دراسات وأبحاث

(Robot) الروبوت جندي حروب المستقبل
إعداد: د. أحمد علو
عميد متقاعد

سيناريوهات الحرب المستقبلية، ودراسات تطوير الجندي الإلكتروني قد تشبه روايات الخيال العلمي، لكن الحقيقة قد تكون في بعض الأحيان أغرب من الخيال. طائرات بدون طيار وحروب بلا جنود، أمور لم تعد ضربًا من ضروب الخيال العلمي، فالحرب الإلكترونية أصبحت جزءًا مهمًا من الحرب الحقيقية، وبطلها ليس الجندي المدجج بالأسلحة الفتاكة بل الطائرات الموجهة والروبوت الذكي المتعدد المهمات.
نحن نسمع، وبشكل شبه يومي تقريبًا، ان طائرات بدون طيار تشن هجمات قاتلة في عدد من الدول، او تقوم بعمليات الاستطلاع والرصد والتجسس. وقد أصبح امتلاك هذه الطائرات أمرًا ضروريًا لكل جيش حديث. حتى الآن يوجّه هذه الطائرات والآلات جنود على الارض، ولكن قد يأتي يوم يتولى فيه جنود  آليون (روبوت) هذه المهمة. ويرى بعض الخبراء في تكنولوجيا الروبوتات العسكرية في الولايات المتحدة ان العام 2025 قد يشكل منعطفًا مهمًا في التحول الى الحروب التي تعتمد على الجندي الآلي على نطاق واسع في العمليات العسكرية.


من هو؟
سمي الروبوت بالعربية الإنسان الآلي, والرجل الآلي و«الإنسالة»، وقد ظهر مؤخرًا مصطلح «جسمال» وهو دمج لكلمتي «جسم» وآلي»، يُشتق منه فعل «يجسمل» و«جسمالة» وجمعها «جساميل».
هو آلة قادرة على القيام بأعمال مبرمجة سلفًا، إما بإيعاز وسيطرة مباشرة من الانسان أو بإيعاز من برامج حاسوبية، وغالبًا ما تكون الأعمال التي تبرمج الإنسالة على أدائها أعمالاً شاقة أو خطيرة أو دقيقة، مثل البحث عن الالغام والتخلص من النفايات المشعة، أو أعمالاً صناعية.

 

عودة إلى البداية
ظهرت كلمة «روبوت» لأول مرة العام 1920، في مسرحية الكاتب المسرحي التشيكي كارل تشابيك التي حملت عنوان «Rossumovi univerzální roboti». ترمز كلمة «روبوت» في اللغة التشيكية إلى العمل الشاق، إذ إنها مشتقة من كلمة «Robota» التي تعني «السُخرة أو العمل الإجباري». ومبتكر هذه الكلمة هو جوزيف تشابيك، شقيق الكاتب المسرحي السالف الذكر، والذي ابتدعها في محاولة منه لمساعدة أخيه على ابتكار اسم ما للآلات الحية في العمل المسرحي. ومنذ ذلك التاريخ بدأت هذه الكلمة تنتشر في كتب وأفلام الخيال العلمي والعسكري، كما ان الألمان اخترعوا خلال الحرب العالمية الثانية بعض الأسلحة والألغام التي كانت تتحرك فوق عجلات على شكل دبابات صغيرة الحجم. وقد تطورت هذه الصناعة بعد ذلك واستطاعت خلال السنوات الماضية بلورة عدد من الافكار والتصورات لتلك الآلات، وتطوير علاقتها بالإنسان، الأمر الذي كان من شأنه أن يفتح آفاقاً واسعة للمخترعين ليبتكروا ويطوروا ما يتلاءم مع الحاجات والمتطلبات المتنوعة في ميادين مختلفة، وبخاصة العسكرية منها.

 

حروب تخلق أنواعًا جديدة من الإرهاب
ازداد في السنوات العشر الأخيرة عدد العمليات الهجومية بطائرات بدون طيار من محطات قيادة أرضية على أهداف في أفغانستان والباكستان والعراق وفي اليمن والصومال وفلسطين ولبنان. كما تم استخدام هذا النوع من الطائرات في مهمات استطلاعية واستخبارية تعتمد على تقليص البعد الزمني وتخفيف المخاطر والخسائر التي يواجهها العنصر البشري.
لقد أتاحت ثورة التقنية الرقمية لرقائق الكمبيوتر والكاميرات الرقمية وأنظمة الاستشعار تنفيذ مهمات عسكرية ذات مخاطر عالية وشن هجومات بدون حدوث خسائر في صفوف المهاجمين، فما كان مستحيلاً في الماضي، أصبح اليوم جزءًا من الواقع. ويقول نويل شاركي، أستاذ علوم الروبوتات والذكاء الاصطناعي: «هذه النوعية من الحروب تشكل تهديدًا للمدنيين، فالحرب غير المتكافئة تخلق أنواعاً جديدة من الإرهاب. العدو لن يستسلم لنا لمجرد أننا نمتلك تكنولوجيا متطورة».

