بين الطوارئ والاستجابة الإنسانية: كيف تعيد الحروب إنتاج اقتصاد الرعاية في لبنان

بين الطوارئ والاستجابة الإنسانية: كيف تعيد الحروب إنتاج اقتصاد الرعاية في لبنان
إعداد: سوزان أبو شقرا
أخصائية تعلّم وتطوير رئيسية معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي

المقدمة

لا يختبر اللبنانيون اليوم مجرّد أزمة رعاية صحية واجتماعية عابرة، بل يعيشون داخل زمن طوارئ ممتد، يكاد يصبح القاعدة لا الاستثناء، تتوالى الكوارث لا بوصفها صدمات منفصلة، بل كحلقات مترابطة في سلسلة واحدة: من حرب تموز 2006، إلى الانهيار المالي في العام 2019، مرورًا بانفجار مرفأ بيروت عام ٢٠٢٠  وصولًا إلى الاعتداءات الإسرائيلية 2024 و2026. في كل محطة، يتكرّر المشهد ذاته لكن بكلفة أعلى: انهيار بنيوي متسارع، يعقبه تدخل إنساني عاجل ومكثّف، ثم انسحاب تدريجي يخلّف فراغًا يعيد إنتاج الانهيار من جديد.
لا تكمن خطورة الوضع في حجم الأزمات فحسب، بل في طبيعتها: فحين يصبح العيش في الطوارئ هو الوضع الطبيعي، وتتحوّل الرعاية من حقّ اجتماعي إلى خدمة طارئة، ومن سياسة عامة إلى استجابة ظرفية، يصبح كسر هذه الحلقة ليس مجرد خيار إصلاحي، بل شرطًا لإعادة بناء العقد الاجتماعي نفسه.
يطرح هذا المقال سؤالًا محوريًا: هل يستطيع لبنان تحويل لحظة الطوارئ، بما تحمله من ضغوط مالية وتنظيمية وبشرية، إلى منطلق لبناء نظام رعاية مستدام؟ 
انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل الأزمة كتحوّل في اقتصاد الرعاية نفسه. ويطرح في هذا السياق ثلاثة أسئلة مركزية: من يخطّط الرعاية في لبنان؟ من يموّلها؟ ومن يملك القدرة على تنظيمها وتوجيهها؟ لفهم عمق الأزمة، لا بدّ من العودة إلى كيفية تشكّل نظام الرعاية في لبنان كنظام هجين قائم على ما يُعرف بـ «ماسّة الرعاية» (Care Diamond)، أي توزيع الأدوار بين الدولة والأسرة والسوق والفاعلين الدوليين.
غير أنَّ هذا النموذج، رغم مظهره المتكامل، يقوم عمليًا على توازن هشّ، إذ لا يمتلك أي من هذه الأطراف القدرة على تحمّل عبء الرعاية بشكل مستدام: فالدولة تعاني من ضعف في التمويل والحوكمة، والأسر ترزح تحت أعباء متزايدة تفوق قدرتها، والسوق يتحرّك وفق منطق الربحية لا العدالة، فيما يظلّ تدخل الفاعلين الدوليين محكومًا بأولويات طارئة ومؤقتة.

 

القسم الأول
الأزمة، والتشظّي، وتطوّّر نظام الرعاية

1- اقتصاد الرعاية: المفهوم ومسارات التطور
كيف تحوّلت الرعاية من شأن خاص داخل الأسرة إلى قضية عامة تتدخل فيها الدولة؟ هذا التحوّل لا يعبّر فقط عن تطوّر اجتماعي، بل عن إعادة تعريف عميق لدور الاقتصاد والسياسات العامة في تنظيم الحياة اليومية. فاقتصاد الرعاية لم يعد قطاعًا اجتماعيًا ثانويًا، بل بات يُشكّل أحد الأعمدة التي تقوم عليها استمرارية المجتمعات وإعادة إنتاجها. وهي لا تقتصر على تقديم خدمات في الصحة أو التعليم أو الحماية الاجتماعية، بل تمثّل البنية التي تجعل الحياة اليومية ممكنة، وتضمن استمرار الأفراد والأسر في أداء وظائفهم الاجتماعية والاقتصادية. بهذا المعنى، لا تُعدّ الرعاية نشاطًا مكمّلًا للاقتصاد، بل شرطًا لوجوده واستمراره.
في المجتمعات التقليدية، كانت الرعاية مسؤوليةً أسرية ومجتمعية، تُقدَّم داخل الأسرة وشبكات القرابة، لا سيما للأطفال وكبار السن والمرضى، من دون إطار اقتصادي أو سياساتي واضح، وغالبًا ما كانت ممارسة غير مرئية تُنجز في صمت. غير أنَّ هذا الواقع بدأ يتغيّر مع نشوء الدولة الحديثة، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تحوّلت الرعاية تدريجيًا إلى حق اجتماعي، وأصبحت جزءًا من مسؤولية الدولة، التي أدرجتها ضمن أطر قانونية ومؤسساتية تشمل الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي. وقد كرّست المواثيق الدولية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هذا التحوّل، لتصبح الرعاية ركنًا أساسيًا في العقد الاجتماعي. لاحقًا، وسّعت الأدبيات النسوية هذا المفهوم من خلال إبراز القيمة الاقتصادية للعمل غير المدفوع داخل الأسر، واعتباره جزءًا من «إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية». وبذلك، لم تعد الرعاية تقتصر على الخدمات الرسمية، بل أصبحت نظامًا مزدوجًا يجمع بين رعاية مدفوعة (مؤسسية) ورعاية غير مدفوعة (أسرية).
وفي هذا السياق، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية ILO إلى أنَّ الاستثمار في قطاع الرعاية يمكن أن يخلق عالميًا، أكثر من 300 مليون فرصة عمل بحلول 2035 1، كما  تشير تقديرات البنك الدولي2 إلى أنَّ توسيع خدمات رعاية الأطفال يمكن أن يرفع مشاركة النساء في سوق العمل بما يصل إلى 6.7 نقاط مئوية، ما يضعها في قلب سياسات النمو، لا فقط الحماية. 
غير أنّ هذا المسار لم يتطوّر بشكل متساوٍ بين الدول، إذ يكشف التحليل المقارن بين دول الشمال والجنوب عن فجوات عميقة في التعامل مع اقتصاد الرعاية. ففي حين نجحت دول الرفاه ولا سيّما الدول الإسكندنافية وكندا واليابان وبعض دول أوروبا الغربية في بناء أنظمة رعاية متكاملة تشمل خدمات حضانة مدعومة، وإجازات أمومة وأبوة مدفوعة الأجر، ورعاية طويلة الأجل، لا تزال دول الجنوب، بما فيها العديد من الدول العربية والأفريقية والآسيوية وأميركا اللاتينية، تعاني من هشاشة وتراجع في أنظمة الرعاية والحماية الاجتماعية.
تكشف مقارنة حجم الإنفاق هذه الفجوة حيث وصل معدل الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية في دول الدخل المرتفع إلى 15–20% من الناتج المحلي الإجمالي3، ما يدلّ على دور مركزي للدولة في تمويل وتنظيم الرعاية. في حين  لم يتجاوز هذا الإنفاق الـ 5% إلى 8% في معظم الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.4 ويُترجم هذا التفاوت أيضًا إلى فجوة حادة في التغطية، حيث لا يزال نحو 2 مليار شخص في دول الجنوب العالمي يفتقرون إلى حماية اجتماعية كافية أو أي تغطية على الإطلاق، ما يعكس محدودية قدرة هذه الدول على تحويل الرعاية إلى حقّ مؤسسي شامل. 
أما من حيث القيمة الاقتصادية، فتشير الأدلة إلى أنّ عمل الرعاية غير المأجور يشكل أحد أكبر «الاقتصادات الخفية» عالميًا. فقد قدّرت منظمة العمل الدولية  في العامين 2018 و2020 قيمة هذا العمل بنحو 11 تريليون دولار أميركي سنويًا، أي ما يعادل حوالى 9% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي5.
وعند المقارنة بين الدول، تُظهر البيانات أنَّ مساهمة العمل غير المدفوع في الناتج المحلي تختلف بشكل ملحوظ تبعًا لمستوى تطوُّر نظم الرعاية. ففي دول الشمال، حيث تتوافر خدمات عامة أكثر تنظيمًا، تتراوح هذه القيمة عادةً بين 10% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ترتفع بشكل كبير في دول الجنوب لتتراوح بين 10% و%39 بحسب البلد، نتيجة الاعتماد الأكبر على الرعاية الأسرية وضعف البنى المؤسسية للخدمات. 
ورغم اختلاف النماذج، يواجه العاملون في قطاع الرعاية عالميًا تحديات مشتركة، أبرزها تدنّي الأجور، وضعف الحماية الاجتماعية، وارتفاع مستويات الإرهاق. إلا أنَّ هذه التحديات تتفاقم في دول الجنوب، حيث يغيب التنظيم المؤسسي وتنتشر أشكال العمل الهش وغير النظامي.
وتكشف هذه المؤشرات أنَّ الفارق بين الشمال والجنوب لا يقتصر على حجم الموارد، بل يعكس اختلافًا جوهريًا في طبيعة العقد الاجتماعي: بين نموذج يُرسّخ الرعاية كاستثمارٍ عام تدعمه السياسات والخدمات، وآخر يُبقيها عبئًا خاصًا تتحمّله الأسر ولا سيما النساء ما يفاقم التفاوتات الاجتماعية ويعيد إنتاجها.

