فلسفة العنف كضرورة حتمية في السياسة الإسرائيلية

فلسفة العنف كضرورة حتمية في السياسة الإسرائيلية
إعداد: إحسان مرتضى
باحث في الشؤون الاسرائيلية

مقدمـة:
اذا كان بعض الإيديولوجيات السياسية يعتبر العنف حقيقة واقعة متداخلة في نسيج الصيرورات الإجتماعية والتاريخية لبني البشر وسائر المخلوقات الحية, وإنه بالتالي بمثابة “القوة المحركة للتاريخ”, أو الأداة التي تمدّ الحركة الإجتماعية بالقدرة على التطور والإرتقاء وتجاوز مختلف أشكال الجمود والتحجّر, فإن بعضها الآخر يرى فيه استعمالاً غير مبرّر وغير قانوني لوسائل القهر والإكراه المادي والمعنوي من أجل الوصول الى غايات شخصية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك بما يتنافى مع أسس المنطق والضمير الأخلاقي للإنسان.
ومهما يكن من أمر فالعنف قديم قدم التاريخ البشري منذ أن قتل قايين أخاه هابيل ظلماً وحسداً, وكان وما يزال يلازم الأغلبية الساحقة من المواقف الإيديولوجية للفلسفات والعقائد القديمة والحديثة, وهو لا يعدو أن يصنّف ضمن نوعين هما:
1- العنف السلبي التدميري الهمجي الذي يهدف الى إنكار الآخر وتشويه قدسية وجوده كقيمة إنسانية محترمة مميزة عن سائر المخلوقات.
2­- العنف الإيجابي البنّاء الذي يهدف الى تصحيح الواقع الرديء وإعادة بنائه بصورة تتناسب أكثر مع قيم الخير والحق والعدل في الحياة.
وانطلاقاً من هذه المقدمة الموجزة سنسعى في هذا البحث الى الكشف عن فلسفة العنف في الفكرين الصهيوني واليهودي كضرورة حتمية لا غنى عنها في الممارسات العملية للسياسة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بنوع خاص وضد سائر العرب بشكل عام.

العنف في الإيديولوجيا المشتركة اليهودية­الصهيونية
يعتبر العنف في الفكر والممارسة الصهيونيين قديماً قدم اليهودية, وقد تركّزت قواعده الاولى منذ أن كان الوعد الإلهي المزعوم بمنح خصوصية “شعب الله المختار” للشعب اليهودي بالذات دون سواه من سائر بني البشر. وفي هذا المجال يقول الدكتور حسن ظاظا, أستاذ العبرية في جامعة الاسكندرية: “قد يستطيع الإنسان تزييف الحقائق, وقد يسهل عليه أن يكذب ويكذب حتى يصدّق هو نفسه كل أكاذيبه, وينسى أنه مخترعها الأصلي, ولكن مع ذلك يبقى دائماً شيء واحد: الكلمة المكتوبة منذ آلاف السنين والآثار التي تحدّد بالضبط عمر الأشياء وعمقها, ومخطوطات التاريخ التي تظل دائماً المرجع وكلمة الصدق الوحيدة التي لا تميل مع أهواء البشر, وحتى إذا حدث ومالت, فبين سطورها تستطيع الحقيقة دائماً أن تجد مكاناً لها”.
و يتابع: “... عدونا الإسرائيلي حاول كثيراً أن يزيف ويخدع ويبتزّ العواطف والأموال والمعونات. وما يزال يفعل ذلك متجاهلاً وناسياً أن مخطوطاته هو وآثاره وتلموده وكتب تفسيره تروي بلغته العبرية حكايات وحكايات تفضح كل محاولاته... تفضح وجوده وتاريخه و تراثه وحقّه المدّعى في الارض المغتصبة”([1]).
وعندما تبنّت الإيديولوجيا الصهيونية المسلّمات اليهودية بكل ما فيها وجعلتها إحدى مرتكزاتها الأساسية, كانت قد كرّست نهج القوة سبيلها الأوحد, وجعلت أمر استخدام العنف أداتها الحتمية. فلكي تتحول المقولات الفلسفية والنظرية اليهودية الى وقائع على الأرض, لا بد من استخدام أقصى قدر من العنف والقسوة والبطش باعتبار أن “قوة التقدّم في تاريخ العالم ليست للسلام بل للسيف” كما يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن([2]).