 

الحرب الذكية
يعود لهذه التقنية الجديدة الفضل في مضاعفة حجم العمليات العسكرية في المناطق المحفوفة بالمخاطر كأفغانستان وباكستان والعراق، حيث تشكل العمليات المباشرة خطرًا على أرواح الجنود. فبين العامين 2004 و2007 لم يزد عدد العمليات الهجومية التي نفذتها الولايات المتحدة بطائرات بدون طيار عن تسع، ثم ارتفع إلى 33 العام 2008، وإلى 53 العام 2009 حتى وصل إلى 118 في 2010، أما عدد القتلى في هذه العمليات فقد راوح ما بين 600 و1000 قتيل.
لقد كانت بعثات الاستطلاع الاستخباراتية بواسطة الطائرات الموجهة في مهمة البحث عن أسامة بن لادن من أشهر الوقائع التي تم فيها استخدام هذه التقنية بنجاح. ويقول روبرت ألتمان، العضو المؤسس في اللجنة العالمية لمراقبة أسلحة الروبوت، أي الأسلحة التي تعمل بدون الحاجة إلى إنسان: «لم تكن الولايات المتحدة لترسل كل هذا العدد من الطائرات المقاتلة لو كان على متنها طيارون». ويرى ألتمان أن طبيعة هذه الطائرات الموجهة، المتميزة بصغر حجمها وعدم وجود طيارين على متنها، تسهل على الولايات المتحدة الحصول على موافقة الحكومة الباكستانية للقيام بعمليات هجومية على أراضيها.

 

سباق التسلح التكنولوجي
الخطر الثاني الذي يتعلق بتطوير التكنولوجيا العسكرية يتمثل في سباق التسلح الذي يشهده العالم الآن. حيث قامت حوالى 50 دولة في السنوات الأخيرة بشراء أو تطوير طائرات استطلاعية موجهة، ومن هذه الدول إسرائيل وألمانيا والصين وروسيا وإيران وغيرها. وتتمتع هذه الطائرات بمزايا اقتصادية متعددة، مما يحفز العديد من الدول على امتلاكها، فإذا كان سعر الطائرة المقاتلة اف 22  مثلاً، يبلغ حوالى 150 مليون دولار، فإن تكلفة الطائرة الموجهة تبلغ حوالى 10 ملايين دولار فقط، كما أن تكلفة تدريب طاقم التحكم عن بعد تعتبر قليلة للغاية مقارنة بتدريب طياري الطائرات المقاتلة.

 

ثمن الحروب الآمنة
على الرغم من المزايا المتعددة للطائرات الموجهة وتفوقها على البشر في عدة مجالات، فإن لديها نقاط ضعف خطيرة، فإدارة المعارك الالكترونية لا تتوافق في كل الأحيان مع مبادئ اتفاقية جنيف لحماية المدنيين خلال الحروب، مما يؤدي إلى وقوع كوارث إنسانية. وفي 3 تموز 1988 أخطأت طائرة أميركية موجهة في التعرف الآلي على طائرة ركاب إيرانية تحمل على متنها مدنيين وقامت بقصفها على أساس أنها طائرة حربية. ويقول بيتر فارين سنجر من مؤسسة بروكينج للأبحاث: «الروبوتات لا تشعر بالغضب إذا سقط زميلها قتيلاً في ساحة الحرب، ولذا فهي لا تقتل بدافع الثأر أو الانتقام، على عكس البشر الذين قد يرتكبون جرائم حرب بسبب هذه العواطف،  لكن الروبوتات لا تستطيع التمييز بين عجوز مقعد في كرسي متحرك وبين دبابة، فالاثنان بالنسبة إليها سلسلة من الأصفار والآحاد».