 

2- نظام الرعاية في لبنان: التجزؤ والتداخل 
الرعاية موجودة في كل مكان في لبنان داخل المؤسسات وفي الأسواق وفي البيوت، لكنها لا تتشكّل ضمن بنية واحدة، بل تأخذ شكل فسيفساء من التدخّلات المتفرّقة التي تتجاور من دون أن تترابط، فيغيب عنها الإطار الذي ينظّمها ويحوّلها إلى نظام متماسك. فهل يمكن لنظام رعاية أن يعمل في ظل غياب نظام متكامل؟!
تاريخيًا، لم يطوّر لبنان نموذج «دولة رعاية» بالمعنى الكلاسيكي، بل نشأ نظامه ضمن سياق من الأزمات والحروب والتسويات السياسية، ما أدى إلى تداخل غير منظّم في الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والفاعلين الدوليين والأسر. ونتيجة لذلك، لم تتبلور منظومة متكاملة للرعاية، بل نظام مجزّأ يعاني من فجوات حادّة في التغطية والتمويل.
تؤكد المعطيات هذا الواقع بوضوح، إذ يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أنَّ نظام الحماية الاجتماعية في لبنان يتّسم بتعدّد البرامج وتجزّئها إلى جانب محدودية التغطية6، وتشير التقديرات إلى أنّ نحو 62.6% من السكان لا يتمتعون بأي شكل من أشكال التغطية الاجتماعية7. وفي السياق نفسه، وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) هذا النظام بأنه «ثنائي التجزؤ»8، حيث تُقدَّم التغطية لفئات مرتبطة بالاقتصاد الرسمي، مقابل دعم محدود للفئات الأكثر فقرًا، مع استبعاد واسع للطبقات الوسطى والهشّة، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التفاوتات بدلًا من الحدّ منها. 
يتّسم نظام التغطية الصحية في لبنان بتعدّدية واسعة تضمّ أنظمة رسمية، مثل (الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتعاونية موظفي الدولة والأجهزة العسكرية)، إضافةً إلى صناديق مهنية تشمل (القضاة، والمعلمين، ونقابات المهن الحرة)، فضلًا عن شركات التأمين الخاصة وبرامج وزارة الصحة، إلى جانب تدخلات الجهات الدولية.
وتعمل هذه الأنظمة بشكل متوازٍ من دون إطار تنسيقي موحّد، مع تباين واضح في سلال الخدمات والتعريفات المعتمدة بينها، ما يؤدي إلى تفاوت كبير في مستويات التغطية الصحية ويؤثر سلبًا على عدالة النفاذ إلى الخدمات الصحية بين مختلف الفئات.
ولا يقتصر هذا التشتّت على مستوى التغطية الصحية، بل يمتد إلى بنية الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية، حيث تشير الأدبيات الدولية إلى أنّ نمط الإنفاق في لبنان يميل إلى التركّز على برامج التأمينات الاجتماعية، في حين تبقى مخصّصات المساعدات الاجتماعية محدودة نسبيًا، رغم ارتباطها المباشر بالفئات الأكثر هشاشة.
ولا يعكس هذا التوزّع في الإنفاق مجرّد تخصيص مالي للموارد، بل يكشف أيضًا عن كيفية إعادة توزيع أدوار الرعاية بين الفاعلين داخل النظام. فمحدودية الإنفاق على المساعدات الاجتماعية لا تترجم فقط ضعفًا في مستوى التغطية، بل تؤدي عمليًا إلى نقل جزء من عبء الرعاية إلى جهات أخرى خارج الدولة، سواء كانت أسرًا أو مجتمعًا محليًا أو منظمات غير حكومية. وفي هذا السياق، يوفّر إطار «مربّع الرعاية» مدخلًا تحليليًا لفهم هذه الديناميات، إذ يقوم على تحليل توزيع مسؤوليات الرعاية بين أربعة فاعلين رئيسيين يتقاسمون تقديم الخدمات ودعمها بدرجات متفاوتة: الدولة، السوق، الأسرة، والمجتمع الدولي.
- الدولة: رغم احتفاظها بدورٍ تنظيمي عبر وزارات الشؤون الاجتماعية والصحة والتربية، إلا أنّ هذا الدور يبقى محدود الأثر. فحتى مع إدماج وزارة الشؤون الاجتماعية لعدد من برامج الحماية الاجتماعية ومحاولات التنسيق بينها، يظل النظام مقيّدًا بضعف الموارد، وتجزؤ البرامج، وهشاشة القدرات التنفيذية، ما ينعكس في تغطية غير كافية وغياب الاستدامة في تقديم الخدمات.
- القطاع الخاص (السوق): يؤدي دورًا محوريًا ويشكّل أحد المصادر الرئيسية للرعاية، لا سيما في المجال الصحي، إلا أنّ عرضه يبقى محدودًا ومكلفًا. وفي هذا السياق، تجد الأسر نفسها محصورة بين تحمّل كلفة مرتفعة في المؤسسات الخاصة أو التخلّي عن الحصول على الخدمة.


- الأسر: تحوّلت إلى المنسّق غير الرسمي للرعاية، حيث تجمع بين مصادر متفرقة لتعويض النقص في النظام. غير أنّ قدرتها على الاستمرار في هذا الدور تتآكل سريعًا تحت ضغط التحوّلات الاقتصادية والديموغرافية وتراجع القدرة الشرائية.
- الفاعلون الدوليّون: يؤدون دورًا مركزيًا في تمويل وتنفيذ خدمات الرعاية. إذ تُظهر خطط الاستجابة الإنسانية في لبنان، التي ينسّقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، استهداف نحو 1.5 مليون مستفيد سنويًا9 ضمن برامج متعددة القطاعات، بتمويل يتجاوز في بعض السنوات مليار دولار. كما ينفّذ برنامج الأغذية العالمي برامج تحويلات نقدية وغذائية واسعة النطاق، في حين تدعم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) خدمات التعليم والحماية لمئات آلاف الأطفال.
يتّسم نظام الرعاية في لبنان بتعدّدية واضحة في الفاعلين، إلّا أنّها تعدّدية غير منسّقة وتفتقر إلى مرجعية قيادية موحّدة، ما يعكس نمطًا من اقتصاد الرعاية الموزّع (Distributed Care Economy)، حيث لا تحتكر الدولة تقديم خدمات الرعاية، بل يُعاد توزيعها بين جهات متعددة. ورغم أنّ هذا التنوع أسهم في الحفاظ على حدّ أدنى من استمرارية الخدمات، إلّا أنّه أفضى إلى تغطية مجزأة وغير متكافئة، وطرح تحديات تتعلّق بتنسيق الأدوار، وتوحيد المعايير، وضمان العدالة في الوصول. كما أنَّ غياب إطار وطني جامع يؤدّي، في بعض الحالات، إلى تداخل البرامج أو إلى نشوء فجوات في التغطية، ما يحدّ من القدرة على تحقيق أثر تراكمي ومستدام.

 

3- أزمة التكامل في نظام الرعاية: الخدمات بين التعدد والتفكك
من منظور اقتصاد الرعاية، لا تُفهم الرعاية كمجموعة خدمات منفصلة، بل كنظامٍ متكامل يشمل إنتاجها وتوزيعها وتمويلها ضمن سلسلة مترابطة من العمليات والفاعلين. غير أنَّ الواقع في لبنان يكشف عن مفارقة واضحة: فبينما تتوافر مكونات الرعاية الأساسية بكثافة نسبية، فإنها لا تترابط ضمن منظومة واحدة، بل تعمل كجزرٍ منفصلة داخل بنية مجزّأة.


