليين في الداخل الإسرائيلي وفي الأراضي المحتلة في العام ,1967 وبحسب تعبير رئيس شعبة الإستخبارات العسكرية «أمان» اللواء «أهارون زئيفي فركش» «إيجاد أدوات وبنى جديدة لإعادة صياغة قواعد اللعبة في الصدام مع الفلسطينيين لصالح إسرائيل».
عملية «السور الواقي» التي لم تستطع أن تردع الفلسطينيين أو أن تزرع الهزيمة في وعيهم،  تبعتها عمليات أخرى مماثلة أطلق عليها الإسرائيليون تسميات خاصة مثل «ربما هذه المرة»، «دواليب الزخم»، «الطريق الحازم»، «أيام الندم»... إضافة إلى أساليب أخرى نفّذتها الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية مع عمليات واسعة من التصفية والإعتقال والحصار وهدم المنازل...
 إلاّ أنّ أيّاً من هذه الأساليب، لم يستطع إيقاف الإنتفاضة الفلسطينية وأعمال المقاومة، بحيث وصلت إسرائيل إلى حائط مسدود بعد استنفاذ جميع الخيارات والوسائل المتاحة التي يمكن أن تستخدمها في هذا المجال...إنّ الواقع المتردّي الذي تشكّل في الإدراك الإسرائيلي من جرّاء اليأس من هزيمة الفلسطينيين، وهو واقع أقرّ به معظم مبلوري المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي، فرض على النخب الإسرائيلية البحث عن وسائل أخرى لوقف التدهور الحاصل الذي بدأ يطال البنية الأساسية في الكيان الإسرائيلي، إن لجهة الواقع السياسي والأمني وقدرة الردع الإسرائيلية، أو لجهة الواقع الإِقتصادي والإِجتماعي والأزمة الحادّة المتشكّلة على خلفية الإنتفاضة واستمرارها.
 وهكذا أعيدت من جديد إلى السجال مسألة استعادة زمام المبادرة إسرائيلياً، في رؤية تعيد خلط الأوراق وتحاول بلوغ واقع أكثر أمناً وأقل إرهاقاً للمؤسّستين السياسية والأمنية... وتتمثل هذه الرؤية في ما يطلق عليه اصطلاحاً بـ «خطّة الفصل من جانب واحد عن الفلسطينيين». وهي تتجلّى في انسحاب الجيش الإسرائيلي وإخلاء كل أو بعض البؤر الإستيطانية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية ، بحيث يعزل الفلسطينيون مادياً عن الإسرائيليين في أماكن محددة مفصولة فصلاً تاماً عن الخط الأخضر أي أراضي العام ,1948 إضافة إلى أماكن استيطانية من الضفة الغربية، وذلك لحاجات أمنية وحتى سياسية لدى بعض الإتجاهات الإسرائيلية...
 والخطة تلقى قبولاً واسعاً وقوياً من قبل الشارع الإسرائيلي على خلفيّة الإقرار العام بفشل مسيرة التسوية مع الفلسطينيين وعدم الثقة أساساً بالإتفاقات الممكن بلورتها لاحقاً معهم، إضافة إلى التسليم بعدم إمكانية التغلّب عليهم وقهرهم بالوسائل العسكرية وفرض الحلّ عليهم... إلاّ أنّ هذه الخطة، وبالرغم من قبول الجمهور الإسرائيلي بها، لا تجد اتفاقاً جامعاً على مضمونها، وبالتالي برزت أربع خطط للفصل، تجملها الأبحاث المختصّة الصادرة عن المراكز البحثية الإستراتيجية في الكيان الإسرائيلي كمايلي:

1- فصل من طرف واحد (أمني): لا يهدف أساساً إلى تغيير التقسيم الجغرافي القائم في مناطق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المعرّفة بـ(ب) و(ج) والفلسطينية المعرفة بـ(أ)، وجلّ ما يهدف إليه هو وضع عراقيل ماديّة وأسيجة إلكترونيّة وقوات عسكريّة وأمنيّة على طول الخط الأخضر الفاصل بين الضفة الغربية وأراضي العام ,1948 بحيث يعرقل تسلل منفذي العمليات العسكريّة باتجاه المدن الإسرائيلية.

2- فصل كامل من طرف واحد: وهو مكلّف ومضنٍ للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، إذ لا يهدف إلى إزالة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بل إلى الإبقاء عليها، وهدفه هو إيجاد فصل مادي بين كل مناطق السيطرة الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة وبين المناطق المسيطر عليها بحسب اتفاقات أوسلو (مناطق أ) من قبل السلطة الفلسطينية.

3- فصل من طرف واحد بحدود مختارة: ويقصد به الإنسحاب إلى الخط أو الخطوط التي تختارها الحكومة الإسرائيلية وتراها مناسبة لتكون حدوداً دائمة للدولة. وحسب هذه الخطة، يكون على الكيان الإسرائيلي أن يقرّر من طرف واحد الحدود المطلوبة مع الفلسطينيين، وبالتالي يمكن لهذه الحدود أن تقوم على أساس الخط الأخضر، أو على أساس الخط الأخضر مع تعديلات طفيفة، مما يتيح إمكانية إدراج الأحياء اليهودية في منطقة القدس والمستوطنات الكبرى القريبة من الخط الأخضر ضمن حدود الدولة، الأمر الذي يجعل إسرائيل تنسحب إلى هذا الخط وتعلن عنه كحدود دائمة وتقيم فصلاً مادياً بين أراضيها والأراضي الفلسطينية.

4- الفصل إلى خط انتقالي: ويقصد به أن تبادر إسرائيل إلى تحديد خط للإِنسحاب يكون خطاً انتقالياً محدّداً من طرف واحد لضرورات سياسية وأمنية، ويكون هذا الخط ما بين الخط الحالي والخط المطلوب والمقبول إسرائيلياً كحدود دائمة لاحقاً.
من خلال هذه الخطط يتبيّن أنّ هناك من يريد لخطّة الفصل أن تصل إلى نتائج مماثلة للنتائج التي كانت المؤسسة الصهيونية تبغيها من التسوية مع الفلسطينيين... أي بعبارة أخرى، تريد هذه الفئة أن تعكس التسوية بالوصول إلى فصل بين «الشعبين» يؤدي ربما إلى اتفاق مستقبلي يقرّ بالإرادة الإسرائيلية... بينما تريد فئة أخرى أن تحافظ على الوضع الراهن والسيطرة اليهودية على الضفة الغربية مع إقامة خطوط تفصل التجمّعات الفلسطينية عن اليهودية، وهي بالذات ما يريده اليمين من التسوية. أما الفئة الثالثة فتريد للفصل أن يحسّن الوضع الأمني الإسرائيلي، وفي  الوقت ذاته، الإبقاء على حيّز جغرافي هام يُمكِّن المفاوض الإسرائيلي من أن يتفاوض عبره، لاحقاً، مع الطرف الفلسطيني في شأن التسوية الدائمة والحدود النهائية...
أخذاً بعين الإِعتبار ما ورد في هذه المقدمة، يتبّين أن مشروع الإِنسحاب الإِسرائيلي من قطاع غزة  (كجزء لا يتجزّأ من مشروع الفصل الأحادي الجانب الذي تكتمل تفاصيله عبر جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية)، هو موضوع بالغ التعقيد والغموض لأن شارون يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، وهذا هو دأبه باستمرار. ثمّة من يبرر لشارون مواقفه التكتيكية هذه وينعتها بإنها نوع من «الغموض البنّاء» من منطلق الإعتقاد بأن حزب الليكود الإسرائيلي بزعامته القوية هو وحده القادر على صياغة حلّ على مختلف المسارات ولاسيما المسار الفلسطيني. والحقيقة أنّ شارون إنما يقبل على هذه الخطوة بسبب التغيّر الحاصل في بنية الثقافة الإسرائيلية، السياسية والحزبية، التي تنقسم إلى قسمين: الأيديولوجيون وأبرز من يعبّر عنهم هم القوميون المتديّنون (المفدال ويهودية التوراة وغوش إيمونيم)، والبراغماتيون الذين ينقسمون إلى متطرفين ومن ضمنهم شارون(الليكود) والى وسط ويسار(ياحد وحزب العمل). وخطة شارون تندرج في إطار سياسي ينسجم وهذا الإنقسام. ومهما يكن من أمر فان الزيارة التي قام بها شارون بتاريخ 14/4/ 2004 للولايات المتحدة شكّلت منعطفاً استراتيجياً في المواقف الإسرائيلية والأميركية على حدّ سواء، وهي أسست لمرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وتاريخ العلاقات المشتركة بين إسرائيل وأميركا، تتجاوز الشرعية الدولية وأية اتفاقات مسبقة مع الفلسطينيين، وترسم خريطة جديدة لهذا الصراع بصورة مباشرة ومن طرف واحد. وقد صرّح شارون قبيل توجّهه في حينه إلى واشنطن لاطلاع الرئيس بوش على خطته بالقول: «أنا مضطر لهذه الخطّة، أقول ذلك بأسف شديد، لأنّه لا يوجد في الطرف الآخر من يصلح لأن يكون شريكاً لي في مسيرة السلام. وبما أنّه لم يكن ممكناً إبقاء الأمور جامدة، وبما أن المبادرات السياسية بدأت تتدفّق علينا كالمطر، فقد لجأت إلى مبادرة إسرائيلية صرف تضع نصب عينيها مصالح إسرائيل لوحدها فقط». وهذا يدل على أنّ الخطّة هي محاولة لإِستعادة زمام المبادرة السياسية التي افتقدتها إسرائيل بشكل دراماتيكي على امتداد سنوات الإِنتفاضة، وهي تضمّنت النقاط التالية بحسب هآرتس (18/1/2001):
- اتفاق مرحلي بعيد المدى مع الفلسطينيين ينفّذ على مراحل.
- دولة فلسطينية في المناطق الخاضعة للسلطة (42% من الضفة).
- عدم نقل مناطق إضافية إلى السلطة.
- سيطرة إسرائيل على المناطق الأمنية في الغور وعلى طول الخط الأخضر.
- عدم إخلاء أيّة مستوطنة، وعدم بناء مستوطنات جديدة.
- شن حرب موضعية ضد الإرهاب والإمتناع عن العقاب الجماعي وعن الحصار.
- إقامة سلسلة مستوطنات جديدة في حولوت حلوتسا(التي كان من المفترض أن يتم نقلها إلى الفلسطينيين وفقاً لخطة باراك وكلينتون للسلام).
- عدم استئناف المفاوضات على المسار السوري في المدى القريب.
- اعتبارالمواقف التي قدّمها باراك في المفاوضات غير ملزمة.


إن تحليل هذه النقاط يفضي إلى أستشراف أهداف شارون من ورائها وهي التالية:

1- مقايضة مستوطنات غزة، التي يوجد شبه إجماع على إخلائها، بتعزيز السيطرة والضمّ والإلحاق بواسطة مستوطنات الضفة الغربية.

2- تحقيق الحدّ الأقصى الممكن من الأمن، وتقليص خطّ التماس والاحتكاك بالفلسطينيين، وإعادة تموضع وانتشار قوات الإحتلال.

3- إحراز تعديل جوهري في ميزان القوى الديموغرافي بتنحية حوالي 7,1 مليون فلسطيني من هذا الميزان.
4- شطب موضوع القدس وعودة اللاجئين من جدول الأعمال.

5- إعطاء النمو الإِقتصادي، والإستثمار، دفعة قوية لمعاودة الإنطلاق وتحسين المستوى المتدهور لمعيشة المستوطنين.

من هذا المنطلق يتبيّن أنّ شارون لا يتحدّث عن إنسحاب من طرف واحد، كما حصل في نموذج الجنوب اللبناني تحت ولاية  باراك، وإنما عن فكّ ارتباط من طرف واحد، وثمّة فرق واضح في المغزى السياسي بين المصطلحين. وفي هذا السياق كتب ألوف بن في صحيفة (هآرتس 13/4/2004): «إن رئيس الحكومة مستعد لتخليد اتفاق مرحلي أحادى الجانب لسنوات طويلة قادمة في المناطق وسحب ما تبقى من مكانة الشريك السياسي من سلطة ياسر عرفات الفلسطينية ومن مجموعة أوسلو-تونس. ومن ناحية شارون يتوجب على الفلسطينيين أن ينسوا لفترة طويلة إقامة دولة مستقلة في غالبية مناطق الضفة والقدس».
من هنا فالخطورة الكامنة في الخطة أنها تضفي شرعية غير مسبوقة على الإحتلال وممارساته بعد إلباسها ثياباً جديدة وعناوين جديدة مثل مكافحة الإرهاب. وبتعبير آخر فالخطّة لاتقدّم أيّ شيء جديد للفلسطينيين، بينما تقول للمجتمع الدولي إن الإسرائيليين قدموا أقصى ما يستطيعون لمساعدة الفلسطينيين على تحسين أوضاعهم، لكن هؤلاء لا يريدون التخلّي عن الإرهاب، وهم يتحمّلون نتيجة استمرار معاناتهم. وكل هذا يأتي بفضل التغيير الذي أدخلته الولايات المتحدة على مفهوم الإرهاب والإحتلال في أعقاب أحداث 11 أيلول 2001 وتداعياتها الدراماتيكية الخطيرة على فلسطين خاصة ومنطقة الشرق الأوسط  بأسرها عامّة، حيث يحصل التمويه المتعمّد الذي يخلط ما بين مكافحة الإرهاب وتصدير الديمقراطية.
وهكذا أصبحت قضية الإحتلال غائبة عن السياسة الدولية الجديدة واصبحت خطة شارون بمثابة إنقلاب تعسّفي على الشرعية الدولية، الأمر الذي جعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك يطالب في أعقاب زيارة له للجزائر، بان يأتي الحلّ من الطرفين المتنازعين: الإسرائيلي والفلسطيني. واعتبر التلاعب بالإستقرار الدولي سابقة مؤسفة، مضيفاً بأن الأمر خطير وقال: «بالنسبة لي فإنّني أعتبر أنّه من الضروري احترام القانون الدولي، أنا متحفّظ على إعادة النظر في القانون الدولي، سواء كان من طرف واحد أو بشكل ثنائي».