فالإيمان “بالشعب المختار” في الفلسفة الدينية اليهودية والفلسفة السياسية الصهيونية, من شأنه أن يقود حتماً الى اسستخدام أساليب العنف مع الآخر الأضعف, لأنه لا “شعب مختاراً” من دون اغتصاب حقوق شعب آخر, ولا عودة الى “ارض الميعاد” ولا الى “دولة يهودية نقيّة” من دون ممارسة العنف والإغتصاب. وهذا ما عبّر عنه جابوتنسكي, وهو أستاذ بيغن, بقوله: “هل رأيتم على مدى الزمن شعباً يعطي بلده بمحض ارادته؟ وعرب فلسطين كذلك لن يتخلوا عن سيادتهم من دون استخدامنا العنف ضدهم”([3]). ويقول بيغن بدوره: “لقد قامت دولة إسرائيل بالدم والنار, بالإكراه والتضحيات, ولم تكن لتقوم بغير ذلك, ولكننا لم ننته بعد, يجب أن نحارب ونكمل قتالنا”([4]), ذلك أن إقامة ما يسمى”إسرائيل الكبرى” أو”الإمبراطورية الإسرائيلية اليهودية” لا يمكن أن يتحققا إلاّ من خلال سحق الآخرين, وهم في هذه الحالة الفلسطينيون والعرب, وإلغاء وجودهم, ذلك أنه “من العبث القول بالمشاركة والتعايش”([5]) حسب رأي بيغن أيضاً.
والعودة الى النصوص التوراتية والتلمودية, تفضح الممارسات الصهيونية بحق الآخرين من “الغوييم” أي الغرباء الساقطين, وتبيّن أن ما تنفذه الدولة اليهودية الصهيونية, ما هو سوى تطبيق عملي أمين لما توحي به التعاليم التوراتية والتلمودية, وفيما يلي مجموعة من الأمثلة والنماذج المستمدة من النصوص المشار اليها نفسها.
فقد جاء في سفر أشعيا: “بقيت أرض للإمتلاك كثيرة جداً, كل بقاع الفلسطينيين, وكل أرض الكنعانيين, الى تخوم الأموريين, وأرض الجبليين, وجميع لبنان, جهة مشرق الشمس, من بعل جاد حتى جبل حرمون الى مدخل حماه, كل سكان الجبل من لبنان الى مياه حشرفوت, كل الصيدونيين سأطردهم من وجه بني إسرائيل, وكل جبل حرمون وكل باشان (الجولان) الى سلكه...”([6]).
وجاء في التلمود: “أهل الغَرلة (الذين لم يُختنوا من المسيحيين) وثنيون... وإناس من دون إيمان, لا ذمة لهم ولا ذمام, وأهل الختان من الاسلام لا يشذّون عن هذه القاعدة فهم ليسوا أخياراً... وكما أن الإنسان يعلو البهيمة كذلك اليهود هم أرفع من شعوب الأرض لأن نطفة الغرباء كنطفة الحصان...”([7]).
وفي اعتقاد اليهود الصهاينة أن إله التوراة, المتداولة بينهم, “يهوه”, يعلّم شعبه المختار العداء لسائر الشعوب, ويبثّ فيهم كل أشكال العنصرية والعصبية والإستعلاء والكراهية. وتبلغ التوراة ذروة التطرف والعنف حين تحضّ على استباحة بلاد الأمم والشعوب واستحلال سفك دمائهم والإستيلاء على اموالهم ونسائهم. وكثير من النصوص التوراتية حافل بالشواهد التي تؤكد على تربية العدوان والعنف والإرهاب, والتي تتحوّل بفعل هذه التعاليم الى طقوس وشعائر يتعبّد فيها اليهود, ويمارسون من خلالها فعل تطرّفهم وعدوانيتهم تجاه الشعوب الأخرى. ففي سفر (التثنيه 20/10) جاء ما يلي: “اذا تقدّمت الى مدينة لتقاتلها فادعها أولاً الى السلم, فاذا أجابتك الى السلم وفتحت لك, فجميع الشعب الذي فيها يكونون لك تحت الجزية ويتعبّدون لك. وان لم تسالمك بل حاربتك فحاصرها, وأسلمها الرب إلهك الى يدك, فاضرب كل ذكر بحد السيف, وأما النساء والأطفال وذوات الاربع وجميع ما في المدينة من غنيمة, فاغتنمها لنفسك وكل غنيمة أعدائك التي أعطاكها الرب إلهك”.
