- En
- Fr
- عربي
موضوع الغلاف
على تخوم الخطر تتوزع أيامهم ولياليهم. يرصد شروق الشمس مجموعاتهم هنا وهناك، حيث الواجب ينده عزمهم واثقًا بأنّهم أهل لكل مهمة. ويرصد المساء التعب يرشح من جباههم، فيمسحونه بيد جاهزة أبدًا لبذل المزيد.
ينتشر عسكريونا على مساحة الوطن، سياجًا للحدود، وبلسمًا لجراح مواطنين باتت بيوتهم وأملاكهم خرابًا، وذراعًا قويًا لسيادة الدولة وسلطة القانون في وجه مختلف أشكال الجريمة والتفلّت.
هكذا عرفناهم في أصعب الأوقات وأشدّ الأزمات، لكنّ ما بذلوه من جهود في العام الذي انصرم، كان استثنائيًا بالفعل. ووسط كل ما يدور على ساحة الوطن من ضجيج النقاشات الصاخبة والأسئلة الصعبة، كان الجيش يواصل تنفيذ مهامه بصمتٍ وفعالية، يفكك الألغام، ينتصر على التحديات، ويسهم في تجاوز الوطن لخطر الفتنة أكثر من مرة.
عندما توجهت قوى الجيش لتعزيز الانتشار في جنوب الليطاني تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء، كان من المنتظر الحصول على دعم يتيح توفير العديد اللازم للعملية فضلًا عن العتاد. تأخرت المساعدات المنتظرة، لكن المهمة نُفّذت على أكمل وجه. وفي موازاة مهمة جنوب الليطاني، كانت وحدات الجيش تقوم بضبط الحدود الشرقية والشمالية بفاعليةٍ عالية، وبالفاعلية نفسها تضطلع بمهمة حفظ الأمن في الداخل، وملاحقة عصابات الجريمة المنظّمة.
كيف يمكن لعسكري يتقاضى الراتب الذي يتقاضاه عسكريونا أن يكون على هذا القدر من الالتزام والكفاءة في القيام بواجبه؟ سؤال نسمعه يوميًا، لكنّ ما نراه في المقابل مزيد من الإصرار على التزام المسؤولية الوطنية بكل ما تطلبه من جهود وتضحيات.
فعلى الرغم من صعوبة الظروف ومحدودية الإمكانات، كان أداء العسكريين على مستوى المسؤولية، وهو ما يثبت تمسّكهم بالرسالة التي أقسموا اليمين على أدائها. وفي خضم كثرة الاستحقاقات وحساسيتها، أثبت العسكريون أنّهم على مستوى الثقة والآمال، وبفضل كفاءتهم ومناقبيتهم وشجاعتهم، كانوا على قدر التحديات.
الاستحقاقات التي شهدها لبنان خلال العام الماضي كانت كبيرة سواء لجهة أهميتها أو حساسيتها، وبخاصةٍ بسط سلطة الدولة جنوب الليطاني التي تطلّبت مجهودًا كبيرًا إن لناحية التخطيط والتنفيذ، أو لناحية تأمين الموارد البشرية والمادية والخبرات.
على صعيد القيادة، تم التنفيذ بواسطة الوحدات العضوية مع التنسيق الكامل بين الجيش وآلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانيزم).
وإذ يُنفّذ الجيش مهمات على كامل الأراضي اللبنانية، فهو لا يميّز بين منطقة وأخرى لناحية الجهود والإمكانات، بل يعمل في جميع المناطق وخلال مختلف الاستحقاقات والمناسبات، بعزمٍ واحتراف. وهو يُنفّذ قرارات السلطة السياسية بخاصةٍ لناحية حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
عمله على ضبط الحدود اللبنانية – السورية، انعكس إيجابًا على الداخل، إذ سهّل تجفيف موارد العصابات وأقفل بوجهها إمكانات التهريب أو غيرها من الأعمال غير الشرعية. يُضاف إلى ذلك، توقيف العديد من المتورطين في جرائم المخدرات وتفكيك مصانع إنتاجها ومصادرة كميات كبيرة منها، فضلًا عن مكافحة الجرائم بشكلٍ عام.
