لوحة وقصة

ميلاد على القماش تأملات في لوحاتٍ خالدة
إعداد: نور كيروز

منذ فجر التاريخ، عبّر الإنسان عن مشاعره ومعتقداته بالفن، فكانت اللوحة مرآة لروحه ولسعيه الدائم نحو الجمال والإبداع. ومن بين تلك الإبداعات، تبقى لوحات الميلاد شاهدًا فنيًا وإنسانيًا على أعمق صور النور والرجاء.

­­­أبدع الله في خلقه الإنسان كائنًا مبدعًا، إذ ميّزه بقدرةٍ فريدة على الخلق والتعبير، جعلت منه فنانًا بالفطرة. ومن رحم هذا الإبداع، وُلدت الفنون الجميلة التي تأسر الحواس وتسمو بالروح. ويُعد فنّ الرسم من أقدم أشكال التعبير الإنساني وأغناها، إذ يقوم على مزج الأفكار والمشاعر بخطوطٍ وألوان وأحجام متناغمة محوّلًا ما في النفس من رؤى وأحاسيس إلى صورٍ نابضة بالحياة والمعنى.

ومنذ العصور الأولى، كان الرسم مرآةً للوجدان الإنساني ووسيلة لتجسيد المعتقدات والقيم، وكان لكل حقبةٍ طابعها وأسلوبها الخاص في التعبير. ففي العصور الوسطى، برز فنانون اشتهروا بإبداع لوحاتٍ دينية عكست انتشار المسيحية في أوروبا، وتأثروا بعقيدة «الفن الوظيفي» التي جعلت من اللوحة أداة لنقل الرسالة الدينية ودروس الكنيسة، بدلًا من أن يتفرد الفنان بأشكال تعبيرية شخصية. وقد تصوّر فنانو تلك الحقبة ذواتهم أدوات لنشر الرسالة الإلهية والمفاهيم الدينية، ما أسهم في «روحنة اللوحات» وتضمينها عناصر معمقة.

وفي العصر الفيكتوري، الذي تلا العصور الوسطى، تطورت الرسوم الدينية متأثرة بالاتجاهات الفنية السائدة في تلك الحقبة، إذ دمجت الرومانسية بالروحانية وأسهمت في تعزيز المشاعر الروحية والدينية لدى الجمهور.

في ما يأتي، نتوقف عند مجموعةٍ من أجمل اللوحات التي أحاطت اهتمامًا جماليًا بمهد الطفل يسوع وبرموز الميلاد.

 

Nativity (الميلاد) – جيوتو دي بوندوني (1305)

هي جزء من سلسلة الجداريات في كنيسة سكروفيني الإيطالية للفنان جيوتو الذي أدخل الواقعية والإنسانية إلى الفن الديني، مستخدمًا الجصّ والأصباغ الطبيعية كحجر اللازورد وأكسيد الحديد وغيرهما.

يظهر في المشهد الرئيسي الطفل يسوع في قلب المهد في دلالةٍ لولادة المخلّص. هو بسيط ومؤثر، يجمع الإيمان والعاطفة تحت نظر الملائكة، في كنف العائلة المقدسة. وتبدو السيدة العذراء ممددة قرب طفلها، كسائر النساء عند الولادة، تبادله نظرةً تفيض بالحنان، في مشهدٍ يضيف تواصلًا إنسانيًا غير ملموس في أعمال العصور الوسطى الفنية السابقة. أما الحمار والثور، فأوجدهما جيوتو للرمز إلى البساطة، كما بساطة الرعاة تمامًا وهم أول من عرف بهذا الميلاد. وفي نظرة دقيقة إلى تركيبة هذه اللوحة، نلحظ أنّ الوضعية المثلثة لمريم، يسوع والملائكة، ترمز إلى الثالوث المقدس، كما أنّ الثقل يتمركز في اليسار، حيث الطفل يسوع، في إشارة إليه كمصدرٍ للخلاص.

 

The Adoration of the Shepherds (سجود الرعاة) – غويدو ريني (1640)

رسمها الفنان الإيطالي بألوانٍ زيتية على قماش الكتان. توجد منها نسخ مختلفة في متاحف أوروبية، إذ نفّذها تلامذته بإشرافه تلبيةً للطلب الكبير عليها في تلك الحقبة من مختلف كنائس أوروبا.