ومهما يكن من أمر، فإنّ شارون قد استطاع حتى الآن أن يسوّق خطّته وأن يحميها داخلياً وخارجياً،  وقد دفع بها بقوة إلى التطبيق العملي عبر ضبط لعبة التحالفات البرلمانية الداخلية،  وهو من خلالها إنّما يرمي في المحصّلة السياسيّة إلى تحقيق الأهداف الأساسية التالية:
- التخلّص من الكتلة السكّانية الكثيفة في قطاع غزة أو ما يسمى «القنبلة الديموغرافية»، والتي بإجماع الأحزاب الصهيونية لا ينبغي أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية في أيّ حلّ دائم، فإحتلال إسرائيل للقطاع، يجعلها تنوء تحت أعباء أمنية واقتصادية وسياسية باهظة الكلفة ومن دون مقابل.
- التخلّص من عبء المقاومة ، والإنتقال إلى مواقع أكثر أمناً.

- تحسين صورة إسرائيل دولياً، ولاسيما في أوروبا، من خلال إدخال الوهم لدى الرأي العام الدولي بأنّ إسرائيل تنهي جزءاً من احتلالها كدفعة أولى على حساب الانسحاب، كما حصل في جنوب لبنان، وذلك من أجل التخفيف من الأعباء الأخلاقية للإحتلال الذي يشوّه صورتها الديموقراطية، ونقل الضغط بالتالي إلى القيادة الفلسطينية لوقف المقاومة الموسومة بالإرهاب.

- تعزيز سيطرة الإحتلال على الضفة الغربية وذلك بتعزيز القدرات الإمنية وتدعيمها بشرياً، لاسيّما وأنّ قطاع غزّة لايعتبر من جملة أرض الميعاد التي يزعم بعض اليهود المتديّنين امتلاكها وفقاً لفهمهم الديني التوراتي.
 
- كسب المزيد من الوقت لاستكمال بناء جدار الفصل العنصري الذي يفرض حلاًّ من جانب واحد ويحوِّل الضفة الى معازل غير قابلة للحياة.

- التمهيد لحسم قضايا أساسية في الحل النهائي وفرضها على الفلسطينيين من جانب واحد.

- إيجاد الأجواء المناسبة لاندلاع صراعات فلسطينية-فلسطينية على خلفية التزاحم من أجل السيطرة على إدارة الأراضي المرشحة للإخلاء من قبل الإسرائيليين.

- إحداث نوع من التوازن السياسي الداخلي من خلال فتح أقنية الحوار مع حزب العمل والقوى السياسية الداعية إلى استئناف عملية التسوية المعطلة، مع التشديد على ضرورة تجزئة القضية الفلسطينية بين غزّة والضفّة.

- الالتفاف على التفاعلات الحاصلة في الحلبة السياسية الإسرائيلية الناشئة عن وثيقتي جنيف ونسيبة- أيالون، والناجمة أيضاً عن انتعاش اليسار الإسرائيلي، بعد إخفاق سياسات اليمين في مختلف المجالات الداخلية والخارجية.

- التخلّص من الأعباء الاقتصادية والأمنية المرهقة التي يشكّلها قطاع غزّة وإلقاء تبعاتها على الآخرين.

- تحضير الأجواء المناسبة للقيام بدور فاعل ضمن الخطة الأميركية الرامية لوضع اليد بصورة شاملة على المنطقة، ولاسيما لجهة التصدّي لكل من سوريا وإيران.
وفي هذا السياق يقول الدكتور إيلان بابيه([2])، أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، إنّ الإِستراتيجية الأميركية السياسية في المنطقة، والقائمة على تحالف قوي مع إسرائيل من ناحية وعلى نظم حكم عربية متعاونة من ناحية ثانية، دفعت مهندسي السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى اختراع ما أسموه «العملية السلمية» كمفهوم غير محدّد للتسوية من أجل التخفيف من حدّة العنف، لكن العملية في جوهرها، بحسب رأي بابيه، هي «عملية لا تنتهي، وتحتوي على أوراق سياسية ومفاوضات ودبلوماسية مكّوكيّة تقود إلى لا مكان، وهي غير معنيّة بإنهاء الصراعات بل باحتوائها». وهذا يعني أنّ ثمة تواطؤاً استراتيجياً مدروساً ومبرمجاً بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية لتضليل الفلسطينيين والعرب من أجل سوقهم إلى حتفهم على صعيدي انتزاع أرضهم وأمنهم على حدّ سواء. ومعلوم أنّه بسبب خصوصية  إقامة إسرائيل كدولة يهودية في العام 1948 ومن ثمّ إقامة الحكم العسكري في أعقاب التوسع عام ,1967 فإن مسألة تعيين الحدود الدولية الفاصلة بين إسرائيل والفلسطينيين قد تحوّلت الى إشكاليّة فاضحة وصعبة على صعيد كشف زيف ما يدّعى من ديموقراطيّة إسرائيلية وحيدة في الشرق الأوسط.
 وخلافاً للنّظم الكولونيالية التي تحتفظ بجهاز دولة من وراء البحار، نجد، في حالة السيطرة الإسرائيلية المفروضة على الفلسطينيين، أنّ ثمّة تواصلاً إقليمياً وإدارياً واقتصاديّاً يطمس بشكل متعمد الحدود ما بين مجال الدولة الديموقراطي المزعوم وبين المجال المدار تحت سلطة الحكم العسكري التابع للإحتلال.
والمشكلة السياسية البارزة القائمة على صعيد تطبيق فرضية الانسحابات الإسرائيلية من قطاع غزة وسواه، إنّما تنبع في الأساس من جرّاء سيطرة القوى الأصولية والشوفينية غير الديموقراطية في إسرائيل، والتي تساند استمرار الإحتلال، على سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بترسيم حدود الدولة، وهذه القوى ذات خلفيات دينية ميثولوجية أسطورية، أو ذات خلفيات قتالية عسكرية إسبرطية، لاسيما وأنّه في السياسة الإسرائيلية، لا وجود لأيّة فجوات بين السياسي والأمني، وكلاهما مرتبطان بالسيطرة المفروضة على الفلسطينيين. يضاف إلى ما تقدّم أنّ اليمين واليسار في إسرائيل قد تحوّلا الى وجهَي عملة واحدة يتواطآن على إدامة الإحتلال بشكل أو بآخر من خلال لعبة منسّقة محلياً ودولياً.
ويرى الدكتور إيلان بابيه أنّ جذر الأزمة السياسية في إسرائيل، منذ إغتيال إسحق رابين عام1995 وحتى الآن، إنّما يكمن «في عدم استمرارية القيادة، وفي عملية القطع التي تعرّضت لها السياسة والنظام السياسي».
ويضيف إنه «في غمرة حالة الذعر التي انتابت الحزبين الكبيرين فإنّهما تراجعا الى المواقع المألوفة لهما: تجنيد المؤيّدين على أساس أساطير ورموز وشعارات أكل الدهر عليها وشرب. فهذان الحزبان فشلا في بلورة ائتلاف مستقرّ سواء في مجالات الروزنامة الجديدة، روزنامة ما بعد الصراع، أو في اعطاء الشرعية لإنجاز المصالحة مع الفلسطينيين».
 من هنا فإنّ القيادات المنبثقة داخل الحزبين في شخصي نتنياهو وشارون (الليكود) أو باراك وبيريس (العمل) ما هي إلاّ انعكاس للأزمة وليس سبباً لها، ذلك أنّ المشكلة الأساسية والجذرية بالنسبة للحزبين وسياستهما المطبّقة ازاء الفلسطينيين، إنّما تتمثّل في التبعية المطلقة التي ينمّيها الحزبان تجاه قادتهما، الأمر الذي يخلق عملية مشوّهة تؤدي إلى اتخاذ القرارات بصورة مركزية مطلقة لا تمثّل بالضرورة مصلحة ناخبي الحزبين.
 وقد تنامى في إسرائيل منذ عام 1967 خطاب ميثولوجي بعيد عن البراغماتية السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وتجلّت أسطورة اليمين في شعار «أرض إسرائيل الكاملة» وأسطورة اليسار في شعار «السلام والأمن». وفي حين كان اليمين الملتفّ حول الليكود إثنياً قومياً فخوراً وغير مهادن، إعتبر اليسار نفسه عقلانياً أممياً ومستعداً للتسويات والحلول الوسط. إنما يدور الحديث في الحالتين عن أساطير واهمة وغير مرتبطة بالسياسة التي مارسها المعسكران أثناء توليهما الحكم. وفي كلا الحالتين ايضاً تمّ النظر الى الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي المناطق المحتلّة في الضفة والقطاع كأعداء، أو على الأقل كطرف غير شرعي في النظام السياسي.
وهكذا أوجد الخطاب السياسي الميثولوجي حالة جمود أدّت إلى استمرارية الدوّامة السياسية وإلى الحيلولة دون الحوار الجدّي والهادف إلى إيجاد حلّ مع الفلسطينيين، كما وفّر في الوقت نفسه تفوّقاً بنيوياً لليمين ضمن له الفوز لأسباب ديموغرافية عددية.
هكذا دخلت الحلبة السياسية الإسرائيلية مرحلة من مسرح اللامعقول، فاليسار يتظاهر تأييداً لخطّة اليمين، واليمين المتطرّف يقوم بعرقلة تنفيذ خطّة اليمين التقليدي. كما أنّ اليمين الذي توصّل مؤخّراً الى استنتاج يقضي بضرورة الإنفصال عن قطاع غزّة، يبذل قصارى جهده لفصل القطاع أيضاً عن مصر من خلال توسيع محور فيلادلفيا، وتعزيز تبعيّة القطاع لإسرائيل.
وهكذا إذا جمعنا مكوّنات الصورة السياسية الإستراتيجية الإسرائيلية في ما يتعلق بالإنسحاب الإسرائيلي الغامض حتى الآن من قطاع غزّة، على ضوء التباسات مواقف الأحزاب الكبرى، فإنّ النتيجة هي صورة مشوّهة كأننا ننظر اليها في مرايا مقعّرة.
لقد أعلن آرييل شارون عن خطّة تقضي بالإنسحاب من قطاع غزّة إنّما مع الإبقاء على ممسك سيطرة على غلافه الخارجي البرّي والبحري والجوّي. وقد ظنّ بعض المراقبين العرب والأجانب أنّ التخلّي عن مستوطنات غزّة وأربع مستوطنات في الضفة الغربية إنّما كان بحد ذاته بداية طريق يقود في النهاية الى تسوية ما، ربّما تقاطعت في النهاية مع بعض أهداف خطّة «خارطة الطريق» الأميركية.
والحقيقة أن الإسرائيليين لم يعترفوا إلاّ بالمرحلة الأولى فقط من الخطة الأميركية وهي مرحلة ما يسمى «مكافحة الإرهاب الفلسطيني» من خلال توريط الفلسطينيين في حرب أهلية مريرة لا خروج منها. وعندما أفشل الفلسطينيون هذا المخطط الجهنمي وتفادوا الوقوع في فخ هذه الحرب القذرة، لجأ الإسرائيليون إلى تزويد الرئيس الأميركي بالسلَّم اللازم للنزول عن شجرة الفشل في تطبيق خارطة الطريق، وذلك من خلال الخطّة البديلة التي بناها وتبنّاها شارون بالإنفصال من طرف واحد عن قطاع غزّة أولاً. والشاهد على ذلك هو السرعة التي بادرت فيها واشنطن إلى إهمال خطّتها وتبنّي خطّة شارون الذي عجز هو الآخر عن عرضها على حكومته وفشل أيضاً في نيل تأييد أعضاء حزبه ألذين قالوا له: «نحن نحبّك يا شارون لكنّنا نرفض خطتك».
وهكذا أثبت استفتاء الليكود السلبي  بالنسبة لشارون، أنّ هذا الاخير يجد صعوبات بالغة لنيل التأييد القاعدي لخطّة الإنفصا([3]) علماً بأنّ هذا التأييد، في واقع الأمر، لم يكن وحده العقبة الأكثر أهميّة، بل إنّ العقبة الكأداء كانت داخل الحكومة والكنيست، حيث لم تتوفّر له الأصوات اللازمة لتمرير خطتّه، الأمر الذي يدلّل على حجم القوّة المتطرّفة التي بات يمثّلها المستوطنون، ليس فقط على الصعيد السياسي وإنما أيضاً على الصعيد الميداني.
والجدير بالملاحظة أنّ مستوطني القطاع يستمدّون قوّتهم من مستوطني الضفّة، والعكس بالعكس، لأنّ أيّ تراجع استيطاني في القطاع لا يضمن ثبات وضعية المستوطنين في الضفة أو في الجولان، وهذا ما يفسّر استشراس هؤلاء من أجل إحباط خطّة شارون على ما فيها من معالم الغموض والمناورة التكتيكية، حتى لو أتى ذلك على حساب تصديع صفوف الليكود وإنهيار الحكومة.