إلى ذلك، انعكس التخطيط الجيد والتنسيق مع الأجهزة الأمنية الأخرى من خلال تبادل ضباط ارتباط في غرف العمليات، إيجابًا على مرور جميع الاستحقاقات بنجاحٍ وسلاسة. فمن إجراء الانتخابات البلدية، إلى زيارة قداسة الحبر الأعظم واختتامًا بموسم الأعياد، لم يتم تسجيل أي حوادث، إضافة إلى انخفاض كبير في حالات إطلاق النار في الهواء خلال فترة رأس السنة.
جنوب الليطاني: المهمة الأكثر حساسية
كانت مهمة الجيش في قطاع جنوب الليطاني التحدي الأبرز في العام المنصرم، ومع مطلع العام الجديد أعلنت قيادة الجيش انتهاء المرحلة الأولى من خطة «درع الوطن» المتعلّقة بحصر السلاح في يد القوى الشرعية. ورغم أنّ تفاصيل العرض المعزز بالأرقام والوقائع الذي قدّمه قائد الجيش خلال جلسة مجلس الوزراء في 8 كانون الثاني 2026 لم تُكشف، اعتبرت عدة تصريحات وتعليقات أنّ الجيش قام بجهدٍ جبّار رغم كل الظروف والتعقيدات.
فضلًا عن استمرار الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية واحتلال عددٍ من النقاط، واجهت الجيش صعوبات كثيرة في هذه المهمة، فكيف تم التعامل معها؟
كما بات معلومًا، فإنّ المانع الأول الذي يقف أمام إنجاز الجيش كامل مهامه يكمن في استمرار هذه الخروقات والاعتداءات وعدم الالتزام بالقرارات الدولية، ولا سيّما اتفاق وقف الأعمال العدائية رغم الالتزام الكامل من جهة الجيش. في موازاة ذلك، واجهت الوحدات العسكرية مخاطر أخرى أهمها الذخائر غير المنفجرة ومخلّفات الحرب التي تتطلّب مهارات وقدرات بشرية ومادية كبيرة للتعامل معها. من جهة ثانية، فإنّ الدمار الكبير الحاصل في البنى التحتية كالطرقات وشبكات الهاتف ومياه الشرب، كانت له تداعيات كبيرة على المجتمع المحلّي والجيش في الوقت عينه. وقد عملت وحدات قطاع جنوب الليطاني بتوجيهٍ من قيادة الجيش على الوقوف إلى جانب المواطنين للتخفيف من هذه التداعيات.
يشعر العسكريون على اختلاف رتبهم ومواقعهم بأنّ مصدر القوة الأساسي للجيش اللبناني هو في التفاف اللبنانيين حوله وإيمانهم به، وهذا ما حصل ويحصل في الجنوب حيث لقي كل الدعم من المواطنين. وهو بذل في المقابل كل الجهود لتنفيذ مهمة صعبة في ظل المخاطر المترتبة على التعامل مع ذخائر حساسة غير منفجرة في بيئة مأهولة تتطلّب عناية خاصّة، فضلًا عن العمل في طبيعة أرضٍ صعبة. وبسبب غياب البنى التحتية في منطقة العمليات، اضطرت الوحدات العاملة في قطاع جنوب الليطاني إلى تأهيل طرقات وفتح أخرى مقطوعة، والعمل على تأمين الاتصالات وجميع القدرات اللازمة للتمكّن من إنجاز المهمة. حصل كل ذلك مع استمرار الاستهدافات الإسرائيلية والمخاطر التي تسبّبها.
بالإضافة إلى ذلك كان على الجيش أن يُعيد انتشاره مع تعزيز وتأهيل أو بناء مراكز تمّ استهدافها خلال الحرب، وكذلك استحداث مراكز جديدة. لم يكن ذلك بالأمر السهل مع غياب المساعدات الموعودة. لكن، وحدات قطاع حنوب الليطاني واجهت الصعاب بإرادة فولاذية وتصميم وحسن إدارة للموارد الموجودة وبدعمٍ مطلق من قيادة الجيش. يُذكر هنا أنّه بالإضافة إلى القوى العاملة في القطاع، شارك في إنجاز المهمة عدة وحدات من بينها: اللواء اللوجستي، وفوج المغاوير، وفوجا الهندسة والأشغال المستقل، ومديرية التعاون العسكري – المدني، والطبابة العسكرية، ووحدات أخرى.