فعلى المستوى القطاعي، تبدو منظومة الخدمات في لبنان غنية ومتشعبة، إذ تشمل التحويلات النقدية عبر برامج مثل برنامج استهداف الأسر الأكثر فقرًا (NPTP – National Poverty Targeting Program) وشبكة الأمان الاجتماعي الطارئة (ESSN – Emergency Social Safety Net) إضافةً إلى المساعدات الغذائية، وخدمات التعليم الرسمي وغير الرسمي، والرعاية الصحية الأولية والاستشفاء ضمن شبكة مختلطة من القطاعين العام والخاص، فضلًا عن خدمات الحماية الاجتماعية التي تشمل حماية الطفل، والدعم النفسي الاجتماعي، وبرامج مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي. ويعكس هذا التنوع قدرة النظام على توفير حدٍّ أدنى من الاستجابة، لا سيّما في سياقات الأزمات والصدمات الممتدة، حيث تؤدي هذه الخدمات دورًا حاسمًا في دعم استمرارية الحياة اليومية وتعزيز مستويات الصمود الاجتماعي لدى الأفراد والأسر. غير أنّ هذا الاتساع الكمّي لا يُترجم إلى تكامل وظيفي، بل يتوزّع عبر قنوات تنفيذ وآليات تمويل ومعايير استهداف مختلفة، ما يؤدي إلى تفكك داخلي في النظام. فقد تستفيد الأسرة الواحدة من برامج متعددة في مجالات الغذاء والصحة والتعليم، لكنها تفعل ذلك من دون وجود آلية تنسيق موحّدة تربط بين هذه الخدمات أو تضمن استمراريتها. وفي كثير من الحالات، تتقاطع البرامج في الفئات المستهدفة من دون أن تتكامل في الأثر، بينما تبقى فجوات واضحة في التغطية، سواء على المستوى الجغرافي أو الاجتماعي. وهكذا، لا تتحوّل تعددية الخدمات إلى قدرة فعلية على الاحتواء، بل تبقى استجابة مجزأة لأزمة شاملة.
ولا يبدو هذا التفكك عرضيًا، بل يعكس غياب مقاربة دورة الحياة، التي تُعدّ أحد الأسس الجوهرية لأي نظام رعاية متكامل. فبدل أن توفّر الحماية الاجتماعية مسارًا متصلًا يرافق الأفراد عبر مراحل حياتهم، يعتمد النظام اللبناني على تدخلات متقطّعة تستهدف فئات محددة في لحظات زمنية منفصلة، من دون ترابط مؤسّسي أو زمني. وبهذا، يتحوّل النظام من أداة لإدارة المخاطر الاجتماعية إلى مجموعة من الاستجابات الظرفية التي تعالج الأعراض من دون الأسباب.
ومن منظور اقتصاد الرعاية، يشكّل هذا خللًا في «سلسلة قيمة الرعاية»، حيث تنفصل مراحل تقديم الخدمة عن توزيعها وأثرها الاجتماعي. فهناك انفصال أفقي بين القطاعات: الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية؛ كما يوجد انفصال عمودي عبر مراحل الحياة، ما يمنع تراكم الأثر ويحدّ من فعالية التدخّلات. ونتيجة لذلك، ينتج النظام مزيجًا متناقضًا: فهو سريع الاستجابة في المدى القصير، لكنه هشّ في المدى الطويل، وغني بالأدوات، لكنه محدود في الأثر.
وتتمثل إشكالية إضافية في أنّ البرامج والخدمات تبقى جامدة ولا تتحوّل، ما ينعكس مباشرةً على اتساع الفجوة بين منطق الطوارئ ومنطق الرعاية. إذ يتبيّن أنّ هذه البرامج، رغم تعدّدها، غير قادرة على مواكبة التحوّل السريع في طبيعة الحاجات، التي انتقلت من استجابات آنية إلى متطلبات رعاية طويلة الأمد. فالنزاعات والأزمات الأخيرة لم تخلق فقط إصابات آنية، بل ولّدت موجات متزايدة من الإعاقات والأمراض المزمنة التي تتطلب رعاية ممتدة وطويلة الأمد.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أنَّ الاستجابة المبكرة لإعادة التأهيل، لا سيما في حالات الإصابات الشديدة والبتر، لا تقتصر على التدخل العلاجي الفوري، بل تتطلب مسارًا طويل الأمد من المتابعة المستمرة وإعادة التأهيل، بما يشمل التكيّف الوظيفي والدعم المستدام للمرضى. هذا يعني أنّ الطلب على الرعاية لم يعد ظرفيًا، بل تحوّل إلى طلب مستقبلي متزايد وممتدّ في الزمن. وهنا تتشكّل الفجوة الأساسية: حاجات صحية ورعائية تتراكم وتتعمّق من جهة، مقابل برامج وسياسات تبقى ثابتة في أدواتها ومنطقها التشغيلي من جهة أخرى، بما لا يسمح لها بمواكبة هذا التحوّل في طبيعة الاحتياجات أو الاستجابة لتفاقمها.

 

4- من الأزمات إلى الحرب: صدمة الرعاية المزدوجة
لم يشهد لبنان أزمة واحدة متراكمة فحسب، بل عرف تداخلًا بين أزمتين عميقتين شكّلتا معًا ما يمكن وصفه بـ «صدمة الرعاية المزدوجة». فمنذ العام 2019، كانت الحاجات تتزايد بشكل تدريجي، فيما ظلّ النظام يعمل عند حدّه الأدنى، مستندًا إلى توازن هش في توزيع الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص والتمويل الدولي والأسر.
لكن مع تصاعد الحرب في العام 2026، اختلّ هذا التوازن بصورة حادّة. فلم تعد الأزمة مجرّد تراجع تدريجي في القدرة الاستيعابية، بل تحوّلت إلى انفجار متزامن في جانبي معادلة الرعاية: الطلب والعرض. فمن جهة، ارتفع الطلب على خدمات الرعاية إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة النزوح والإصابات والصدمات النفسية وتدهور الأمن الغذائي. وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي (WFP) إلى أنَّ نحو 2.7 مليون شخص في لبنان يحتاجون إلى مساعدات غذائية، في حين يعاني حوالى 17% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد10 ضمن إجمالي عدد سكاني يُقدَّر بنحو 5.3 مليون نسمة. في موازاة ذلك، تُظهر المعطيات أنّ الحرب أدّت إلى فقدان عشرات آلاف الوظائف وارتفاع معدلات البطالة، كما تضرّر جزء كبير من النشاط الاقتصادي، بما في ذلك قطاعات حيوية، ما قلّص قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
ولم يقتصر أثر الحرب على زيادة الطلب على الرعاية، بل امتدّ إلى تقويض القدرة على تقديم الرعاية نفسها، نتيجة تضرّر البنية التحتية الصحية. إذ تشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى تعرّض عدد من المستشفيات لأضرار مباشرة وإغلاق بعضها، إضافةً إلى تعطّل عشرات مراكز الرعاية الصحية الأولية، ما أدّى إلى تراجع كبير في القدرة الاستيعابية للنظام الصحي11. بالإضافة إلى ذلك، قدّر البنك الدولي (World Bank) أنّ الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المادية في لبنان بلغت نحو 3.4 مليار دولار12، مع خسائر اقتصادية إضافية تجاوزت 5 مليارات دولار، شملت قطاعات حيوية من بينها النقل والطرق، ما أدّى إلى تعطّل أجزاء من الشبكات الأساسية. 
وبهذا، لم يعد النظام يواجه ضغطًا من جهة واحدة، بل أصبح عالقًا بين طلبٍ متصاعد وقدرةٍ متراجعة، ما أنتج فجوةً متسارعة بين الحاجات المتزايدة والمتراكمة للرعاية من جهة، وبين قدرة النظام على تلبيتها من جهة أخرى. وقد تحوّلت هذه الفجوة من مجرّد قصور في التغطية إلى عامل مباشر في تفاقم المخاطر الصحية والاجتماعية، أو ما يُعرف في أدبيات الرعاية بـ «الفجوة القاتلة»، وتعني أنّ غياب الرعاية أو تأخّرها، أو عدم استمراريتها، يصبح بحدّ ذاته عامل خطر مستقلًا، فمثلًا: قد يؤجّل المريض علاجه فتتفاقم حالته، أو لا يحصل الجريح على إعادة التأهيل اللازمة فتتحوّل إصابته إلى إعاقة دائمة، أو ينقطع الطفل عن التعليم فتتقلّص فرصه المستقبلية، أو تنهار أسرة تحت وطأة أعباء الرعاية المستمرّة. وهكذا، لا تعود الفجوة مجرّد خلل في تقديم الخدمات، بل تتحوّل إلى آلية تعيد إنتاج الهشاشة عبر الزمن.

