رحلة في الإنسان

من أين تأتي أفكارنا الشريرة وكيف نتعامل معها؟
إعداد: غريس فرح


كثيرًا ما تجول بخاطرنا أفكار نخجل من البوح بها. كأن نضمر الشرّ لأحدهم، ونتمنى إزاحته من الوجود، أو أن يحلو لنا التشهير بصديق خابت آماله، فنهرع لمواساته بينما نشعر ضمنًا بالفرح والشماتة.
باختصار، في داخل كل منّا كائن آخر، نبقيه في الظل، نكبته، لكنّنا نعجز عن إسكاته. ينفث هذا الكائن دخانه الأسود، فيفرحنا حينًا، ويشعرنا بالذنب حينًا آخر، إنّه من نسيج ذواتنا، فكيف نتعامل معه؟

 

أفكار خارج السيطرة
كان عالم النفس السويسري «كارل يونغ»، أول من غاص في عمق الأفكار البشرية الشريرة، وفي كتابه «سيكولوجية اللاوعي»، أكّد أنّ لكلّ منّا شخصية ظل، هي الجزء اللاواعي من الذات. وبتعبير أوضح، الجزء الحيواني الغرائزي وما يلازمه من أفكار ورغبات سوداء. وفي الواقع، فإننا كبشر نعايش المجتمع الحضاري، نعمل جاهدين من أجل منع هذه الأفكار من الظهور، إلا أنّ انفجارها يبقى محتملاً في أية لحظة.
إذن، الجانب الأسود من ذواتنا موجود على الرغم من تنكّرنا له. ويبقى السؤال: كيف تمكّن من احتلال هذه المكانة، وما هي العوامل التي أدت إلى ظهوره؟

 

المؤثرات الخارجيّة وآليّة الدماغ
بحسب الباحث النفساني الأميركي «إريك كلينغر»، فإن مجموعة عوامل معرفيّة قد أسهمت منذ بداية الحضارات، بتكوين ما يعرف «بالأنا»، أو الجزء العقلاني الواعي الذي به نعترف ونفتخر. لكن يبدو أن عوامل بدائية قد تسبب نشوء الجزء اللاواعي الذي يحتضن الأفكار المشوشة. وبحسب هذه النظريّة، فإنّ في الدماغ آلية تقوم بمسح بيئي مستمر من أجل تسجيل المؤثرات المقلقة، أو المثيرة للمشاعر. وحالما تصطدم المعطيات اللاواعية الناجمة عن هذا المسح بأحداث منبّهة، تنفجر بشكل أفكار متناثرة هوجاء، يسميها عالم الأعصاب الأميركي «سام هاريز» «الأفكار العشوائية»، وهي برأيه خارجة كليًا عن السيطرة. وقد أوضح في كتابه «الإرادة الحرّة» أن مجرّد اعتبارنا مخلوقات واعية، يجعلنا مسؤولين عن أفكارنا وتصرفاتنا، لذا يصبح من المستحيل ترجمة أفكارنا العشوائية إلى واقع (إلاّ في الحالات المرضية)، ومن هنا إحجامنا عن الاعتراف بها، علمًا أنها موجودة ومقلقة. وفي هذا السياق يؤكد أن الأفكار والنوايا تنشأ من أسباب لا نعيها، ولا نملك السيطرة عليها، وقد تكون ناجمة من عمل جينات معيّنة، أو أن عوامل بدائية مهّدت لبروزها.