الواقع على الأرض
في بيان قيادة الجيش حول تنفيذ المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح مصطلحات عسكرية تعكس إجراءات ميدانية وتنظيمية تهدف أساسًا إلى تعزيز الاستقرار وحماية المواطنين. وقد يكون من المفيد توضيح هذه المصطلحات التقنية.
- توسيع الحضور العملاني للجيش: يعني هذا المصطلح زيادة انتشار الوحدات العسكرية في قطاع المسؤولية حيث ينتشر الجيش في /230/ مركزًا ونقطة مراقبة، بما يضمن الوجود الدائم والفاعل والقدرة على التدخل السريع عند الحاجة.
- تأمين المناطق الحيوية: المقصود حماية المرافق الأساسية التي تمسّ حياة المواطنين اليومية، مثل الطرق الرئيسية، المراكز الخدماتية، البنى التحتية، والمؤسسات العامة، بما يضمن استمرار العمل فيها ومنع أي تهديد لأمنها.
- بسط السيطرة العملانية على الأراضي: تعني هذه العبارة فرض سلطة الدولة عمليًا على كامل المناطق المشمولة بالخطة، من خلال: الدوريات، الحواجز، المراقبة، ومنع أي مظاهر مسلحة أو أنشطة تخلّ بالأمن.
- استكمال معالجة طلبات اتخاذ الإجراءات لتثبيت السيطرة: وهذا معناه، تنفيذ كل المهام التي تضمن ديمومة الاستقرار وليس فقط تحقيقه مرحليًا، فضلًا عن الاستمرار في معالجة ما تبقّى من الذخائر ومخلّفات الحرب التي تمّ العثور عليها سابقًا خلال المرحلة الأولى.
باختصار، تصبّ جميع هذه الإجراءات في إطار تعزيز سلطة الدولة وحماية المواطنين، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة رغم التحديات والظروف الصعبة.
…تنبت الحياة من تحت الركام
بالإضافة إلى مهمته العسكرية، اضطلع الجيش بمهمات عديدة على الصعيدين الإنساني والخدماتي خلال الحرب، وقد استمرت هذه المهمات خلال العام المنصرم، ما اقتضى التنسيق بين الجهد العسكري وبين تقديم المساعدة للمواطنين والسلطات المحلية.
فقد قام الجيش خلال الحرب بالعديد من المهمات الإنسانية وأهمها إخلاء الجرحى وانتشال جثامين الضحايا، بالإضافة إلى تأمين الممرات الإنسانية إلى العديد من القرى التي تمّت محاصرتها. كذلك قام الجيش بعد الحرب مباشرة بمسح حاجات المنطقة. وبذلك أمكن توجيه المساعدات القادمة من مديرية التعاون العسكري – المدني في الجيش CIMIC، ومن اليونيفيل، نحو القطاعات الأكثر حاجة. وكان أهم ما تمّ تقديمه مواكبة السكان في قطاف التبغ والزيتون، بالإضافة إلى مساعدات للقطاع الصحي في المنطقة وبخاصةٍ المستوصفات في القرى، فضلًا عن المدارس إذ تم التركيز عليها (قدّمت مديرية التعاون العسكري – المدني تجهيزات ومساعدات للتلامذة في 32 مدرسة في القطاع). كما تمّت إنارة شوارع بعض القرى، وكذلك قام الجيش بشق طرقات وإصلاح أخرى، وكل ذلك لتأمين عودة السكان إلى قراهم.
هنا يُذكر أنّ مجرد وجود الجيش في البلدات والقرى كان يُشكل إشارة انطلاق عودة الحياة إليها. ومن الأمثلة في هذا المجال ما أخبرنا به أحد الضباط، إذ قال إنّ الجيش في سياق سعيه إلى إقامة مراكز جديدة له، تواصل مع رئيس إحدى البلديات في المنطقة لتأمين مكان للتمركز، فكان الخيار مدرسة في البلدة بحاجةٍ إلى ترميم بسبب تعرّضها لقصف العدو. قام الجيش بإصلاح المدرسة وتمركز فيها، ما دفع المواطنين إلى إقامة محلات ومقاهٍ بالقرب منها. ففي حمى الجيش تنبت الحياة من تحت الركام، وتنطلق بشائر الأمل رغم الأوجاع.