في المقابل عمد شارون الى مواصلة الحديث عن الإنسحاب والإنفصال عن غزّة مقابل القيام بأقسى التدابير والخطوات القمعية ضد الفلسطينيين، ولا سيّما ما جرى في رفح من تخريب وتهديم وقتل واغتيالات، وحتى دون الإقدام على أيّة خطوة إجرائية حقيقية في اتجاه الإنسحاب. وقد ظنّت القيادات الفلسطينية داخل السلطة بنوع خاص أنّ العالم لن يستطيع تحمّل «سياسة حافة الهاوية» التي يعتمدها شارون، وإنه سيجد طريقة للتدخّل منعاً لإستمرار هذا الإهتراء والإضطراب في المنطقة، ممّا يهدّد مصالح الأطراف في اللجنة الرباعية الراعية الأساسية لآليات الصراع والتسوية في هذا المجال. ومن هنا سقطت هذه القيادات في مستنقع التردّد بين تصوّرين متناقضين شكلاً ويمتلكان جذراً واحداً في المضمون. ويقول التصوّر الأول إنه بقدر ما يضغط الفلسطينيون على أنفسهم بقدر ما يحصلون على مكافأة، وقد تبنّى هذا التصوّر محمود عباس (أبو مازن)، في حين تبنّت قيادات حماس والجهاد الإسلامي وفتح التصوّر الآخر وفق نظرية تقول إنّه بقدر ما نضغط عسكرياً واقتصادياً وأمنياً على إسرائيل بقدر ما نحصل على حقّنا سريعاً، أما خيار السلطة الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات فانحصر في إرادة اللعب على الوقت وعلى تضارب المصالح بين الأطراف الخارجية. وعلى الرغم من كل شيء تمكّن شارون بامكاناته المالية والأمنية والعسكرية الهائلة أن يبقي خطّته القائمة على الإنسحاب من طرف واحد من القطاع بمثابة «اللعبة الوحيدة في المدينة»،  و و هو تحرّك في حساباته السياسية الإستراتيجية على أربعة محاور أساسية:
-المحور الداخلي الإسرائيلي.
-المحور الخارجي والدولي.
-المحور الديني والتوراتي والتاريخي.
-محور الداخل الفلسطيني.
كل هذه التحرّكات إنما تعبّر عن رغبة شارون في التهرّب من كلّ الإتفاقات الموقّعة مع الفلسطينيين، ومن قرارات الشرعية الدولية، وبالتالي تغييب أيّة مرجعية دولية أو قانونية للحقوق الفلسطينية المغتصبة، علماً بأنّ خطّة الإنسحاب هي أخطر من خارطة الطريق لأنّ هذه الأخيرة تعترف بوجود طرف فلسطيني مفاوض، وتفرض حقوقاً وواجبات على كلا الطرفين. وإذا كانت تلوح في الأفق الخطوط الأولى لطيف دولة فلسطينية ذات سيادة، حتى ولو منقوصة، مع الخارطة، فإنها لا تبدو على الإطلاق في خطّة شارون الحالية التي تمرحل الإنسحاب وتضع شروطاً بوجه تطبيق كل مرحلة على حدة، مما يزيد من الشكوك حول صدقية شارون ويجعل احتمال التراجع عن الفكرة امراً وارداً في أيّة لحظة، و لاسيّما إزاء هيمنة اليمين المتطرّف ورداءة الوضع العربي ولامبالاة العالم الخارجي.
على هذا الصعيد أيضاً جاء في افتتاحية صحيفة السفير([4]) «أنّ ما يجري في غزّة اليوم هو المحاولة الثانية للتأقلم مع خطة شارون. وكانت المحاولة الأولى مصرية ولو أنّها مدعومة من اللجنة الرباعية والأمم المتحدة، وكان همّها ممارسة انتداب سياسي وأمني جزئي على الفلسطينيين طالما أنّ شارون يرفض محاورتهم. كما أنّ همّها هو ردم الهوّة بين الفصل الأحادي وخريطة الطريق، والتظاهر بأنّ لاتناقض بين الأمرين، والقفز فوق الحقيقة القائلة بأن لا وظيفة حيويّة لإعادة الإنتشار في غزة، انسحاباً، الاّ تثبيت إعادة الإنتشار في الضفة استيطاناً» وتضيف الإفتتاحية: «المحاولة الثانية فلسطينية (وربما مدعومة)، وجه الخطورة فيها أنّها تريد الإيحاء بالإستعداد لوراثة الإحتلال في غزّة من دون وهم الربط مع خريطة الطريق. يعني ذلك عملياً، وبحكم القوى التي نفّذت المحاولة، أنّ هناك من يعلن الجهوزية للذهاب في التأقلم مع المشروع الشاروني، إلى أقصى حد، أي إلى الحدّ الذي يتصرّف وكأنّ القطاع هو أقصى ما يمكن الحصول عليه فليتدبّر أهل الضفّة أنفسهم».
مهما يكن من أمر فانّ الصراع على جلد الدّب قبل صيده قد بدأ في قطاع غزة. وفي حين أعلنت إذاعة الجيش الإسرائيلي([5]) عن ارتفاع كبير في عدد المستوطنين المقيمين في مستوطنات القطاع وشمالي الضفة التي تقرر إخلاؤها في إطار خطة الفصل (ربما طمعاً في التعويضات المفترضة أو ربما اعتراضاً على خطة شارون)، فإن مصدراً أمنياً اسرائيلياً([6]) أعلن أنّ «مجرد الحديث عن انسحاب اسرائيلي من غزّة شجّع الصراع الفلسطيني الداخلي من أجل السيطرة على القطاع، وكشف التوتر بين عرفات ومعارضيه... ومع ذلك فانّ غياب الجهة المسؤولة في الطرف الفلسطيني سيجعل من الصعب على اسرائيل الخروج من هناك». وكتب المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت[7] أليكس فيشمان أنّ أمام اسرائيل في غزة أربعة بدائل هي:
1- لأنّ من غير الممكن تنفيذ الفصل في ضوء الفوضى المتوقّعة في القطاع، فهذه الفوضى تخلق مشكلة أمنية لا تتحمّلها اسرائيل، ولهذا يجب علينا البقاء هناك ويتضمّن هذا البديل إعادة إحتلال القطاع.
2- دفع الأسرة الدولية إلى اتخاذ قرار طاريء بتحّمل المسؤولية عما يجري في قطاع غزة والحل هو وضع غزّة تحت وصاية دولية وتوفير خطة إعمار اقتصاديّة جوهرية له.
3- أن تسرع إسرائيل في إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية، وكخطوة أولى عليها الإعلان عن إستعدادها للحديث مع كل من يمثّل السلطة الفلسطينية، ما عدا عرفات(في حينه).
4- تسريع عملية الفصل والإنسحاب.
ويعتبر فيشمان أنّ الخيار الأخير هو الخيار الأفضل الممكن لإسرائيل. فهو سيحسّن مكانتها في العالم ويحد من أضرار المحكمة الدولية، ويجعل اسرائيل تظهر جدية نيتها في إنهاء الإحتلال ويوضح أن تسريع الفصل سيدفع مصر إلى رفع درجة مشاركتها في القطاع. وفي نظره أنّه يجب على المصريين الخوف من نشوء «حماس» في القطاع. وهكذا سيغدو المصريون الرافعة الأساسية للسلطة، وعلى الأميركيين فعل المزيد لإنشاء بنية تحتيّة ما لإستقرار قطاع غزّة مع إنسحاب إسرائيل.

 

الإنسحاب في أبعاده الميدانية
لاشكّ بأنّ الوجه الأبرز لحيثيات الخطة الشارونية القاضية بالإنسحاب من غزة من جانب واحد، إنما يكمن في عمق المازق الأمني الميداني الذي شعر به القادة الإسرائيليون، إزاء استمرار الإنتفاضة والمقاومة وعدم القدرة على الحسم معها، تماماً كما حصل في التجربة اللبنانية. وهذه الخطة جاءت كمحاولة لإستعادة زمام المبادرة السياسية والأمنية، بعد أن تفاقمت الضغوط الدولية والداخلية على الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً مع استمرار حالة الجمود في الوضع السياسي واستمرار حالة اللاحسم مع الفلسطينيين. وفي هذا السياق أتت نتائج الإستطلاعات في العواصم العالمية بما فيها الولايات المتحدة والتي صنفت إسرائيل في طليعة الدول التي تهدد السلم والإستقرار في العالم. وبالتالي فالمبادرة كانت بمثابة هروب إلى الأمام تحت ذريعة عدم وجود شريك فلسطيني، وهي تختزن بداخلها الرغبة في تركيز كلّ التّهم السلبية المتعلقة بتعطيل التسوية على الفلسطينيين دون سواهم، مع مراعاة أقصى حدّ ممكن من المصالح الأمنية والجيوستراتيجية الخاصة بإسرائيل.
يروي المحلل الإسرائيلي آلوف بن في صحيفة هآرتس([8]) أنّ أحد المقرّبين من رئيس الحكومة آرييل شارون روى له عن زيارة قام بها ذات مرة الى «مزرعة الجميز» (مزرعة شارون الخاصة حيث منزله الخاص أيضاً) وراحا يتجوّلان فيها سوية على متن سيارة جيب، وفجأة قال شارون للضيف: «هنا كنت أضع كميناً»، مشيراً إلى أخدود في الأرض، وأضاف: «من هنا من الممكن اطلاق النار عليك». وعلّق المحلل على هذه الحادثة البسيطة وذات الدلالة قائلا: «هذا هو عالم شارون المعتمد على الطبوغرافيا».
ومعلوم أن معركة اللطرون التي وقعت في 25/5/,1948 والتي كان فيها شارون قائد فصيلة، حيث أصيب بجروح بالغة لم يشف منها إلاّ بشق النفس، كان لها بالغ الأثر في نفسه لجهة الحقد على العرب ومنعهم من تحقيق أيّ مكسب أو انتصار. كذلك تعلّم من هذه المعركة ألاّ يترك للعرب أي موقع من المواقع المرتفعة والمشرفة التي استخدمها الأردنيون في حينه لإطلاق النار على فصيلته.
على هذا الأساس أقام المستوطنات في الضفة وأبراج المراقبة في الجليل، وبالتالي فإنّ إعلانه عن تصفية الإستيطان في غزّة وإخلاء بعض النقاط الإستيطانية من الضفة، انّما يشكّل انعطافاً ميدانياً واستراتيجياً واضحاً. فحتى نهاية الصيف في العام الماضي كان ما يزال يتحدث عن أهمية الوجود الأمني الإسرائيلي في غزّة، محذّراً من أن يؤدّي ألانسحاب من طرف واحد الى استمرار ما يسميه «الإرهاب». إلا أنّه ما لبث أن أحدث زلزالاً سياسياً مفاجئاً يدعو الى التأمل والتفكر. فشارون هو من الأشخاص الذين يتّصفون بالعناد والقسوة في المجرى التاريخي لتكوين شخصيتهم، وبالتالي فهذه الحقيقة تدعو الى التشكيك في حقيقة كونه قد اتّخذ قراراً صادقاً لجهة تغيير تصوّره الإستراتيجي، كما وتدعو الى البحث عن أسباب أخرى غير أخلاقية أو قانونية في خلفية القرار. فهو في الواقع يخشى الإنسحاب الى الخطوط الدولية أو ما يسمى الخط الأخضر، الأمر الذي يحظى بتأييد دولي كبير، وذلك لأسباب أمنية وإيديولوجية في الوقت ذاته. وإزاء تزايد الضغوط الديبلوماسية والأمنية والأخلاقية والديموغرافية عليه في غزّة، إقترح صفقة «نقل مستوطنات معزولة في مقابل تدعيم السيطرة على مناطق أخرى» حسب تعبير الصحافي آلوف بن. وبتعبير آخر فان شارون مستعد لأن يدفع ميدانياً اخلاء غزة كثمن مقابل موافقة أميركية سياسية على أن تستمر إسرائيل في السيطرة على جزء كبير من الضفة. لذا أصدر توجيهاته إلى مستشاره للأمن القومي اللواء غيورا آيلند لرسم خط أمني ميداني تستطيع إسرائيل الحفاظ عليه لسنوات حتى يكون هناك شريك فلسطيني على حد زعمه.
والجدير بالذّكر أنّه منذ حرب عام 1967 طرح القادة الإسرائيليون العديد من مشاريع التسوية الإقليمية التي كانت تتضمّن في أساسها مسألة التخلّص من أعباء قطاع غزّة، إما باعادته الى مصر التي كانت تديره وتشرف عليه قبل الحرب، أو بادخاله ضمن اطار الحكم الذاتي للسكان الفلسطينيين. ولا يخفى على أحد أنّ القطاع من حيث وضعه الجغرافي والديموغرافي لا يمثّل أيّ إغراء لإسرائيل. وفي ما يلي استعراض للمعطيات الميدانيّة الماديّة والبشريّة الكاملة المتعلقة به[9]:
- المساحة 365 كلم.2
- مساحة أراضي الحكم الذاتي الفلسطيني 210 كلم.2
- مساحة المستوطنات 155 كلم.2
- الطول 45 كلم.
- العرض: في الشمال 7 كلم وفي الوسط 5,5 كلم وفي الجنوب 5,12 كلم.
- طول الحدود البريّة 62 كلم.
- عدد السكان الفلسطينيين 7,1 مليون نسمة، 3,50% منهم تحت سن 14 سنة.
- عدد المستوطنين: 7000 بما في ذلك طلاب المعاهد الدينية.
- معدّل التكاثر السكاني الفلسطيني:% 9,3 سنويا.
- الإكتظاظ السكّاني: في 40% من الشقق السكنية يقطن أكثر من 3 أفراد في غرفة واحدة.
- اللاجئون: 850 الفا، نصفهم يقطن خارج المخيّمات.
- التجمّعات الكبرى لهم: جباليا (110 الاف نسمة) مخيّم الشاطيء (75 ألف نسمة)، النصيرات (65 ألف نسمة).
- الدخل القومي للفرد: 900 دولار سنويا مقابل 16 الف دولار في اسرائيل.
- نسبة البطالة 35%.
- العاملون في اسرائيل والمنطقة الصناعية «إيريز» 15 الفاً.
- نسبة الحاصلين على المساعدات والإغاثة % 65.
- عدد القتلى الفلسطينيين منذ شهر أيلول 2000 هو 1296 شخصاً من بينهم 278 طفلاً و 74 إمرأة.
- عدد الجرحى: 25900 جريح.
- عدد القتلى الإسرائيليين 72 من بينهم 51 جنديا.


