لغة عربية

«إملاؤنا لُغتنا»
إعداد: جان دارك أبي ياغي

في مجلس النواب والمتبارون سياسيون وإعلاميون ومعلّمون...

 

في العام 2012، أقرّت منظمة الأونيسكو يوم الثامن عشر من كانون الأول، يومًا عالميًا للغة العربية حرصًا منها على حماية التعدد اللغوي كسبيل للحفاظ على التنوّع الثقافي. الجامعة الأنطونيّة تحيي هذا اليوم من خلال مباراة «إملاؤنا لغتنا» التي تقام للسنة الرابعة على التوالي، ويشارك فيها عدد كبير من الوجوه السياسية والإعلامية والثقافية والأدبية والطلابية لامتحان قدراتهم في اللغة العربية.


«إملاؤنا لُغتنا»
عن هذا اليوم، يقول منسّق اللغة العربية والإعلام في الجامعة الأنطونية الإعلامي والأستاذ الجامعي بسام برّاك: بدأنا في العام 2013 في تنظيم مباراة الإملاء التي أطلقتها الأونيسكو، يومها لم نكن نعتقد أننا سنستمر، وإذ بنا نتلقّف النجاح ونتلقّى التهنئة، ونعيد التجربة ونكررها سنة ثانية وثالثة، وهكذا دواليك، حتى تحوّل الإملاء إلى تقليد تراثي سنوي، في مناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي تحييه جامعات عديدة بنشاطات مختلفة.
في رأي الأستاذ برّاك أنّ إتقان الإملاء سمعًا ونطقًا وكتابة ضرورة وحاجة، وقد اختار أن يكون تحدّي إعداد نص مسابقة الإملاء السنوية على عاتق قلمه.
نسخة 2016 (النسخة الرابعة) من الإملاء كانت نصًّا بعنوان «رئيس بلادي»، تناول بلغة أدبيّة 13 رئيسًا منذ الاستقلال إلى اليوم. وهذا النصّ كما جميع نصوص الإملاء السابقة تضمن تحية إلى صوت السيدة فيروز.
جرت المسابقة برعاية رئيس المجلس نبيه برّي، وقد استضافتها مكتبة المجلس، حيث تولّى برّاك تلاوة النص على 150متباريًا، بينهم 20 من الوجوه السّياسيّة والعسكرية والثقافية والفنية، و35 إعلاميًا (في المرئي والمسموع والمكتوب) إضافة إلى ممثلين عن الأحزاب، و79 من معلّمي المدارس، علمًا أنّ هؤلاء شكّلوا الفئة المستهدفة في هذه المسابقة التي تخصص كل عام لفئة معينة. المشاركون استعادوا من خلال الإملاء، (أو تعرّفوا) إلى كلمات بات استخدامها نادرًا أو شبه معدوم.
بعد تلاوة النص الإملائي على المشاركين، وتصحيح المسابقات، أعلن بسام برّاك أسماء الفائزين الأوائل الذين حصلوا على جوائز مادية من الجامعة الأنطونية. وقد حلّت في المرتبة الأولى عن فئة المدارس المعلّمة منى الشيخ من مدرسة البيادر- عرمون(3 آلاف دولار)، وفي المرتبة الثانية المعلّمة ريتا بدران من مدرسة الأنطونية الدولية-عجلتون(1500 دولار)، وفي المرتبة الثالثة المعلّم علاء صعب من مدرسة الدوحة العالية- دوحة الحص (ألف دولار). كما قدّمت الجامعة للفائزين قاموس الرائد لجبران مسعود، والمورد للأديب روحي بعلبكي وغيرها من الجوائز، فضلاً عن شهادات الامتياز والتقدير.
في فئة الإعلاميين والسياسيين، حلّ الكاتب مروان نجّار في المرتبة الأولى(3 آلاف دولار)، والقاضي الدكتور غالب غانم في المرتبة الثانية، والصحافي الياس قطّار(من جريدة البلد) في المرتبة الثالثة.
نشير إلى أن النصوص الإملائية السابقة حملت عناوين مختلفة:»لبنانُنا لغتُنا»(عن اللغة العربية)، «سنديانةُ اللّغة»( تحية لروح العلاّمة هاني فحص، والفنانة صباح، والشاعر سعيد عقل وأدباء النهضة)، و»إعلامُ وطني»(تحية للإعلاميين في تغطياتهم الصحافية وتخليدًا لذكر شهداء الصحافة من زمن الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى جبران التويني).
 

