ملف العدد

هل يتوقف أغنياء الأرض عن تدميرها؟
إعداد: ريما سليم ضومط - ليال صقر - روجينا خليل

إتفاق كوبنهاغن لم يخلص الى قيود ملزمة

 

سطوة المال أم مستقبل الكرة الأرضية؟!
هكذا يمكن إيجاز التحدّي الأكبر في قمة مؤتمر كوبنهاغن التي عقدت في منطقة بيلا سنتر وسط العاصمة الدنماركية، تحت رعاية الأمم المتحدة وبحضور ممثلي 192 دولة.
أمام هؤلاء المجتمعين من رؤساء دول وباحثين ومنظمات مهتمة بالبيئة، وقف التغيّر المناخي كخطر داهم يتهدّد مصير الجنس البشري. لكن هل كانت الإرادة الحقيقية لإنقاذ الأرض من مخاطر غازات الدفيئة متوافرة حقاً في هذا التجمّع العالمي الضخم؟

 

وعود ومطالب
أعمال القمة التي استمرت أسبوعين، افتتحت في السابع من كانون الأول 2009 بنداء مضيفها رئيس الوزراء الدنماركي لارس لوكي راسموسن الذي طالب حكومات العالم بالاستجابة «لآمال البشرية»باتخاذها إجراءات لمواجهة مشكلة الإحتباس الحراري التي تهدّد كوكب الأرض».
حفل الافتتاح في قاعة «تيشو براهي دو بيلا سنتر» استُهل بفيلم قصير عرض الكوارث التي ستواجهها شعوب العالم بسبب التغيّر المناخي. وقال راسموسن أمام 1200 مندوب قدِموا من مختلف أنحاء العالم: «أنتم مؤتمنون خلال فترة قصيرة على آمال البشرية»، داعياً الى أن تتحول عاصمة بلاده كوبنهاغن خلال أسبوعين الى «هوبنهاغن» (مرفأ الأمل).
وتعاقب على منبر المؤتمر العديد من الشخصيات من خبراء ومختصين في علم البيئة لعرض المخاطر التي يواجهها العالم من قضية الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي الذي يهدد بذوبان ثلوج العالم، ما يرفع مستوى البحار وقد يغرق دولاً بأكملها، إضافة الى انقراض أنواع من النبات والحيوان وانتشار الأمراض...
تركّزت أعمال القمة في الأسبوع الأول على مهمة صياغة مسودة معاهدة عالمية متوافق عليها من كل الدول والأقطاب المشاركة. الإدارة الأميركية وعدت بأنها ستتعهّد بخفض انبعاثاتها من الغازات الدفيئة بنسبة 17 في المئة العام 2020 على أساس مستويات العام 2005، وهذا يعني 4 في المئة بالنسبة الى مستويات العام 1990 التي اعتمدت أساساً لبروتوكول «كيوتو» (الموقّع العام 1991 والذي ينتهي العمل به العام 2012)، كما تعهّدت بأن تخفض انبعاثاتها بنسبة 42 في المئة العام 2030 على أساس مستويات العام 2005. وكان الإعلان عن نية الرئيس الأميركي حضور اليوم الأخير من المفاوضات، إشارة واضحة الى أن إدارته تعتزم الوصول الى نتيجة واضحة في المؤتمر.
في المقابل، أوحى الإتحاد الأوروبي بأنه يتزعّم حركة مكافحة التغيّر المناخي. ويجدر بالإشارة هنا أنه خلال الفترة التي أعقبت صدور «كيوتو»، التزمت دول الإتحاد منذ العام 2008، خفض انبعاثاتها بنسبة 20 في المئة بحلول العام 2020 مقارنة مع مستويات العام 1990. وقد انضمت روسيا الى الموقف الأوروبي معلنة أنها ستسعى الى خفض انبعاثاتها بين 20 و25 في المئة بحلول العام 2020 بعدما كانت تحدثت في الماضي عن نسبة لا تتجاوز 15 في المئة.
أما الدول الكبرى الناشئة، وفي مقدمها الصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا، فما زالت تصرّ على «المسؤولية التاريخية» للدول الصناعية الشمالية في ضخّ الغازات الدفيئة في أجواء الأرض، وذكرت بأنها لن تضحّي بنموها الإقتصادي ولا ببرامج مكافحة الفقر. وفي السياق، أعربت الصين، أكبر الملوّثين على مستوى العالم، عن عزمها على خفض «كثافة الكربون» بين 40 الى 45 في المئة بحلول  العام2020 مقارنة مع مستوى العام 2005.
وطالبت القارة الأفريقية، وهي الأكثر تضرراً من التغيّر المناخي، الدول الصناعية بإصلاح الأضرار وبتعويضات لمكافحة التغيّر المناخي من جهة، ولكي تتمكن من التكيّف مع تلك التغيّرات من جهة ثانية. أما الجزر الصغيرة التي يهدد ارتفاع مياه البحر وجودها، فتجمّعت ضمن تحالف «أوسيس» الذي أملت من خلاله إيصال صوتها بوضوح. في مقابل ذلك، أتى الموقف العربي بين اللامبالي والصامت؛ وحدها الدول النفطية وتتقدّمها السعودية، حاربت من أجل ألا يتم التعهد بفرض ضريبة على الكربون، ما يكلف الدول المصدرة للنفط والغاز خسارة تقدر بنحو 3 آلاف مليار دولار حتى العام 2050.
وعلى الرغم من الإنقسام داخل مجموعة دول «أوبك» بين الأعضاء المتشددين مثل إيران وفنزويلا والجزائر وليبيا وبين دول الخليج وأبرزها السعودية (أول منتج عالمي للنفط)، فقد اتفق الطرفان على الدفاع عن الذهب الأسود. أما بالنسبة الى دول مثل مصر وتونس ولبنان وسوريا والأردن، فقد رفعت مواقف معلنة حول التضامن العربي غير أنها بحثت أولاً عن التمويل بهدف التكيف مع آثار تغيّر المناخ من دون أن تقدّم خططاً واضحة في هذا المجال.

