ندوة

من الإدارة إلى القتال... نساء رائدات في الجيش
إعداد: الرقيب كرستينا عباس

كل مكان في المؤسسة العسكرية بات مشرَّعًا أمام الإناث... لم يعد عملهنّ يقتصر على الأمور الطبية والإدارية، فالمرأة اليوم باتت شريكة للرجل، تسير معه «جنبًا إلى جنب في خدمة لبنان».
 لم تصل المرأة إلى مكانتها الحالية في المؤسسة العسكرية بِـ«سحر ساحر»، وإنما بفضل قرار أعطاها الفرصة، وإصرار مكّنها من إثبات جدارتها في القوات المسلحة كما في ميادين أخرى.

 

«نساء رائدات: هدف، رؤية وطموح»، عنوان ندوة نظّمتها الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا AUST، لتسليط الضوء على تجربة المرأة اللبنانية في الجيش. وكان من بين الحضور مساعد قائد منطقة بيروت العميد الركن علي غزيّل ممثلًا قائد الجيش العماد جوزاف عون، رئيسة الجامعة ممثَلةً برئيس قسم الإعلام الدكتور جورج فرحة وعدد من الأساتذة، إضافة إلى الطلاب.
بدايةً، شاهد الحاضرون فيديو عن دور المرأة في الجيش تضمّن مقتطفات من كلمة يشرح فيها العماد قائد الجيش خطة تطويع الإناث في السلك العسكري التي تندرج في إطار «منظومة تعزيز دور المرأة وفق برامج وبنى تحتية لائقة لتطوّعها».
 

عودة إلى التاريخ
بعد هذا الفيـديو، كانت كلمة قسم الإعلام في الجامعة، وقد ألقتها الأستاذة ليليان كرم التي استشهدت بمقولة الأمبراطور نابـوليون بونابرت: «المرأة التي تهـزّ السرير بيمينها تهزّ العالم بيسارها»، لتشير إلى أهمية الأنثى في مجتمعها. وقد عادت كرم إلى التاريخ لتذكّر بنساءٍ رائدات: أليسار ملكة صور التي بنت مدينة قرطاج ونقلت التراث الفينيقي إليها، زنوبيا ملكة تدمر التي حاربت الأمبراطورية الرومانية وتغلّبـت عليها. كمـا أشـارت إلى الأديبة مي زيادة التي أتقنت 9 لغات وكانت من روّاد النهضة الأدبيـة، وإلى إنجازات المحامية الدولية أمل علم الدين في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى الطبيبة مايا عواضة التي حازت درجة التميّز من جامعة ماري كوين عن بحثها في مجال الأدلة الجنائية.
وعن تميّز نساء المؤسسة العسكرية قالت كرم: «المؤسسة تتطلّب قوة جسدية وبدنية وهما من صفات الرجل عادةً. ولكن ها هي المرأة تقف جنبًا إلى جنب مع الرجل في هذا المجال».

 

في المؤسسة يحق للمرأة ما يحق للرجل
بعد كلمة قسم الإعلام، تحدثت رئيسة جهاز الإسعاف العسكري ورئيسة اللجنة الطبية المركزية الدائمة للتطويع، العميد الطبيب راغدة أبو حيدر عن خبرتها في المؤسسة وحياتها العسكرية، فقالت: «تطوّعت في الجيش في العام 1992 من دون علمي بأنّ القصد من تقدّمنا بطلبات التوظيف هو تطويعنا كضباط اختصاص في المؤسسة. كان عددنا 32 متطوعة من حمَلة الإجازات الجامعية، اجتزنا جميع الاختبارات». وأضافت: «حصل ذلك عقب انتهاء الحرب التي كان من نتائجها نقص في عديد القوات المسلحة، وكانت النساء يطالبْن بحقّهن في القتال في صفوف الجيش.
 وتطرّقت العميد أبو حيدر إلى الوظائف التي تبوّأتها أثناء خدمتها في الجيش قبل بلوغها مركزها الحالي: «كنت رئيسة قسم الأسنان في المستشفى العسكري المركزي، لاحقًا أوكلت إليّ عدة مهمات أهمها التفتيش على المستوصفات والصيدليات والمستشفيات المدنية، ورئاسة فرع الإدارة الطبية التابع لأركان الجيش للعديد (يُعنى بإجراء المراسلات ومتابعة العمليات المتعلّقة بالطبابة)، وقسم العمليات في الطبابة العسكرية».
أن تكون المرأة ضابطًا طبيبًا لا يعني أنّها معفاة من خشونة الحياة العسكرية. «تابعتُ عدة دورات منها مناورات مع وحدات مقاتلة ودورتا تزلج تحدّيت نفسي فيهما إذ كنت أخاف المنحدرات»، تقول العميد الطبيب أبو حيدر التي شاركت في البطولة لخمس سنوات متتالية.
وأضافت: «واجهنا وجهتَي نظر منذ تطوّعنا؛ الأولى كانت مع وجودنا في الجيش لكن بِتريّث، والثانية لم تتقبل الوضع وعارضته. البعض لم يكن جاهزًا لتقبّل فكرة تأدية التحية لأنثى، هؤلاء اعتادوا على الأمر لاحقًا فالقانون قانون وفي المؤسسة يحق للمرأة ما يحق للرجل، لا تمييز حتى في نظام التراتبية والرِتب». وختمت بالقول: «منذ دخولنا كانت عيون الجميع شاخصة نحونا، وكنا نصادف نظرات إعجاب. صحيح أنّنا لم نقاتل، لكنّنا ساندنا المقاتلين، وهذا الوضع تغيّر الآن إذ بدأت المرأة تشارك في الميدان».​​​​