معضلة اللغة العربية
يقول بسام براك إذا كانت اللغة العربية في مأزق، فلأننا نحن من وضعها فيه. لغتنا ليست قاصرة بل على العكس من ذلك، هي قادرة على الوصول إلى أبعد مما هي عليه نظرًا لغناها بالمفردات. المشكلة هي في العجز والخلل واللاقدرة على الإنتاج لدى مستخدمي هذه اللغة. وسأل: لماذا نكتب باللغة العربية ونفكّر باللغة الإنكليزية؟ وردّ البعد عن اللّغة العربيّة إلى العولمة والعالم الرّقميّ، مُنبّهًا إلى أنّنا كلّما ابتعدنا عن اللّغة كلّما أبعدنا وطننا عنّا، فالعربية هي لغتنا الأمّ ويجب العودة إليها والتّمسّك بها. مذكّرًا بما قاله محمود درويش: «إذا لم تخطئ في كتابة كلمة نهر، فسيجري النّهر في دفترك».
من المسؤول عن تردّي مستوى امتلاكنا للغة العربية وعدم إقبال أولادنا على استخدامها؟ وما هو الحل؟
يرى برّاك أنّ المسؤولية تتحمّلها المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وجامعة الدول العربية... لم يعد الطلاب في المدارس يدرسون اللغة العربية إلا في حصة اللغة العربية. فغالبية المواد أصبحت تدرّس إما بالفرنسية، إما بالإنكليزية. حتى أنّ البعض يدرّس التربية باللغة الفرنسية، وكذلك مادتي التاريخ والجغرافيا وملحقاتها. فكيف سيفهم المتعلِّم أن اللغة العربية التي يدرسها في حصة اللغة العربية هي حاجة أساسية له؟ الطالب يقول، لماذا أتعلّم اللغة العربية إن كان وطني لا يتكلّم اللغة العربية؟ وإن كانت المواد الأخرى لا تُعنى باللغة العربية وإن كانت وظائف العمل لا تستثمر هذه اللغة؟
أما التخصص في اللغة العربية وآدابها فيكاد أن يندثر. مع الأسف، تخصص بعض الجامعات جوائز ومنحًا لتشجع الطلاب في هذا المجال لكي تبقيَ قسم الآداب على قيد الحياة.
يقترح بسام برّاك أن يخضع كل من يريد تعليم اللغة العربية إلى دورات مكثّفة على يد اختصاصيين، وألاّ يكتفي فقط بالشهادة الجامعية. لأنّ التعليم ليس معرفة فحسب، إنما هو توظيف للمهارات، واستثمار للمكتسبات، وامتلاك طرائق تعليم فاعلة، فضلا عن جذب اهتمام التلامذة، والتكلّم بالفصحى من دون خطأ، وإغناء معاجم المتعلّمين... في ما يتعلّق بالإعلاميين يعتقد أنه من الضروري إيجاد رابطة أو لجنة مختصّة يمرّ بها الطلاّب المتخرِّجون في الإعلام أو الراغبون بأن ينضموا إليه، فيخضعون لامتحان في اللغة العربية ليس في التشكيل فحسب، إنما أيضًا في الإلقاء الشفهي أو المخاطبة، وفي الكتابة، والحوار، والمعاجم والمفهوم، وغيرها. الأمر نفسه ينطبق على الجسم التعليميّ، وإلاّ فنحن مقبلون على كارثة. نبحث اليوم عن أساتذة باللغة العربية فلا نقع عليهم. التخصص في اللغة العربية وآدابها لم يعد مطلوبًا، فمن الذي سيعلِّم؟
ويشدد البرّاك على أنه لا يمكن الفصل بين اللغة والأداء عند الإعلاميّ، وإلاّ كيف سيؤدّي بشكل صحيح إذا كان لا يفهم اللغة العربية؟ كيف تصل اللغة العربية من دون موسيقى، من دون فتحة، ضمّة، كسرة، سكون، مدّ، خطف، قطع،... هذه كلها سلّة واحدة مترابطة مع بعضها بعضًا في عملية التدريب على الأداء. بالتالي، إذا كان الإعلاميّ لا يمتلك المعرفة الكافية باللغة، ولا يعرف التمييز بين الفعل والمصدر، سيتغيّر حكمًا معنى الكلمة في الجملة. لا نطلب هنا من الزملاء الإعلاميين أو من الجدد الآتين إلى عالم الإعلام (منهم الجيّد ومنهم من هم دخلاء)، أن يكونوا فقهاء في اللغة. إنما المطلوب منهم ألا يصحح لهم المشاهد في البيت، أو أن يصحح لهم ولد في الصف الأساسي الخامس. هنا يتذكّر برّاك المخرج عمر الزين، شيخ الأداء وحاميه، والذي درّبه ودرّب عشرات المذيعين الكبار.
وفي سياق الحلول الممكنة لمشكلة تردّي مستوى اتقان اللغة العربية، يقترح برّاك إنشاء رابطة للغة العربية مهمتها الاهتمام بالأصالة والتراث اللذين تمثلهما هذه اللغة، والتنسيق مع كل الجامعات التي عليها أن تدرّس اللغة العربية في مناهجها، حتى لو كانت تدرّس اللغة الصينية. وفي ما خص الإعلام، يجب أن يُفرض وجود مدقق لغوي في المؤسسات الإعلامية، أما على صعيد المدارس فلا بدّ من تقديم العربية للتلامذة بأسلوب محبب، فلا يكون تعلّمها عقابًا لهم.

