رياضة

من قلب التحدّيات إلى منصّات التتويج: عسكريون يرفعون اسم لبنان رغم الصعاب
إعداد: روجينا خليل الشختورة

رغم من الأزمات غير المسبوقة التي يواجهها لبنان، بقيت إرادة العسكريين الرياضيين أقوى من كل العقبات. ففي خضم الحروب والضغوط الاقتصادية والتحديات اليومية في مختلف المجالات، استمروا في مسيرتهم بثباتٍ، رافضين أن تتحوّل الأزمات إلى حدودٍ تقف في وجه أحلامهم وطموحاتهم. وبين ظروفٍ أمنيةٍ معقّدة وتحدياتٍ معيشيةٍ متزايدة، وتراجع في الموارد والإمكانات، واصلوا تدريباتهم وسعوا إلى تطوير قدراتهم، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا هو رفع اسم لبنان عاليًا في المحافل المحلية والدولية.

لم يكن طريق العسكريين الرياضيين مفروشًا بالإنجازات السهلة، إذ فرضت السنوات الأخيرة واقعًا قاسيًا على مختلف القطاعات، ولم تكن الرياضة العسكرية بمنأى عن تداعياته، فواجهت العديد من الصعوبات التي استدعت البحث عن حلولٍ جديدةٍ لضمان استمرارية مسيرتها.

ويؤكد قائد المركز العالي للرياضة العسكرية العميد الركن مخائيل موسى، أنّ التحديات التي واجهت الرياضة العسكرية خلال السنوات الأخيرة لم تكن بالسهلة، ولا سيما على الصعيد المالي، في ظل منافسة فرق مدنية تمتلك ميزانيات مرتفعة وإمكانات كبيرة.

ويشير إلى أنّ الظروف الأمنية والوضع العام انعكسا مباشرةً على القطاع الرياضي، إذ لم يكن من الممكن في بعض المراحل تنظيم بطولات بشكلٍ طبيعي نتيجة انشغال المؤسسة العسكرية بمهامها الوطنية.

لكن هذه التحديات لم تجبر المركز على التراجع، بل دفعته إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على الانفتاح واستثمار الإمكانات المتاحة، وذلك عبر استقبال اشتراكات المدنيين في المركز العالي للرياضة العسكرية وتطوير العديد من المرافق الرياضية، ما وفّر مصادر دخلٍ إضافية ساعدت في استمرار عمل الفرق الرياضية والحفاظ على مستواها الفني. كما أسهمت المشاركات الخارجية، والحوافز المقدّمة للرياضيين، واستقطاب المواهب الجديدة، في تعزيز مسيرة التطور والحفاظ على حضور الفرق العسكرية في المراكز المتقدمة.

ورغم كل الصعوبات، أثبت العسكريون الرياضيون أنّ الإنجاز لا يرتبط بالإمكانات فقط، بل تصنعه الإرادة والانضباط والإصرار. وهكذا استمروا في خوض المنافسات وتحقيق النتائج الإيجابية، ورفعوا اسم المؤسسة العسكرية ولبنان عاليًا من خلال مشاركاتهم المحلية والخارجية، مؤكدين أنّ النجاح الحقيقي يولد أحيانًا من قلب الأزمات.

 

شغف تحوّل إلى ريادة

من بين الذين أكدوا هذه المقولة، يبرز الرائد عبدالله فواز من النادي العسكري المركزي – المنارة، الذي بدأت علاقته برياضة الرماية عام 2014 كهوايةٍ مرتبطةٍ بالصيد والتسلية، في وقتٍ لم تكن بطولة لبنان للرماية قد انطلقت رسميًا بعد. غير أنّ هذا الشغف سرعان ما تحوّل إلى مشروع رياضي متكامل، فكان من بين الرماة الذين عملوا على جمع اللاعبين والسعي إلى إدخال هذه الرياضة ضمن الاتحاد اللبناني، ما أسهم في انطلاق بطولة لبنان للرماية رسميًا العام 2017.

ومنذ بدء البطولة، نجح في فرض اسمه بين أبرز اللاعبين على الساحة المحلية، محققًا خمس ميداليات ذهبية في منافسات لمسافة 25 مترًا، وميدالية ذهبية في منافسات الـ 50 مترًا، بالإضافة إلى عددٍ من الميداليات الفضية ضمن مختلف الفئات والمسافات.

وعلى الصعيد الدولي، شارك عام 2023 في بطولة العالم في الجمهورية التشيكية قائدًا لمنتخب لبنان. وأسفرت النتائج عن إحراز المنتخب ميدالية ذهبية في منافسات الـ 50 مترًا وأخرى فضية لفئة الفرق بمشاركة هشام أبو حمدان وفادي كيوان.

وفي العام 2025، أضاف إلى سجلّه ميدالية فضية في المنافسات الفردية لمسافة 25 مترًا في بطولة العالم في فنلندا، إضافة إلى ميدالية فضية لفئة الفرق مع فادي كيوان ورواد هلال، إلى جانب ميدالية برونزية في منافسات الـ 50 مترًا. كما شهد العام نفسه مشاركته في بطولة Extreme Benchrest 14th في ولاية أريزونا الأميركية، حيث حقق إنجازًا لافتًا بإحرازه المركز الأول في منافسات 50 يارد، إضافة إلى المركز الأول في منافسات Gun Challenge 3.

واستمرت النجاحات عام 2026، خلال مشاركته في بطولة Oregon Extreme Benchrest في ولاية أوريغون الأميركية، حيث أحرز المركز الأول في فئة Slug لمسافة 100 يارد، والمركز الأول في منافسات Long Range لمسافة راوحت بين 100 و300 يارد.

