تربية وطفولة

إنفعالات الأطفال أساس في تكوين شخصيتهم
إعداد: روجينا خليل

إنفعالات الأطفال بين سن الثانية والثالثة كثيرة ومتنوعة. ولكن الطفل في هذه السن يكون قادراً على الاستيعاب، وبمساعدة الأهل يمكن أن يصبح قادراً على السيطرة على انفعالاته إذا كانت سلبية، أو على التعبير عنها إذا كانت إيجابية.
وبحسب الإختصاصية في علم النفس العيادي ندين عجيل، يميل الطفل الى التعلّم من خلال التقليد، ولذلك فإنه يتعلّم السلوكيات
من الأشخاص المحيطين به. ويعتبر هذا العمر، الفترة المثالية لكي يقوم الأهل بتلقين طفلهم نموذج ونوع السلوك الذي يرغبون أن يروه فيه. ومن خلال تلقين الطفل السلوك المناسب، فإن الأهل في الواقع يساعدون طفلهم على التواصل المناسب مع المجتمع عندما يكبر. فإنفعالاتهم هي عبارة عن رغباتهم ونواياهم وهي تعكس معتقداتهم وأهدافهم...

 

طرق تعبير الأطفال عن انفعالاتهم
قسّم الباحثون طرق تعبير الأطفال عن انفعالاتهم إلى أربع مراحل:
- الأولى هي مرحلة الارتباط وتمتد من الولادة وحتى عمر ثمانية شهور، فيها يحاول الطفل أن يقيم علاقة مع الشخص الحاضن عن طريق تعبيره بالمشاعر (يناغي، يبتسم، يبكي...).
- الثانية هي مرحلة التواصل مع الآخرين وتمتد من عمر ستة أشهر ولغاية الثمانية عشر شهراً يطوّر خلالها الطفل قدراته للإستجابة مع الآخرين ويرسل إشارات ويردّ بإشارات.
- في المرحلة الثالثة، يبدأ الطفل بتطوير رموز معيّنة ومشاركتها وتبادل معانيها، وتتراوح هذه المرحلة بين عمر سنة ونصف وثلاث سنوات.
- أما المرحلة الرابعة، فهي مرحلة التفكير الإنفعالي، وتبدأ في عمر ثلاث سنوات وتستمر حتى الخامسة من العمر. في هذه المرحلة، يصبح الطفل قادراً على التفكير بوعي بانفعالاته وربط أفكاره بتجاربه، ويستطيع التمييز بين الخيال والواقع وتظهر لديه مهارة حلّ المشكلات، وبالتالي يمكنه إدراك العلاقة بين السلوك والنتائج.

 

أهمّ المشكلات الإنفعالية عند الطفل
تحدث المشكلة الإنفعالية نتيجة وجود إضطراب إنفعالي وهو حالة تتّسم بحدوث ردود فعل إنفعالية غير مناسبة نسبة إلى الفعل الذي أثارها، أو السبب الذي حركها، فهي إما مبالغ فيها، أو أقل مما يقتضيه الموقف.
يرتبط التكوين النفسي للطفل بالتكوين الفيزيولوجي وسلامة الجسم، فالأطفال الأسوياء بدنياً ونفسياً أقل عرضة للوقوع في مشكلات أو اضطرابات نفسية. والطفل العنيد أو الغضوب، بحسب عجيل يفقد سيطرته على سلوكه تجاه الضغوط النفسية أكثر من الطفل المثالي غير القلق والودود.