 

من بيئة محدودة إلى كل الوطن
من جهتها، تحدّثت رئيسة المجمع العسكري في جونية العقيد الإداري سوزان روكس عن سبب تطوّعها في الجيش كضابط اختصاص، فقالت: «كنت منذ طفولتي أتساءل لماذا يُقتل الناس بسبب الدين الذي هو ليس سببًا للحرب ولا يدعو إلى القتل... وكنت أرى الجيش كرمزٍ للأمان والخلاص من التقاتل. إضافة إلى ذلك، أنا شخص يحب التحدي رغم خوف أهلي عليّ. تطوّعت، وفي الجيش انتقلت من بيئة محدودة إلى كل الوطن».
وتحدّثت العقيد روكس عن دراساتها التي تابعتها بعد تطوّعها في السلك العسكري والتي نمّت معارفها وقدراتها. كما أشارت إلى أنّها تابعت عدة دورات وكانت أول أنثى تشارك في العرض العسكري، كما أنّها كانت بطلة لبنان في السباحة. ولفتت إلى أنّه لم يفصل الإناث عن الذكور في التدريب إلا المنامة. وبعد انتهاء التدريب عُينت رئيسة قسم في مديرية القوامة، فآمر سرية في الطبابة العسكرية ثم في القوات البحرية.
من ناحية الصعوبات، أكدت رئيسة المجمع العسكري ردًا على سؤال، أنّ كل الممنوعات والسلبيات يمكن التأقلم معها إذا كانت المرأة مقتنعة بما تقوم به. وقالت: «الصعوبات الجسدية يسهل الاعتياد عليها، أمّا صعوبات ظروف الخدمة والتأخر في العمل فتحتاج إلى جهد إضافي من المرأة لكنّها قادرة على تحمّله». وأوضحت: «أقول ذلك كَوْني أم لأربعة أولاد، تأقلمت مع الحياة العسكرية في جميع ظروفها».
وتحدّثت العقيد روكس عن ميزات المرأة في الجيش، فاعتبرت أنّها تتميّز عن الرجل بالدقة والالتزام والصبر والحوار والتنظيم، لكنّهما شركاء. وعن خبرتها في هذا المجال تقول: «كنا أول دفعة نساء، لذا وجد الذكور أنفسهم فجأة أمام وضع جديد، فكان علينا كنساءٍ التصرف بحنكةٍ لإقناعهم... في أي حال الشاب اللبناني ذكي وناضج يستطيع تقبّل الأمر».

 

ماذا أعطتهنّ المؤسسة؟
تقول العميد أبو حيدر: «اكتشفت ذاتي في الجيش، الحياة العسكرية أعطتني القوة و«السلطة الناعمة»... وفي المؤسسـة أنا أسير دائمًا إلى الأمـام».
أمـا العقيد روكس فعبّرت عن شعـورها قائلة: «حين أرتدي البـزة أشعـر بأنّني أطير، والتفكير بِترك المؤسسة يقلقني، فهي حياتي كما زوجي وأولادي»...


لا مهمات مستحيلة
 بعد تطويع ضباط في العام 1992، توالى تطويع الإناث بصفة رتباء اختصاص وجنود بوتيرة محدودة، إلى أن تمّ تطويع نحو ٣ آلاف أنثى معظمهنّ من حمَلة الشهادات.
 يضمّ الجيش اليوم 58 ضابطًا أنثى ٣ منهنّ برتبة عميد، و٤ آلاف أنثى بين رتباء وأفراد، ما يشكّل 5% من عديده.
حاليًا، وبعد أن أثبتن قدرتهنّ على تحمّل جميع المشقات، انتقل المئات منهنّ إلى الأفواج المقاتلة والقوات الجوية وبات عدد منهنّ على الحدود الجنوبية.