تصوّر اللوحة لحظة وصول الرعاة إلى مغارة الميلاد، حيث النور يشع من الطفل يسوع وهو محاطٌ بالرعاة المفعمين دهشةً وإيمانًا.  أمّا أمه السيدة العذراء، فراكعة ترمق ابنها بنظرات أمومةٍ من دون أن تفرط في حمايته، وكأنّها تشارك فرح مجيء المخلّص مع الحاضرين، عالمةً أنّ ابنها ليس لها وحدها، بل للعالم كله.

أراد ريني أنّ يجسّد جزءًا من آية يوحنا 3:19 «وهذه هي الدينونة، أنّ النور قد جاء إلى العالم، وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم كانت شريرة»، فعبّر عنها بجماليةٍ بصرية من خلال الضوء مستخدمًا الأصفر الدافئ والذهبي، المنبعثَين من الطفل يسوع، في مقابل الألوان القاتمة المظلمة كالبنّي الداكن، الرمادي والأسود، المحيطة بالمغارة، والتي ترمز إلى ظلمة الأرض قبل مجيء المخلص.

 

The Nativity (الميلاد) ويليام بليك (1799-1800)

تحفةٌ للشاعر والفنان الإنكليزي ويليام بليك المعروف بمزجه بين الأسطورة والدين والخيال، رسمها في فترة ما بعد الثورة الصناعية التي اتجه فيها الفنانون للرومانسيات والروحانيات. استخدم فيها ألوان التمبرا التي تُستخدم في الأيقونات، وهي مكونة من صفار البيض والأصباغ على سطحٍ نحاسي.

تحمل هذه القطعة الفنية اختلافات واضحة عن الفن الميلادي الكلاسيكي: فهي خيالية، رمزية، أنوارها غير واقعية أشبه بروحٍ أكثر من جسد في دلالة للولادة الفعلية التي تنطلق من داخل الإنسان، أي الروح والنفس المتجددتان. وبحسب مراجع أكاديمية، تتّسم هذه اللوحة بمزاجٍ رؤيوي روحي يتخطى واقع الميلاد التقليدي الذي حصره الفنانون الكلاسيكيون بحضن العائلة المقدسة والمجوس.

الألوان الزاهية والبسيطة تضفي روحانية لهذا المشهد الميلادي الغريب. الطفل يسوع يطفو في الهواء وكأنه منزل من السماء إلى الأرض، بخيطٍ من نور. السيدة العذراء قلقة ومندهشة، مختبرة بذلك الخوف والفرح للمرة الثانية بعد التبشير الملائكي لاستقبال هذا الطفل المعجزة، أمّا القديس يوسف فيرمز إلى العقل الذي يؤمن بالمعجزة رغم أنّها غير منطقية. بينما الفتاة غير المألوفة، لا في لوحات سابقة ولا في الإنجيل، فهي بحسب مؤرّخين مختصّين، إما رمزٌ للروح البشرية النقية أو الروح المتجددة أو إحدى الرعاة الشاهدات على الميلاد.

 

Happy Christmas  (عيد ميلاد مجيد) – فيغو يوهانسن (1891)

من أجمل الأعمال الاسكندينافية الواقعية من نهاية القرن التاسع عشر. استخدم فيها الألوان الزيتية على القماش بارتفاع 122,5 سم وعرض 175 سم، معروضة حاليًا في المتحف الوطني للفنون في كوبنهاغن- الدنمارك.

نُفّذت هذه التحفة في فترة عيد الميلاد في العام 1891، داخل منزل الفنان نفسه في سكاجين-الدنمارك. لكنه لم يرسم اللوحة مباشرةً، بل استخدم طريقة الـ Sketch السريع ليتمكن من ضبط حركة الأطفال والأم بشكلٍ متكرر ومن زوايا مختلفة ليضيف طابعًا ديناميكيًا. استخدم يوهانسن الخطوط المنحنية ليعطي انطباعًا بدوران الثوب في أثناء الحركة حول الشجرة. كما اختار أن تحتل الشجرة والأم مركز هذا العمل الفني. الشجرة ثابتة كالشمس، يدور حولها أفراد العائلة كالكواكب في توصيف ليسوع المسيح كمحورٍ للعالم كله، ولأصغر عائلة أيضًا. أمّا الأم، فهي الجامعة، الحاضنة، تمثّل دورها بشكلٍ مثالي مع أطفالها، في تصوير معاصر وجديد للسيدة العذراء والاحتفال بِلمّ الشمل والغفران. ففي وسط ظلمة الغرفة، أضاء يوهانسن الشجرة بالشموع لإضفاء الروحانية، وللتذكير بانتصار النور على الظلام مع ولادة الطفل يسوع.

