تربية وطنية

من المدرسة إلى المجتمع كيف نغرس حب الوطن في قلوب أبنائنا؟
إعداد: ليال صقر الفحل

في زمنٍ تتسارع فيه تحديات الحداثة، وتتزاحم الثقافات الوافدة على احتلال الأذهان، تبرز مظاهر تهدّد مفاهيم الانتماء، ويغدو من السهل أن تضيع هوية الأبناء وسط الثقافات المتنوعة التي تنشرها ”الترندات“ عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي قلب هذا العالم الواسع المضلّل، يسطع مشهد بسيط عميق برمزيته: طفلٌ لا يتجاوز السادسة من العمر، يؤدي التحية لعسكري على أحد الحواجز قائلًا بصدقٍ نابع من القلب: ”العوافي يا وطن، نحنا منحبك“.
هذه العبارة النابعة من وجدان طفل، ليست مجرّد لحظة عاطفية، بل مرآة تعكس كيف يمكن لغرس حب الوطن في سنٍّ مبكرة أن يتحوّل إلى سلوك عفوي نابع من الشعور بالانتماء والاعتزاز. لم يُلقَّن هذا الطفل ما قاله، ولم يتلقَّ تعليمات مسبقة من والديه أو معلميه، بل نطق بما شعر به لأنّ ذهنه قد شُكّل على الولاء والانتماء.

 

مسؤولية التربية من الفرد إلى الوطن
يؤكد المتخصصون في علم التربية، أنّ تنشئة الأولاد على حبّ الوطن هي من الغايات الأساسية التي ينبغي أن يحرص عليها الأهل والمربّون، لما تزرعه في نفوسهم من ولاء وانتماء له، وتحفّزهم على العمل من أجل نهضته، وعلى الإيمان بأنّ خدمة المصلحة العامة أسمى من السعي وراء المصالح الفردية.
فحين يتعرّف الطفل إلى وطنه منذ الصغر، يترسّخ في داخله شرف الانتماء، ويتعزّز شعوره بالمسؤولية الوطنية، وبواجب الإسهام في رقيّ بلاده، والدفاع عنها، وصَون ترابها. إلى ذلك، فإنّ غرس حبّ الوطن في قلوب الأطفال منذ نعومة أظافرهم يُعمّق ارتباطهم بجذورهم، ويعزّز فيهم روح المواطنة، ما ينعكس في سلوكياتهم اليومية، وتُترجِمه أفعالهم التي تسهم في نهضة الوطن ورفعته.

 

المدرسة مساحة لغرس الانتماء
يؤدي الكادر التربوي دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الحب، إذ لا ينبغي للوطنية أن تبقى شعارًا يُرفع في المناسبات، بل يجب أن تُصبح سلوكًا وفكرًا يرافق الطفل في كل لحظة من حياته، وفق ما يؤكّد منسّق ومدرّس التربية الوطنية والتنشئة المدنية، الأستاذ شربل محفوظ.
ويشرح محفوظ أنّه من واجب المدرسة أن تعزّز معاني الانتماء في نفوس الجيل الجديد وأن تنمّي شعورهم بأنّ حب الوطن ليس مجرد كلمات نتلفّظ بها، بل هو واجب يتعيّن أن يتجسّد في أفعالهم وفي كل لحظة من حياتهم. ويشير إلى ممارساتٍ وعاداتٍ بسيطة من شأنها أن تجسّد مفاهيم هذا الحب بشكلٍ يومي، ومنها تعريف الأطفال بالرموز الوطنية كخريطة البلاد، والعلم الوطني، وشرح دلالات ألوانه ورموزه، وتوضيح ارتباطه بتاريخ الوطن وثقافته. بالإضافة إلى ترديد النشيد الوطني بشكلٍ أسبوعي مع مناقشة معاني كلماته ودلالاتها، والوقوف باحترامٍ عند الاستماع إليه، فلا يكون مجرد موسيقى تُعزف، بل لحنًا نابضًا بالمعنى، ونداءً للشرف يتردد في قلوبهم، ووعدًا بالوفاء يتجسد في سلوكياتهم.

 

التاريخ ليس حصة دراسية فقط
وفي السياق، يؤكد محفوظ أنّ تعليم الأطفال تاريخ وطنهم وأحداثه الكبرى يُعد خطوة أساسية في غَرس حُبّ الوطن في نفوسهم، مشيرًا إلى أهمية تعريفهم بأبرز الأحداث التاريخية، والشخصيات الوطنية التي أسهمت في رفعة الوطن وتقدُّمه، مع عرض التحدِّيات والعَقبات التي واجهها الوطن على مرّ السنين، بالإضافة إلى تعريفهم بقادة الوطن وإنجازاتهم، ما يُنمّي شعورًا بالفخر والاعتزاز بالهوية الوطنية.
ويوضح أنّ التعليم يجب ألّا يقتصر على سَرد المعلومات النظرية، بل عليه أن يتضمّن أيضًا مناقشة المفاهيم الأساسية، على غرار التضحية، والانتماء، والعطاء، والشجاعة، والولاء وغيرها. ولتعزيز تعلُّمهم، يمكن الاستعانة بأفلام وثائقية مناسبة لأعمارهم، وزيارة المتاحف والمعالم الوطنية، ما يُعمِّق فهمهم لتاريخ الوطن وتراثه، ويعزِّز حبَّهم له.
ويضيف أنّه على الكادر التعليمي تشجيع التلامذة على التعبير عن حبهم لوطنهم شفهيًا وخطيًا، من خلال أنشطة مثل كتابة الشعر أو المشاركة في حلقات حوار في ما بينهم، لا سيّما في المناسبات الوطنية. كما يُستحسن تبسيط المفاهيم الوطنية والمعاني الكبرى بما يتناسب مع مستوى كل فئة عمرية، لضمان فهمها واستيعابها بعمق.
ويُعدّ الاحتفال بالأعياد والمناسبات الوطنية، كعيد الاستقلال وعيد الجيش، من الأساليب الفعّالة لترسيخ حُبّ الوطن والانتماء إليه. فقد يُشارك التلامذة في عروض رمزية في مدارسهم، أو يُشكّلون بأجسادهم علم الوطن في ساحات الملاعب، أو يُوزّعون الأعلام على المارّة في الطرقات، أو الورود على العسكريين على الحواجز وفي الثكنات، ما يُعزّز شعورهم بأنّهم جزء من هذا الوطن الكبير، ويدعم مشاعر الفخر والاعتزاز بهويتهم الوطنية.