 

اتفاق من دون قيود ملزمة
اختتمت الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأمم المتحدة للتغيّرات المناخية في كوبنهاغن في 19 كانون الأول 2009 عقب ثلاثة عشر يوماً من المفاوضات حول التحرك الدولي الواجب القيام به لمكافحة ظاهرة الإحتباس الحراري والمواجهة الحاسمة لقضية التغيّرات المناخية العالمية. وقد انتهت أعمال المؤتمر من دون التوصّل الى الإتفاق المنتظر حول تلك المواضيع الأساسية. ووجّهت انتقادات قوية الى المؤتمر الذي بدأ تحت شعارات برّاقة وقوية من دون أن يخلص الى النتائج المرجوة. ولكن على الرغم من ذلك فإن البعض نظر الى النتائج نظرة إيجابية، حيث أنه ما زال هناك شعاع من الأمل في المقررات التي خرج بها المؤتمر بالرغم من ضآلتها.
وتمثّل الإنجاز الرئيس للمؤتمر ب«اتفاق كوبنهاغن» الذي توصّل اليه نحو 30 رئيس دولة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري، والذي حدد سقف ارتفاع حرارة سطح الأرض بدرجتين مئويتين مقارنة بما كانت عليه قبل الثورة الصناعية، وبإنشاء صندوق مالي لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة تداعيات هذه الظاهرة. لكن الاتفاق لم يلزم أي دولة قانونياً خفض الإنبعاثات ولم يفرض قيوداً محددة.
فما مدى التزام الدول وهل ينسى المشاركون ما تعهدوا به مع مرور الزمن؟

 

أرضنا مهدّدة
مظاهرات شعبية واحتجاجات وضغوطات رافقت جلسات قمة كوبنهاغن، إضافة الى عريضة موقّعة من قبل عشرة ملايين شخص من مختلف دول العالم طالبت المجتمعين بالتزامات ملموسة للحدّ من الاحتباس الحراري. ناشطون في المجال البيئي علّقوا على ذلك بالقول إن هذا أقل ما يمكن فعله لحثّ المسؤولين على القيام بخطوات ملموسة في مواجهة المصير المظلم الذي يهدّد كوكب الأرض من جرّاء التغيّر المناخي، ودعوا الى ضرورة توعية المجتمعات تجاه حقيقة التغيّر المناخي وما ستؤول اليه الحياة على الأرض بفعل تزايد إنبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون.
الأرض كوكب صالح للحياة بفضل مجموعة من العوامل والتوازنات التي ينبغي أن يراعيها الإنسان في نشاطاته، فمناخ الأرض يساعد على الحياة لأن تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي (خصوصاً ثاني أوكسيد الكربون)، تحبس جزءاً من ضوء الشمس المنعكس بعيداً عن سطحها مما يعطي الكوكب دفئاً معتدلاً. لكن الأمر بدأ يتغيّر بفعل النشاط الإنساني. فمنذ الثورة الصناعية، ازدادت النشاطات البشرية، وعلى الخصوص استعمال الوقود الأحفوري عبر حرق الفحم والنفط والغاز الطبيعي في مصانع الطاقة والسيارات وسواها من المصانع، إضافة الى إزالة الغابات بشكل واسع. يضاف الى ذلك الميثان المنبعث من مزارع الأرز وتربية البقر ومطامر النفايات وأشغال المناجم وأنابيب الغاز. أما ال«CFC Chloro Fluoro carbons» المسؤولة عن تآكل طبقة الأوزون والأوكسيد النيتري (من الأسمدة وغيرها من الكيميائيات) فتساهم ايضاً في مشكلة تغيّر المناخ بسبب احتباسها للحرارة...

 

ما المقصود بتغيّر المناخ؟
تغيّر المناخ هو أي تغيّر مؤثر وطويل المدى في معدل حالة الطقس يحدث لمنطقة معينة.
يشمل التغيير معدل درجات الحرارة، معدل المتساقطات، وحالة الرياح. هذه التغيّرات يمكن أن تحدث ايضاً بسبب العمليات الديناميكية للأرض كالبراكين، أو بسبب قوى خارجية، كالتغيّر في شدة الأشعة الشمسية أو سقوط النيازك الكبيرة ومؤخراً بسبب نشاطات الإنسان.
العام 2007 أفادت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ «IPCC» (الهيئة العلمية العليا التابعة للأمم المتحدة)، أن أسباباً بشرية تكمن وراء معظم زيادات درجات الحرارة العالمية. فقد ازدادت تركيزات ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي من نحو 280 جزءاً في المليون في عصر ما قبل التصنيع الى نحو 430 حالياً، ومن المتوقع أن تبلغ هذه النسبة ال550 جزءاً في المليون، في وقت مبكّر لا يتعدّى سنة 2035، وعندئذٍ قد يرتفع معدل درجات الحرارة العالمية الى أكثر من درجتين مئويتين. لذلك فإن مخزون غازات الدفيئة يمكن أن يتعدى ثلاثة أضعاف ما هو عليه مع نهاية القرن، ما يجعل نسبة احتمال ارتفاع الحرارة الى أكثر من خمس درجات مئوية خلال العقود المقبلة تصل الى خمسين في المئة على الأقل.  
وبالعودة الى التوجّه نحو تطوير الصناعة في الأعوام ال150 المنصرمة الذي أدّى الى استخراج وحرق مليارات الأطنان من الوقود الأحفوري لتوليد الطاقة، فهو يودي بشكل مباشر بحياة 150 ألف شخص سنوياً، كما سبق أن حكم على 20٪ من الأنواع الحيّة البرية بالانقراض مع حلول العام 2050. لذلك فإن تغيّر المناخ سبق أن بدأ يكبّد الصناعات العالمية خسارات بمليارات الدولارات كالصناعات الزراعية إضافة الى الأكلاف التي ترتبها مواجهة ظروف مناخية قصوى.