• الغضب:
الغضب من أبرز المشكلات الإنفعالية عند الطفل، وهو سلوك أساسي في نموّه وتكوين شخصيته. ففي حال لم يغضب الطفل ويتعلّم كيف يسيطر على غضبه وهو في سن صغير، فلن يكون قادراً على التصرّف بشكل ملائم عندما يكبر، إلى جانب أنه سيفقد القدرة على التعبير عن مشاعره الحقيقية.
والغضب متعلّق بالكبت وعدم الرضى، فبرفض طلب للطفل، قد ينطرح أرضاً يصرخ وردّة الفعل هذه تبدو غير متوازنة. لكن في هذه السن، يعجز الطفل عن تجاوز غضبه منفرداً مما يتطلّب الإستماع اليه والصبر في التعاطي معه. فبعد أن يستعيد هدوءه، يُستحسن أن نوضح له أنه يحق له التعبير عن غضبه، لكن هذا لا يعني أنه سيغيّر آراء الأهل وينال مبتغاه.
هناك أسلوبان للغضب هما:
• الغضب الإيجابي وهو الحالة التي يعبّر خلالها الطفل بالصراخ أو الرفس أو كسر الأشياء أو تخريبها، وعادة تظهر هذه الحالة لدى الأطفال الإنبساطيين (Extroversion).
• الغضب السلبي الذي تبدو مظاهره في شكل إنسحاب وانطواء مع كبت للمشاعر، حيث نرى الطفل يرفض الطعام أو الذهاب الى المدرسة أو الخروج مع والديه، وتظهر هذه الحالة لدى الأطفال الإنطوائيين (Introversion).
وبما أن سلوك الطفل يمكن أن يتمّ تشكيله من خلال التعلّم، فعلى الأهل أن يقوموا بإفهامه أن النتيجة ستكون سلبية في حال لم يستمع إلى ما يقولونه له، أما في حال استماعه لهم، فإن النتائج تكون إيجابية. ويجب الإشارة هنا، إلى أهمية التأكد من أن لدى طفلهم فكرة واضحة عما ستكون ردّة فعلهم تجاه بكائه، فعقل الأطفال الصغار بحاجة إلى أن تكون التعليمات المقدّمة له بسيطة وواضحة.
وقد أكدت الدراسات والتجارب أن اتباع أسلوب الحِيَل والمكافأة هو الأكثر تأثيراً على سلوك الأطفال، فعلى سبيل المثال، يمكن للأهل أن يقولوا لطفلهم: «إذا لم تتوقف عن الصراخ، فلن تذهب في نزهة» أو «عندما تكون لطيفاً مع أختك، يمكنك أن تلعب معها»...
وبذلك يصبح قادراً على فهم السبب والتأثير بسلوكه ويجب أن تكون عواقب سلوك الطفل وتصرّفاته بسيطة ومباشرة. ولا يفضّل الخبراء أن تكون العواقب والنتائج على تصرّفات الطفل سلبية، كأن يقال له أنه سيتم أخذ شيء منه كعقاب، فذلك لن يؤثر جيداً على سلوكه.
ومن أهم الأمور التي يجب أن يتّبعها الأهل في حال انفجر الطفل بنوبات الغضب هي «فن التجاهل». ولا يعني تجاهل الأهل لطفلهم أنهم يكرهونه أو أنه عمل حقود من جانبهم، بل إنه وسيلة فعّالة ومباشرة لإيقاف السلوك غير المرغوب به، وسبب نجاح هذه الطريقة بحسب الخبراء هو أن «عزل الطفل يعطيه الفرصة ليهدأ» وعندئذٍ يعيد الأهل التواصل معه.


• الخوف:
إضافة إلى «الغضب»، تذكر عجيل مشكلات إنفعالية أخرى يواجهها الأطفال منها الخوف الذي لا يمكن التحكّم به والسيطرة عليه إلا من خلال المحيط، فمتى تمّ التعرّف عليه وعلى أسبابه يمكن تجاوزه. والخوف حالة إنفعالية طبيعية تشعر بها كل الكائنات الحية ويظهر في أشكال متعدّدة وبدرجات تتفاوت بين الحذر والحيطة الى الهلع والفزع والرعب وربما الهروب. وهو ضروري للمحافظة على الحياة في وقت الخطر. ولكن إذا تعدّى الخوف مداه الطبيعي، أصبح مرضاً يعرقل السلوك ويقيّد الحرية. لذلك، إذا اشتكى طفلكم من وجود «وحشٍ» في غرفته، يجب الإستماع إليه وطمأنته، فالسخرية ليست بالحلّ، إنما مساعدته بطرد الساحرات قد يريحه. ومن الأفضل إقناعه بعدم وجود الوحوش وتذكيره بقدر محبتكم ووجودكم دائماً لحمايته.