هذه المعطيات تدل على حجم الأعباء الأمنية والإقتصادية والسياسية والأخلاقية التي تفرض على من يتنطّح لإدارة هذا القطاع، فضلاً عن أنّ التيّارات الأصوليّة اليهوديّة والصهيونيّة المتشدّدة والتي تتذرّع بالمقولات التوراتية والقومية التاريخية لم تستطع الإدعاء على الإطلاق بوجود وشائج حقيقية بين القطاع، كجزء من أرض فلسطين، وبين «الوطن الموعود» توراتياً حسب إدعائها. ومن ثم فإن اسرائيل كانت، (بدءاً من مشروع آلون عام 1973 ومشروع غاليلي ومروراً بمحاولات مناحيم بيغن إقناع الرئيس السادات بإستعادة السيطرة على القطاع ضمن صفقة السلام المنفرد الذي أعاد سيناء إلى مصر عام ,1979 وإنتهاء بمشروع شارون للإنسحاب الأحادي الجانب، راغبةً بالفصل من خلال التخلّي عن القطاع الى الحدّ الذي جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحق رابين يعلن في إحدى لحظات يأسه «كم تمنيت ان أستيقظ يوماً فأجد قطاع غزّة وقد غرق في البحر».
وبالتالي لم يعد السؤال الهام هل ينسحب شارون من غزّة أم لا، بل هل سيتمكّن من التغلّب على العقبات التي منعت من سبقوه في رئاسة الحكومة من تنفيذ حلم التخلّص من غزة؟
لقد سبق لإسحق رابين مثلاً أن فكّر في إخلاء مستوطنات من القطاع، ولكنّه لم يوافق على نقل ولو مستوطنةٍ واحدةٍ خلف الحدود قبل ان يكون هناك إتفاق شامل، يحصل فيه الطرفان على مقابل. أما شارون فلم يعرض اتفاقاً على ما يبدو لعلمه انّ خطّته في الضفة لا يمكن للفلسطينيين أن يقبلوها. ومع أنه يعتزم نقل بعض المستوطنات في شمالي الضّفة، فمن الأفضل للفلسطينيين ، حسب رأي المحلل العسكري في صحيفة هآرتس([10]) زئيف شيف، أن تنسحب اسرائيل من القطاع، مثلما انسحبت من لبنان، من دون اتّفاق، وذلك لأنّ المفاوضات الإقليمية، بما فيها التفاوض حول ترسيم الحدود، ستبدو في نظرهم امراً لا يدفعون مقابله بعملةٍ أخرى مثل «حقّ العودة».
الأميركيون من ناحيتهم يؤيّدون انسحاب شارون مبدئياً، لكنّهم لا يتحمسون لنقل مستوطنات منعزلة إلى الكتل الإستيطانية في الضفة لأن من شأنها أن تضع عراقيل في وجه معقوليّة التوصل الى اتفاق محتمل في المستقبل.


إن خطًّة شارون الميدانية تتضمّن أربع مراحل من الانسحاب هي التالية[11]:
1- إخلاء المستوطنات: نتساريم، موراج، ورافياح يام في قطاع غزّة.
2- إخلاء المستوطنات: كاديم، جانيم، سانور، وحومش في الضفّة الغربية.
3- إخلاء المستوطنات: غوش قطيف إضافة إلى مستوطنة كفارداروم في قطاع غزة.
4- إخلاء المستوطنات: إيلي سيناي ونتسانيت ودوغيت في قطاع غزّة.
وتنصّ الخطّة على مصادقة الحكومة الإسرائيلية على كل مرحلة من المراحل الأربع الآنفة الذكر قبل تنفيذها. كما أنّ إسرائيل ستُبقي سيطرتها على محور فيلادلفيا، فيما يتمّ هدم منازل المستوطنين ولن تسلّم إلى الفلسطينيين.


مهما يكن من أمر فان جهات إسرائيلية أبدت باستمرار قلقها وتخوفها من تداعيات تطبيق خطّة شارون لفكّ الإرتباط أبرزها ما يلي:
- إنّ فك الإرتباط، تحت النار، يمكن أن يعتبر انتصاراً للإنتفاضة والمقاومة كما حصل في لبنان، ومن شأنه أن يحفّز الفلسطينيين على مواصلة الكفاح المسلح ونقل النموذج إلى الضفّة.
- إنّه يصعب، وقد يبدو مستحيلاً على إسرائيل أن تسيطر أمنيّاً على المعبر الدولي مع مصر في رفح، الأمر الذي من شأنه أن يحوِّل قطاع غزة خلال فترة وجيزة الى مصدر خطير لأوجاع راس أمنية كبيرة بالنسبة لإسرائيل.
- إن تطبيق الخطّة قد يستدعي مع الوقت ، تدخّل قوّات دوليّة ، الأمر الذي يمكن أن يشكّل سابقة غير مريحة بالنسبة لإسرائيل في ما يتعلّق بالضفّة.
- إن صفقة مقايضة إخلاء مستوطنات غزّة مقابل تعزيز الإستيطان في الضفّة، من الصعب تمريرها أمام المجتمع الدولي وعلى ضوء قرارات الشرعية الدولية الرافضة للاستيطان في الأراضي المحتلّة عام ,1967 خاصة إزاء استمرار المقاومة وتطوّر أساليبها وأدواتها.
- إنّ الخطّة تتطلب إنفاق أموالٍ طائلة لتعويض المستوطنين وإخلاء المستوطنات تصل إلى مليارات الدولارات التي سيُحرم منها المواطنون الإسرائيليون من الطبقات الفقيرة.


أما التطبيق الميداني للخطة بالنسبة للضفة فيتضمّن الإجراءات والخطوات التالية:
1- تعزيز وتوسيع الإستيطان في ما يسمّى غلاف القدس (مستوطنة معاليه أدوميم ) وفي غلاف الخليل (مستوطنة غوش عتسيون شمالي بيت لحم) ومستوطنة أرئيل في أراضي نابلس.
 2- لا تمس الخطة بالوضع الإحتلالي القائم في غور الأردن (على الرغم من أن إسرائيل ترتبط مع الأردن باتفاقية سلام وأنّ ما يسمى بالخطر المحتمل من الجبهة الشرقيّة قد تضاءل جداً بعد المتغيرات التي حصلت في العراق).
3- الإستمرار في بناء السور العازل ممّا سيؤدي إلى نشوء نحو 81 معزلاً فلسطينياً منفصلاً جغرافيا.
4- تعمل الخطّة على استكمال هدم السلطة الفلسطينية أو تفريغها من كل محتوى عملي وتشجيع الصراعات البينية داخل الصف الفلسطيني.
5- إعادة طرح مشاريع الفدرالية أو الكونفدرالية مع الأردن ممّا يحرم الفلسطينيين من الحصول على ما يتمنّونه من دولة ذات سيادة كاملة.
هذه النقاط والاعتبارات جميعاً تأتي تحت ذريعة حفاظ إسرائيل على أمنها الاستراتيجي المطلق حسبما أوضح الباحث الإسرائيلي زئيف شيف في كتابه «ألشروط الإسرائيلية المسبقة لإقامة دولة فلسطينية» والتي فصّلها كالتالي:
1- أن تاخذ إسرائيل بالحسبان الأخطار المحتملة على المدى القريب والبعيد والتي قد تتعرّض لها من المناطق الفلسطينية وعبر حدودها الشمالية والشرقية والجنوبية. وهذا يعني الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تبرز ولاسيّما إذا لم تتم المحافظة على السلام.
2- تحديد المناطق التي تعتبر حيويّة وضروريّة جداً للدفاع عن الدولة ووجودها، مثل المناطق اللازمة للدفاع عن الخاصرة الضيقة للدولة ومدنها الصناعية الرئيسة ومراكزها العلميّة ومصادر المياه والمنطقة المحيطة بمطار بن غوريون.
3- عدم إدخال عدد كبير من الفلسطينيين داخل حدود دولة إسرائيل. وأيضا منع المواجهة ما بين المستوطنات الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية والسكان الفلسطينيين المحيطين بهذه المستوطنات.
 وحتى يتسنّى لإسرائيل تحقيق هذه المعايير لابدّ لها من توسيع القطاع الساحلي نحو الشرق ، وهذا يتطلّب توسيع القدس باتّجاه مستوطنة معاليه أدوميم وبقاء إسرائيل في المنطقة التي حدّدت ذات مرّة في مشروع ألون، على اعتبار أنّ هذه المنطقة ستكون منطقة أمنية في جزء منها وأن يتم تقرير مصير الجزء الآخر في المستقبل بحسب المعطيات الأمنية وتجربة السلام. وبالإضافة إلى قضايا المياه والمستوطنات واللاجئين رأى شيف أنّ الترتيبات الأمنية الميدانيّة هي بمثابة العمود الفقري لمجموعة الشروط المسبقة لاقامة أيّ شكل من أشكال الدولة الفلسطينية، لأنّ مثل هكذا دولة ستجعل اسرائيل أكثر حساسيّة من الناحية الأمنية وأقل قدرة على الردع. وهذا يعني أنّ إسرائيل لامصلحة لها البتّة في قيام دولة فلسطينية بكل معنى الكلمة بل فقط مجرّد كيان يتمّ تفصيله وفقاً للمصالح والرؤى الأمنية الإسرائيلية الميدانية الآنية والمستقبليّة. 

 

الإنسحاب في أبعاده الإستراتيجيّة العامة
في أعقاب الممارسات الإسرائيلية التي وصلت إلى حدّ ارتكاب جرائم حرب ومجازر جماعية بحق الفلسطينيين، (كما حصل في جنين ونابلس ورفح بنوع خاص) وفي أعقاب عدم الإستجابة لكل النداءات والمطالب الأميركية وتحدّي قرارات الأمم المتحدة والإستهتار بالمبادرات العربية والأوروبية، وجد الشعب الفلسطيني نفسه متروكاً وحيداً لمصيره، وأنّ مستقبله مرهونٌ فقط بقدراته على ممارسة الضغوط المختلفة على إسرائيل عسكريّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً ونفسيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً بهدف إجبارها على الإنسحاب من أراضيه المحتلة، وذلك من خلال اتباع استراتيجيّة رفع معدل خسائر العدو البشريّة والماديّة. إلا أنّ هذه الإستراتيجية عانت من نقطتيّ ضعف أو نقص كبيرتين هما: عدم تمتعها بالدّعم العربي السياسي الجاد في أقل تقدير، وعدم استفادتها من موقف فلسطيني رسميّ موحّد خلفها. وهاتان النقطتان تكتملان أيضاً في سلبيتهما بالضغوط الإسرائيليّة والأميركيّة والأوروبية التي كانت تمارس سرّاً وعلناً من أجل إحباط المقاومة (الإنتفاضة) ممّا وفّر الفرصة لأعدائها على نعتها «بالإرهاب» حتى من داخل الصفّ الفلسطيني والعربي الرسمي في بعض الاحيان، وجعل الاحتلال وارتكاب المجازر وبناء المستوطنات مجرّد قضايا تختلف حولها وجهات النّظر السياسيّة والدبلوماسيّة بصورةٍ عرضيّة.
مهما يكن من أمر، وعلى الرغم من الظّروف القاسية والخانقة المحيطة بالمقاومة الفلسطينية سياسيّاً وأمنيّاً وعسكريّاً، فإنها استمرت حتّى بعد اغتيال كبار قادتها وكوادرها. وهي باستمراريّتها هذه، حتّى في الحدود الدنيا، إنّما تكون قد أثبتت بطلان مقولة أساسية في نظريّة الأمن القومي الإستراتيجي على المحور الفلسطيني، وهي أنّ فلسطين هي ارضٌ بلا شعب، علماً بأن إسرائيل لا تملك حتّى اليوم دستوراً يرسم حدودها الدولية النهائية التي تشكّل تعبيراً وتجسيداً لأهدافها ألقومية النهائيّة، بل هي تملك مشروعاً إمبراطورياً توسعيّاً لا حدود له سوى حدود موازين القوة الإسرائيلية والمقاومة العربية، مع التركيز صهيونياً على ثلاثة عوامل أساسية لايمكن التهاون فيها وهي:
- عامل المساحة (العمق الإستراتيجي وطبيعة الحدود التي يمكن الدفاع عنها تقنياً وطبوغرافياً).
- عامل السكان (الطاقة البشرية العاملة والمقاتلة والمستوطنة).
- عامل المساعدات (الدعم الأجنبي الخارجي مالياً وفنياً وعسكرياً وأمنيّا وديبلوماسيّاً وما إلى ذلك).
من هنا فإنّ إحتلال إسرائيل لكل من الضفة الغربية وقطاع غزّة عام 1967 إعتبر على أنه قد أعتقها من أكثر التهديدات خطورةً على أمنها الاستراتيجي، ونتيجة ذلك فإنّ الإجماع الذي ساد بين أسرة الأمن الإسرائيلية بمختلف ألوان طيفها، إثر هذه الحرب، قد ارتكز على رفض أيّة تسوية سياسيّة تحتّم العودة إلى الوضع السابق سياسياً وعسكرياً وجغرافياً. وكانت الآراء الإسرائيلية قد اختلفت منذ ذلك الحين حول الوضع السياسي والقانوني للمناطق المحتّلة التي ستبقى في المستقبل تحت السيطرة الصهيونية وإزاء حجم هذه المنطقة، الأمر الذي شكّل مساساً خطيراً وعميقاً بمنظومة الحقوق السياسية والمدنيّة المشروعة للشعب الفلسطيني.
وقد تبارت القيادات الصهيونية منذ العام 1967 في طرح ومناقشة فكرة ترحيل الفلسطينيين، وهي فكرة تفاقمت اكثر فأكثر مع تطور الإنتفاضات المتكرِّرة منذ العام 1987 وصولاً الى انتفاضة العام 2000 التي أسقطت إيهود باراك وجاءت بآرييل شارون الذي ما يزال حتى اليوم وبعد مرور أكثر من أربع سنوات يتخبّط في سبل مواجهتها بعد أن تركت بصماتها العميقة في شتى مجالات الحياة الإسرائيلية، وأدّت الى تراجع تأثير الإيديولوجيا الصهيونية وإلى إسقاط شعار «دعوا الجيش ينتصر» لمصلحة شعار استمرارية «الحرب المنخفضة الحدّة» وإقامة الجدران الفاصلة، الأمر الذي يذكّر بما أورده ناحوم غولدمان رئيس المؤتمر اليهودي العالمي في كتابه «اسرائيل إلى أين»([12]): «إنّ الإنتصارات الكبيرة خطرٌ يصعب على الشعب تذليله أكثر ممّا يصعب تذليل الهزائم. فالهزائم الكبيرة غالباً ما يكون لها تأثيرٌ مؤاتٍ جداً، لأنها تقود المجتمع الى ممارسة النقد الذاتي، والى التمعّن في أوضاعه وتجعل منه أشدّ وطنيّة واستعداداً للتضحيات. امّا الإنتصارات، فعلى العكس، تقود في الغالب، إلى التلذذ بالأوهام والى الكبرياء المفرطة».
وفي كلام  لرئيس الإستخبارات العسكرية الأسبق يهوشفاط هركابي بشأن انتفاضة عام 1987 وبعد أن سُئل: ألهذه الدرجة أنت متشائم؟ قال: أجل لهذه الدرجة، فليس هناك أيّ خيار إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه اليوم. وإذا لم يحدث تغيير بالنسبة ليهودا والسامرة وبالنسبة لعرب المناطق المحتلّة فهذا يعني أننا ذاهبون الى الإنتحار.[13]
وفي هذا السياق صدرت تحذيراتٌ كثيرة من مسؤولين ومفكرين صهاينة تحذّر من تعرّض أمن إسرائيل القومي للخطر مع استمرار الإنتفاضة وانغلاق الافق السياسي واستحالة الحسم العسكري الإستراتيجي، وتمّ التركيز في هذه التصريحات على أربعة مجالات أساسيّة هي التالية:
1- حساسيّة إسرائيل والمهاجرين الفعليين أو المحتملين، للخسائر البشرية.
2- عدم قدرة التجمّع الإستيطاني على تحمّل مواجهة مفتوحة على حرب استنزاف دمويّة بالغة القسوة وطويلة الأمد.
3- تراجع الإقتصاد الصهيوني وانخفاض مستويات الدخل والمعيشة وتفشّي البطالة وهروب الإستثمارات الأجنبية.
4- حساسية اسرائيل إزاء الرأي العام العالمي وإدراكها بأنها حتى لو استطاعت أن تضمن دعم القوة العظمى الوحيدة في العالم إلى جانبها، فهي حتماً في حالة استنزاف معنوي وديبلوماسي على الصعيد العالمي، الأمر الذي تجلّى في استفتاء الرأي الذي أجرته المفوضية الأوروبية ونشرت نتائجه رسميّاً وأثبت أنّ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية هما الدولتان اللتان تهددان الأمن العالمي بامتياز، حتّى أنّ رئيس الأركان الجنرال موشيه يعلون حذّر المسؤولين الإسرائيليين من خطورة سياستهم العبثيّة على أمن إسرائيل القومي وقال: «نستطيع القول إنّ القرينة الإستراتيجية الإسرائيلية أصبحت غير مستقرّة ومليئة بالمفاجآت والتحدّيات، وإنها متميّزة بدوائر تهديد ثلاث تواجهها إسرائيل اليوم هي: الدائرة الداخلية والدائرة القريبة والدائرة البعيدة. ومؤخراً برزت دائرة تهديد رابعة هي دائرة الإرهاب الذي لا حدود له ولا عنوان ولا هوية والذي لا نعرف الدول الراعية له».[14]