 

عواقب التغيّر المناخي
يعتبر تغيّر المناخ الآن التهديد الأخطر الذي يتربّص بالبشرية، وسيؤثر بشكل ملحوظ على شكل من أشكال الحياة على الكرة الأرضية. ويؤكد العلماء أنه في حال عدم وضع حدّ لمشكلة تغيّر المناخ، فمن المتوقع حصول كوارث بيئية واجتماعية واقتصادية تهدّد الوجود البشري.
وبالفعل فإن الآثار السلبية بدأت بالظهور في عدة دول وطالت عناصر الحياة الأساسية، كتأمين المياه وشح المواد الغذائية والصحة والبيئة.
وتتلخص هذه الآثار السلبية بالآتي:

 

• ارتفاع مستوى البحر:
حين ترتفع حرارة الأرض، من المتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر بسبب ذوبان الصفائح الجليدية والتمدّد الحراري لمياه المحيطات، وسيؤدي ذوبان الصفائح الجليدية في الانتاركتيكا وغرينلاند، الى ارتفاع مستوى سطح البحر حوالى 14 متراً، وإذا زادت الحرارة العالمية أكثر من درجتين، سوف تتمدّد مياه البحر ما سيؤدي الى ارتفاع آخر يراوح بين 5 و7 أمتار. والارتفاع في مستوى البحر قد يؤدي بدوره الى تغيير شديد في البيئة الساحلية.

 

• الكوارث المناخية القصوى:
ثمة أدلة متزايدة على أن تغيّر المناخ يؤدي الى زيادة في تواتر الأحداث المناخية القصوى، كالكوارث والفيضانات والجفاف والعواصف. في الثمانينيات من القرن الماضي، قُتل أكثر من 700.000 شخص من جرّاء أحداث مناخية قصوى وجلبت التسعينيات مزيداً من الكوارث الطبيعية التي تسارعت وتيرتها بشكل مطّرد مخلّفة ملايين الضحايا والمشرّدين، إضافة الى الأمراض والخسائر الاقتصادية الجمّة والمآسي.

 

• موارد المياه:
مع ارتفاع درجات الحرارة، اجتاح الجفاف وموجات الحر الكرة الأرضية، حيث يتوقع ازدياد عدد الأشخاص الذين يعانون نقصاً في مياه الشرب من 5 مليارات الى 8 مليارات شخص في غضون خمسين عاماً.

 

• الزراعة:
يعرّض تغيّر المناخ الزراعة الى خطر كبير. ويمكن لدول نامية أن تخسر أكثر من خمس محصولها ما يؤدي الى عواقب وخيمة من حيث الأمن الغذائي.
سترتفع أسعار المواد الغذائية، وسوف تعاني الماشية إجهاداً حرارياً أكثر، كما أن المحاصيل ستشهد ضرراً من جرّاء موجات الحر، إضافة الى أن ندرة المياه المتزايدة ستؤثر مباشرة على الزراعة وسوف تؤدي كذلك الى خسارة الأرض الخصبة وتصحّر مزيد من الأراضي (ظاهرة التعرية). فتغيّر مَواطن النباتات وازدياد الجفاف وتغيّر أنماط المتساقطات سيؤدي الى تفاقم التصحّر. وتلقائياً سيزداد بشكل غير مباشر استخدام الأسمدة الكيميائية وبالتالي سيتفاقم التلوث السام.

 

• التنوّع البيولوجي:
مع تغيّر المناخ، سيتأثر التنوّع البيولوجي على عدة مستويات... ستتأثر أنماط التوزيع والسلوكيات والحجم والتكوين ومساكن أنواع كثيرة من الحيوانات والنباتات. ويتوقع الخبراء أن ينقرض مليون جنس بحلول العام 2050 كنتيجة مباشرة للتغيّر المناخي. كما أن الأحراج ستتأثر بشكل هائل بتغيّر المناخ. فحرائق الغابات ستزداد مع ارتفاع الحرارة. وسيؤدي المناخ المتغيّر الى تغيّر في توزيع الغابات.