وهكذا طبق يشوع بن نون, حسب اعتقادهم , هذه التعاليم عندما دخل مدينة أريحا “أقتلوا كل من في المدينة من رجل وامرأة, من طفل وشيخ, حتى البقر والغنم بحدّ السيف” (يشوع6/20­21).
وحتى أنبياء التوراة القدوة, في مفهوم الصهاينة, يتميّزون بالقسوة والعنف. فالنبي موسى(ع) عندما انتصر على المديانيين وجاؤوه بالسبايا والغنائم ووجد أن جنده تركوا بعض الأطفال احياءً قال لهم حسب زعمهم: “فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال, وكل امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر أقتلوها. لكن جميع إناث الأطفال من اللواتي لم يعرفن مضاجعة الرجال فاستبقوهن لكم” (العدد31). وفي هذا السياق يؤثر عن رئيسة وزراء اسرائيل الراحلة غولدا مائير قولها أنها عندما كانت ترى امرأة فلسطينية وهي حامل تمضي ليلتها كلها بالكوابيس, كما وأن عصابات الهغاناه كانت تعمد الى بقر بطون الحوامل من النساء الفلسطينيات, من باب قتل الأجنة وقطع النسل وإلقاء الرعب في نفوس الناس وممارسة طقوس الذكورة على الطريقة الصهيونية.
وقد تحولت شخصية يشوع بن نون في التراث اليهودي الى رمز للقدرة على ممارسة العنف ومن أجل ذلك جرى تشبيه قادة عسكريين كبار مثل موشيه ديان وآرييل شارون وإسحاق رابين بشخصية يشوع هذه.
وتجرّأ اليهود على الله تعالى, وصوّروه على هيئة رجل يدخل في عراك ومصارعة مع النبي يعقوب الذي ينجح في تثبيته حتى طلوع الفجر, ولا يطلقه حتى يأخذ البركة منه قائلا: “لا أطلقك ان لم تباركني. فقال له(يهوه) ما اسمك؟ فقال: يعقوب, فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت” (التثنيه9/3). فإسرائيل, الكيان, حسب هذا النص, تمتلك قوة مقدّسة باركها الرب “يهوه” الذي يصوّره اليهود كإله قاس لا يعرف الرحمة. “الرب إلهك هو العابر أمامك ناراً آكلة. هو يبيدهم ويذلهم, فتطردهم وتهلكهم سريعاً كما كلمّك الرب”.
واذا كان الرب قاسياً وعنيفاً الى هذه الدرجة فعلى عبيده أن يكونوا كذلك على صورته وقد جاء في التوراة: “قومي ودوسي يا بنت صهيون لأني أجعل قرنك حديداً وأظلافك أجعلها نحاساً, فتسحقين شعوباً كثيرة, غنيمتهم للرب وثروتهم لسيّد كل الأرض”(ميخا4/13).
وتتجلّى التربية اليهودية أيضاً في نزعتها الإستئصالية تجاه “الغوييم” الأغيار الكفار” وتظهر بوضوح في العديد من النصوص التوراتية مثل “هوذا شعب كلبوءة تقوم وكشبل ينهض, لا يربض حتى يأكل الفريسة ويشرب دم الصرعى” (العدد23/24). وتظهر عملية الإستئصال الدموية للشعوب المغايرة كما لو أنها أمر إلهي: “أما مدن أولئك الأمم التي يعطيها لك الرب إلهك ميراثاً فلا تستبق منها نسمة” (التثنية 20/10). والتحذير من مغبة مخالفة الأمر الإلهي واضح: “إن لم تطردوا أهل الأرض من وجهكم, كان من تبقونه منهم كإبرة في عيونكم وكحربة في جنوبكم, يضايقونكم في الأرض التي أنتم تقيمون بها” (العدد33/55), ولنتذكّر شرعنة فكرة “الترانسفير” أو ترحيل الفلسطينيين في هذا السياق.