الجدير بالذكر أنّه إزاء هذه الحالة من الإختناق الأمني والسياسي والإقتصادي وجد رئيس الحكومة الإسرائيلية آرييل شارون نفسه محاصراً بخيارين استراتيجيين اثنين لا ثالث لهما وهما:
1- الانكفاء الإسرائيلي التام من قطاع غزّة وإطلاق عملية إعماره وانفتاحه على العالم العربي مع الإبقاء على قضيّة الضفّة الغربية مفتوحةَ لمدة زمنيّة محدّدة.
2- بديل إيهود باراك، وهو الانسحاب الإسرائيلي التام من القطاع على غرار ما حصل في جنوب لبنان في العام 2000 والإنتشار عند تخوم خط الجدار الفاصل في الضفة الغربية من باب فرض الأمر الواقع النهائي.
وكل واحد من هذين الخيارين ينطوي على كثير من المخاطر والتأويلات والإشكالات التي تعيق مسألة وضعه موضع التنفيذ، ولكنّهما يطرحان ما لم تتضمّنه خطّة فايسغلاس- شارون من حيث درجة الوضوح، لأنهما يرسمان على الأرض حدوداً واضحة ومحدّدة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، في حين أنّ خطّة شارون المليئة بالشكوك والشبهات تترك إسرائيل غارقة حتى أذنيها في دوّامة ما بعد الصهيونية المسمّاة دوّامة عدم وجود حدود وغياب الإحساس بالوطن واستمرار الإحتلال.[15]
وهكذا يكون شارون قد كرّر نفسه وتجربته التي بدأها في لبنان عام 1982 والتي انتهت بالهزيمة النكراء والمذلّة عام 2000 مرة أخرى في قطاع غزة. فلقد سبق لجيش الإحتلال الإسرائيلي أن فشِل على مدى نحو 22 سنة في تطويع لبنان وإخضاعه للإرادة الصهيونية، سواء على أرضيّة مفاوضات التسوية التكتيكية، أو بالوسائل العسكرية، على خلفية الغزو العسكري وتبعاته وذيوله. وفي أعقاب هذا الفشل تذكّرت القيادة السياسيّة العسكريّة الإسرائيليّة أنه يوجد قرار لمجلس الأمن رقمه 425 يمكن استخدامه كوسيلة خلاص من جحيم المقاومة في لبنان. لقد جرّب الإسرائيليون مختلف أشكال الضغوط السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة من دون التمكّن من الإفلات من إرادة المقاومة والتحرير، وعمدوا بالتالي الى تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية عن قرار الإنسحاب على أساس القرار الدولي معتبرين بذلك أنّهم يقدّمون تنازلاً كبيراً ! ! وكان وزير الدفاع في حكومة نتنياهو الجنرال إسحق موردخاي أول من أعلن عن ذلك في حديثٍ إلى مجلة «الوطن العربي» (العدد 1087 تاريخ 1998/1/2) تضمّن قبول إسرائيل بتنفيذ القرار رقم 425 وحدّد الإطار العام لرؤيتها بخصوص مضمونه وشروط تنفيذه. وورد في الحديث أنّ البديل للوضع القائم في جنوب لبنان المحتل هو التوصل الى اتّفاق يؤدّي الى انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطته على الجنوب «للحفاظ على سلامة الجليل وضمان أمن أفراد وجيش لبنان الجنوبي والمواطنين في المنطقة الأمنية» على حدّ زعمه ([16]). وألقى منسّق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان أوري لوبراني مزيداً من الضوء على الموقف الإسرائيلي ([17]) فقال: «نريد ايجاد حلّ لا يكون له أيّ بعد سياسي على الإطلاق... بل يتعلق بالقضية الأمنية فقط.. لابديل من وجود ترتيبات أمنية إنتقالية أو مرحلية حتى يأتي وقت نتوصّل فيه إلى اتفاق سلام، وهذا مستحيل من دون سلام مع سوريا، وهو واقع نقبله... إسرائيل لن تربط بين انسحابها،  و بقاء القوات السورية في لبنان... القرار 425 يتضمن عنصرين: أولاً إنسحاب إسرئيل، وثانياً إتخاذ ترتيبات لتمكيننا من تنفيذ هذا الإنسحاب». وفي حديث آخر لجريدة الأهرام([18]) أكّد لوبراني أنّ لا انسحاب من دون ترتيبات أمنيّة ومن هذه الترتيبات نزع سلاح «حزب الله» والمنظمات الفلسطينية وحماية الميليشيات العميلة في الجنوب من أيّ عقاب. وكلّ هذا الكلام لم يكن أكثر من حشرجات النزع الأخير للاحتلال الذي بات عاجزاً عن أن يفرض شروطه على المقاومة ولبنان، أو أن يصوّر الهزيمة بأنّها بمثابة تنازلات مغرية للحكومة اللبنانية التي أدركت نقطة الإختناق في الإستراتيجيّة الإسرائيليّة وأصرّت بالتالي على تطبيق القرار الدولي رقم 425 من دون قيد أو شرط. وحاولت إسرائيل بالتنسيق مع الولايات المتحدة إعطاء الإنطباع الزائف بأنها تقدّم بادرة حسن نية تجاه مجلس الأمن في حين أنّ نواياها الحقيقية هي إيجاد التغطية الملائمة لهزيمتها وإيجاد الأجواء المناسبة لفرض ضغوطات دولية على الحكومة اللبنانية من أجل فصل مساري المفاوضات اللبناني والسوري عن بعضهما البعض. ولأسباب ذاتية وموضوعيّة سقط نتنياهو في انتخابات عام 1999 وجاء بدلاً منه الجنرال إيهود باراك كونه ربيب المؤسسة العسكرية الأشدّ ارتباطاً بالإستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة. وقد حاول منذ البداية إحتلال موقع رابين في واشنطن، الموقع الذي لم يتمكّن من احتلاله كلٌ من بيرس ونتنياهو. وقد فهم باراك منذ اللحظات الأولى من ولايته كرئيس للحكومة الاسرائيلية وزعيم لحزب العمل، بأنّ الإنخراط العلني في الإستراتيجية الكونية الأميركية، ولا سيّما في ما يتعلق بالخليج وروسيا، يستلزم منه إنسجاماً معها في الشرق الأوسط لجهة الإستجابة المرنة لإصرارها على إنجاز تسوية للصراع العربي الإسرائيلي. وبعد أن فشل باراك داخلياً لأسباب موضوعيّة  وذاتيّة مرة اخرى، استوعب آرييل شارون الدرس بصورة تدريجيّة، وإثر مخاض عسير، وخاصة في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول وانتهازه فرصة الهجوم الكاسح على ما يسمّى بصورة ملتبسة بالإرهاب من اجل التخلّص من مأزق المقاومة المتمثّلة في استمرار الإنتفاضة.
ومثلما سعى باراك للخروج من لبنان بينما يقوم بالتفاوض مع سوريا، هكذا سعى شارون للإنسحاب من ضربات الإنتفاضة وهو يتفاوض مع مصر. ومثلما التزم باراك بتاريخ محدّد للإنسحاب من لبنان قبل 7/7/2000 وكان يفضّل ان يكون الإتفاق سياسياً مع كل من لبنان وسوريا، ثم ما لبث أن قرر تنفيذ  الإنسحاب حتى من دون اتفاق، أي من طرف واحد، هكذا ايضاً يفعل شارون اليوم في غزّة. 


الجدير بالذكر أيضاً أنه في ندوة تلفزيونيّة أدارها المراسلان أمنون أبراموفيتش وإيهود يعاري بتاريخ 12/4/2000 تضاربت تقويمات المشاركين السياسيين والعسكريين فيها لقرار حكومة باراك الإنسحاب من لبنان هل هو انسحاب أم هروب؟ وإذ تجرأت قلّة من غلاة المتطرفين الصهاينة على الإعراب عن رأيها بضرورة استمرار الجيش الإسرائيلي في حربه ضد لبنان، وربما تصعيدها، وحتى يتم القضاء على زحزب اللهس وفرض التسوية على لبنان وسوريا، فلقد أشار العميد (احتياط) يعقوب حسداي (متدين متطرف) إلى التحوّلات العميقة في جمهور المستوطنين الإسرائيليين الذي لم يعد مهيأً للتضحية، خاصة مع غياب قيادة ذات كاريزما تدعوهم فيستجيبون لندائها. وفي المقابل دعا العميد (إحتياط) رافي ريشيف الذي كان ضابط ارتباط في جنوب لبنان، إلى الإنسحاب الفوري إلى الحدود الدوليّة، سواء باتفاق أو من دونه. وأشار العميد شلوموإليا إلى النجاحات التي حققها حزب الله عسكريّاً واعلاميّاً وأثر ذلك على الرأي العام في اسرائيل خصوصاً بعد كارثة المروحيّتين عام 1997 ومصرع 73 عسكرياً في الحادث. وطرح المراسل العسكري ألون بن دافيد الإنكفاء عن التدخل في لبنان لأن هذا التدخل فشل تماماً في تحقيق أهدافه الاستراتيجية والتكتيكية. وهكذا إنهار الجيش الإسرائيلي تدريجيّاً مكرِّراً مشهد إنهيار الجيش الأميركي في فيتنام حيث أخلت وحداته خلال ساعتين من ليل 24-25/5/2000 القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة في حين كان مقاتلو حزب الله يطاردونها حتى بوّابات العبور على الحدود بعد أن خلّفت وراءها الكثير من العتاد والمعدّات والأجهزة الإلكترونية الحديثة وحتّى الحاجات الشخصية. وبذلك إنهارت خطّة باراك بالكامل، مما عرّضه للنقد الشّديد على هذه المهزلة التي كانت قد ابتدأت منذ العام 1976 مرورا بمقولة الجدار الطيب عام 1978 ثم بعام الإجتياح 1982 بقيادة بيغن-شارون وما تبعها من إخفاقات ومآس كان من بينها مجازر صبرا وشاتيلا ومجزرة قانا التي تذكّر بمجازر جنين ورفح في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة.
لقد اعتبر الكاتب الإسرائيلي إيتان هابر أنّ إيهود باراك أخطأ كثيراً خلال فترة رئاسته للحكومة. إلاّ أنّ قرار الإنصراف من لبنان، رغم تحذيرات الجيش، سيسجّل لصالحه إلى الأبد. لقد رغب خمسة رؤساء حكومة (بيغن، شامير، رابين، بيريز، نتنياهو) قبله بالإنصراف من لبنان، إلاّ أنهم استسلموا للتحذيرات التي صدرت عن الجيش بشأن المخاوف التي كان يبديها سكّان المستوطنات الشمالية.
ويضيف هابر أنّ شارون يواجه اليوم مأزقاً مشابهاً لذلك الذي واجهه باراك، فالجيش يرى كلّ شيء عبر فوهة البندقية فقط (دعوا الجيش ينتصر). والمستوطنون يحذرونه من الإنسحاب، فيما يميل الرأي العام إلى جانبه، تماماً كما دعم الإنسحاب من لبنان. وفي ضوء ذلك كلّه يتحتّم عليه اتخاذ القرار فالمسؤولية في النهاية تتوقف عند طاولة رئيس الحكومة. وهنا يبدو شارون المأزوم كأنّه يتمزق إرباً لسببين اساسيين؛ أولاً: بسبب هذا الانقلاب الذي يمرّ على حياته ويحوّله من «سيد المستوطنات» إلى من ينوي تفكيكها. وفي هذه المسألة يمكنه الاستناد إلى تجربة مناحيم بيغن، الذي سافر إلى مستوطنة زنؤوت سينايس على أبواب رفح، كي يقول للمستوطنين إنّه سينضمّ اليهم بعد استقالته من العمل السياسي. ومن الواضح أنّه سيكون من غير المريح له الاستناد الى تجربة إسحق رابين الذي غيّر موقفه بشأن هضبة الجولان، لكنّه إذا أراد فعل ذلك فإن رابين لن يغضب عليه. ثانياً: لأنّ شارون يعرف أنّ الانسحاب من منطقة رفح ومن غوش قطيف بالذات، سوف يفسّر على أنّه هزيمة له ولشعب إسرائيل، وإيهود باراك في هذا المجال دخل التاريخ الإسرائيلي بصفته الشخص الذي أخرج الجيش الإسرائيلي من لبنان من دون تعّرضه لإصابات بشرية. وشارون اليوم معرّض لخوض معركة إزالة مستوطنات كان مستوطنوها في طليعة الذين صوّتوا له وحملوه الى سدة رئاسة الحكومة وهو يعلم ذلك تماماً ويتمزّق إرباً في الوقت الذي يعمل على تمزيق خصومه الفلسطينيين الكبار على طريقة شمشون «عليَّ وعلى أعدائي».
هكذا يتبيّن أنَّ المشهد اللبناني من المقاومة والتحرير يكاد يتكرر في كثير من تفاصيله وصوره على الأراضي الفلسطينية المحتلّة وخصوصاً في قطاع غزّة حيث كان لمصر منذ العام 1948 نفوذٌ سياسي وأمني خسرته عام  ,1967 ومن ثمّ تبيّن لإسرائيل أنّ لها مصلحة حاليّة على أثر ضربات المقاومة الشديدة والمؤثرة بأن تستعيد الدور المصري ولكن ضمن حدوده البوليسيّة الأمنية لا أكثر. ومعلوم كيف حاول الإسرائيليون اللعب على العلاقة الإستراتيجية اللبنانية -السورية لجهة محاولة تفكيكها وافسادها وإيجاد التناقضات ما بينها بهدف الإستفراد بكل طرف من الطرفين على حدة، بالإضافة إلى محاولة عزل المقاومة رسميّاً وشعبيّاً من خلال ارتكاب أعمال إرهاب الدولة الوحشية ضدّ المواطنين الآمنين وضد البنى التحتيّة الحيوية من كهرباء وماء وهاتف وطرق مواصلات. والمشهد نفسه يتكرّر أيضاً في قطاع غزّة حيث تمكنت المقاومة من الصمود والإستمرار بالرغم من شحّ الوسائل القتالية وبدائيّتها وبالرّغم من اغتيال وتصفية كبار القادة الناشطين. هذا ما حصل تماماً في لبنان عندما استهدفت المخابرات العسكرية كبار قادة حزب الله الروحيين والميدانيين مثل الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي وسواهما.