 

• الصحة:
ستتأثر الصحة العامة بسبب مستويات انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون المتزايدة. ويتوقع ايضاً أن تشهد الأمراض المعدية والأمراض الناتجة عن ارتفاع الحرارة ازدياداً بسبب تغيّر المناخ. على سبيل المثال، سوف يسبب احترار المحيطات الى زيادة المدّ الأحمر. كما أن الارتفاع في مستويات الترسب سوف يؤدي الى زيادة في معدلات الحمى، وسوف يؤدي التصحّر الى انتشار الملاريا، وأمراض أخرى منقولة بالحشرات والماء.
في هذا الإطار، أفاد تقرير لمنظمة الصحة العالمية العام 2002 أن تغيّر المناخ كان مسؤولاً عن حوالى 2.4٪ من الإصابات بمرض الإسهال في أرجاء العالم وعن 6٪ من حالات الملاريا في بعض الدول المتوسطة الدخل.

 

• إنتاج الغذاء:
الأمن الغذائي في العالم العربي يخضع منذ وقت طويل الى ضغوط بيئية واقتصادية واجتماعية، وحالات الجفاف السائدة، والموارد المائية المحدودة، والأنماط الزراعية المضطربة، والرعي المفرط، والنمو السكاني وانخفاض مستويات المعرفة والتكنولوجيا. ومع تغيّر المناخ وتقلبات هطول الأمطار ستزداد حالات الجفاف، وتتفاقم أكثر مشكلة إنتاج الغذاء.

 

• السياحة:
السياحة مهمة لعدد من الاقتصادات ومنها الاقتصاد العربي، لكنها مثل معظم قطاعات النشاط الاقتصادي، تتعرّض لتأثيرات تغيّر المناخ.
جاذبية المقصد السياحي تعتمد بدرجة كبيرة على المناخ، وباستعمال مؤشر العوامل المناخية المتنوعة، فإن مؤشر الراحة السياحية، يقيس درجة المتعة المناخية في موقع معين.
مع تغيّر المناخ قد ينخفض مؤشر الراحة السياحية في العالم العربي خلال العقود المقبلة. ومعظم المناطق المصنّفة حالياً بأنها جيدة و«جيدة جداً»، و«ممتازة» سينخفض تصنيفها الى ما تحت المقبول بحلول العام 2080، حيث تقع الملامة على تغيّر المناخ. ومن الأمثلة على ذلك ارتفاع الحرارة في فصل الصيف، وموجات الجفاف، والأحداث المناخية المتطرفة، وشحّ المياه، وتدهور النظم الايكولوجية.

 

• البنى التحتية:
من المتوقع أن يؤثر تغيّر المناخ بشكل كبير على البنى التحتية في أنحاء العالم، فالبنية التحتية للنقل معرّضة عموماً لزيادات متوقعة في درجات الحرارة وتكرار الأيام الحارة، وهبوب العواصف، وارتفاع مستوى البحار، والبنى التحتية في المناطق الساحلية العربية معرّضة على الخصوص لارتفاع مستويات البحار والعواصف القوية المحتملة وهذه الأخطار تبلغ ذروتها في مصر والبحرين والإمارات.
وسوف تتأثر موثوقية نظم إمداد المياه بتضاؤل الإمدادات المائية العذبة وارتفاع معدل درجات الحرارة. وتتعرّض شبكات المياه المبتذلة على الخصوص لأحداث هطول الأمطار المفرطة في فترات قصيرة، وارتفاع مستويات البحار. وتوليد الطاقة سوف يعوقه ارتفاع درجات الحرارة المحيطة التي ستخفض كفاءة التوربينات الغازية وقدرتها، وتخفض كفاءة التبريد في المعامل الحرارية. وسوف تصبح شبكات نقل الطاقة وتوزيعها أكثر عرضة للأعطال، إذ تغدو الأحداث المناخية المتطرفة أكثر تكراراً.

 

 

حلول برسم الحكومات والأفراد
الأزمة المناخية بدأت ولا عودة إلى الوراء. هذا ما تؤكده المعطيات والدراسات المتزايدة والتي تشير إلى أنه كلما أكثرنا من إحراق النفط والفحم وإنتاج ثاني أوكسيد الكربون، فسوف يزداد الوضع سوءاً. وتؤكد الدراسات نفسها ضرورة التحرك الفوري من قبل جميع دول العالم للمشاركة في حل الأزمة العالمية عبر إبرام اتفاقات دولية، والتزامها، الأمر الذي لم تنجح في تحقيقه قمة كوبنهاغن حيث لم تتمكن من إلزام المشاركين توقيع تعهّد خطّي يحمي الأرض ويضمن عدم بقاء المقررات مجرّد وعود وهمية.

 

