رحلة في الانسان

عندما يجسّد الولاء للقائد العقيدة القتالية بعيداً عن الحالة الوظيفية
إعداد: غريس فرح

في الحروب والأزمات تتجه الأنظار الى القائد الذي تتبلور شخصيته وتبرز وفق الظروف ونسبة ما يؤمّنه من نجاح على الأرض. وباعتبار أن هذا النجاح لا يتحقق إلاّ من خلال التكامل أو التواصل المستمر بين توجيهاته وبنية المحاربين، لذا يفترض أن ينجح هذا التواصل في خلق حالة الدمج بين شخصيته التي تمثل المؤسسة والعقيدة القتالية، وبين أعضاء الجسم العسكري، وصولاً الى تعميم الإيمان المطلق بهذه العقيدة التي من أجلها يواجهون الموت.
شخصية القائد والتزام المحاربين مبادئه هما إذن المحور الذي يوحّد الصفوف دفاعاً عن قضية تجمع ولا تفرّق... قضية تنغرس معانيها في النفوس طوعاً لا قسراً، وتتفتّح صلابة وتماسكاً واندفاعاً في وقت يحتاج فيه الوطن الى السواعد الفتية.
والسؤال المطروح: كيف يتحقق التواصل المشار اليه وكيف ينغرس الإيمان بالعقيدة القتالية بعيداً عن الأحوال الشخصية والحالة الوظيفية؟
للإجابة عن هذه الأسئلة نستعين ببعض ما جاء في دراسات تضمّنت معلومات عن كيفية الإستفادة من التفاعل الكيميائي في الدماغ البشري لخلق أجواء التعبئة العامة والتي تتلاءم مع ظروف الأفراد الشخصية والإجتماعية.
كذلك تضمّنت مواصفات أحوال المحاربين النفسية في أثناء الحروب، ومقدرتهم على الاحتفاظ بالشحن المعنوي والعقائدي، وخصوصاً في لحظات تسيطر خلالها فكرة الموت على ما عداها.


لإذابة الفرق بين المقاتل والموظف
حسب رأي الخبراء النفسيين، فإن الذي يقاتل من أجل عقيدة يؤمن بها، يختلف عن الذي يُدفع الى القتال قسراً كونه موظفاً يتقاضى أجراً. ولإزالة الفرق بين الإنتماء الوظيفي والإنتماء العقائدي، يفترض أن تتم الاستعانة بشحنات التواصل المشار اليه لاستبدال التشويش البيئي المهني بحب العقيدة التي تمثّلها المؤسسة العسكرية، ويجسّدها القائد بشخصيته الحازمة والمرنة في آن معاً. والمؤسسات العسكرية التي تعي بعمق هذه الثغرة في العمل العسكري المنظّم، عملت عبر العصور على صهر العقول المنتمية اليها في بوتقة وحدة التفكير والتوجّه عبر تقنيات مدروسة تعمّق هذا الإنتماء عن طريق إثارة الدوافع الفطرية الكامنة لدى المقاتلين، والتي أسهمت في بقاء الأوطان عبر العصور.

 

