كلمتي

والجوّ غادرٌ أيضاً
إعداد: العميد الركن صالح حاج سليمان
مدير التوجيه

لم تكتف الطبيعة بالتعبير عن غضبها، غير المبرّر، بواسطة البحر أمواجاً وأسراراً وأعاصير وأساطير، بل امتدّ ذلك الى الأعلى في تحالف مخيف مع الفضاء. الفضاءُ هذا لم يُترك ليكون مقراً للقمر والنجوم، ومرتعاً للأحلام، وملعباً للغيوم ومصدراً لنور الشمس، بل طلبت اليه الطبيعة أن يواجه الإنسان، وأن يضرب خطواته العملاقة وأن يعيده الى الأرض شهيداً. إنها مأساة الطائرة الأثيوبية المنكوبة فوق الشاطئ اللبناني. يقترب عدد الضحايا من المئة، ويتجاوز عدد المتألمين مئات الألوف. إنها مأساة ترافقت أحزانها مع إعلان نبأ السقوط، خصوصاً بعد أن تأخر موعد العثور على الصندوقين الأسودين أياماً وأياماً الى أن تمكّن غطّاسو الجيش من العثور عليهما واحداً تلو الآخر، بعد جهود لا حدّ لها. لقد دفع جنودنا الى هذا النشاط المميّز التربية العسكرية التي تلقّوها، والأصول الإنسانية التي نشأوا عليها منذ الصغر، والرغبة في التحدّي التي ترافقهم ليل نهار، والإحساس المطلق مع ذوي الضحايا أولاً وأخيراً. لم تهن على رجالنا أن يستريحوا وهناك مواطنون يتألمون أمام المجهول، ولم يكن سهلاً أمامهم أن يروا ضيوف الوطن والعاملين والعاملات الأجانب يتلوّعون في وطن لم يجدوا فيه سابقاً إلا الأمان والمحبة وظروف العمل والحياة والاستقرار. لقد انطلق جنودنا من معظم وحدات الجيش، البرية والبحرية والجوية، الى وصل الليل بالنهار منذ الدقائق الأولى لوقوع الكارثة، وراحوا يراقبون الشاطئ ويجوبون البحر ويعبرون الأجواء، مفتّشين منقّبين، تؤازرهم جهود دولية وصديقة مشكورة، سهّلت مهمات التفتيش عن الرفات، وملاحقة بقايا الحطام، وكل ما يؤدي الى إنجاز التحقيق الذي لا بدّ منه للوقوف على ظروف هذه الكارثة الإنسانية. وقد أمكن الوصول الى الكثير من المطلوب، على الرغم ممّا هو معروف من ضعف في الوسائل، وضيق في ذات اليد. كيف لا وهناك أمهات لا يغادرن الشاطئ، وهناك هواتف لا يتوقف فيها الرنين.
لكنّ ذلك كله لم يكن ليثني المؤسسة العسكرية عن الاستمرار في القيام بواجبها في الدفاع عن الوطن، ومواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، خصوصاً الجوية منها، في تجاوز واضح لعدم تكافؤ الفرص في العتاد والسلاح.
موعد هذا الوطن مع تجدّد الابتسامة يجب ألاّ يتأخّر، ولا بدّ للطبيعة من أن تصلح الأمور. لقد عوّدتنا أن تكون مصدراً للمطر والزهر والظلال، فما لها تعلن الحرب من جانب واحد؟