 

 

القسم الثاني
من الطوارئ إلى نظام رعاية مستدام  

1- توسّع أدوات الاستجابة وحدودها
في مواجهة صدمة الرعاية المزدوجة، لا تعكس المقارنة بين خطط الاستجابة للعامين 2024 و2026 مجرّد تغيّر في حجم التمويل، بل تكشف عن تحوّل نوعي في بنية نظام الرعاية نفسه. ففي العام 2024، تركّز التمويل على القطاعات الخدمية، إلّا أنّ هذه القطاعات واجهت فجوات تمويلية كبيرة، حيث بقيت نسب التغطية منخفضة في عدد من المجالات الأساسية مقارنةً بتزايد حجم الاحتياجات. ومع الانتقال إلى خطة 2026، برز تحوّل واضح في توزيع الموارد، إذ استحوذت المساعدات النقدية متعددة الأغراض (MPCA) على الحصة الأكبر من التمويل، بقيمة ناهزت 321 مليون دولار13، متقدّمة على قطاعات تقليدية مثل الصحة والأمن الغذائي. ويعكس هذا التحول إعادة ترتيب لأولويات الاستجابة، من دعم القطاعات الخدمية المباشرة إلى تعزيز أدوات التحويل النقدي كآلية مركزية للتعامل مع اتّساع الهشاشة وتعدّد الاحتياجات.


تجدر الإشارة إلى أنَّ سلة البقاء الأدنى (Survival Minimum Expenditure Basket) لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد في لبنان قُدِّرت بنحو 509 دولارات شهريًا، في حين لا تتجاوز قيمة المساعدة النقدية الشهرية 145 دولار، أي ما يعادل نحو 28% من الحد الأدنى للاحتياجات الأساسية. كما تُظهر التحليلات أنّ هذه المساعدة تغطي نحو 53%  من الاحتياجات الغذائية و10% فقط من الاحتياجات غير الغذائية14، في حين يشهد لبنان موجات متسارعة من الغلاء وارتفاع قياسي في أسعار الغذاء، ما يعكس فجوة كبيرة بين الدعم المقدم وكلفة المعيشة الفعلية. 
وقد رافق هذا التحوّل نقاش سياساتي متزايد، إذ مالت المؤسسات الدولية إلى اعتماد التحويلات النقدية لما توفره من كفاءة تشغيلية أعلى وقابلية أفضل للتتبّع عبر الأنظمة الرقمية، في حين أثار هذا التوجّه تساؤلات حول أثره على تطوير الخدمات العامة، خصوصًا في حال عدم موازنته باستثمارات كافية في البنية التحتية والخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، برزت توجهات رسمية في لبنان تدعو إلى تمرير برامج التحويلات النقدية الموجّهة إلى المواطنين عبر البرنامج الوطني للحماية الاجتماعية، في محاولة لتعزيز التنسيق والحوكمة. غير أنّ خطورة هذا التحوّل نحو النقد تكمن في احتمال تعميق الفجوة بين التمويل والقدرة الفعلية على تقديم الرعاية، إذ يوسّع النقد قدرة الأسر على الاستهلاك من دون أن يقابله استثمار موازٍ في جانب العرض، ما يؤدي إلى نقل جزءٍ متزايد من مخاطر الرعاية ولا سيّما في قطاعي الصحة والحماية الاجتماعية من المؤسسات إلى الأسر. فالمال يخفّف العبء، لكنه لا يعوّض غياب الخدمات: فعندما تغيب الخدمات، أو تنقطع السلع، أو تتعطّل سلاسل الإمداد، تتراجع فعالية الدعم النقدي، إذ يوسّع النقد القدرة على الاختيار، لكنه لا يخلق خيارات غير متاحة أصلًا. وبذلك، قد يتحوّل من أداة تمكين إلى آلية تعويض جزئي، لا تكفي لمجاراة الحاجات المتزايدة والمتعقّدة.

 

2- الأسرة من شبكات الأمان إلى عبء الرعاية
لم يعد النقد مجرّد أداة دعم مرِنة، بل بات جزءًا من تحوّل أوسع في نموذج الرعاية، تنتقل فيه المسؤولية تدريجيًا من الدولة إلى الأفراد، ومن منطق الحماية الاجتماعية إلى منطق إدارة المخاطر على مستوى الأسرة. وهذا ما تشير إليه الأدبيات المعاصرة بمفهوم «نقل المخاطر إلى الأسر» (Risk Transfer to Households)، حيث يُعاد توزيع المخاطر الاجتماعية مثل المرض والبطالة والشيخوخة من المؤسسات العامة إلى الوحدات الأسرية.
في ظلّ تفكّك الإطار المؤسسي للرعاية وتجزئة خدماتها، لا تختفي الرعاية من المجتمع اللبناني، بل يعاد تموضعها تدريجيًا على مستوى الأسرة. فعندما تغيب الخدمات المتكاملة، لا يبقى الفراغ قائمًا، بل تتكفّل الأسر بسدّه، لتتحوّل من متلقٍ للرعاية إلى فاعلٍ أساسي في إنتاجها وتنظيمها وتمويلها. وبذلك، لا تعود الأسرة في لبنان مجرّد وحدة اجتماعية، بل تغدو البنية الأخيرة التي تستند إليها استمرارية الرعاية.
لطالما شكّلت شبكات العائلة والأصدقاء «خطّ الدفاع الأول» في مواجهة الأزمات، غير أنّ حدّة الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان، إلى جانب الحروب المتتالية، أضعفت قدرة هذه الشبكات على أداء دورها التقليدي كآلية تعويضية. فقد تقلّصت إمكانات الدعم المتبادل بين الأسر بفعل تفشّي الفقر وارتفاع معدلات البطالة.


وتُظهر الدراسات أنّ نسبة كبيرة من الأسر كانت تعتمد على دعم الأقارب والأصدقاء سواء عبر قروض عائلية أو مساعدات عينية ونقدية لتلبية احتياجاتها الأساسية، كما تشير إلى أنّ أكثر من 50% من الأسر لجأت إلى شبكات الدعم غير الرسمية خلال الأزمة15.
ومع اندلاع الحرب، تفاقم هذا التفكّك بفعل النزوح القسري وتشتّت الأسر، ما أدّى إلى ارتفاعٍ متزامن في أعداد المحتاجين إلى الرعاية. كما أسهمت الصدمات النفسية والخسائر البشرية في استنزاف قدرة الأسر على التحمّل، في ظلّ ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الدخل. ومع تزايد أعداد اللاجئين والنازحين، ازداد الضغط على الموارد والخدمات داخل المجتمعات المضيفة، الأمر الذي انعكس من خلال تصاعد التوتّرات الاجتماعية والتأثير في أشكال التضامن المحلي. 
ورغم الأهمية الكبيرة للتحويلات المالية بوصفها مصدر دعم أساسي للأسر في لبنان، فإنّ الاعتماد عليها كشبكة أمان بات أكثر هشاشة، نظرًا لتأثّرها بالظروف الاقتصادية والجيوسياسية وبقنوات التحويل. وتشير التقديرات إلى أنّ التحويلات إلى لبنان بلغت نحو 5.8 مليارات دولار في العام 2024، مقارنةً بنحو 6.7 مليارات دولار في العام 2023 أي بتراجع قدره 13.4% 16. 
استنادًا إلى هذه المعطيات، باتت الأسر في لبنان تؤدّي دورًا محوريًا في مجالات متعدّدة. ففي قطاع الصحة، لا تقتصر مهمّتها على متابعة العلاج، بل تمتدّ إلى تحمّل مسؤولية الرعاية اليومية وإدارة الأمراض المزمنة، ما يدفع بعض الأفراد إلى تأجيل العلاج أو التخلّي عنه. وفي التعليم، تتحمّل الأسر عبء تعويض تراجع جودة النظام الرسمي، سواء عبر تقديم دعم إضافي للأطفال أو إعادة ترتيب أولوياتها لضمان استمرارية التعلّم. كما تتكفّل برعاية كبار السن في ظلّ غياب خدمات طويلة الأمد، وتؤمّن الدعم المستمر للأشخاص ذوي الإعاقة، من التأهيل إلى المساندة اليومية.
وهكذا، بين تراجع الدعم غير الرسمي وضغوط النزوح، تحوّلت الأسرة في لبنان من مستفيدة من شبكات الأمان إلى الحامل الرئيسي لعبء الرعاية، في ظلّ غياب نظام قادر على تعويض هذا الانهيار. فعندما تتحوّل الرعاية من حقّ عام إلى مسؤولية خاصة، لا يقتصر التغيير على إعادة توزيع الأعباء، بل يطال طبيعة العقد الاجتماعي نفسه، ويترك الأفراد في مواجهة مخاطر تفوق قدرتهم على إدارتها.