 

Decorating the Christmas Tree (تزيين شجرة عيد الميلاد) مارسيل ريدر (1898)

اهتم ريدر بتصوير الضوء الداخلي والسكينة المنزلية خصوصًا في المشاهد الليلية. واختار رسم هذه اللوحة بقياس 80×65 سم حين أصبح الاحتفال العائلي بالميلاد تقليدًا ثابتًا في فرنسا.

استخدم ألوانًا زيتية تتدرج من الذهبي مع البرتقالي والأخضر لبث الضوء الخافت المنبعث من المصباح وسط ظلال الغرفة الدافئة.

يعبّر المشهد عن ميلاد النور الذي يبدّد ظلمة العالم، من خلال الطفل الذي يشارك أمه تزيين الشجرة. إنّها لحظة واقعية من الانغماس في هذه التجربة السنوية التقليدية، مع انفصال عن ضوضاء عالم الخارج وانسجام في هدوء الداخل وحرارته، كفعل الصلاة. وتكرار ثنائية «الأم والابن» في هذا المشهد هي تجسيد حديث للسيدة العذراء وطفلها. والمقصود، بحسب الفنان، أنّ الميلاد ليس حدثًا تاريخيًا دينيًا بعيدًا يقع في بيت لحم فحسب، بل هو حالة روحية إنسانية متجددة تنشر كل أشكال المحبة التي يدعو إليها المسيح.

 

Merry Christmas, Grandma (عيد ميلاد مجيد، جدتي) نورمان روكويل (1948)

باستخدام الزيت على القماش بألوانٍ دافئة كالأحمر والبني والأخضر، رسم  روكويل لوحته بقياس 71×91سم، معتمدًا على الواقعية السردية المتجلّية في دقة التعبير على وجوه الشخصيات. استخدم في عنوان اللوحة عبارة «عيد ميلاد سعيد، جدتي» رغم غياب الجدة. فهي فعليًا خارج الإطار المباشر، لكنّها في قلب الحدث، إذ يوحي العنوان بأنها داخل المنزل تنتظر العائلة القادمة. وهو بذلك يُشرك المتفرج عاطفيًا بتجربة انتظار الجميع للّقاء والجلوس إلى مائدة الميلاد. فالجو مبهج وحماسي رغم أنّ الجميع يحمل الحقائب والهدايا بعد رحلة طريق متعبة.

جدير بالذكر، أنّ اللوحة رُسمت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت أميركا تمر بمرحلة تفاؤل اجتماعي وازدهار للحياة العائلية، فجاءت لتذكّر الناس بالعودة إلى الجذور العائلية بعد سنوات الحرب والانفصال. روكويل المتأثر بفكرة جوهر المعنى الإنساني صوّر في لوحةٍ واحدة دورة الحياة في ثلاثة أجيال حتى ولو غابت الجدة بصريًا.

تدعونا هذه اللوحات، بما تحمله من دفءٍ إنسانيٍّ وتفاصيل نابضة بالحياة، إلى التأمل في معنى الاجتماع العائلي وروح المناسبات القديمة التي تجمع القلوب قبل الوجوه. وأنت، لو خُيّرت أن تسافر في الزمن لتشارك في عشية عيد ميلاد قديم، أي من هذه الأعمال الفنية تختار؟

ولو بثّ الله الحياة في إطار هذه اللوحات، ودعتك الشخصيات للمشاركة في هذا العيد المجيد، أيّها تختار؟

 

المراجع:

  • www.artchive.com
  • www.nationalgallery.org.uk
  • Statens Museum for kunst SMK.dk
  • Culturetourist.com
  • “Norman Rockwell: Pictures for the American People” – Maureen Hart Hennessy & Anne Knutson )1999)
  • The human divine.org
  • Eclecticlight.co: the eclectic light company” unusual nativities by Bosch, Botticelli and blake 2016”