 

حقائق لا بد من مواجهتها
من هذا المنطلق، يصبح من الضروري الإشارة إلى حقائق بالغة الحساسية، تتعلّق بالأفكار والنوايا اللاواعية الكامنة خلف التعاطف مع عذابات الغير، وخصوصًا في حالات المرض والموت. وبحسب الباحث النفساني الأميركي «مارفين زوكرمان»، نحن نتألم لأحزان الغير، ولكن في أعماقنا اللاواعية نشعر أنّ إقدامنا على مؤاساتهم، يتيح لنا تفريغ شحناتنا ومشاعرنا الهدّامة. وهذا يحصل من دون إيذاء أنفسنا والآخرين. إلى ذلك، فإنّ سلوكنا هذا يشعرنا بنشوة العيش انطلاقًا من مبدأ: إننّا نتحسس رهبة الألم والموت، إذًا نحن أحياء ومعافون. من ناحية ثانية، يلاحظ «زوكرمان» أن البعض يعيرون الكثير من الاهتمام لأحداث العنف والاضطرابات والحروب. وعلى الرغم من أنّهم لا يعون مدى انسجامهم مع هذه الأوضاع المنحرفة، إلا أن الاختبارات الدماغية التي أخضعوا لها، أظهرت بوضوح ردّات فعلهم الإيجابية تجاه مشاهد العنف، وذلك بالمقارنة مع لامبالاتهم تجاه الأحداث العادية.
وقد ثبت أن هؤلاء يمتلكون جينات متلقّية للدوبامين، وهي تنشط عند تعرّضهم لهذه المشاهد، الأمر الذي يثير فيهم المشاعر المشار إليها. وهذا يعيدنا إلى ما أكده «سام هاريز» بشأن انعدام الإرادة، في ما يتعلق بالأفكار والنوايا وخطوط الشخصية.

 

رؤية الغرباء والأفكار السوداء
لا ينسى الباحثون التطرّق إلى الصراعات الداخلية والأفكار السوداء الناجمة عن الخوف من الغرباء. وهم يعتبرون أن مجرد الوجود في أجواء غريبة عنا، يثير في أعماقنا أفكارًا نودّ لو لم تكن موجودة. مع ذلك، وكما يؤكد الباحث «مارك سكالير» من جامعة كولومبيا الأميركية، فنحن لا نستطيع أن نلوم أنفسنا على هذه الأفكار. فاللّوم، على حدّ تعبيره، يقع على آلية الوقاية البدائية، أي الآلية التي حضّرتنا منذ أقدم العصور من أجل التصدّي للدخلاء على بيئتنا الحياتية. وعلى الرغم من أن هذه النظريّة لا تؤمّن الشرح المطلوب لتوارد الأفكار السّوداء، إلا أن جميع المعطيات الحالية تشير إلى صدقيتها. والمناطق السّاخنة في العالم اليوم، هي ترجمة حية لمبدأ البقاء البدائي من خلال التصدّي لغير المنتمي إلى المجموعة.

 

التفكير بالقتل وعقدة الذنب
بما أن آلية المناعة الفطرية، المشار إليها، تبيح قتل من يهدد بقاءنا، فإنّ فكرة القتل قد تجول ببال الكثيرين لأسباب مختلفة، والأهم أن الاستقصاءات التي أجريت بهذا الشأن، أكّدت أن نسبًا كبيرة من الجنسين قد جالت في بالهم فكرة القتل. وبحسب ما يؤكد العالم النفساني «دايفيد باس»، صاحب كتاب «المجرم في الجوار»، فإنّه في حال اعتبار التفكير بالقتل جريمة يحاسب عليها القانون، كنا سنجد حوالى السبعين بالمئة من النّاس في السجون. على كلٍ يؤكد «باس» أنّ التفكير بالإجرام قد يمهّد أحيانًا لارتكاب الجريمة، لكنّه غالبًا ما يكون تنفيسًا عن أحقاد دفينة، وعاملًا يحول دون حصولها.
الأفكار المشار إليها كثيرًا ما تشعر أصحابها بالذنب، وتجلب لهم الشقاء من دون أن يدروا، والأهم أنّ كبتها يتسبب عمومًا بتفاقمها، الأمر الذي يزيد حدّة الصراعات الداخلية، ويؤدي بالتالي إلى انفجار محتّم.
قمع الأفكار إذًا لا يجدي، إنّه يحوّلها إلى وساوس يلاحقنا طيفها ويشعرنا بالمزيد من الذنب. فلندعها تمرّ، ولنتقبّلها كمجرد أفكار تجول في البال، وسرعان ما تذوي وتزول.