 
النص لا يكتمل من دون فيروز
بالعودة إلى إعداد نص «إملاؤنا لغتنا»، يوضح برّاك أنه يكتبه في غضون ساعة أو نصف الساعة في المرحلة الأولى التي يعتبرها سجّادة الموضوع. بعدها تأتي المرحلة الثانية التي تستغرق حوالى الثلاثة أسابيع، وفيها يجلس مع نصه وقواميسه «ويرتكب شروره» بالنص، مشظيًا إياه بشرارات لغوية، مستبدلا كلمة بكلمة أخرى...
يعترف برّاك أنه يتعمّد استعمال مفردات صعبة في الإملاء، والهدف تذوّق هذه اللغة الغنية بمفرداتها.
وعن سبب حضور فيروز الدائم في جميع نصوص «إملاؤنا لغتنا» أيًا كان موضوعها، يقول: فيروز لا تدخل في إعداد النص بل النص يدخل إليها، يبحث عنها، النص في جوّانيته فيروز. فلولا صوتها لما كنت أؤدّي جميلاً. لولا صوتها لما كان عندي ثقافة وأحلام. لولا صوتها لما كان عندي تأمل في النص والكتابة.
في الختام، يشير الإعلامي بسام برّاك إلى أن نص إملاء هذا العام الذي حمل عنوان «رؤساء بلادي» سوف يقدَّم لرئيس الجمهورية كي يصار إلى تعليقه في واحدة من ردهات القصر الجمهوري، وإلى أن فكرة نص إملاء العام المقبل قد تكون عن قادة الجيش، ففي المؤسسة العسكرية ضباط وعناصر لامعون في اللغة العربية.