 

القدوة تبدأ من البيت
إذا كانت المدرسة تضطلع بدور أساسي في ترسيخ حب الوطن، فإنّ الدور لا يكتمل من دون مساهمة الأسرة، باعتبارها النواة الأولى في بناء الشخصية الوطنية. فعندما يتمسّك الأهل بالقيم الوطنية، كاحترام القانون، ومساعدة الآخرين، والإحساس بالمسؤولية المجتمعية، فإنهم ينقلون هذه السلوكيات إلى أطفالهم ويجعلونها جزءًا من هويتهم. فالأطفال يتعلَّمون من المواقف اليومية التي يعيشونها بوصفها واقعًا عمليًّا أكثر من التعلّم النظري والتوجيهات. ومن هنا، تبرز مسؤولية الأسرة في ترسيخ الانتماء الوطني، إذ تُعدّ الحاضنة الأولى لتشكيل شخصية المواطن الصالح، وبها يبدأ بناء المجتمع السليم.
إنّ غرس حب الوطن في نفوس الأطفال منذ الصغر يَقيهم من الانجراف وراء التيارات المنحرفة التي تسعى إلى تشويه الهويّة أو زعزعة الانتماء. ويمكن للعائلة أن تلعب دورًا فاعلًا من خلال مبادرات بسيطة في المنزل تعزز حُبّ الوطن في نفوس الصغار، كإعداد الأطباق التقليدية التي تشتهر بها بلادهم، أو مشاهدة أفلام وثائقية عن تاريخها وتراثها وثقافتها، أو التحدّث عن محطات مشرقة من مسيرتها. وكلها خطوات تطبع في أذهان الأطفال ذكريات إيجابية مرتبطة بالوطن، تحوّل البيت إلى مدرسة أولى للوطنية الصادقة.

 

الوطن مسؤوليتنا جميعًا
بناءً على ما سبق، لا بدّ من تضافر جهود المدارس والأهالي لغرس قناعة راسخة لدى الأبناء بأنّ الوطن لا يُعوَّض، ومن يخسره يفقد الأمان وراحة البال.
ويؤكد محفوظ أنّه على الكبار تعليم الصغار أنّ حبّ الوطن يشمل أيضًا تقدير الجيش، والاعتراف بالجهود التي يبذلها عناصره على اختلاف رتبهم في سبيل ترسيخ الأمن وحماية الاستقرار. من المهم أن يفهم الأولاد أنّ العسكريين هم درع أمانٍ وسند لكل مواطن صالح، وأنّ هيبتهم لا تُقلق إلّا من يتعدّى على القانون ويهدّد أمن المجتمع واستقراره.
كما تقع على عاتق الأهل مسؤولية فتح قنوات حوار مع أولادهم حول الوطن، تتناول تاريخه وتضحياته، وسِيَر الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن لينعم شعبه بالحياة والكرامة. فالتربية على الانتماء تبدأ بكلمةٍ صادقة، وصورة مشرقة، وقصة تروي البطولة والفداء.
وفي هذا السياق يروي محفوظ تجربة خاصة مع تلامذته، فيقول: من الكلمات التي علقت في ذهني حين سألت عددًا من التلامذة عمّا يشعرون به تجاه وطنهم، جملة لمريانا تترجم الشعور بالأمان بالقرب من العسكريين: «أنا لا أحس بالأمان إلا بوجود الجيش بقربي. بمشي عالعمياني لما يكون في عسكري بمكان وجودي»، وأخرى لكريم: «أنا بتشرف إني إلبس البدلة بكرا لما إكبر وإحمي بلدي. البدلة العسكرية هيبة وشرف ما إلن حدود»، وثالثة للين: «أنا كمان بحب إلبس البدلة وكون بالجيش حتى برهن للعالم كلّو إنّو البنت كمان فيها تصون الوطن وتحمي بلدها وإنّو القوة مش للرجال فقط». وعن فخر جاد بوالده عندما سألناه عن الوطن وما يعنيه له: «بييّ هوّي الوطن، بييّ ضابط بيحميني وبيحمي رفقاتي حتى نضل بأمان». وأشار بيده إلى رامي وكاتالينا وماريا قائلًا: «كمان بيّاتن بالجيش، كلّن عم يحموا لبنان تيبقى الوطن ونحنا بخير».
هكذا، تتجذّر المحبة، وتُصان الهويّة، ويكبر الوطن في قلوب أبنائه.