الثابت حتى الآن أنّ آرييل شارون ما يزال متمسّكاً بخطّته لإخلاء قطاع غزّة بكامل مستوطناته ومستوطنيه، إلاّ أنّ وزير دفاعه شاؤول موفاز، المؤيّد المتحمّس لمبادرة رئيسه، يرى في مقاومة حركة حماس بنوع خاص عدّواً استراتيجياً يجب القضاء عليه بصورة مبرمة تلافياً لتكرار «واقعة الخروج من لبنان فيما يلاحق رجال حزب الله الجيش الإسرائيلي نفسه في غزّة أيضاً ويفسّر ذلك كضعف»([19])، على حدّ قول الصحافي الإسرائيلي يوئيل ماركوس، الذي يضيف أنّه في أثناء حرب فيتنام، وحينما فشل الأميركيون، إقترح أحد المساعدين على الرئيس جونسون إعلان النصر والخروج من فيتنام. ووزير الدفاع موفاز يعتقد من جهته أنّه يمكن إلحاق الهزيمة بمقاومة حماس قبل اخلاء غزّة ثم يقول «التاريخ يثبت أنّ تصفية زعيم سياسي يمكن أن توقف مسيرة سلمية، إلاّ أنّها لا تستطيع أن توقف إرهاباً على خلفيّة دينيّة قوميّة». وبالتالي هنا في غزّة تأتي خطّة الفصل كنتيجة منطقية للعجز الصهيوني عن تصفية المقاومة الوطنية بالقوّة.
ثمة صورة أخرى من الصور المتماثلة بين ما جرى في جنوب لبنان وما يجري حالياً في قطاع غزّة وهي صورة الطمع الإسرائيلي بالإبقاء على «مسمار جحا» كما حصل في لبنان بالنسبة لمزارع شبعا،  وذلك في منطقة فيلادلفيا على حدود سيناء، حيث تحاول قيادة أركان الجيش الإسرائيلي التستّر على شرف السياسة القومية الإسرائيلية المنتهك بشريط ضيّق. وثمّة من يرى أنّ إسرائيل بذلك تريد تكرار تجربة ما كان يسمّى في جنوب لبنان زوراً بالحزام الأمني، في حين أنّه في الواقع كان حزاماً للإخلال بالأمن وذريعة لمواصلة الإحتلال والعدوان بأشكال أخرى.
وهنا يبرز الدور المصري وموقعيّته في استراتيجية الهروب الإسرائيلية من قطاع غزّة. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ الرئيس السادات كان قد اعترض على استلام القطاع في إطار اتفاقيّة كامب ديفيد عام 1979 تملّصاً من الإشكالات الأمنية على الحدود المشتركة وتهرّباً من تسلّم وظيفة حارس الحدود بالسّخرة. وبالتالي فإنّ منطقة فيلادلفيا تحوّلت الى كرة نار يتقاذفها الطرفان المصري والإسرائيلي، خصوصاً وإنّ المصريين لا يرون في هذه المنطقة طبقاً لإتفاق السلام مع اسرائيل جزءاً من الحدود الدولية بين الدولتين([20]). فقد تم رسم الحدود في هذا الجزء بين مصر والكيان (الفلسطيني) الذي كان من المفترض ان يقوم في قطاع غزّة، على خرائط اتفاق السلام التي وقّعها كلٌ من الجنرال المصري طه المجذوب والسفير الأميركي رون آثرتون واللواء الإسرائيلي أبراهام تامير. وهذا يعني أنّ محور فيلادلفيا يمرّ عبر شريط أمني في أرض قطاع غزّة وليس في أراضِ اسرائيلية، كما أنّ مزارع شبعا هي داخل الأراضي اللبنانية السيادية، شاءت إسرائيل ذلك أم أبت.
لقد نسبت الى قطاع غزّة أوصاف مثل وكر الافاعي والجبل البركاني المشتعل ومستنقع التماسيح، وهكذا أيضاً كانت تتوالى الأوصاف لجنوب لبنان، مثل أرض الموت وارض النار ووادي جهنّم. واذا كانت اسرائيل قد اعتبرت انسحابها من لبنان كخطوة استراتيجية احاديّة الجانب في ظلّ اتفاق وتفاهم مع الامم المتحدة، فبالنسبة لقطاع غزّة تتوالى التساؤلات الإستراتيجية الإسرائيلية مثل: «لمن سنسلم المفاتيح؟ كيف سنحول دون حدوث حالة من الفوضى وعدم عودة القطاع ليصبح قاعدة للإرهاب؟ هل ستوافق مصر على تسلّم المسؤولية عن ممر فيلادلفيا؟ وإذا وافقت فهل يضمن ذلك عدم مساعدتها للجهات الإرهابية؟ ومن ناحية أخرى إذا بقي الجيش الإسرائيلي بعد الإنسحاب من المستوطنات وتواصل سفك الدماء هناك، فما هي الجدوى من الخطوة إذن؟».[21]

 

وعلى ضوء هذه التساؤلات يعدّد الصحافي الإسرائيلي يوئيل ماركوس مجموعة من الاخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها شارون وحكومته بشأن خطّة الإنسحاب من قطاع غزّة وهي كالتالي.[22]
1- أخطأوا بإعلانهم عن الخطّة علناً من دون الإتفاق بشأنها مع الرئيس بوش مسبقاً.
2- لم يأخذوا في الحسبان أنّ شيئاً ما لن يتزحزح في عام الإنتخابات وأنّنا سنبقى هناك حتى العام 2005 على الأقل.
3- لم يأخذوا في الحسبان ماذا سيحدث اذا هزم بوش وانتخب جون كيري مكانه. هل حاولوا تدارس موقف كيري من الخطة؟!
4- لم يأخذوا في الحسبان أنّ المفاوضات حول الإنسحاب ستجري مع الولايات المتحدة في ظلّ عدم وجود شريك للمفاوضات، وأنّ إسرائيل ملزمة بأن تنسّق كافة التفاصيل مع واشنطن، وهي ملزمة بكلّ المطالب التي تطرحها عليها.
5- لا يسمح الإعتماد، أو على وجه الدقّة، لا يسمح أن نحلم حتى، بأن يقدّم لنا بوش في عام الإنتخابات مساعدة بمليارات الدولارات من أجل تمويل محو خطيئة المستوطنات التاريخية.
6- الأهم من كلّ ذلك، هو أنّ شارون لم يحرّك ساكناً من أجل ضمان الدّعم السياسي الداخلي لتطبيق خطوته هذه. التدبير أحاديّ الجانب يعني أنّ كلّ شيء منوط بنا وبلا ذرائع ولا حجج واهية.


ويختتم ماركوس مآخذه وانتقاداته هذه بالقول:« ألمحكّ هو القدرة على الإنفصال والبقاء على قيد الحياة بالرغم من ذلك».
ورأى رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية في المنطقة العربية لمناهضة التمييز سعيد عكاشة ([23])أنّ مشروع شارون منذ انطلاقه إنّما جاء كتجسيد لمظاهر القصور والعجز الإستراتيجي في مواجهة المقاومة الشعبيّة، الأمر الذي كبّل أيدي إسرائيل سياسياً وشلّ قدراتها وأدخلها في دوّامة من الحيرة والتردّد ما بين البقاء أو الإنسحاب، وحال بالتالي طيلة سنوات الإحتلال الماضية دون خروج القوات الإسرائيلية من قطاع غزّة مثلما حصل في جنوب لبنان على مدى أكثر من عقدين من الزمن ألى أن تمكنّت المقاومة من إرغام قوّاته على الرحيل.  وفي ما يلي أبرز نقاط الخلل في استراتيجية الإنسحاب الإسرائيلي الأحاديّ الجانب من قطاع غزّة على ارضيّة الخلافات السياسية والعسكرية في هذا المجال:
1- لقد بدت خطّة الإنسحاب الأحاديّ وكأنّها تنازل صريح عن المباديء التي تبنّاها حزبا العمل والليكود أثناء تناوبهما (أو ائتلافهما) على السلطة في اسرائيل. فقد رفع «العمل» منذ تولّى إسحق رابين السلطة بين (1992-1995) شعار الأرض مقابل السلام، بينما جاء بنيامين نتنياهو في انتخابات عام 1996 ليتبنّى شعار «السلام مقابل السلام». ولم يغيّر الحزبان من شعاراتهما خلال السنوات التالية، ومن ثمّ فإنّ الإنسحاب الأحاديّ الجانب يضرب شعار حزب العمل لكونه يشكّل انسحاباً من الأرض من دون ضمان السلام من قبل الجانب الفلسطيني، ليس فقط لأنّه انسحاب من دون اتفاق، ولكن لكونه أيضاً لا يجيب عن الاسئلة الخاصة بالتأثير الذي قد تحدثه الفوضى الناجمة عن الإنسحاب على أمن أسرائيل، كما وتتناقض خطّة الإنسحاب مع الشعار المتطرّف والفارغ من المضمون القائل بالسلام مقابل السلام. فإسرائيل سوف تنسحب بعد تفكيك مستوطناتها، بما يعني رمزياً التخلّي عن الأرض مقابل لاشيء على الإطلاق. وبذلك يكون الإنسحاب الأحاديّ الجانب بمثابة إعلان الفشل والإفلاس بالنسبة لسياسات وشعارات اليمين واليسار في الإنتخابات الأخيرة والتصدّعات التي مابرحت تضرب اليمين منذ فوزه الكبير في الإنتخابات ذاتها، خصوصاً وأنّ أحزاب الوسط(مثل شينوي وعام إحاد) تبدو وكأنّها تتقدّم بسرعة لتفترش مساحات أوسع من الخريطة الحزبية والسياسية الإسرائيلية على حساب الحزبين الكبيرين.
2- كتب العديد من الخبراء الإستراتيجيين في إسرائيل عن الأثر السلبي الذي يمكن أن تتركه خطّة الإنسحاب الأحاديّ الجانب، على صدقيّة الردع الإسرائيلي، لاسيّما وأن هذه الصدقيّة قد تأثّرت بشدّة منذ اضطرار إسرائيل لعدم الرد على الصواريخ العراقية التي ضربت أراضيها أثناء حرب الخليج الثانية، ومروراً بإرغامها على المشاركة في مؤتمر مدريد عام ,1991 ثم قبولها توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 تحت ضغط الإنتفاضة الأولى، وأخيراً خروجها مدحورة من لبنان عام 2000 ، والذي كان خروجاً مذلاًّ من دون قيد أو شرط في ظلّ تكاتف الجيش والمقاومة. ويعتقد الخبراء الإسرائيليون بأنّ انسحاب إسرائيل من طرف واحد سوف يعلي من شأن الحركات الرافضة للتسويات السلمية مثل حماس والجهاد، والتي تؤمن بأنّ الكفاح المسلّح وحده القادر على تحقيق انسحاب إسرائيلي حقيقي، وليس التفاوض. وفي مثل هذه الحال لن تكون هناك ضمانات لعدم ارتفاع وتيرة العنف من داخل الضفة والقطاع، بل سيكون الأمر أكثر سهولة في ظلّ غياب الرقابة الإسرائيلية على النشطاء الفلسطينيين داخل القطاع، وسيشكّل ذلك كلّه مزيداً من التآكل لصدقية الردع الإسرائيلي.
3- إنّ خطّة الإنسحاب الأحاديّ الجانب، سوف تؤدّي- في حال تطبيقها - إلى تفكيك معسكر اليمين وخسارة شارون لدعم الأحزاب الدينية والقومية المتشدّدة المشاركة في الإئتلاف الحكومي (المفدال، الإتحاد القومي). وعلى الرّغم من أنّ حزب العمل قد يدعم شارون بانضمامه الى الإئتلاف بدلاً من اليمين المتشدّد، إلاّ أنّه لا يمكن تصوّر إمكانيةّ الصمود شارون في المعركة الداخلية التي ستنشب على خلفية تكتّل أحزاب المستوطنين واليمين المتطرّف ضدّ زعامة الليكود. ويدرك شارون أنّ خصمه اللدود بنيامين نتنياهو يتحيّن الفرص لإستعادة زعامة الليكود التي فقدها عندما خسر رئاسة الحكومة أمام يهود باراك في أيار .1999 ومن ثمّ قد يسعى نتنياهو لعرقلة خطط شارون في اللجنة المركزية للحزب، حيث يثبت للرافضين لمشروع شارون بالإنسحاب الأحادي، أنّه البديل الملائم الذي يمكن الإعتماد عليه، كما ويدرك شارون أنّ حلول حزب العمل محلّ الأحزاب الدينيّة والقوميّة التي ستغادر الإئتلاف سيصبح رهينة لإرضاء حزب العمل ومعه حزب شينوي اللذين يمتلكان معاً 34 مقعداً في الكنيست، مما يجعلهما سوية ( بسياستهما الرّامية إلى التسوية مع الفلسطينيين والدخول في مواجهة داخلية على خلفية الصراع العلماني الديني مع الأحزاب الدينية ) المحرّك الرئيسي لسياسة الإئتلاف، وهذا سيعني الدخول في مواجهة غير مضمونة مع جماهير الأحزاب الدينيّة والقوميّة وتدعيم موقعها في الساحة السياسية على حساب الليكود بالدرجة الأولى، وهو الذي كان قد أفلح من قبل في جذب جمهور هذه الأحزاب لصفوفه. وليس من المستبعد أن يفقدها ثانية لصالح هذه الأحزاب إذا ما اقتربت سياسته من سياسة اليسار ويسار الوسط.
4- إنّ شارون لا يريد أن يكون انسحابه من غزّة من دون أيّ ثمن، فإذا كان الفلسطينيون يرفضون دفع هذا الثمن، فلا أقل من البحث عن بديل له من الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي دعاه إلى إرسال مدير مكتبه دوف فايسغلاس ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي غيورا آيلند إلى واشنطن لمحاولة إقناع الإدارة الأميركية بمكافأة، إسرائيل مقابل تطبيق مخطّط الإنفصال الأحاديّ الجانب. وقد وضع منافس شارون على زعامة الليكود، وزير ماليته بنيامين نتنياهو تصوّراً لهذه المكافأة وتتمثل في:
أ- إستمرار إسرائيل في السيطرة على المعابر الحدوديّة بعد الإنسحاب.
ب- إعلان واشنطن عن حقّ إسرائيل في ضمّ التجمع الإستيطاني الذي يبتلع قرابة 8% من أراضي الضفة الغربية.
ج- إعلان أميركي بعدم الإعتراف بحقّ العودة للاجئين الفلسطينيين.
وقد أثبتت إستطلاعات الرأي أنّ 55% من الإسرائيليين وقرابة 80% من أعضاء الليكود يؤيّدون شروط نتنياهو، الأمر الذي يهدّد مخطّط شارون وبعض معسكر اليمين، للتصدّع ويرفع من أسهم زعامة نتنياهو.