 

3- الموارد: اختناق ثلاثي يقيّد نظام الرعاية
إذا كانت الأسرة قد أصبحت الحامل الأخير للرعاية، فإنَّ قدرتها على أداء هذا الدور تبقى مرهونة بمدى تماسك الموارد التي تغذّي النظام. فالرعاية في لبنان لا تعاني من نقصٍ مطلق في الموارد بقدر ما تعاني من اختلالات في تركيبها وتوزيعها واستخدامها، تتجسّد في اختناقٍ ثلاثي الأبعاد: مالي، وبشري، وبنيوي، يتداخل كلٌّ منها مع الآخر ليقوّض إمكانية تحوّل النظام إلى منظومة متكاملة.
أولًا: البعد المالي: يرتكز تمويل الرعاية في لبنان على تداخل ثلاثة مصادر رئيسية: الإنفاق العام، والتمويل الدولي، وإنفاق الأسر. غير أنّ هذا التداخل لا يُنتج تكاملًا بقدر ما يكشف عن تفكك في بنية التمويل. فالدولة، التي يُفترض أن تضطلع بدورٍ محوري في تمويل وتنظيم الرعاية، تواجه حيّزًا ماليًا محدودًا بفعل تراجع الإيرادات وانهيار العملة. وعلى الرغم من ارتفاع الاعتمادات المرصودة لوزارات أساسية كالصحة والشؤون الاجتماعية والتعليم في الموازنات الإسمية، فإنَّ هذه الزيادات بقيت في معظمها شكلية، إذ أدّى التضخم الحاد وانهيار سعر الصرف إلى تآكل قيمتها الفعلية بصورة كبيرة. وتشير مراجعة مشتركة صادرة عن اليونيسف UNICEF ومنظمة العمل الدولية ILO ومعهد باسل فليحان Institut des Finances Basil Fuleihan إلى أنَّ الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية انخفض بالقيمة الحقيقية للحماية الاجتماعية (باستثناء الحماية الصحية) من نحو 4.6 مليار دولار في العام2017  إلى نحو 0.6 مليار دولار، أي ما يقارب 87% من قيمته17 في العام  2024. 


ثانيًا: البعد البشري، يواجه نظام الرعاية تحدّيًا لا يقلّ خطورة يتمثّل في نزيف الكفاءات. فمنذ العام 2019، شهدت القطاعات الأساسية، ولا سيّما الصحة والتعليم، هجرة واسعة للكوادر المؤهلة، ما أدّى إلى تراجع جودة الخدمات واستمراريتها. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أنّ أكثر من 40% من الأطباء غادروا لبنان18، فيما تراجعت أعداد الممرضين بشكلٍ ملحوظ، الأمر الذي انعكس مباشرةً على القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية. وفي قطاع التعليم، تُظهر تقارير اليونيسف UNICEF أنَّ نسبة كبيرة من المعلمين تركوا وظائفهم أو هاجروا19، ما أسهم في تدهور جودة التعليم الرسمي. ولا يقتصر هذا النزيف على الأطباء والممرضين، بل يشمل أيضًا العاملين الاجتماعيين، ما يضعف القدرة التشغيلية للنظام حتى في حال توافر التمويل. وبهذا، يصبح النقص في الموارد البشرية قيدًا بنيويًا أساسيًا يحول دون تحويل الموارد المالية إلى خدمات فعلية، ويُعمّق الفجوة بين الإمكانات المتاحة والحاجات المتزايدة.
وتتكامل هذه القيود مع بُعدٍ ثالث يتمثّل في تدهور البنية التحتية والخدمات. فالمرافق الصحية والتعليمية تعاني من نقصٍ مزمن في الاستثمار والصيانة، وقد تفاقم هذا الوضع بفعل الأزمات المتلاحقة، إذ تعمل العديد من المؤسسات بقدرات جزئية نتيجة نقص التمويل والطاقة والموارد. كما أنّ ضعف البنية الرقمية والإدارية يحدّ من تطوير أنظمة معلومات متكاملة، ما يعمّق تجزئة البيانات ويقوّض فعالية التخطيط والاستهداف. وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)  إلى أنّ جزءًا كبيرًا من المرافق الأساسية يعمل في ظروف غير مستقرّة، ما يحدّ من قدرة النظام على الاستجابة حتى في الحالات الطارئة. ولا يقتصر أثر هذا الاختناق الثلاثي على مستوى الموارد فحسب، بل ينعكس مباشرةً على مستوى الحوكمة. فرغم توافر أطر سياساتية وقانونية، فإنَّ تنفيذها يتم ضمن بيئة مؤسسيّة مجزّأة. وتعتمد آليات التنسيق بشكلٍ كبير على منصّات مشتركة بين الحكومة والجهات الدولية، مثل مجموعات العمل القطاعية، غير أنّها تبقى غير ملزمة، ما يؤدي إلى ازدواجية البرامج وتشتّت قواعد البيانات. وهكذا، تتحوّل الحوكمة من إطارٍ استراتيجي إلى تنسيقٍ تشغيلي يومي، يركّز على إدارة التدخلات بدل تنظيم النظام.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن معالجة أزمة الرعاية عبر زيادة التمويل فقط، بل يتطلّب الأمر إعادة تنظيم العلاقة بين الموارد نفسها، بحيث تتحوّل من مصادر متنافسة إلى عناصر متكاملة ضمن نظام موحّد. فمن دون هذا التحوّل، سيبقى النظام أسير هذا الاختناق الثلاثي، وعاجزًا عن الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء القدرة.

 

4- فجوة التمويل والاستدامة المالية  
لا تكمن إشكالية التمويل في لبنان في حجمه فقط، بل في طبيعته قصيرة الأمد وعدم كفايته لمواكبة الحاجات المتصاعدة. فرغم تعدّد النداءات الإنسانية، يبقى التمويل دون مستوى الاحتياجات الفعلية. 
تشير بيانات الأمم المتحدة United Nations إلى أنّ تمويل الاستجابة الإنسانية في لبنان لا يزال دون مستوى الاحتياجات المعلنة. فبعد شهرٍ من إطلاق النداء الإنساني الطارئ للبنان للعام 2026، لم يتم تأمين سوى نحو 22% من التمويل المطلوب، أي ما يعادل 67 مليون دولار من أصل 308 ملايين دولار، ما يعكس فجوة تمويلية تقارب 78%. ويؤكّد هذا المستوى المتدنّي من التمويل هشاشة نموذج الاستجابة القائم، واعتماده على تدفّقات غير مستقرة، ما يحدّ من القدرة على التخطيط طويل الأمد ويُبقي النظام في حالة إدارة مستمرّة للأزمة20.
وعلى المستوى القطاعي، تواجه برامج الطفولة التي تقودها اليونيسيف UNICEF تحديات مماثلة، حيث تشير التقارير الإنسانية إلى أنّ بعض هذه البرامج لم تحصل إلا على نحو 23% من التمويل المطلوب، أي بفجوة تقارب 77% من الاحتياجات، وهو ما يهدّد استمرارية الخدمات الأساسية21.
لا تعكس هذه الأرقام نقصًا في التمويل فحسب، بل تكشف أيضًا عن طبيعة توظيفه. فحتى عند توافر الموارد، يُوجَّه جزء كبير منها نحو استجابات استهلاكية قصيرة الأمد، مثل المساعدات الغذائية والدعم النقدي والخدمات الطارئة، من دون استثمار موازٍ في بناء أنظمة رعاية مستدامة، كإعادة التأهيل، أو الرعاية طويلة الأمد، أو تعويضات البطالة، أو المساعدات الرعائية للتوظيف.
وبذلك، تتكرّر الحلقة ذاتها: تمويل طارئ، استجابة مؤقتة، ثم عودة إلى نقطة الصفر. ومع استمرار هذا النمط، تتّسع الفجوة بين الحاجات المتزايدة والبرامج المتاحة، لتبقى الرعاية محصورة داخل منطق الطوارئ، في نموذج استجابة لا يُنتج بقدر ما يستهلك، ولا يبني بقدر ما يعيد إنتاج الأزمة.