يُقدّر المواطنون الجيش ويثمّنون جهوده في منطقة عمليات قطاع جنوب الليطاني، وينطق لسان حالهم بعبارات الشكر والامتنان لما تقوم به المؤسسة العسكرية في سبيل تأمين عودتهم وسلامتهم، وكذلك مساعدتهم على تخطّي الظروف الصعبة التي يمرون بها.
يعمل الجيش في منطقة عمليات قطاع جنوب الليطاني كما في غيرها بالوسائل المتاحة، وهذا ما يقتضي من العسكريين مضاعفة الجهود والكثير من التضحيات. وقد قدّم في يانوح نموذجًا حيًا للتفاني في القيام بالواجب رغم المخاطر. ما حصل هناك في 13 كانون الأول الماضي، مثال على بذل النفس في سبيل حماية أي منطقة من لبنان، حتى ولو بأبسط الإمكانات. فالجيش يختار التضحية القصوى المتمثلة في حياة الجنود فداءً عندما لا يبقى أمامه سوى هذا الخيار دفاعًا عن شعبه.
من يومياتهم
يتحدّث ضابط كان مكلّفًا بتوثيق عملية التفتيش في يانوح، فيوضح أنّ المكان كان مأهولًا من 8 عائلات نازحة. وعندما وصلت قوة من الجيش ومعها قوة من اليونيفيل إلى المكان، كانت أول ردة فعل من قِبَل المواطنين هي قولهم للعسكريين، المكان مهدد بالقصف لا تدخلوا… طبعًا دخل العسكريون ومعهم خبير المتفجرات… أدّى الخبير مهمته بحماسةٍ واندفاع، إنّه نموذج لعسكريينا الذين يتفانون في القيام بواجبهم.
نتحدّث إلى خبير متفجرات هو معاون في فوج التدخل الثاني، نسأله عن تفاصيل مهمات مسيّجة بالخطر، فيقول باختصار: كل مهمّاتنا خطرة، لكن واجبنا أن نرفع الخطر عن مواطنينا. لذلك تدرّبنا وخضعنا لدورات اختصاص.
ماذا عن القلق الذي تعيشه عائلته بسبب ما يتعرّض له من مخاطر؟ يبتسم ويجيب: في 90 في المئة من الحالات لا يعلمون أنني في مهمة. يعرفون أنني في الخدمة فقط.
في الجبال والوديان والأحراج…
خلال العام الماضي قدّم الجيش في قطاع جنوب الليطاني عددًا من الشهداء، وكان العدد الأكبر منهم من عديد لواء المشاة الخامس. في هذا اللواء نلتقي مؤهلًا أول بات رصيده 25 سنة من الخدمة في الجيش، عاش خلالها الكثير من التجارب والحروب ومن بينها معارك نهر البارد حيث استشهد رفاق له وتعرّض هو للإصابة. ماذا يعني لك اللواء الذي تخدم فيه؟ يقول: «كل شي»، هو أهلي وأصحابي وأقاربي ورفاقي الذين استشهدوا… وإذا أتيح لي أن أختار قطعة أخرى حيث الخدمة أسهل، فلن أرضى مغادرة قطعتي.
المؤهل الأول هو أيضًا خبير متفجرات، يبدأ نهاره مع طلوع الصباح وقد لا ينتهي مع مغيب الشمس. الأمر رهن بالمهمات الواجب تنفيذها. الخطر رفيق دائم لنا. وإذ نطلب منه بعض التفاصيل، يقول: عندما يصدر أمر تنفيذ مهمة نقوم بتحضير العتاد الهندسي. يزوّدنا آمر السرية الإحداثيات، وترافقنا سيارة إسعاف وممرض. يبدأ الخطر منذ لحظة انطلاقنا. نحمل ذخائر وصواعق لتفجير الأجسام المشبوهة وتلك التي يتعذر نقلها… الآليات ومن بينها آلية الإسعاف لا تستطيع الوصول أحيانًا إلى الوجهة المقصودة، نسير في الجبال والوديان والأحراج مسافات طويلة لنصل إلى البقعة التي يجب أن نستطلعها أو نستكشفها.