طاقة صديقة للبيئة
تقوم الحلول المطروحة لوقف تغيّر المناخ بالدرجة الأولى على تغيير طريقة إنتاجنا الطاقة، وبالتالي التقليص من استخدام الوقود الأحفوري من خلال تعزيز فعالية الطاقة واعتماد الطاقة المتجدّدة أي المستمدة من الموارد الطبيعية التي تتجدّد أو التي لا يمكن أن تنفذ (طاقة مستدامة)، كالطاقة الشمسية والهواء. من أبرز إيجابيات استخدام الطاقة المتجددة أن الوقود مجاني ولا ينضب، وعلى عكس الطاقة التقليدية فإن الطاقة المتجددة لا تؤدي إلى تلوّث سام، كما أنها لا تتأثر بأسعار النفط المتقلبة أو بانقطاع الإمداد، وبالتالي توفّر استقراراً إقتصادياً، كما توفّر الطاقة المتجدّدة وظائف أكثر جودة من تلك التي توفرها مصادر الوقود التقليدية.
تنتج الطاقة المتجددة من الرياح والمياه والشمس، كما يمكن إنتاجها من حركة الأمواج والمد والجزر، أو من حرارة الأرض الباطنية، وكذلك من المحاصيل الزراعية والأشجار المنبتة للزيوت.
حالياً، يكمن الإنتاج الأكبر للطاقة المتجددة في محطات القوة الكهرمانية بواسطة السدود العظيمة أينما وجدت الأماكن المناسبة لبنائها على الأنهار ومساقط المياه، إضافة إلى استخدام الطرق التي تعتمد على الرياح والطاقة الشمسية. فطاقة الرياح تعتبر أكثر الطاقات المتجددة تطوراً ونضجاً بعد المحطات الكهربائية، وهي مستخدمة على نطاق واسع في البلدان المتقدمة وبعض البلدان النامية التي وضع الكثير منها أهدافاً طموحة لنسبة مشاركة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة لديها، ومواجهة الطلب المتزايد على الطاقة خصوصاً مع تسارع تصاعد أسعار الوقود.
وقد أصبح مألوفاً في الآونة الأخيرة استخدام مصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الكهرباء كالطاقة الناتجة عن تشغيل طواحين الهواء التي زادت بشكل كبير بما يسمح بتغذية ملايين المنازل بالكهرباء من دون تلوث.
وهناك بلدان عديدة وضعت خططاً لزيادة نسبة إنتاجها للطاقة المتجددة بحيث تغطي احتياجاتها من الطاقة بنسبة 20٪ من إستهلاكها العام 2020.

 

 

معوقات إنتشار الطاقة المتجددة
تساهم الطاقة المتجددة في التنمية المستدامة، غير أن تكنولوجياتها لم تصل إلى النضج الذي وصلت إليه تكنولوجيا الوقود التقليدي، وبالتالي ما زالت تعاني الكثير من المعوقات التي تحول دون إنتشارها وأهمّها، الإفتقار إلى المعلومات الحديثة عن التكاليف والفوائد والتطبيقات، ما يحول دون اتخاذ قرارات مناسبة، تأتي بعد ذلك العوائق التمويلية مثل عدم الحصول على تمويل طويل الأجل، وانعدام آلية التمويل من مصادر محلية، وعدم إلمام موظفي البنوك بالمخاطر التي ينبغي توقعها، وكيفية معالجتها إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم، وعدم توافر التمويل الإستثماري الأوليّ. وهناك عوائق أخرى تتركّز على أسعار الطاقة الحالية التي لا تشمل التكلفة الإجتماعية والبيئية، وتركيز الإعانات الضخمة على الوقود التقليدي، وضعف مشاركة القطاع الخاص، وسيطرة الدولة على قطاع الطاقة، إلى جانب ضعف البناء المؤسسي للطاقة المتجددة وعدم توافر خطط عملية لتشجيع التنمية والإستثمار في الطاقة المتجددة.

 

 

مصادر الطاقة المتجددة
• الطاقة الشمسية:

تستخدم الطاقة الشمسية حالياً في أنحاء متعددة من العالم ويمكنها أن تؤمن أضعاف معدّل الإستهلاك الحالي للطاقة في العالم إذا ما تمّ إستغلالها بشكل صحيح. يمكن استخدام الطاقة الشمسية لإنتاج الكهرباء مباشرة أو للتسخين أو حتى للتبريد. ولا يحدّ الإمكانات المستقبلية للطاقة الشمسية سوى استعدادنا للإستفادة من الفرصة، وذلك أن الشمس تؤمن ما يعادل 10000 مرة أكثر مما تحتاجه الإنسانية جمعاء من موارد الطاقة المجانية الجاهزة للإستخدام.

 

• الطاقة الهوائية:
إن طاقة الرياح (الطاقة الهوائية) هي مصدر الطاقة الذي يشهد النمو الأسرع في العالم، وتقنيتها بسيطة أكثر مما توحي.
موارد الريح في العالم واسعة جداً وموزّعة جيداً في المناطق والبلدان كافة. ومع استخدام التكنولوجيا الحالية، يمكن لطاقة الريح أن تؤمن حوالى 53000 تيراوات ساعة في السنة. ويفوق هذا بمعدل مرتين طلب العالم المتوقع على الطاقة العام 2020، ما يترك مجالاً هاماًَ للنمو في الصيانة حتى بعد عقود من الآن. وتملك الولايات المتحدة وحدها ما يكفي من الريح لتغطي أكثر من حاجاتها من الطاقة بمعدل 3 مرات.

 

• الطاقة الحيوية:
إن الطاقة الحيوية المعروفة بطاقة الكتلة الحيوية، هي استخدام المواد العضوية (كالنباتات) بمثابة وقود بواسطة تقنيات كجمع الغاز والتغويز (تحويل المواد الصلبة إلى غاز)، والإحتراق والهضم (للفضلات الرطبة). إذا ما تم استخدام الكتلة الحيوية بشكل مناسب فإنها تشكّل مصدراً قيّماً للطاقة المتجددة، لكن معظمها يعتمد على كيفية إنتاج وقود الكتلة الحيوية.
يتضمن بعض المصادر الهامة لطاقة الكتلة الحيوية:
• النفايات الرطبة (مسالخ، الطعام وتصنيع الطعام).
• النفايات الصلبة المختلطة (النفايات المنزلية والتشذيب).
• المنتجات الحرجية الثانوية (بقايا من نشر الخشب والعمليات الحرجية).