على الصعيد المالي، لا تكمن المشكلة فقط في محدودية الإنفاق العام أو تقلبات التمويل الخارجي، بل في غياب إطارٍ متكامل يربط بين مصادر التمويل المختلفة ويحوّلها إلى قدرةٍ نظامية مستدامة. يرتكز تمويل الرعاية في لبنان على ثلاثة مصادر رئيسية: الإنفاق العام، والمساعدات الدولية، وإنفاق الأسر، والتي تعمل ضمن منظومة مالية تتقاطع فيها ثلاثة أبعاد مترابطة: مستوى الإنفاق، وآليات التخطيط المالي، وبنية الإيرادات.
فمن جهة، يتركّز الإنفاق العام في بنود جارية محدودة الأثر على المدى الطويل، في حين يبقى الاستثمار في الخدمات الأساسية لا سيّما الصحة الأولية، والتعليم، والحماية الاجتماعية دون المستوى المطلوب. ومن جهة أخرى، يغيب التخطيط المالي متوسط وطويل الأمد، إذ تُدار الموارد ضمن منطق استجابي مجزّأ يتكيّف مع الأزمات بدل أن يسبقها، ويعتمد على تعددية برامج من دون تنسيق فعلي بينها. أمّا على مستوى الإيرادات، فتعاني الدولة من قاعدة ضريبية ضعيفة وغير عادلة، ما يحدّ من قدرتها على تمويل نظام رعاية مستدام، ويزيد من اعتمادها على التمويل الخارجي. وفي هذا السياق، لا يعوّض التمويل الدولي ضعف الإنفاق العام بقدر ما يعيد تشكيله، إذ يتحوّل من أداة دعم إلى ركيزة تعمل بموازاته.
وتؤكد الأدبيات الحديثة أنَّ الاستدامة في الدول الهشّة لا ترتبط بحجم التمويل فقط، بل بقدرة الأنظمة على تنسيق الموارد ودمجها ضمن أطر وطنية فعّالة، وتعزيز الترابط بين التدخلات المختلفة. وفي هذا السياق، تدعو مقاربة الترابط الإنساني - التنموي - السلام (HDP Nexus) إلى الانتقال من منطق إدارة الأزمات قصيرة الأمد إلى بناء أنظمة قادرة على الصمود والاستجابة المستدامة. وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة هيكلة الأسس المالية للنظام، إذ تتطلب الاستدامة في لبنان ثلاث أولويات مترابطة، من دونها تبقى تدفّقات التمويل، مهما ارتفعت، عاجزة عن كسر دوامة الهشاشة: 
- إعادة توجيه الإنفاق نحو الخدمات الأساسية عالية الأثر، ولا سيّما (الصحة الأولية، والتعليم، والحماية الاجتماعية)؛
- دمج التمويل الخارجي ضمن أطر وطنية منسّقة ومتعدّدة السنوات، بدل الاعتماد على تدفقات قصيرة الأمد ومجزّأة؛
- إصلاح منظومة الإيرادات عبر توسيع القاعدة الضريبية وتعزيز العدالة الجبائية.

 

5- التجارب الدولية: من الاستجابة الإنسانية إلى بناء نظام رعاية
تُظهر التجارب الدولية أنَّ الحروب لا تؤدي فقط إلى تدمير أنظمة الرعاية، بل تُشكل في كثير من الأحيان لحظة مفصلية لإعادة التفكير في أسسها. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم يعد من الممكن التعامل مع الرعاية كمسؤولية فردية أو عائلية، بل برزت الحاجة إلى إعادة تعريف دور الدولة كضامن لإدارة المخاطر الاجتماعية على نطاق واسع. وقد ساهم هذا التحول في ترسيخ شرعية «دولة الرعاية»، حيث توسّعت وظيفة الدولة من الأمن والنمو الاقتصادي إلى حماية الاستقرار والأمان الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، لم تقتصر آثار الحرب على توسيع دور الدولة، بل امتدت إلى إعادة تشكيل كيفية تنظيم أنظمة الرعاية ذاتها، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة بين التمويل والخدمات، تحت ضغط تحولات بنيوية متسارعة. فقد ترافقت مرحلة ما بعد الحرب مع تسارع الشيخوخة السكانية، وارتفاع معدلات الإعالة، وتراجع دور الأسرة الممتدة نتيجة التحضر وتغيّر أنماط العمل، إضافةً إلى الارتفاع المستمر في كلفة الرعاية الصحية وطول أمدها، وتزايد الضغوط على المالية العامة. وقد كشفت هذه العوامل مجتمعة حدود النماذج التقليدية القائمة على الرعاية العائلية أو التمويل المجزأ، ودفعت نحو إعادة تنظيم أنظمة الرعاية ضمن أطر أكثر تكاملًا. وفي هذا السياق، أظهرت التجارب أنَّ تجاوز أزمات الرعاية لا يتحقق عبر زيادة التمويل أو توسيع الأدوات فحسب، بل من خلال إعادة تنظيم العلاقة بين التمويل والخدمات ضمن إطار مؤسسي متماسك يقوم على تحسين التخصيص Allocation، وتعزيز التنسيق Coordination، وبناء القدرة Capacity على تحويل الموارد إلى خدمات فعلية. 
تُظهر الأدبيات المقارنة لأنظمة الرعاية طويلة الأمد في دول الـ OECD أنَّ نماذج التمويل، وإن كانت قائمة سواء على الضرائب أو التأمين، لا تحدّد فقط حجم الموارد، بل تؤثر بشكلٍ مباشر على آليات تخصيصها، وأنماط تقديم الخدمات، ومستوى التغطية، ما يعزز أهمية تنظيم العلاقة بين التمويل والخدمات كعنصرٍ حاسم في أداء النظام: ففي ألمانيا22، تمّ إنشاء نظام تأمين مستقل للرعاية طويلة الأمد يقوم على منطق تمويل موحّد من خلال التأمين الإلزامي، وقواعد استحقاق موحّدة، وآليات تنسيق مؤسسية تربط التمويل مباشرة بالخدمات. وبالتالي،  فإن تعددية الفاعلين بما يشمل الدولة، وصناديق التأمين، ومقدّمي الخدمات، والأسر لم تعكس تشتتًا، بل توزيعًا وظيفيًا منظمًا للأدوار ضمن إطار متكامل، يضمن تحويل الموارد إلى خدمات بشكل فعّال يربط المساهمات التأمينية مباشرة بحزم خدمات واضحة، مع إتاحة خيارات بين الرعاية المؤسسية أو المنزلية، بما في ذلك تقديم بدل نقدي يدعم دور الأسرة. وقد ساهم هذا النموذج في تقليص الاعتماد على الإنفاق من الجيب، وتوفير تغطية أكثر انتظامًا، مع الحفاظ على توازن بين دور الدولة والأسرة. أما في اليابان، فقد تم تطوير نظام تأمين للرعاية طويلة الأمد23 أكثر اعتمادًا على الخدمات الرسمية، حيث يتم توجيه التمويل نحو تقديم خدمات مباشرة عبر شبكة واسعة من مقدّمي الرعاية، مع تقليص الاعتماد على التحويلات النقدية للأسر. وقد أتاح هذا النموذج تخفيف العبء عن العائلة، لا سيما النساء، وتوسيع سوق خدمات الرعاية، وتعزيز الطابع المهني والمؤسسي لهذا القطاع، بما يتلاءم مع تسارع الشيخوخة السكانية.


في المقابل، أظهرت تجارب آسيا أنّ إعادة تنظيم العلاقة بين التمويل والخدمات يمكن أن تتحقق عبر مسارات متعددة، تجمع بين التمويل العام والشراء الاستراتيجي. ففي تايلاند، تمَّ اعتماد نظام التغطية الصحية الشاملة (Universal Coverage Scheme) 24 المموّل من الضرائب، والذي يربط التمويل مباشرة بشبكة خدمات عامة متكاملة، ما ساهم في تحسين العدالة في الوصول وخفض الإنفاق من الجيب. أما في كوريا الجنوبية، فقد تمَّ تطوير نموذج هجين يجمع بين التأمين الاجتماعي والشراء الاستراتيجي، من خلال نظام التأمين الصحي الوطني وتأمين الرعاية طويلة الأمد، حيث تقوم الدولة بتوجيه الموارد والتعاقد مع مقدّمي خدمات متعدّدين وفق معايير جودة وأداء محددة. وقد أتاح هذا النموذج توسيع التغطية بسرعة، مع الحفاظ على فعالية الإنفاق وتعزيز القدرة المؤسسية للنظام.  
كما تُظهر تجارب دولية مثل أوكرانيا أنّ فعالية المساعدات النقدية لا ترتبط بالأداة بحدّ ذاتها، بل بمدى إدماجها ضمن نظام حماية اجتماعية متكامل. ففي أوكرانيا، يقوم النظام على مزيج من التحويلات النقدية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج التشغيل، والتأمين الاجتماعي، ضمن تنسيقٍ مؤسسي بين عدة قطاعات حكومية. كما تعتمد الدولة على رقمنة تقديم الخدمات وتعزيز التكامل بين البرامج، بما يتيح دمج المساعدات ضمن إطار موحّد بدل بقائها تدخلات منفصلة25. وقد أسهم هذا التكامل، إلى جانب الدعم الدولي، في الحفاظ على استمرارية تقديم المنافع خلال الحرب، بدل انحصارها في استجابات طارئة ومجزّأة. كما تُظهر تجربة البرازيل، من خلال برنامج  Bolsa Família، أنّ ربط التحويلات النقدية بالخدمات الصحية والتعليمية يعزّز الاستثمار في رأس المال البشري، ويزيد من الأثر طويل الأمد للحماية الاجتماعية. وتكمن الدروس المستفادة من هذه التجارب في ثلاث ركائز أساسية: أولًا، توجيه التمويل نحو الخدمات بدل الاكتفاء بدعم الطلب؛ ثانيًا، توحيد الجهة المسؤولة عن تقييم الاحتياجات وتنظيم الاستفادة؛ وثالثًا، استخدام الشراء العام كأداة لبناء سوق خدمات منظّم ومستدام.