وليس غريباً أن يعمد الصهاينة الى التذكير الدائم بهذه الوقائع وتصويرها على أنها بطولات يمكن إستعادتها بقالب عصري وحديث, بل ويجري تلقينها الى الناشئة لا كأساطير, بل كوقائع وكتاريخ يجب تمثّله والإستفادة من عبره ودروسه, الأمر الذي أنتج فلسفة صهيونية قائمة على التزييف وحافلة بالعنف والكراهية والعنصرية, تتجلّى كل يوم في افتعال الإعتداءات والحروب وارتكاب المجازر في أبشع وأحقر صورها.

 

لقد شكّل العنف, من هذا المنطلق, القاسم المشترك بين جميع اليهود الصهاينة, قادة وجماهير, وها هي توجيهات وأفكار أبي الصهيونية تيودور هرتسل تتخذ أساساً لارتكاب مجازر دير ياسين وكفر قاسم وقبية واللّد والرملة وسواها من المجازر اللاحقة في صبرا وشاتيلا وقانا وجنين, فهو القائل: “القوة تأتي قبل الحق”([8]).
كما دعا أيضاً الى استبدال الأساليب الإستعمارية القديمة بأساليب التدمير الحديثة حيث قال: “لا يتمّ تأسيس دولة الآن بالأسلوب ذاته الذي كان يستعمل قبل الف سنة, فمن الغباوة العودة بمستوى الحضارة الى الوراء... فلنفترض على سبيل المثال بأننا أُجبرنا على أن نخلي بلداً من الوحوش, أيكون حتماً علينا أن نقوم بهذا العمل وفقاً لأسلوب الاوروبيين في القرن الخامس عشر, كأن نأخذ الرمح ونذهب كلّ على حدة, لنبحث عن الدببة, أم علينا أن نقوم بحملة صلبة كبيرة ومن ثم نجمع الحيوانات كلّها جميعاً ونلقي في وسطها القنابل المميتة؟”([9]).
ويعلن بن غوريون, أول رئيس وزراء لدولة العدو, عن مساهمته في هذه الحملة بقوله: “حكمة إسرائيل الآن ليست في الخلاص بل في الحرب”([10]) و”أن إسرائيل لا يمكن أن تعيش إلاّ بقوة السلاح”([11]) لأن “العرب لن يفهموا إلاً لغة القوة وأن التباحث معهم لا يجدي”([12]).
وفي برقية له الى جنود اللواء التاسع قال: “اسمعي يا شعوب المقهورين, فليتملّك الخوف الفلسطينيين, وليرتعب من هولنا صناديد البتراء, وليرتجف عول وموآب, وليتطاير سكان كنعان, ويخيم على سمائهم الذعر والرهبة, فجبروت بطشك جمّدهم كالحجارة, وعندئذ ينتقل شعب الله المختار الى حيث أراد له الله”   ([13]).
أما جابوتنسكي, فيلسوف العنف اليهودي المميّز فيرى: “أن السياسة هي فن القوة... وأنت عندما تضرب الفولاذ بمطرقة فإن الجميع يتهيّبون صوت الدوي, وعندما تستعمل القفاز فإن احداً لا ينتبه الى وجودك... إن الأحذية الثقيلة هي التي تصنع التاريخ”([14]).
وجسّد بيغن فلسفة أستاذه حين قال: “نحن نحارب اذاً نحن موجودون”([15]), ويضيف: “سوف نحارب, كلّ فرد في الوطن سيحارب... إله إسرائيل وسيّد القربان المقدس سوف يؤيّدنا”([16]), ومن أقواله أيضاً: “إن العالم لا يشعر مع المذبوح ولكنه يحترم الذين يحاربون”([17]) ويؤيّده في ذلك وزير الحرب الأسبق موشيه ديان الذي يعتبر أن “روعة الحرب تكمن في إبادة الرجل الضعيف”([18]) ومما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون: “يجب أن يكون شعارنا كل وسائل العنف والخديعة... والعنف والحقد هما وحدهما العاملان الرئيسيان في قوة الدولة”.
وهكذا يتبيّن لنا على ضوء ما عرفناه من ثوابت اليهودية القائمة على التمييز والإستثنائية, وعلى إيديولوجيا “الصراع الأزلي مع الأغيار”, أنه توجد هنا سياسة دائمة ومتواصلة مبنية على قواعد العنف والعنصرية في أقبح صورها وتجلياتها وهي ترمي الى تحقيق الاهداف التالية:
-­ تكريس واقع إستمرار الضعف العربي المطلق من خلال الحفاظ على استمرار التجزئة والإستغلال وتخريب أي مشروع من مشاريع التعاون أو الوحدة العربية التي تسعى الى التخلص من ربقة الرؤية الصهيونية للمنطقة كمجموعة من الأقليات الطائفية والعرقية والإقليمية المتناحرة.