يضاف إلى ما تقدم أنّ مخطّط شارون للإنسحاب الأحاديّ، تقابله عيوب فاضحة ونقاط خلل مدمّرة لإيجابيّاته من وجهة النظر الفلسطينية، وتتمثل أولاً في جدار الفصل العنصري الذي يتمّ بناؤه في الضفة على مسارات هدفها الأساسي قضم أراضي الفلسطينيين وضمّها والتنكيل بهم وبمعيشتهم، وثانيها مشكلة محور فيلادلفيا وإشكالاتها السياسية مع مصر، وثالثها نوعيّة وقلّة عدد «المستوطنات غير المهمّة» التي من المفترض إخلاؤها في الضفة، ورابعها أنّ الخطة تقضي بالإبقاء على قطاع غزّة، حتى بعد الإنفصال، مرتهناً ومرتبطاً بإسرائيل بألف طريقة وطريقة. فإسرائيل ستزوّد قطاع غزّة بخدمات البنى التحتيّة، كالكهرباء والماء والوقود والتجارة الخارجية والإتصالات، وستواصل وزارة المالية الإسرائيلية العمل بموجب كلّ الإتفاقات المتعلقة بجباية الضرائب والجمارك المرتبطة بالبضائع الخاصة بالقطاع، كما وسيتواصل اعتبار وحدة النقد الإسرائيلية على أنّها العملة القانونية المتداولة هناك، وسيتواصل السماح لعمّال غزّة بالعمل في إسرائيل، وسيتمّ توسيع المنطقة الصناعية في منطقة معبر إيريز، وستقام مناطق مشتركة أخرى، فيما ستبقى المعابر الحدودية للقطاع وموانئه البحرية والجوية ومجاله الجوي خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.[24]
أمر واحد فقط سيتغيّر وهو إخلاء قرابة سبعة آلاف مستوطن إسرائيلي يعيشون في مستوطنات القطاع، وتسليم المباني التي أقاموا فيها، ومنشآت الإنتاج الخاصة بهم، إلى إدارة أميركية دولية متفق عليها. وبذلك ستنتهي مغامرة الإستيطان اليهودي في قطاع غزّة والتي تعتبرها غالبية سكان إسرائيل اليوم بمثابة «خطأ تاريخي» بحسب تعبير وزير الدفاع شاؤول موفاز نفسه.
أمّا المفكّر الإستراتيجي زئيف شيف([25]) فيرى أنّ التغيير الجوهري الذي ينبع من خطّة فكّ الإرتباط، يكمن في أنّ شارون قد توصّل على ما يبدو إلى نتيجة مفادها أنّه لا وجود لحلّ عسكري صرف للنزاع مع الفلسطينيين. ولا تنبع صعوبة تحقيق حلّ عسكري من وجود ضعف في القدرات العسكرية الإسرائيلية، وهذا أمر مفروغ منه، بل من الظروف الإستراتيجية الشاملة للنزاع، وأيضاً بسبب «محدودية القدرة» التي تبرز بشكل واضح عندما يتعلّق الأمر بدولة صغيرة بإمكانيّاتها البشرية بنوع خاص. فهذه حرب استنزاف طويلة الأمد ومنخفضة الحدّة، وفيها تقلّبات وتوقّفات ومفاجآت وجولات متعدّدة الأشكال، من دون إمكانيّة التوصّل فيها إلى الحسم الإستراتيجي النهائي، حتى على مستوى الوعي الإدراكي لدى الفريقين المتنازعين. وعندما قال ذلك في الماضي رؤساء أركان مثل دان شومرون، إعترض عليه اليمين الصهيوني وعلى رأسه شارون نفسه. كما وأنّه توجد صعوبات جمّة في وجه إيجاد حلول سياسية. وقد جرت محاولات فاشلة عديدة على هذا الصعيد، خصوصاً أثناء ولاية كل من رابين وبيريز وباراك. فما العمل إذن؟ هنا حصل، بحسب رأي شيف، تحوّل جوهري في فكر شارون بشأن «الأهمية الأمنية للمستوطنات». فهو انتقل لتبنّي مفهوم كل من رابين وحاييم بارليف إذ قالا إنّه ليست كل المستوطنات ذات أهمية أمنية. وخلافاً للماضي أقرّ شارون أمام جمهوره بأنّ مستوطنات غوش قطيف وقطاع غزّة ليست ذات أهميّة أمنية حيوية. وهذا هو موقفه حالياً أيضاً إزاء مستوطنات معينة في الضفة الغربية حيث يبدي استعداده لإخلائها. وهذا يعني بتعبير أوضح، سقوط المفهوم القائل بأنّ أهمية الأرض تفوق كل شيء.

 

 الفروقات بين غزة ولبنان
يذكر الكاتب الإسرائيلي عوفر شيلاح([26]) أنّه يوجد فرقان جيوستراتيجيان ملموسان ما بين لبنان الأمس وغزّة اليوم وهما:
أولاً: المنطقة المستوية «السهلة التقشير» بالنسبة للجيش النظامي في قتال حرب العصابات في غزّة، حيث أوجد الجيش الإسرائيلي لنفسه ساحة قتال مريحة أفضل ممّا كانت له في لبنان، ولكن بثمن فادح للمدنيين والمزارعين الفلسطينيين.
ثانياً: لا يوجد أيّ تناظر في تلاحق الأحداث. فعلى امتداد عدّة أسابيع في الفترة الماضية الأسابيع أحصيت ثمان عمليات إطلاق نار وزرع عبوّات في المتوسّط يوميا. أمّا في لبنان فقد كان هذا معدلاً شهرياً خلال معظم سنوات القتال.
وفي الأسابيع الاخيرة جرى هذا القتال الثقيل في ظل وضع معروف منذ أيام لبنان ألا وهو ظلّ الإنسحاب الوشيك المعلن. وخلافا للبنان ,2000 فإنّ قوّات الجيش الإسرائيلي في العام 2004 لا تملك في غزّة بعد خط انسحاب محدّد معروف ولا جدولاً زمنياً للتحرّك. الموجود فقط هو قرار صامت بعدم موافقة الجيش على تكرار مهزلة الإنسحاب من لبنان. والأصوات العسكرية المذعورة تعود لتسمع وهي تقول: «لبنان لن يتكرّر مرة أخرى هنا».
وخلافاً للبنان حيث كان حزب الله وحده المسيطر، يوجد حالياً في غزّة كلّ من دحلان وحماس وغازي الجبالي وسواهم. الجميع يقول الآن إن جرح لبنان لم يندمل بعد ومع ذلك لا يجري تعلّم الدرس. فقائد فرقة غزّة اللواء غادي شمّاي يدّعي إحراز إنتصارات إسرائيلية كلّ يوم. وهذا صدى لمهاترات وادعاءات قائد المنطقة الشمالية على الحدود مع لبنان اللواء عميرام ليفين قبل عقد من الزمن عندما كان يدّعي السيطرة على الوضع وأنّه على وشك القضاء على مقاومة حزب الله. ولكن لم يتأخر اليوم الذي ظهرت فيه منظمة «الأمهات الأربع» التي تفجّعت على فقدان الأبناء من دون جدوى. وهذا يتكرّر اليوم في قطاع غزّة حيث أفاد استطلاع للرأي نشره معهد يافيه للأبحاث الإستراتيجية بتاريخ 14/3/2004 بأنّ 68% من الإسرائيليين يدعمون حالياً خطّة الإنفصال.
آرييل شارون الغارق في الإرباك والفضائح في هذه الأثناء يحاول التحرّك في المنطقة الرمادية ما بين الأمني والعسكري، ولكنّه يجد نفسه أمام تحديّات كلٍّ من الوزيرين القويين سلفان شالوم وبنيامين نتنياهو، فيعمد للإستعانة بمدير مكتبه فايسغلاس ورئيس مجلس الأمن القومي غيورا آيلاند اللذين تدفعهما رغبتهما في إنجاح الخطّة إلى المطالبة بالتنسيق مع الفلسطينيين، وهذا يعني سقوط شارون في المحظور وإفراغ نظرية «أحاديّة الجانب» من كل مضمون. وباختصار فإنّ شارون يتخبّط في مأزق خطّته المفتقرة إلى كثير من عوامل النجاح، وهي إن تمتّعت بدعم شعبي عام، إلا أنّها، وللمفارقة، لا تحظى بموافقة أغلبية ائتلافه الحكومي من الليكود والإتحاد القومي والمفدال. وهنا يطرح السؤال: من يدري أنّ شارون لم يكن يخطط سلفاً للوصول إلى الطريق المسدود بعد إثارة كل هذا الضجيج في حملة علاقات عامة تكتيكية بشأن إنسحاب موهوم؟.
على كلّ حال فإنّ خلاصة الموقف هي إبقاء السمّ في الدسم، أي أنّ الإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة من دون الإنفصال عنه تماماً سوف يقود الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى مفترق طرق، إذ يمكن للقطاع أن يصبح بعد إخلاء المستوطنين والمستوطنات، نوعاً من (الغيتو) أو المعزل الفلسطيني الضخم الذي يحاصر في داخله بشكل مكتظّ جداً أكثر من مليون ونصف مليون مواطن فلسطيني محرومين من السيادة الحقيقية ويعانون من البطالة والبؤس المادي والمعنوي، ويتحوّلون إلى كارثة إنسانية وبرميل بارود مستعد للإنفجار الدائم، لاسيما بعد تجريدهم من كبار قادتهم الروحيين والزمنيين مثل الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي. وهكذا يتحوّل مشروع الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن إقامة دولة فلسطينية قابلة للإستمرار إلى مجرد إطار تختفي في داخله الخديعة الكبرى المسماة الإنسحاب الأحادي من قطاع غزة.