كيف تتحقق هذه الحالة النفسية؟
حسب رأي الدكتور مارڤين زوكيرمين وهو باحث أميركي معروف في الحقل النفسي، فإن الانصهار في الفكر القتالي الموحّد يستدعي إثارة العوامل الفطرية التي رافقت وجود الانسان، وفي مقدمـها السعي الى الدفاع عن النفس أو إرضاء غريزة البقاء ضمن مجتمع ننتمي اليه.
وهنا يكمن دور المؤسسات النظاميـة في تجنيـد تقنيـات التعبئـة لاستبـدال فكرة الإنتمـاء الإجتماعي والفئوي الضيّق بفكرة الإنتماء الوطني والمؤسسات في عقل المحارب.
وحسب زوكيرمين، عندما تنغرس هذه الفكرة وتطغى على ما عداها، تبرز عندها أهمية إثارة التفاعل الكيميائي الدماغي عن طريق الشحن النفسي والعقائدي، وصولاً الى تفعيل التوجهات الفطرية المشار اليها. عند هذا الحدّ تسيطر فكرة الدفاع عن الوطن وتتجذّر في العقول اليافعة، وتتجلّى روح الشجاعة والمناقبية والإقدام بأبهى صورها.
وهنا تشدّد الأبحاث المشار اليها على أهمية عنصر الشباب، علماً أنه توجّه بديهي. فالمؤسسات العسكرية عبر العصور ركّزت على هذا العنصر لتميزه بالاندفاع والإقدام. وهي ميزة يكتسبها من ارتفاع مستوى هرمون التيستوستيرون الذكوري في الجسم، والذي يحرّك النشاط ويحجّم الخوف من المغامرة. وهو هرمون يتدنّى تدريجاً مع التقدّم بالعمر.
والمعروف أيضاً أن العناصر الشابة تتميز بالولاء التام للقيادة، بمعنى أنها أكثر التزاماً العقيدة القتالية من المتقدّمين بالسن. وهنا تضطلع شخصية القائد بالدور الأكبر في اجتذاب محبة المقاتلين وولائهم وبالتالي دفعهم الى تنفيذ الأوامر الموجّهة اليهم بالتسلسل، بدافع الإنتماء العقائدي وليس الوظيفي. مع ذلك تؤكد الدراسات أيضاً على دور المؤثرات السلبية للضغوط النفسية في أثناء الحروب، وما يرافقها من صراعات نفسية تنتاب المقاتلين في لحظات الشدة، وخصوصاً عندما يطول زمن القتال.
في هذا السياق، تشير الدراسات النفسية الى أهمية التأهيل الذهني المستمر لترسيخ العقيدة القتالية لإرساء الصمود، علماً أنه مع مرور الوقت تتعب الأعصاب، ويجهد القياديون لوضع خطط جديدة تحفّز طاقات المقاتلين على الأرض.  

 

أهمية التواصل بين الرأس والقاعدة
حسب القيّمين على الدراسات النفسية في أثناء الحروب، فإن لكل فرد طاقته وطريقته الخاصة في التفكير والتأقلم. وهنا تبرز أهمية التواصل المستمر بين الرأس والقاعدة لاحتواء المقاتلين، وخصوصاً في حال حصول ردّات الفعل السلبية نتيجة ضغوطات القتال، ومنها الإكتئاب وما يرافقه من الشعور بالذنب والقلق وسواها. ولا ينسى الإختصاصيون أهمية مراكز التأهيل النفسي الميداني لتأمين التدخل السريع للحؤول دون إنكفاء المحاربين المكتئبين.
وفي هذا السياق إشارة الى أمر بديهي، وهو أن الدفاع في ساحة الحرب يكون في البداية غرائزياً. بمعنى أن الخوف من الموت من شأنه أن يتسبّب بردّات فعل فطرية مختلفة، منها الهروب أو الإندفاع اللاواعي للدفاع عن النفس من مبدأ إما أقتل أو أُقتل. لكن الوعي الفكري الذي يبثه التواصل المستمر بين الرأس والقاعدة كفيل بتحويل الدفاع الغرائزي الى دفاع عقائدي منظّم، وخصوصاً إذا كان المحارب يلتزم مبدأ القيادة ومحبة القائد.

 

الإنصهار في الولاء للمؤسسة والقائد
في هذا المجال يشدّد الباحثون في الحقل العسكري على مواصفات معينة تحبّب المقاتلين بالقائد، والذي يمثّل بنظرهم المؤسسة التي ينتمون اليها.
فالقائد بنظرهم ليس شخصاً عادياً. فهو لا يستمد قوته من القيادة بل يمنحها القوة من شخصيته وتواصله مع الغير. هو الذي يضحّي بوقته ويخلص في عمله بعيداً عن مصلحته الشخصية.
إنه الإنسان الذي ينصهر في المؤسسة ويكون عادلاً وإنسانياً وخلوقاً مع مرؤوسيه، الأمر الذي يوصل كلمته ويجعلها تنغرس في النفوس بصدق وإيمان. من هذا المنطلق تكتسب أقواله الصدى العميق وتؤثر إيجاباً في المستمعين اليه.
ولأسلوب التخاطب المباشر التأثير الأعمق. فهو يحدّد الأهداف والتوجّهات ويجنّب المحاربين فوضى التفكير والتشتّت.
إن الولاء للقائد يمتزج من الناحية النفسية بحب التضحية والاستماتة في سبيل العقيدة القتالية التي يتجنّد المحارب من أجلها. وعندما ينغرس الولاء للقائد وللمؤسسة في النفوس، تنغرس فكرة الولاء للوطن الواحد بشكل لا تقوى العوامل الخارجية على زحزحتها.