 

• الطاقة المائية:
تحتوي المياه المتحركة على مخزون ضخم من الطاقة الطبيعية، سواء أكانت المياه جزءاً من نهر جار أو أمواجاً في المحيط. يمكن تسخير هذه الطاقة وتحويلها إلى كهرباء علماً أن توليد الطاقة من المياه لا يؤدي إلى انبعاث غازات الدفيئة. كذلك هي مصدر طاقة قابل للتجديد لأن المياه تتجدّد باستمرار بفضل دورة الأرض الهيدرولوجية. كل ما يحتاجه نظام توليد الكهرباء من المياه هو مصدر دائم للمياه الجارية كالجدول أو النهر. وخلافاً للطاقة الشمسية أو طاقة الريح، يمكن للمياه أن تولّد الطاقة بشكل مستمر ومتواصل، بمعدل 24 ساعة في اليوم.

 

 

إدخار المال والطاقة
يقصد بفعالية الطاقة أو ترشيد استهلاكها مختلف الطرق التي تؤدي إلى القيام بالعمل نفسه (الضوء، والحرارة والحركة، الخ...) من خلال استعمال كمية أقل من الطاقة. وهي تغطي السيارات الفعالة والإنارة التي لا تستهلك الكثير من الطاقة والممارسات الصناعية المتطورة ومواد العزل الحراري المطورة والمستخدمة في قطاع البناء، بالإضافة إلى تكنولوجيات أخرى. وبما أن ادخار الطاقة يوازي غالباً إدخار المال، يمكن القول إن فعالية الطاقة مربحة جداً.
وللفعالية قدرة كبيرة، ولتأمينها، يكفي القيام بأعمال بسيطة على المستوى الفردي كوضع المزيد من المادة العازلة على سقف المنزل أو شراء غسالة ذات فعالية كبيرة عندما تتعطل الغسالة القديمة. يؤدي ذلك إلى ادخار المال والطاقة في آن. إلا إن الإدخار الأكبر لا يقوم على هذه الخطوات الإضافية، فالأرباح الفعلية تنتج عن إعادة التفكير في المفهوم بكامله أي المنزل بكامله أو السيارة بكاملها أو حتى نظام النقل بكامله. حينئذٍ، سنتفاجأ بأن احتياجاتنا من الطاقة قد هبطت بنسبة 4 إلى 10 مرات ما نصرفه اليوم.
فمن خلال وضع المواد العازلة كما يجب، أي من سقف المنزل حتى الجزء الأسفل منه، (وهذا يتطلب استثماراً إضافياً)، يصبح طلب الحرارة ضئيلاً جداً، ويكفي بالتالي استخدام جهاز تدفئة أصغر وأرخص ثمناً، يعوّض ثمن مواد العزل الإضافية. وهكذا تكون النتيجة منزلاً لا يحتاج إلا الى ثلث الطاقة التي يحتاج اليها منزل عادي. وإذا وضعنا المزيد من مواد العزل واعتمدنا نظام تهوئة شديد الفعالية، تتقلص الحاجة إلى التدفئة الى العُشر. يبدو الأمر مذهلاً، إلا أن آلافاً من هذه المنازل الشديدة الفعالية قد بُني فعلاً في أوروبا خلال السنوات العشر الأخيرة. هذا ليس حلماً للمستقبل، إنما جزء من حياة آلاف العائلات اليومية.
وللإستفادة فعلياً من قدرة فعالية الطاقة لا بد أولاً من وضع سياسات حكومية تخدم هذه الغاية، مثل وضع معايير أداء دنيا للمنازل والمكاتب والسيارات والأدوات الكهربائية، من شأنها الحد من الإستهلاك غير المبرر للطاقة. فثمة معايير سلامة دنيا مطبقة في الإجمال، إلا أن معايير تفعيل الطاقة غالباً ما تهملها الحكومات، أو غالباً ما تكون ضعيفة جداً. من هنا تظهر أهمية المبادرة الفردية في عملية ترشيد الطاقة إلى حين ظهور تدابير أكثر شمولية على مستوى الحكومات.

 

 

دور الأفراد
يؤكد الباحثون في الحقل البيئي أن للأفراد دوراً مهماً في عملية الحد من التغيّر المناخي. وبحسب جمعية «غرينبيس» فإن الإتفاقيات الدولية الرفيعة المستوى لن تكون وحدها كفيلة بوضع حد للتغيّر المناخي الخطير. إذ لا بد من إحداث تغييرات سلوكية لدى الأفراد والمجتمعات، ولا سيما في ما يتعلق بالتفضيلات على مستوى السكن ووسائل النقل واستهلاك الأطعمة.
حول هذا الموضوع تقدم «غرينبيس» في موقعها على الإنترنت www.greenpeace.org/lebanon إرشادات تشرح من خلالها كيفية المساهمة الفردية في الحد من تغيّر المناخ. في ما يأتي عرض مختصر لها:

 

• وفّر الطاقة في حمامك:
تعلمنا أن سعرة حرارية واحدة تتسبّب بارتفاع حرارة غرام واحد من الماء بمعدل درجة واحدة. كما أن تسخين المياه يحل في المرتبة الثانية بعد تدفئة الجو في قائمة الأنظمة التي تستهلك أكبر قدر من الطاقة في المنزل. والمهم في الموضوع هو كيفية تسخين المياه واستخدامها بكفاءة. وجدير بالذكر أن أشعة الشمس توفر طاقة مجانية لتسخين المياه وتجفيف الغسيل.