 

الأخلاق العسكرية الرقمية
يرى الباحث في علم الروبوتات رونالد آركن، من معهد جورجيا لعلوم التكنولوجيا أن انعدام العواطف عند الروبوتات لا يعد نقطة ضعف بل عنصر قوة.  فهو مؤمن بإمكان صنع روبوتات تتفوق على البشر في ساحة المعركة وذلك عن طريق برمجتها كي تتوافق أفعالها مع اتفاقيات جنيف. ويحلم رونالد اركن بروبوت يتمتع بقوى عسكرية خارقة تفوق قدرات البشر، ويتحلى في الوقت نفسه بأخلاق الفارس النبيل، روبوت يرفض الأوامر العسكرية التي تتعارض مع قوانين الحرب، وقواعد الاشتباك وفق اتفاقيات جنيف.  لكن عالم الكمبيوتر هانس يورغ كيروفسكي يعارضه في رأيه هذا ويقول: «لا أحد يعرف بالضبط، كيف يمكن برمجة الروبوتات على المبادئ الأخلاقية، فالأخلاق ليست مسألة حسابية».

 

انواع الروبوتات
شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا في تقنيات الروبوت، استخدمت في أشكال مختلفة تلائم طبيعة العمل المكلف به. وتتكون صناعة الروبوت، في العصر الحديث، من الآلات المبرمجة التي تستطيع أن تنفذ عدة عمليات، بواسطة تعديل طفيف في مخزون المعطيات، وهي معقدة الاستعمال، وقادرة على التكيف الذاتي، بناءً على الظروف المحيطة. وأدى استخدام الروبوت إلى تقدم في جميع الميادين، سواء المدنية منها أم العسكرية وظهرت منه أجيال ذكية، تستطيع التعامل مع المواقف المتغيرة، باستشعار تلك المواقف، وإعادة برمجة معطياتها.

 

الروبوتات العسكرية
ابتُكرت روبوتات تستطيع تتبع تضاريس الارض، واختيار طرق بديلة؛ بل إن منها ما يستطيع حمل الإمدادات من الأسلحة والذخيرة وتطهير الأرض من الألغام، والاضطلاع بأعمال الحراسة؛  وما زال العمل جاريًا على تطويرها، لتصبح قادرة على اللمس والشم والسمع والتذوق، وكل ما يحسّن أداءها، ويزيدها سرعة ومقدرة في إنجاز مهمّاتها. كما تطمح  الولايات المتحدة الأميركية إلى تطوير روبوت يحارب في الخطوط الأمامية، ويستطيع تسلق الحواجز، ويسبح تحت الماء، ويراقب الروبوتات العسكرية الأخرى. كما جندت روبوتًا، كروي الشكل، يتدحرج على الأرض، ويستقر على ثلاث قوائم تليسكوبية، ويخرج رأسه من فتحة فيه، مستطلعًا المكان المحيط، لاكتشاف قوات العدوّ، فتبادر مستشعرات الحرارة والحركة، المزود بها، إلى تجهيز أسلحة في داخله، وتصويبها من خلال فتحة أخرى نحو الأعداء.
وكذلك  طُورت روبوتات لتلائم الطبيعة، وتغوص في المحيطات، لتدمير الألغام البحرية. كما ان بعض العلماء يحاول تطوير جندي على هيئة روبوت صغير جداً، يستطيع الزحف والوثب والطيران فوق حقول الألغام، وفي الصحراء، وعلى الشواطئ، ليتجسس على العدو، ويزيل الألغام، ويكتشف الأسلحة الكيماوية. وقد أُنتج روبوت ميكروهوائي بحجم ذبابة، خصص البنتاغون لتطويره مبلغ 60  مليون دولار. وتستطيع هذه الذبابة حمل مصوِّرات لمراقبة جنود الأعداء أو اصطيادهم وقتلهم، بواسطة دس السم في أعناقهم.
يستطيع حشد من الروبوتات الميكروهوائية، المسلحة بمتفجرات بلاستيكية، الهبوط على الأجزاء الحرجة من جسر مثلاً، وتفجيرها بالتتابع، فيدَمّر برمّته بكمية قليلة من المتفجرات، لها فعالية صاروخ كروز. وتطور وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» روبوتاً يعمل على أربع عجلات، وقد استطاع السير مسافة 125 كم، في رحلة بين صحراء أتاكاما (Atacama) في شيلى، عابرًا ثلوج القطب الجنوبي؛ ليميّز مكانًا غنيًا بالأحجار المتساقطة من الفضاء الخارجي، غرب قاعدة أميركية، في محطة ماكوردو Macordo.
يمتاز الروبوت العسكري بإمكاناته وتطوره التكنولوجي الهائل، إلا أن أسعاره ما زالت باهظة . وقد ركزت بعض الأبحاث على اضطلاع الروبوت بعدة مهمات منها تغذية المعوق والتقاط سماعة الهاتف نيابة عنه، وتلقي أوامره عن طريق شريط يلتف حول الذقن، يحوِّل الأوامر إلى إشارات يلتقطها الروبوت.
كذلك ابتُدع روبوت قادر على القفز واختراق أماكن العدو، وتخطي جدران وحواجز ارتفاعها 6 أمتار. وهو يختزن مئات الروبوتات الصغيرة ويطلقها في مناطق العدو، حيث تنفث غازًا ينوِّم جنوده، ويؤثر في تنفسهم وبصرهم، وهذه هي إحدى وسائل الحرب الحديثة. أمّا علماء السويد، فقد طوروا روبوتًا، أتقن الطيران خلال ثلاث ساعات؛ إذ لقّنوه، في الثانية الواحدة، 20 قاعدة من قواعد مهمته، ثم أمروه بالتحليق فطار.