في المقابل، يكشف الواقع اللبناني عن غياب هذا التكامل، حيث يُستخدم النقد في كثير من الأحيان بمعزل عن الخدمات، ما يحدّ من أثره ويحوّله إلى آلية تعويض مؤقتة. وعليه، لا يكمن التحدي في اختيار الأداة بحدّ ذاتها، بل في إعادة تصميم النظام بما يربط بين تمويل الطلب وتعزيز العرض، ويحوّل الاستجابة من إدارة أزمة إلى بناء نظام رعاية مستدام، من خلال: 
- اعتماد نماذج نقد + خدمات (Cash+) حيث يصبح الدعم النقدي مدخلًا للوصول إلى الرعاية لا بديلًا عنها. ففي لبنان، يُقدَّم النقد بمعزل عن الخدمات، ما يحدّ من فعاليته، بينما تُظهر تجارب دولية مثل البرازيل وأوكرانيا أن ربط التحويلات بالخدمات الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية يعزّز نتائجها. ومن شأن هذا الربط أن يحوّل النقد من دعمٍ استهلاكي مؤقت إلى أداة لتحسين رأس المال البشري وتحقيق أثر مستدام.
- إنشاء سجل اجتماعي موحّد: إذ يعاني لبنان من تعدّد قواعد البيانات وتشتّت آليات الاستهداف. ومن شأن اعتماد سجل موحّد أن يرفع دقة الاستهداف، ويقلّل الازدواجية، ويضمن توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر حاجة، بما يحدّ من الهدر ويعزّز كفاءة الإنفاق الاجتماعي.
- تطوير إطار مؤسسي موحّد (انتقال من الطوارئ إلى النظام): تبقى الاستجابة في لبنان قائمة على تدخلات طارئة متكرّرة، في حين تُظهر تجارب دولية نجاحًا في تحويل هذه الاستجابة إلى أنظمة مؤسسية دائمة. ومن شأن هذا التحوّل أن يتيح الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى بناء نظام رعاية مستقر وقادر على امتصاص الصدمات.
- تمويل الخدمات مباشرةً: يعتمد لبنان بشكل متزايد على تمويل الطلب عبر التحويلات النقدية، في مقابل ضعف الاستثمار في الخدمات. وعلى الرغم من أنّ هذا النهج يحسّن القدرة على الاستجابة على المدى القصير، إلا أنّه لا يعالج اختلالات العرض، بل قد يفاقمها، إذ إنّ تمويل الطلب من دون توسيع القدرة الاستيعابية للخدمات يؤدي إلى زيادة الضغط عليها واتساع الفجوة بين الاحتياجات والتوافر.
- إنشاء تمويل مخصص للرعاية: يفتقر لبنان إلى آلية تمويل مستقلة للرعاية طويلة الأمد، في حين طوّرت دول مثل ألمانيا واليابان صناديق تأمين مخصّصة لهذا الغرض. ومن شأن ذلك تخفيف العبء عن الأسر، وضمان استدامة التمويل، وتعزيز العدالة في الوصول إلى الخدمات.
- إعتماد الشراء الاستراتيجي والمستدام للخدمات: يتم ذلك عبر إعادة توجيه جزء من التمويل بما فيه المساعدات نحو شراء خدمات الرعاية مباشرةً، بدل الاكتفاء بالتحويلات النقدية. ويشمل ذلك إبرام عقود واضحة مع مقدّمي الخدمات (العام، الخاص، وغير الربحي)، وربط التمويل بمؤشرات الأداء والجودة، واعتماد تسعير منظّم. ويهدف هذا النهج إلى تنشيط عرض خدمات الرعاية وضمان استمراريتها، مع الحفاظ على دور التحويلات النقدية كأداة مكمّلة تُيسّر الوصول إلى الخدمات، لا بديلًا عنه.
كما يُعدّ إصلاح المالية العامة من خلال تحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز العدالة الضريبية، وربط الموارد بالأولويات الاجتماعية شرطًا أساسيًا لاستعادة دور الدولة كضامن للرعاية وترسيخ عقد اجتماعي أكثر استدامة. ومن دون هذا التحوّل، سيبقى النظام عالقًا في إدارة الفجوة بدل ردمها، حيث يُموَّل الاستهلاك من دون بناء القدرة. أما إعادة ربط التمويل بالخدمات عبر آليات مؤسسية واضحة، فتمثّل المدخل الأساسي للانتقال من منطق الاستجابة إلى منطق بناء نظام رعاية مستدام.

 

الخلاصة
حاول هذا المقال تتبّع تطوّر نظام الرعاية في لبنان، وتأثير الأزمات المتتالية والحروب عليه، والتي جعلته يُدار بصورة شبه دائمة ضمن منطق الطوارئ، ويوضح أنَّ المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في نقص الموارد، بل في غياب التكامل بين التمويل والخدمات، ما يؤدي إلى اتساع «فجوة الرعاية» وتعميق الهشاشة الاجتماعية.
كما تُبيّن الدراسة أنَّ نظام الرعاية اللبناني يقوم على توزيع هشّ للأدوار بين الدولة والأسر والسوق والجهات الدولية، دون وجود إطار موحّد ينظّم هذه العلاقة. وتشرح كيف أدّت الحرب والأزمة الاقتصادية إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الرعاية، مقابل تراجع قدرة المؤسسات الصحية والاجتماعية على الاستجابة وتأمين الخدمات بشكلٍ مستدام.
وتشير إلى أنَّ التوسع في المساعدات النقدية ساهم في تخفيف المعاناة الآنية، لكنه لم يكن كافيًا لبناء خدمات مستدامة أو حماية طويلة الأمد. كما تُظهر أنَّ الأسر اللبنانية أصبحت تتحمل العبء الأكبر للرعاية في ظل تراجع الدولة وضعف شبكات التضامن الاجتماعي. كما تناقش الدراسة الاختناق الثلاثي الذي يقيّد النظام، والمتمثل في ضعف التمويل، وهجرة الكفاءات، وتدهور البنية التحتية والخدمات.
ومن خلال مقارنة مع تجارب دولية مثل ألمانيا، واليابان، وأوكرانيا، وتايلاند، يؤكّد المقال أهمية دمج التمويل بالخدمات ضمن أنظمة وطنية منسقة. كذلك توصي الدراسة بالانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى بناء نظام رعاية مستدام عبر الشراء الاستراتيجي للخدمات، وإنشاء سجل اجتماعي موحّد، وربط التحويلات النقدية بالخدمات الأساسية. وتخلص إلى أنَّ إعادة بناء نظام الرعاية في لبنان ليست مسألة اجتماعية فقط، بل شرط أساسي لإعادة بناء العقد الاجتماعي والدولة نفسها.

 

الهوامش
1.  International Labour Organization (ILO). (2022). Care at work: Investing in care leave and services for a more gender equal world of work. Geneva: International Labour Office. Care at Work: Investing in Care Leave and Services for a More Gender Equal World of Work | United Nations in Lebanon
#2. World Bank. (2025). State of Social Protection Report 2025: The 2-Billion-Person Challenge. Open Knowledge Repository
3. International Labour Organization (ILO). (2024). World Social Protection Report 2024-26: Universal social protection for climate action and a just transition, (Report No. 9789220410183). Geneva: International Labour Office.
#4. المرجع أعلاه 
5#. International Labour Organization. (2018). Care work and care jobs for the future of decent work.
https://www.ilo.org/global/publications/books/WCMS_633135/lang--en/index.htm 
#6.  United Nations Development Programme. (2025). The socioeconomic impacts of the 2024 war on Lebanon. https://www.undp.org/lebanon/publications/socioeconomic-impacts-2024-war-lebanon
#7. CALP Network. (2024). Lebanon’s social protection system suffers amidst the current war: Urgent action needed!
https://www.calpnetwork.org/publication/lebanons-social-protection-system-suffers-amidst-the-curent-war-urgent-action-needed/
#8. Human Rights Watch. (2022). Lebanon: Rising poverty, hunger amid economic crisis.
https://www.hrw.org/news/2022/12/12/lebanon-rising-poverty-hunger-amid-economic-crisis
#9. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2026). Lebanon response plan 2026.
https://lebanon.un.org/en/309523-lebanon-response-plan-2026
#10. World Food Programme. (2024). Lebanon country brief.
https://www.wfp.org/countries/lebanon
#11. World Health Organization. (2026). Lebanon emergency situation report.
https://www.emro.who.int/lbn/crisis/index.html
#12. World Bank. (2024). Lebanon interim damage and loss assessment (DaLA).
https://www.worldbank.org/en/news/press-release/2024/11/14/new-world-bank-report-assesses-impact-of-conflict-on-lebanon-s-economy-and-key-sectors
#13. Lebanon Response Plan 2026, Lebanon Response Plan 2026.pdf
14. World Food Programme. (2026). Lebanon response plan 2026: Multipurpose cash and cash voucher assistance.
https://reliefweb.int/report/lebanon/lebanon-response-plan-2026-multipurpose-cash-and-cash-voucher-assistance
15#. Maysa Baroud, Conflict and Social Welfare in Lebanon, Marsh 2025 https://www.menasp.com/media/2025/03/menasp-cp-country-case-study-lebanon-maysa-baroud.pdf).
#16. Byblos Bank. (2025). Lebanon this week (Issue 854). https://applications.byblosbank.com/Library/Assets/Gallery/Publications/LebanonThisWeek/Lebanon%20This%20Week%20854.pdf
#17. UNICEF, ILO, & Institut des Finances Basil Fuleihan. (2025). Review of Government Spending on Social Protection in Lebanon (2017–2024).
https://www.unicef.org/mena/media/29011/file/Facts%20and%20Findings%20of%20the%20Review%20of%20Government%20Spending%20on%20Social%20Intervention(17-24).pdf 
#18. World Health Organization. (2023).وHealth workforce challenges in Lebanon .
19# . UNICEF. (2022).Education under crisis in Lebanon. https://www.unicef.org/lebanon 
#20. United Nations. (2026, April 14). Noon briefing by the Secretary-General.
https://www.un.org/sg/en/content/highlight/2026-04-14.html
#21. UNICEF. (2024). Lebanon humanitarian situation report. https://www.unicef.org/lebanon 
#22. Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD). (2025).Health at a Glance 2025: Germany.
https://www.oecd.org/en/publications/health-at-a-glance-2025_15a55280-en/germany_99d672fb-en.html
#23. Lee, S.-H., Chon, Y., & Kim, Y.-Y. (2023). Comparative analysis of long-term care in OECD countries: Focusing on long-term care financing type. Healthcare, 11(2), 206.
https://doi.org/10.3390/healthcare11020206
#24. International Labour Organization. (2021). Universal health-care coverage scheme of Thailand. https://www.ilo.org/publications/universal-health-care-coverage-scheme-thailand
#25. World Bank. (2025). Social protection for inclusion, resilience, innovation and transformation (SPIRIT). https://www.worldbank.org/en/country/ukraine/brief/spirit 