 

• وفّر الطاقة في منزلك:
أطرد «لصوص الطاقة» من منزلك! الواقع أن عدداً كبيراً من الأجهزة المنزلية، حتى وإن لم يكن قيد التشغيل، يستهلك الطاقة بمقدار يفوق الكم المطلوب. يمكنك تغيير هذا الواقع من خلال اتخاذ قرارات حكيمة لدى شراء الأجهزة المنزلية، وأيضاً من خلال بعض الحيل البسيطة وعندئذ، ستكتشف أن حساباتك المنزلية وأيضاً «حسابك المناخي» تبدو أفضل حالاً.

 

• وفّر بالإضاءة:
إفتح الستائر خلال النهار للإفادة من ضوء الشمس، نظّف أغطية المصابيح والثريات من الغبار المتراكم، واطل الجدران باللون الفاتح. أيضاً أطفئ النور في الغرف غير المستعملة.
ان استعمال المصابيح الكهربائية الموفّرة للطاقة (C.F.L)، بات أمراً ملحاً، فهذه المصابيح تستهلك 20٪ فقط من الطاقة الكهربائية قياساً إلى المصابيح العادية، وعمر تشغيلها 10 أضعاف عمر المصباح العادي، ويمكن تركيبها مكان هذا الأخير، من دون الحاجة إلى تمديدات جديدة.

 

• وفّر الطاقة في مطبخك:
الطبخ المنزلي هو الأفضل، كما أنه الأنسب بالنسبة إلى البيئة أيضاً. فالطبخ المنزلي يجعل «حساب» الانبعاثات الكربونية التي تتسبّب بها أقل بكثير مما يكون عليه في حال استهلاك الوجبات السريعة والمجمّدة. لكن حتى في هذه الحالة، يمكن للعديد من الطهاة خفض معدل استهلاكهم الطاقة بشكل ملحوظ، وفي الوقت نفسه توفير المال.

 

• وفّر في التبريد والتدفئة:
إستخدام وسائل التبريد والتدفئة بذكاء. من الضروري أن ينعم كل شخص بالجو الملائم في منزله في كل الفصول. لكن المهم هو أن تدفئ أو تبرّد منزلك فحسب وليس الجو المحيط. فوسائل التدفئة والتبريد التي لا تحقق كفاءة الطاقة لا تزال تشكّل مصدر الدين الأكبر في الحسابات المناخية للعديد من الأفراد. وإمكان توفير الطاقة في هذا المجال يبدو كبيراً جداً، فبعض الحيل البسيطة والإستثمارات المتبصّرة قد يساعد على خفض فواتير التدفئة والتبريد بمعدلات ملحوظة.

 

 

صفقة خضراء لإبعاد شبح الجوع
إن الإستثمار في الطاقة المتجدّدة واستغلال مواردها يحقّق إضافة الى الهدف الأساسي وهو الحدّ من التغيّر المناخي، أهدافاً لا تقلّ أهمية وهي، مكافحة البطالة عبر خلق فرص عمل جديدة، والحدّ من الفقر والجوع في العالم. المثل الأبرز على ذلك هو «مبادرة الاقتصاد الأخضر العالمي الجديد» التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في نهاية العام 2008 لمواجهة الأزمات الثلاث التي شهدها العالم، أي: الوقود والغذاء والأزمة المالية.
سعى برنامج الأمم المتحدة للبيئة من خلال المبادرة المذكورة الى إحياء الأسواق العالمية وخلق فرص عمل تنقذ من يمكن إنقاذه من الجائعين في العالم الذين فاق عددهم المليار شخص.
قامت مبادرة «الإقتصاد الأخضر» أو «الصفقة العالمية الخضراء الجديدة» على توجيه الإقتصاد العالمي في اتجاه استثمارات التكنولوجيا النظيفة ومشاريع الطاقة النظيفة والزراعة المستدامة، والبنى التحتية الطبيعية كالغابات والتربة، مؤكدة أنها الطريقة الأفضل للنمو الحقيقي ومكافحة التغيّرات المناخية وزيادة معدل التوظيف في القرن الواحد والعشرين.
وقد حدّد برنامج الأمم المتحدة للبيئة ثلاثة أركان تقوم عليها «الصفقة العالمية الخضراء» وهي تقييم خدمات الطبيعة وإدراجها في الحسابات القومية والدولية، وخلق فرص العمل من خلال الوظائف الخضراء، ووضع السياسات والأدوات القادرة على تسريع الإنتقال الى الإقتصاد الأخضر الساعي الى التنمية الاقتصادية عبر مشاريع صديقة للبيئة.
حول هذا الموضوع يعلّق خبراء في البيئة أن الإستثمارات البيئية هي ما نحتاجه اليوم للحدّ من البطالة، والمساعدة في تمكين اقتصاد الدول وردّ العافية اليه. فالتقنية الخضراء قادرة على تأمين فرص عمل بمعدلات تفوق بأشواط تقنيات الطاقة التقليدية كالنفط والطاقة النووية.
وبحسب ليستر براون مؤسس «معهد سياسات الأرض» في واشنطن فإنه إذا ما قارنا طاقة الريح والطاقة الشمسية مع طاقة الفحم مثلاً، فإننا نجد أنهما تفوقانها من حيث كثافة العمالة بمعدل مرتين الى ثلاث مرات، وهو ما يعني أننا إذا ما كنا مهتمين حقاً بإيجاد المزيد من الوظائف، فإننا يجب أن نهتم بترشيد الطاقة وكذلك الطاقة المتجدّدة.
هذه النظريات البيئية باتت واضحة في بعض الدول التي توجّهت الى استثمارات بيئية في البنى الأساسية. في هذا الإطار يشير أكيم شتايز المدير التنفيذي المسؤول عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير له أن الولايات المتحدة خصّصت قسماً كبيراً من خطة التحفيز الاقتصادي التي أقرّها أوباما والتي تبلغ قيمتها 825 مليار دولار أميركي لرفع الطاقة المتجدّدة وتجهيز مليون منزل ضد عوامل الطقس، ورفع كفاءة شبكة الكهرباء في البلاد. وأشار الى أن مثل هذه الاستثمارات قادرة على توليد ما يقارب الخمس ملايين وظيفة «خضراء»، ودعم صناعتي البناء والهندسة.
وأورد التقرير ايضاً أنه في جنوب افريقيا، يستفيد من مبادرة «العمل من أجل الماء» التي تدعمها الحكومة ما يزيد عن ثلاثين ألف عامل، من بينهم نساء وشباب وذوو احتياجات خاصة. وأشار الى أن حكومة جنوب افريقيا تنفق حوالى ستين مليون دولار سنوياً لمكافحة النباتات الغريبة التي تهدّد الحياة البرية، وإمدادات المياه، والمقاصد السياحية المهمة، والأراضي الزراعية، مرجّحاً أن يتم استغلال ما يزيد عن أربعين مليون طن من النباتات الغريبة المحصورة كوقود لمحطات الطاقة، ما يوفّر إثنين في المئة من إجمالي احتياجات البلاد من الطاقة، فضلاً عن خلق ما يزيد عن خمس آلاف فرصة عمل إضافية.
في تقريره يؤكد شتايز أن العالم في القرن الواحد والعشرين بات في أشد الإحتياج الى «الإقتصاد الأخضر» الذي من شأنه مكافحة الفقر وخلق فرص عمل جديدة، إضافة الى الحدّ من تغيّر المناخ وانبعاث ثاني أوكسيد الكربون الذي يهدّد مستقبل الكرة الأرضية. هذه النظرية يشاطره فيها مئات الخبراء في المجال البيئي، وملايين المواطنين في العالم، ومع ذلك فإن أصوات هؤلاء مجتمعين لم تتمكّن من خرق آذان المجتمعين في بيلا سنتر في كوبنهاغن لحثّهم على الخروج بنتائج أكثر تفاؤلاً لا بل أكثر حكمة في مسألة تطال المصير البشري.