 

عقد من الهيمنة

في رياضة الترياثلون، يبرز المعاون علي الزعبي من عديد المركز العالي للرياضة العسكرية، الذي يشغل مهام مدرب ولاعب ضمن منتخب الجيش للترياثلون، ويُعدّ من أبرز الأسماء في هذه الرياضة على المستويين المحلي والعربي.

احتفظ بلقب بطل لبنان لعشر سنواتٍ متتاليةٍ، كما صُنّف أفضل لاعبٍ في المسافات الطويلة على مستوى الدول العربية، وتمكّن من التأهُّل إلى بطولة العالم للرجل الحديدي ثلاث مراتٍ، فضلًا عن تتويجه بطلًا لغرب آسيا ثلاث مرات.

وخلال مسيرته الرياضية ضمن منتخب الجيش، كان الدعم الذي وفّرته قيادة المركز العالي للرياضة العسكرية عاملًا أساسيًا في تطوير مستواه الرياضي والشخصي، فلم تشكّل الظروف الصعبة أو التحديات الاقتصادية عائقًا أمام تقدمه واستمراره.

وشهد العامان 2025 و2026 مجموعةً من أبرز إنجازاته، حيث تمكن من إحراز المركز الأول في بطولة غرب آسيا في الأردن، والمركز الأول في بطولة آسيا في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى لقب أفضل لاعب عربي في بطولة العالم للمسافات الطويلة في إسبانيا. كما أحرز المركز الثالث في بطولة يوكوهاما في اليابان، والمركز الخامس عشر في بطولة صملة الدولية في قطر من أصل 220 لاعبًا، بالإضافة إلى سيطرته على البطولات المحلية في لبنان من خلال إحرازه المركز الأول في ثلاثة عشر سباقًا مختلفًا.

 

تحطيم أرقام صمدت عقودًا

في ألعاب القوى، تبرز قصة الجندي علي كنعان من فوج مغاوير البحر والمفصول إلى المركز العالي للرياضة العسكرية، الذي بدأ رحلته الرياضية مدفوعًا بشغفٍ شخصي تحول تدريجيًا إلى مسيرةٍ احترافيةٍ حافلةٍ بالنجاحات.

استهل مشواره في ألعاب القوى عام 2019، وسرعان ما برزت موهبته وقدراته، الأمر الذي لفت انتباه مدربه إذ رأى فيه مشروع بطلٍ قادرٍ على تمثيل لبنان في المنافسات الخارجية. وخلال مسيرته كرياضي مدني، أحرز المركز الثالث في بطولة غرب آسيا للشباب ما دون العشرين عامًا في سباق 3000 متر موانع.

وبعد انضمامه إلى المؤسسة العسكرية العام 2022، وجد البيئة المناسبة التي وفرت له فرصة التفرغ الكامل للتدريب والتطور، ما أسهم في نقله إلى مرحلةٍ جديدةٍ من النجاح والتألق.

بات كنعان بطل لبنان في سباقي 5000 متر و10000 متر، وتمكن في تموز 2025 من تحطيم الرقم القياسي اللبناني لسباق 10000 متر بتوقيت 30 دقيقة و8 ثوانٍ، محطمًا رقمًا ظل صامدًا ثلاثين عامًا.

كما سجّل ثاني أسرع توقيت في تاريخ لبنان لسباق 5000 متر: 14 دقيقة و15 ثانية، وثالث أسرع توقيت في سباق 3000 متر: 8 دقائق و19 ثانية، إضافة إلى تحقيقه الأرقام القياسية العسكرية في سباقات 3000 و5000 و10000 متر.

وكان للمعسكرات التدريبية الخارجية، ومنها معسكران في كينيا وإثيوبيا، إلى جانب الدعم الذي وفره له المركز العالي للرياضة العسكرية، دور محوري في تطوير مستواه ووصوله إلى النتائج الباهرة.

أخيرًا وليس آخرًا، أحرز الجندي علي كنعان المركز الأول في سباق الـ10 كلم الذي نظمته جمعية بيروت ماراتون بتوقيت 30 دقيقة و40 ثانية، إلى جانب زميلَيه في فريق الجيش لألعاب القوى اللذين شاركا بدورهما في السباق وهما الرقيب أول زاهر زين الدين الذي أحرز المركز الثاني بتوقيت 32 دقيقة و16 ثانية والمعاون محمد قدوح الذي حلّ في المركز الثالث بتوقيت 33 دقيقة و48 ثانية. وتجدر الإشارة إلى أنّها المرّة الأولى التي يحقّق فيها فريق الجيش لألعاب القوى المراكز الثلاثة الأولى منذ بدء تنظيم هذا السباق.

 

إرادة تتقدم على الإمكانات

قصص هؤلاء الرياضيين لا تُختصر بمجرد ميدالياتٍ وألقابٍ وإنجازاتٍ، بل هي قصص إصرارٍ وتحدٍ للواقع، تؤكّد أنّ النجاح لا يرتبط بغياب الصعوبات، بل بمدى القدرة على تجاوزها وتحويلها إلى دافعٍ للاستمرار والتقدم.

ففي زمن الأزمات، أثبت العسكريون الرياضيون أنّ المؤسسة العسكرية لا تصنع رجال للدفاع عن الوطن فحسب، بل تصنع أيضًا أبطالًا يحملون اسمه إلى ميادين المنافسة، ويثبتون أنّ الإرادة، متى اقترنت بالانضباط والعمل، قادرة على صناعة الإنجاز مهما اشتدت الظروف.