 

قائمة المراجع
1-  ­Baroud, M. (2025). Conflict and social welfare in Lebanon.
    https://www.menasp.com/media/2025/03/menasp-cp-country-case-study-lebanon-maysa-baroud.pdf
2-  ­Byblos Bank. (2025). Lebanon this week (Issue 854).
    https://applications.byblosbank.com/Library/Assets/Gallery/Publications/LebanonThisWeek/Lebanon%20This%20Week%20854.pdf
3- ­CALP Network. (2024). Lebanon’s social protection system suffers amidst the current war: Urgent action needed!
     https://www.calpnetwork.org/publication/lebanons-social-protection-system-suffers-amidst-the-current-war-urgent-action-needed/
4- ­Human Rights Watch. (2022). Lebanon: Rising poverty, hunger amid economic crisis.
     https://www.hrw.org/news/2022/12/12/lebanon-rising-poverty-hunger-amid-economic-crisis
5- ­International Labour Organization. (2018). Care work and care jobs for the future of decent work.
     https://www.ilo.org/global/publications/books/WCMS_633135
6- ­International Labour Organization. (2022). Care at work: Investing in care leave and services for a more gender-equal world of work.
    https://www.ilo.org
7- ­International Labour Organization. (2024). World social protection report 2024–26: Universal social protection for climate action and a just transition.
    https://www.ilo.org
8- ­International Labour Organization. (2017). Universal health-care coverage scheme: Thailand.
    https://www.ilo.org/publications/universal-health-care-coverage-scheme-thailand
9- ­Lee, S.-H., Chon, Y., & Kim, Y.-Y. (2023). Comparative analysis of long-term care in OECD countries: Focusing on long-term care financing type. Healthcare, 11(2), 206.
    https://doi.org/10.3390/healthcare11020206»
10- ­Ministry of Public Health, Public Health Emergency Operations Center (PHEOC). (2026, April 29). Cumulative emergency report.
     https://www.moph.gov.lb/userfiles/images/Prevention/PHEOC/Cumulative%20Emergency%20Report/29-4-2026.pdf
11- ­Organisation for Economic Co-operation and Development. (2019). DAC recommendation on the humanitarian-development-peace nexus.
    https://legalinstruments.oecd.org/en/instruments/OECD-LEGAL-5019
12- ­Schreiber, D., & Swithern, S. (2023). Co-ordination across the humanitarian-development-peace nexus. OECD Publishing.
     https://doi.org/10.1787/fd302760-en 
13- ­United Nations. (2026). Lebanon response plan 2026.
     https://lebanon.un.org/en/309523-lebanon-response-plan-2026
14- ­United Nations Development Programme. (2025). The socioeconomic impacts of the 2024 war on Lebanon.
     https://www.undp.org/lebanon/publications/socioeconomic-impacts-2024-war-lebanon
15- ­United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2024). Lebanon humanitarian response plan 2024.
     https://reliefweb.int/report/lebanon/lebanon-humanitarian-response-plan-2024
16-  ­United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs. (2026). Lebanon flash appeal (March–May 2026): Humanitarian programme cycle 2026.
     https://reliefweb.int
17-  ­UNICEF. (2022). Education under crisis in Lebanon.
     https://www.unicef.org/lebanon
18- ­UNICEF. (2024). Lebanon humanitarian situation report.
    https://www.unicef.org/lebanon
19- ­World Bank. (2024). Lebanon interim damage and loss assessment (DaLA).
     https://www.worldbank.org
20- ­World Bank. (2025). State of social protection 2025: The 2-billion-person challenge.
     https://www.worldbank.org
21-  ­World Bank. (2025). Social protection for inclusion, resilience, innovation and transformation (SPIRIT).
     https://www.worldbank.org/en/country/ukraine/brief/spirit
22- ­World Food Programme. (2024). Lebanon country brief.
      https://www.wfp.org/countries/lebanon
23- ­World Food Programme. (2026). Lebanon response plan 2026: Multipurpose cash and cash voucher assistance.
     https://reliefweb.int
24- ­World Health Organization. (2023). Health workforce challenges in Lebanon

Between Emergency and Humanitarian Response: How Wars Reconfigure Lebanon’s Care Economy
Suzane Abou Chacra


This article analyzes the evolution of Lebanon’s “care system” under the impact of recurrent crises, ranging from financial collapse to military aggression, which have institutionalized a logic of permanent emergency.
These crises have profoundly reshaped the financing, organization, and delivery of care services.
Drawing on the “Care Diamond” framework, the study examines the redistribution of roles among the state, households, the market, and international actors, revealing a fragmented system with limited capacity to convert available resources into sustainable services. The article argues that the central challenge lies not only in the scarcity of financial resources, but also in the structural disconnection between financing mechanisms and service delivery, creating what may be described as a “deadly care gap.”
Although humanitarian responses--particularly cash transfer programs--have expanded significantly, they have often substituted for the public system rather than strengthening it. Through a comparative analysis of international experiences such as those of Ukraine, Germany, and Japan, the study highlights alternative approaches based on integrating financing into national systems through institutional coordination and strategic public procurement.
Finally, the article proposes policy recommendations aimed at reorganizing financing flows within the “care system” in order to support sustainable services and foster a transition from permanent emergency management toward a more coherent and resilient “care system”

Entre urgence et réponse humanitaire : comment les guerres reconfigurent l’économie du care au Liban
Suzane Abou Chacra


Cet article analyse l’évolution du « système de care » au Liban sous l’effet de crises récurrentes, allant de l’effondrement financier aux agressions militaires, qui ont institutionnalisé une logique d’urgence permanente. Ces crises ont profondément reconfiguré les modes de financement, d’organisation et de prestation des services de care.
A partir du cadre du « Diamant du Care », l’étude examine la redistribution des rôles entre l’État, les ménages, le marché et les acteurs internationaux, révélant un système fragmenté et faiblement capable de transformer les ressources disponibles en services durables. L’article soutient que le principal défi ne réside pas seulement dans la rareté des financements, mais aussi dans la dissociation entre financement et prestation des services, créant un « fossé mortel du care ».
Bien que la réponse humanitaire, notamment via les transferts monétaires, se soit fortement développée, elle a souvent remplacé le système public plutôt que de le renforcer. En s’appuyant sur des expériences internationales comme celles de l’Ukraine, de l’Allemagne et du Japon, l’étude met en évidence des alternatives fondées sur l’intégration des financements dans les systèmes nationaux à travers la coordination institutionnelle et la commande publique stratégique.
Enfin, l’article propose des recommandations visant à réorganiser les flux de financement du  « système de care »  afin de soutenir des services durables et de favoriser le passage d’une gestion permanente de l’urgence à un  « système de care »  plus cohérent et résilient.