 

 

خطوة الى الأمام؟
ردود الفعل التي أعقبت «اتفاق كوبنهاغن» راوحت بين اعتباره خطوة أولى الى الأمام وبين توصيف نتائجه بالكارثية.
رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون وصف نتائج قمة المناخ في كوبنهاغن بأنها «خطوة أولى» على طريق معاهدة شرعية ملزمة ويجب أن تقبل بها الدول سريعاً.
وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: «إنها خطوة الى الأمام مع أنني كنت أتمنى أن يكون هناك المزيد، لقد كنا أمام أمرين: إما عدم الاتفاق على شيء أو الوصول الى ما حققناه حتى الآن». ورأى رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروسو أن هذا النص هو أفضل من لا شيء حتى وإن كان أدنى من المنتظر.
كذلك وصف رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر الاتفاق الذي تمّ التوصّل اليه في مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ بأنه «كامل وواقعي». وأضاف: «الآن يتوجّب على كل الدول أن تلتزم القيام بأعمال ملموسة من أجل التصدّي للتغيّرات المناخية في إطار معاهدة جديدة».
وبدا الإتحاد الأوروبي مرتاحاً بعد الاتفاق الذي تمّ التوصّل اليه حول المناخ في كوبنهاغن مع إقراره بأنه لا يلبّي طموحاته.
من جهته أشاد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون باتفاق قمة كوبنهاغن للمناخ باعتباره بداية أساسية لكنه اعترف بأنه لم يحقّق الآمال المرجوة.
في المقابل احتج عدد كبير من مندوبي دول الجنوب بشدة على مشروع الاتفاق الذي تمّ التوصّل اليه. وأعرب مندوب أرخبيل توفالو، في المحيط الهادئ، عن معارضته الشديدة للإتفاق الذي حدّد درجتين مئويتين كحدّ أقصى لارتفاع حرارة الأرض وشبّهه ب«حفنة من الأموال من أجل خيانة شعبنا ومستقبلنا». وأعربت بوليڤيا عن «معارضتها التامة للوسائل التي اعتمدت» متّهمة رئيس الوزراء الدنماركي لارس راسموسن، رئيس المؤتمر، بأنه «يقف عقبة» أمام الديموقراطية والشفافية.
ووصف الوفد السوداني الى قمة كوبنهاغن لومومبا ستانيسلاس ديا - بينغ الإتفاق الذي تمّ التوصّل اليه في العاصمة الدنماركية بأنه الأسوأ في التاريخ وأنه يعتبر بمثابة المحرقة بسبب آثاره التي ستلحق الدمار والموت بشعوب افريقيا على حدّ تعبيره. ووصف باسكال هوستينغ رئيس منظمة السلام الأخضر الفرنسية نتائج المؤتمر بالكارثية.

 

المراجع:
- Green Peace.org/Lebanon.
- Wikipedia - the free encyclopedia.
- Unep.com.
- مجلة البيئة والتنمية، عدد تشرين الثاني/كانون الأول 2009.