 

خاتمة
لقد كتب ليدل هارت، كبير الخبراء العسكريين البريطانيين والعالميين في القرن العشرين، أنّ هدف الحرب ليس أجساد جنود العدو، وإنّما عقول ونفسيات قادته وزعمائه، وفي رأيه أنّ خلاصة الإستراتيجيات هي خلاصة نفسية وتنحصر في دفع العدوّ إلى تجرّع الهزيمة المعنوية. ومن هذا المنطلق فإن المؤرخين الذين سيحللون في المستقبل الحرب الإسرائيلية الفلسطينية، سوف يشيرون بالتأكيد الى شهر تشرين الأول 2003 كنقطة تحوّل لدى القيادة في تل أبيب. ففي هذا التاريخ تحطم الإجماع الوطني الإسرائيلي الذي صمد ثلاث سنوات، منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في أواخر العام ,2000 بشأن الإصرار على إلحاق الهزيمة النفسية والمعنوية بالشعب الفلسطيني، ومنذ ذلك الحين إنهارت هيكليات كثيرة وقامت مكانها هيكليات جديدة لكي تسدّ الفراغ الحاصل بسبب الفشل العسكري والأمني بنوع خاص. وهكذا إنهارت على الأثر مراهنات حكومة محمود عباس (أبو مازن) ومعها الآمال الأميركية والإسرائيلية في إحداث تعديلات تجميلية للواقع القومي الفلسطيني لجهة التعاطي الإستراتيجي مع الإحتلال الصهيوني، وتراجع التدخل الأميركي المباشر، وظهرت مكانه مبادرة جنيف برئاسة يوسي بيلين وياسر عبد ربه، وحصلت العملية الإستشهادية القاسية في مستعمرة نتساريم، وتدهور الدعم الشعبي لرئيس الحكومة شارون. ومن هنا إضطر هذا الأخير إلى التدحرج نزولاً عن الشجرة الباسقة التي تسلّقها منذ تسلمه السلطة عام 2001 واعداً بتوفير الأمن والسلام للإسرائيليين، فإذا به بعد مرور ثلاث سنوات عجاف يقرّ، ولو ضمناً، بفشله. وشارون الذي قال في نيسان2000 أنّ نتساريم مثلها مثل تل أبيب، مشبّهاً المستوطنة المنعزلة قرب غزة بالكيبوتس الذي صمد بوجه المصريين عام ,1948 يضطر الآن إلى طرح خطة تحمل إسمه وتوقيعه للإنسحاب التام والكامل من قطاع غزّة، مع ما في ذلك من اعتراف واضح بالفشل وخيبة الأمل حتى لو حاول تغطية ذاك الفشل وهذه الخيبة بتصوير أنّ الخطة إنّما تهدف إلى تحسين وضع إسرائيل الأمني من خلال مجرّد انسحاب عسكري تكتيكي يحقق منفعة استراتيجية سياسية، أولاً بإحباط مبادرات سياسية مزعجة مثل مبادرة جنيف ومبادرة ساري نسيبة-إيالون وثانياً توفير الذرائع والمبررات لتعميق الإحتلال في المنطقة الأهم والأخطر في الضفة الغربية.
والجدير بالذكر أخيراً أنّ خطة الإنسحاب التي يطرحها شارون حالياً ليست جديدة، بل إن العميد عيبال جلعادي، المستقيل من هيئة الأركان، سبق له أن اقترحها لأول مرة في شهر تشرين الأول ,2001 كصيغة ترمي إلى تثبيت الواقع في الضفة الغربية، وتقليص الاحتكاك بين الفريقين المتنازعين. أيّ في المفهوم الإستراتيجي كانت تلك خطة تقوم على تنازل جزئي عن مناطق محدّدة، مقابل شرعية دولية وموافقة على تأجيل الحل النهائي إلى أجل غير مسمى؛ وهذا ما يمكن تسميته معادلة: أرض في مقابل الوقت.

 

[1]  محمود الجعفري :التجارة الخارجية الفلسطينية الإسرائيلية: واقعها ومستقبلها -آذار .2000

[2]  قضايا إسرائيلية، السنة الثالثة، العدد العاشر، ربيع ,2003 ص:.7

[3]  مختارات إسرائيلية، العدد ,114 حزيران ,2004 ص: .108

[4]  السفير 20/7/,2004 الإفتتاحية بقلم جوزف سماحة.

[5]  المصدر السابق ص:.14

[6]  المصدر نفسه.

[7]  المصدر نفسه.

[8]  هآرتس 5/2/,2004 آلوف بن، غزّة مقابل الضفة.

[9]  يديعوت أحرونوت 6/2/,2004 روني شاكيه، تصريح شارون حول إخلاء المستوطنات من غزّة فاجأ الفلسطينيين.

[10]  هآرتس 6/2/,2004 زئيف شيف، التحرر من 5,1 مليون فلسطيني سيخفّف الضغط الديموغرافي على إسرائيل.

[11]  يديعوت أحرونوت 27/5/,2004 ديانا بحورنير، شارون يعرض خطة الإنفصال.

[12]  ناحوم غولدمان، إسرائيل الى أين، مجلة الدراسات الفلسطينية ط.1980 ,1

[13]  عمر حلمي الغول، الإنتفاضة إنجازات وآفاق، مؤسسة عيبال، ط.1990 ,3

[14]  ميزان المناعة والأمن القومي في إسرائيل، وثائق هرتسيليا، المؤتمر الثالث، إصدار مركز باحث ص:.76

[15]  هآرتس 8/3/,2004 آري شافيط، مصدر سابق.

[16]  لمزيد من التفاصيل انظر كتاب «هزيمة اسرائيل في لبنان»، الياس شوفاني، دار عطية، ص: 103 وما بعدها.

[17]  الحياة 13/2/.1998

[18]  الأهرام 18/5/.1998

[19]  هآرتس 26/3/2004 يوئيل ماركوس، خطة الإنفصال نشأت لفشل إسرائيل في تصفية الإرهاب بالقوة.

[20]  هآرتس 3/3/,2004 زئيف شيف، مصر لن تكتفي بدور الشرطي.

[21]  هآرتس 9/3/2004 يوئيل ماركوس، شارون طرح خطته في توقيت غير ملائم لبوش.

[22]  المصدر نفسه.

[23]  مختارات إسرائيلية، العدد ,112 نيسان/ابريل ,2004 صس: 103 وما بعدها.

[24]  يديعوت أحرونوت 20/4/2004 سيفر بلوتشكر، دور الفلسطينيين.

[25]  هآرتس 11/3/,2004 زئيف شيف، المفاهيم الأمنية تتقوّض.

[26]  يديعوت أحرونوت 12/3/2004 عوفير شيلاح، هناك تماثل بين لبنان وغزة.

The project of withdrawal from Gaza in a strategic Israeli view

After the launching of the "Intifada" on September 28, 2000 The General Arial Sharon thought that he was the only man in Israel who is able to extinguish it and to comprehend its political consequences on the ground during 100 days and more. He invented these pretexts to gain the public and political opinion. He was victorious if we make a comparison between him and his colleague Ehud Barak. During four years in his leadership many dramatic developments of diplomatic suggestions and security and military confrontation has occurred. In addition, Israel has lost thousands of killed and wounded people and billions of dollars from its national income like the Palestinians who has lost many times as much. The field of conflict mentioned also the attempts of Zeni and Tinet, the Arabic plan and the road map like the plan of Youssi Belin,Yasser Abed Rabo,Sari Nasibi and Ami Aylon.That's what happened after it is clear that Israel has lost by using all its high-tech and military power to stabilize a state of Palestinians has,also,lost in contributing to a stat of psychic defeat and decomposition in the Israel community,inspite of decomposition in the Israeli community,inspite of the big human and material losses.
But Sharon was watching for these attempts until he was convinced that who demand more attain less and he realized that it is impossible to join the lands of Gaza and many lands from the west bank without their people. which threatens the identity and the destiny of the Jewish state as a racist State with a unique democratic regime, particularly towards the Israel Academic reports which warned from the Israel Arabic birthrate inside and outside the border of the green line.
 
Towards this difficult equation and under politic, diplomatic and field pressures, Sharon was forced to adopt the plan of separation from one side. That means Israel will chose the biggest size of Palestinian land.
In this manner, the plan of the complete separation in Gaza's sector was set on the way of execution because of the conflicts between many commands inside the Licoude and other religious and fundamentalist parties. Financial budgets for the compensation to the dwellers who are nominated for the relocation in other colonies licensed by the government.
 
Sharon has accepted also to build the separation wall in the West Bank behind the green line and around Jerusalem and its suburbs, which contributes to swallowing 42% from the best lands in the west bank, chosen according to scientific reasons. Sharon started executing plan covered by the American president's declarations which say that the situation on the ground must be taken into consideration. That gives the government an excuse to establish the Jewish  colonies that takes care of dwellers, coming from all over the world, to setting them in a humanistic way all on the expenses of the Palestinian people's right of self determination on their own land, and the land of their ancestors. By these ways occupation, the main problem, was disguised.
 
While the public Intifada was exposed as "terrorism" which threatens the security of Israel and the region.
Under all these hard pressures and after the death of the Palestinian leader Yasser Arafat, Palestinians found their selves in front of an impose, so they accepted to enter a maneuver to seek for a political solution in a time where Sharon seeks recovery and comprehension of the step for executing his plan, far from the spirit of the road map and the international legitimacy. As a result, the Palestinian State, "the dream" transformed to a plaque without a realistic title on the ground. Thus, Sharon became a historical hero in Israel who established the great Israel in the big Middle East after it became clear for all inside and outside Israel, that he is the problem and the solution in the same time. To continue with him is an impossible thing like leaving him.
 
However, Sharon in this period in no more than a reproduction of another historical Israeli personality from Ben Gorion, Dayan,Golda Meir to Manaheim Begen to Itzak Rabin. He followed the way they started with faithfully based upon the concept of extent at the expenses of the Palestinians and Arabs. This is the continuous strategy of Israel no matter what it holds as a cheating titles, the last one was "the separation from one side" Gaza's sector in which Rabin said that he hopes to wake up and see it drowned and Shemon Perez said that it's the pus thrown to our faces.have lost many chances where the international balance was for their benefits more than today. How can they treat a big cause like this under the disturbance of the international balance and under the political, economical and military weakness and under the big need of their States to monetary aids while the abundant Arabic capitals support the American economy in its battle which can be named correctly, the American, "mother of battles".

Le projet du retrait de Ghaza du point de vue stratégique israélien
Après le déclenchement de l'Intifada de l'Aqsa, le 28 septembre 2000,le Général Ariel Sharon croyait qu'il est la seule personne en Israël qualifiée à la réprimer et à renfermer ses répercussions politiques dans une limite de 100 jours.
 
Il a oeuvré à investir ces prétentions pour gagner l'opinion publique et politique.Il remporta alors son collègue Général Ehud Barrak et gouverna environ 4 années qui furent comblées de développements dramatiques au niveau des propositions diplomatiques,et des confrontations militaires.Israël a perdu des milliers de morts et de blessés, ainsi que des milliards de dollars de son revenu national, tout comme les pertes des palestiniens étaient au centuple.La place du conflit a témoigné plusieurs attentats pour épargner le combat, et éviter la politique de guerre;notamment les attentats de Zeini-Tenitt-le plan arabe,la feuille de route, ainsi que le plan de Youssi Béline-Yasser Abed Rabbo-Sari Nasibé et Ami Aylon.Tout cela fut après que tout le monde avait réalisé qu'Israël a employé les capacités militaires et technologiques sophistiquées pour stabiliser l'état de répression et l'esprit d'engagement chez les palestiniens;Tout comme les palestiniens ont échoué à réaliser un état de défaite psychologique et d'incohérence sociale auprès de la société civile israélienne, malgré les pertes humaines et matérielles qu'a subit cette société.Or Sharon était aux aguets vis à vis de ces attentats, au moment où il s'est
convaincu finalement qu'il lui est impossible d'annexer le territoire de Ghaza et une grande partie de la rive ouest sans ses habitants,un fait qui menace l'identité et le destin de l'état sioniste comme étant un état raciste à système démocratique unique, surtout vis à vis des rapports académiques israéliens avertissant de la multiplication du peuple arabe à l'intérieur et à l'extérieur de la ligne vert.
   
Face à cette équation difficile, et sous les pressions politiques et diplomatiques,Sharon se trouva obligé d'adopter le plan de détachement d'un seul côté:Israël choisira la plus grande quantité possible de territoires palestiniens.
C'est alors que commença l'exécution du plan de disjonction dans la bande de Ghaza,suite aux conflits durs avec plusieurs commandements au sein du Likud et des autres partis religieux intégristes.Des budgets furent alors destinés pour compenser les implantés qui pourront être installés dans d'autres complexes autorisés de la part de l'état !!De même Sharon approuva l'établissement du mur de séparation dans la rive ouest,en dehors de la ligne verte et tout autour de Jérusalem et ses banlieues.Le bilan sera :l'annexion de près de 42% des meilleurs territoires dans la rive ouest,des territoires choisis pour leurs caractéristiques scientifiques.Sharon commença à appliquer son plan,à l'ombre des déclarations du président américain qu'il fallait prendre en considération les événements surgissant ;justifier l'établissement des colonies juives sous prétexte de prendre soin des colonisateurs venus des différents coins du monde et les implanter pour des raisons humanitaires !!Tout cela est  aux crochets des droits du peuple palestinien à disposer de lui-même sur son territoire et celui de ses ancêtres ;C'est grâce à ces moyens que le problème essentiel de l'occupation fut camouflé  alors que L'Intifada du peuple à été présentée comme étant un acte terroriste qui menace la sécurité d'Israël et de la région.
   
A l'ombre de ces pressions et après le décès du leader palestinien Yasser Arafat,les palestiniens se sont trouvés dans une impasse.Il acceptèrent alors de participer à la manدuvre pour trouver des solutions politiques,au moment o Sharon essaie de digérer les phases du plan exécuté loin du principe de la feuille de route et de la légitimité internationale.
C'est alors que l'Etat palestinien "rêve" est devenu une simple enseigne sans titre réel et par la suite Sharon est devenu le héros historique d'Israël,fondateur de la grande Israël dans le grand Moyen-Orient ;surtout que tout le monde,à l'intérieur et à l'extérieur d'Israël,a réalisé que ce dernier est à la fois la solution et le problème ;avec qui la vie est impossible et sans lui la continuité est difficile.
   
Malgré tout,Sharon dans cette époque,n'est autre que le clonage des autres personnalités historiques israéliennes comme Ben Gorion, Dayane,Golda Maïr,Menahim Beygan,Isaac Rabine. Il a alors continué ce que les autres ont commencé,sur la base de l'expansion aux crochets des palestiniens et des arabes,et sous l'égide de l'équation établie :(Annexer le plus grand nombre de territoires et se débarrasser du plus grand nombre d'arabes). C'est la stratégie continue d'Israël, quels que soient ses titres  trompeurs dont notamment était la séparation d'un seul côté de la bande de Ghaza que Ishaac Rabin a souhaité un jour faire disparaître.