• الغيرة:
الغيرة شكل آخر من أشكال إنفعالات الأطفال، وهي عبارة عن مركّب من إنفعالات الغضب والكراهية والحزن والقلق والعدائية. وتحدث عندما يشعر الطفل بالتهديد وعندما يفقد الحب والدفء العاطفي. إنها مظهر يوضح مدى حساسية الطفل من حيث علاقته العاطفية بوالديه وتظهر في السنوات الخمس الاولى من حياته. لذلك يجب التنبّه الى عدم التفريق بين الأطفال وعدم مقارنة الطفل بغيره، وإبراز نواحي القوة لديه والعمل على تنمية ثقته بنفسه. وفي حالة الغيرة من الأخوة، يجب تهيئة الطفل للمولود الجديد من خلال اللعب معه والتكلم معه عن أخيه المقبل وأنه سيحبه ويلعب معه...


• إنفعالات أخرى:
هناك أشكال أخرى لانفعالات الأطفال كالخجل والفرح والحزن وغيرها، يعبّر عنها الأطفال ويجب على الأهل مشاركتهم إياها. فعندما تأتي إليكم إبنتكم مبتهجة تقول: «أنظروا، أنا أميرة! يجب عليكم تشجيع هذه الفرحة من دون أي سخرية أو انتقاد. أما عندما يكون الطفل حزيناً لألمٍ أو فشلٍ ما أو يبكي لخسارةٍ ما، فيجب مواساته والوقوف الى جانبه والتخفيف عنه. إضافةً الى ذلك، قد تجدون طفلكم خجولاً يتجنّب الإختلاط مع الأطفال الآخرين أو حتى مع الكبار منهم، أقارب كانوا أم غرباء، ولا يميل الى المشاركة في المواقف الإجتماعية مفضّلاً البعد أو الصمت والتحفّظ. في هذه الحالة، يجب على الأهل تعليم طفلهم المهارت والعلاقات الإجتماعية وتدعيمها، وإشراكه في مجموعات اللعب كما يمكنهم إسماعه عبارات تمدحه وتزرع لديه الثقة في النفس وتعزّز إرادته واندفاعه للمشاركة والإندماج في الوسط الإجتماعي من حوله. وتجاهل خجل الطفل وإهماله قد يؤدي الى استمرارية هذه الحالة حتى يكبر، مما يعيق نموّه النفسي خلال مرحلتي المراهقة والشباب، ويتفاقم الأمر الى العزلة التامة التي يصعب معها التأقلم.
من هنا، يجب على الأهل عدم إهمال أي حالة إنفعالية يعبّر عنها أطفالهم لأنها أساسية في نموّهم وتكوين شخصية سليمة وقوية لديهم، يستطيعون من خلالها التكيّف في المجتمع ومواجهة الغير بأساليب ناضجة ومسؤولة.

 

دور اللعب في الإبداع
أكدت الأبحاث وجود علاقة بين اللعب ونمو الإبداع عند الأطفال. وكذلك يقوم اللعب بوظيفة التطهير السيكولوجي، فالطفل يستخدم اللعب الإيهامي للتنفيس عن الضغوط التي تقع عليه من قبل الكبار. وكثير من نظريات التحليل النفسي اعتبر اللعب بمثابة المعبَر أو الطريق الذي يستطيع الطفل من خلاله أن يعبّر عن إنفعالاته وإرضاء رغباته. فاللعب بالنسبة الى الطفل هو أداة نقل للتعبير عن الحالة الداخلية. كذلك، لا يجب على الآباء الحكم بالسلبية على أطفالهم الذين يلعبون ولا يجب توجيه اللّوم إليهم ومطالبتهم بالكفّ عن اللعب ومواجهتهم بالعبوس والتوبيخ...