 

طاقة الروبوت
يمكن للروبوت التحدث بعدة لغات ويؤدي دورًا في مجال الحركة والقيادة، وهو لا يحتاج إلى توصيل مباشر بمصدر تغذية خارجي، وإنما يعمل ببطارية قابلة للشحن، ويكتشف ذاتياً ضعفها فيطلب إعادة شحنها، أو يتجه الروبوت نفسه إلى أقرب مقبس كهربائي، حيث يتولى شحنها بنفسه. كما أمكن إنتاج روبوت مزودّ خلايا كهروضوئية، تتغذى بالطاقة الكهربائية المستمدة من الشمس.

 

مستقبل الروبوت
لقد مرت صناعة الروبوت الشخصي بتطورات كبيرة، عبر السنوات الأخيرة من القرن العشرين، حتى بات قادرًا على استشعار البيئة الخارجية؛ بل رسم خريطة للأماكن، وتحسس طريقه عند التجوال، وتأدية مهمات مفيدة، إذ استطاع تمييز الضوء من الظلام، أو وقوع أحداث من عدمه، وتأجج العواطف من تبلدها. وقد استطاع علماء الحاسب الآلي، في «معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا» (Massachusetts Institute of Technology)، بمعاونة شركة «سيمنس»، إنتاج روبوت، يتفاعل مع صوت الإنسان، وانفعالات الوجه، توطئة لإنتاج آخر، يتمتع بالذكاء الاجتماعي، ويتعلم الأشياء، كما يتعلمها الإنسان.
وبعد، لا شك ان تسارع وتيرة التقدم العلمي، والتطور التكنولوجي، وعلوم البيولوجيا والنانوتكنولوجي، ستسهم في تطوير هذه الصناعة في المجالات المختلفة. وقد يأتي يوم نشهد فيه وجود جنود آليين أذكياء، يخوضون حروب الآخرين. جنود قد يصعب قهرهم أو يطورون ذكاءهم بأنفسهم، وعندها قد يصوِّبون اسلحتهم حتى الى صانعيهم كما نرى في بعض افلام وقصص الخيال العلمي (science fiction). وقد عقد في كانون الاول من العام  2009  مؤتمر ضم عدداً من الخبراء في تكنولوجيا الروبوتات من علماء اكاديميين ومهندسين وعسكريين لدراسة هذا الموضوع (امكان وصول الروبوت والكومبيوتر الى مرحلة من الذكاء والاستقلال الذاتي والى اي مدى يمكنهما استخدام هذة الإمكانات ذاتياً؟). أكد بعض العلماء والأكاديميين صعوبة ذلك في الوقت الحاضر، ولكن بعض الدراسات التي مولتها البحرية الأميركية أكّدت ان التعقيدات في برامج صناعة الروبوت المقاتل، وحجم المعطيات التي زود بها لاتخاذ قرارات وخيارات ذاتية ذكية خلال المعركة، قد تجعله قادراً في المستقبل على اتخاذ قرارات مستقلة، قد تكون معاكسة للأوامر التي تعطى له لاحقاً!.


المراجع:
•www.dw-world.de/dw/article/0,,15258111,00.html.
•www.qalqilia.edu.ps/industry.html
• ar.wikipedia.org/wiki-روبوت
•en.wikipedia.org/wiki/Military_robot
• www.allonrobots.com/military-robots
•www.tacticalwarfightergear.com/.../Military_Robots.php