بالنسبة إليه تنتهي الحروب ولا ينتهي عمل الفرق الهندسية، وباعتزاز واضح يقول: ما قمنا به تعجز عنه الجيوش. هذا وطننا ونحن حُماته.
ماذا تعلم عائلته عن طبيعة عمله؟ لا شيء! الأولاد صغار «بدن يلعبوا ويروحوا عالمدرسة ويكبروا»… أبذل جهدي لتحييدهم عن أي أجواء تقلقهم.
الصعوبات ومشاعر الرضا
من المهمات الهندسية إلى مهمات أخرى ينفّذها لواء المشاة السابع. نتحدث إلى رقيب أول، تنقّل مع اللواء في العديد من المناطق. بالنسبة إليه بعد 20 سنة من الخدمة لا وجود لمهمة صعبة، ثمة مهمة يجب تنفيذها، «يعتاد العسكري على مواجهة الصعوبات فتصبح جزءًا من حياته» وفق ما يقول.
يضطلع اللواء الذي تتمركز بعض قواه على الخط الأزرق، بمهمة مراقبة أي تحرّك مشبوه، وذلك بالتنسيق مع اليونيفيل، كما ينفّذ مهمات أخرى، ومن بينها مواكبة المواطنين في أعمالهم وتنقلاتهم وحاجاتهم اليومية. مشاركة الرقيب الأول في هذه المهمات تُشعره بالرضا لأنّها تخفف معاناة الناس من جراء ما تعرضت له مناطقهم. موسما التبغ والزيتون من المواسم الأكثر أهمية للجنوبيين، ولم يكن بمقدورهم جني محاصيلهم من دون مواكبة الجيش. عندما ينظر إلى وجه عجوز متعبة تعمل في حقلها، يشعر أنّها أمه وواجبه فعل كل ما يمكن لحمايتها…
على تماس مباشر
أقام فوج التدخل الخامس مراكز متقدمة على الحدود، مهمة العسكريين في هذه المراكز منع الخروقات والتصدّي لها. يحدّثنا معاون من الفوج، الذي يتولى أيضًا مهمات حفظ الأمن في بقعة انتشاره بالإضافة إلى مواكبة المواطنين، أنّه يخدم في الجيش منذ 17 عامًا، وقد شارك في عدة معارك وعاش الكثير من التجارب القاسية أسوة برفاقه. لو عاد الزمن إلى الوراء لما اختار وظيفة أو مهنة أخرى سوى الخدمة في الجيش. له ابن ما زال يافعًا، «بدو يصير عسكري متلي»، يقول. ويضيف: «نحن نربي أولادنا على محبة الوطن والتضحية من أجله».
أحيانًا يكون هو ورفاقه عند الخطوط الأمامية، لا يفصلهم عن الخطر سوى مسافة قصيرة. هم في مواقعهم ثابتون، جاهزون للتصدّي لأي خرق أو اعتداء إسرائيلي. الحياة العسكرية علّمتهم الصلابة والصبر والقدرة على تحمّل المشقات. لذلك وأيًا كانت الصعوبات، فَهُم جميعًا يقولون: واجبنا ونقوم به.
في 8 كانون الثاني 2026 أصدرت قيادة الجيش مديرية التوجيه البيان الآتي نصه:
تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء اللبناني الصادر بتاريخ 5 آب 2025، يؤكد الجيش التزامه الكامل بتولي وممارسة المسؤولية الحصرية عن حفظ الأمن والاستقرار في لبنان، مع سائر الأجهزة الأمنية، ولا سيما في منطقة جنوب نهر الليطاني، وذلك وفاءً لواجباته المنصوص عليها في الدستور اللبناني والقوانين والأنظمة المرعية الإجراء، ووفق قرارات السلطة السياسية والتزاماتها الناشئة عن القرارات الدولية ذات الصلة، بما يضمن عودة الأمن والاستقرار إلى الحدود الجنوبية، ومنع استخدامها نهائيًّا منطلقًا لأي أعمال عسكرية، وذلك في إطار تطبيق قرار الدولة اللبنانية بسط سلطتها بقواها الذاتية حصرًا على كامل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا الإطار، يؤكد الجيش أنّ خطته لحصر السلاح قد دخلت مرحلة متقدمة، بعد تحقيق أهداف المرحلة الأولى بشكلٍ فعّال وملموس على الأرض. وقد ركّزت هذه المرحلة على توسيع الحضور العملاني للجيش، وتأمين المناطق الحيوية، وبسط السيطرة العملانية على الأراضي التي أصبحت تحت سلطته في قطاع جنوب الليطاني، باستثناء الأراضي والمواقع التي لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي.
ويشير الجيش إلى أنّ العمل في القطاع ما زال مستمرًّا، إلى حين استكمال معالجة الذخائر غير المنفجرة والأنفاق، إضافة إلى طلبات اتخاذ الإجراءات (RFAs)، لتثبيت السيطرة، وذلك بهدف منع الجماعات المسلحة من إعادة بناء قدراتها، بشكلٍ لا عودة عنه.
كما ستقوم قيادة الجيش بإجراء تقييم عام وشامل للمرحلة الأولى من خطة «درع الوطن»، ليُبنى عليه في تحديد مسار المراحل اللاحقة من الخطة الموضوعة.
وفي هذا السياق، يلفت الجيش إلى أنّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية واحتلال عدد من المواقع داخلها، وما يترافق مع ذلك من إقامة مناطق عازلة تُقيّد الوصول إلى بعض المناطق، فضلًا عن الخروقات اليومية المتواصلة لاتفاق وقف الأعمال العدائية الصادر في 27 تشرين الثاني 2024، كل ذلك ينعكس سلبًا على إنجاز المهام المطلوبة، خصوصًا في جوار هذه المناطق، وبالتالي على بسط سلطة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد قواتها المسلحة من دون استثناء.
ويُضاف إلى ذلك تأخّر وصول القدرات العسكرية الموعودة للجيش، الأمر الذي يشكّل عاملًا مؤثرًا، في وتيرة تنفيذ المهام.
إنّ هذه العوامل مجتمعة تستوجب معالجة عاجلة وجدية، كونها تمثّل عناصر أساسية لتمكين الجيش من استكمال مهامه وفق الخطة الموضوعة، بشكلٍ مسؤول وتدريجي ومنسّق، وبما ينسجم مع مقتضيات المصلحة الوطنية العليا، ويصون السيادة والاستقرار.
كما يؤكد الجيش استمرار التنسيق والعمل المشترك مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ومع آلية مراقبة وقف إطلاق النار (الميكانزم)، بما يساهم في تعزيز الاستقرار في منطقة جنوب الليطاني. وفي هذا السياق يتوجه الجيش بالشكر للدول المشاركة في قوات اليونيفيل، كما بالتقدير لعمل الفريقين الأميركي والفرنسي ضمن الآلية.
وفي الختام، يثمّن الجيش وعي المواطنين في الجنوب وتعاونهم البنّاء، إذ شكّل التزامهم وحرصهم على الأمن والاستقرار عاملًا أساسيًّا في إنجاح تنفيذ المرحلة الأولى، ويؤكد أنّ هذا التعاون يعكس عمق الثقة المتبادلة بين المواطنين والمؤسسة العسكرية.
كما لا يسع قيادة الجيش إلا أن تتقدّم بخالص التقدير إلى العسكريين على ما بذلوه من جهود استثنائية، وما قدّموه من تضحيات صادقة ومثابرة مسؤولة، إذ كانت إرادتهم الصلبة وإيمانهم بواجبهم الوطني عنصرًا حاسمًا في إنجاز المهام الموكلة إليهم. وقد تحققت هذه الإنجازات رغم قساوة ظروف العمل وما يحيط بمهامهم من مخاطر جسيمة، سواء تلك الناجمة عن الألغام والمتفجرات في محيط عملهم، أو الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف مناطق انتشارهم.