-­ إعتبار الأساطير والمسلّمات اليهودية قاعدة أساسية للبناء الإيديولوجي السياسي للدولة والكيان, وليس مجرد ديانة عادية مفتوحة على جميع بني البشر.
­ - بناء الكيان الصهيوني الموحّد والموسّع والممتلك كل أسباب القوة القادرة على اختراق الحدود المجاورة في المكان والزمان المناسبين لفرض أمر واقع إقليمي جديد ينتهك سيادة ومصالح الدول المستهدفة.
-­ الحفاظ على تميّز المجتمع اليهودي ورفض اندماجه مع أية مجتمعات أخرى حتى ولو كانت غربية.
-­ إعتبار وجود الكيان الطائفي اليهودي العنصري كنموذج يجب تعميمه إقليمياً.
-­ التوفيق المستمر ما بين المصالح الصهيونية والمصالح الإستعمارية من خارج المنطقة من أجل ضمان استمرار الدعم والحماية ورعاية التوسع على حساب الآخرين.
-­ إظهار اسرائيل على انها داعية سلام وحضارة وإظهار العرب والمسلمين بنوع خاص كدعاة حرب وإرهاب.
-­ استغلال هذه المقاربة لتصعيد العنف الصهيوني وتبرير شموليته في المنطقة وانتقال الكيان, من موقف الدفاع عن الوجود الى موقف الهجوم المبرّر لتدمير كلّ البنى التحتية المناقضة له أو الضارة بمصالحه جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً. والصهيونية في هذا المجال تنطلق من منطق مكيافيللي وهو “حيث توجد أسلحة قوية توجد قوانين عادلة”, ولذلك فهي تنظر الى ممارساتها الوحشية على أنها قوانين عادلة, وفي ضوء هذه الكذبة الكبرى يتحوّل شارون, جزّار صبرا وشاتيلا وجنين, وبيريس جزار قانا وبيغن ونتنياهو وموفاز ورابين, الى رجال سلام.

العنف الصهيوني والواقع الإستعماري:
في ظل أجواء العنف والعنصرية والإنتهازية, نشأت وتطوّرت هذه الظاهرة الإستعمارية الحديثة, التي بنتيجتها, تعرّضت بلدان عديدة للنهب والتقاسم. فمن أجل ضمان السيطرة والهيمنة, لجأت القوى الإستعمارية في الماضي والحاضر الى فكرة الإستيطان, الذي هو من أبشع أشكال العنف الإنساني, لما يمثل من اقتلاع شعب من أرزاقه ووطنه بالبطش والإرهاب وقوة السلاح, ورميه في الفلاة من دون أية حقوق في الحياة الكريمة, وتشريده تحت الخيام, لإحلال مهاجرين غزاة من كل أصقاع الدنيا مكانه, من دون أي وجه حق أو إنصاف.
وهذا ما حصل بالضبط للشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه ضحية تلاقي الأطماع الإستعمارية والمخططات الصهيونية. ومما لا شكّ فيه أن نابليون بونابرت, بفكره الإستراتيجي الإستعماري, وفي سياق صراعه العنيف مع الدولة العثمانية, كان أول رجل دولة يقترح إقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد أصدر بتاريخ 20 نيسان 1799, إثر فشل حصاره لعكا, إعلاناً دعا فيه جميع يهود آسيا وأفريقيا للإنضواء تحت لوائه من أجل إعادة تأسيس أورشليم القديمة وخاطبهم قائلاً: “يا ورثة فلسطين الشرعيين, أيها الإسرائيليون, أيها الشعب الفريد الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم إسمهم ووجودهم القومي وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد... إنهضوا بسرور أيها المبعدون. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به, والذي يقوده العدل ويواكبه النصر, جعل القدس مقراً لقيادتي. وخلال بضعة أيام سينتقل الى دمشق المجاورة التي لم تعد ترهب مدينة داوود... يا ورثة فلسطين الشرعيين سارعوا (!!) إن هذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرّر لآلاف السنين, للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم, تلك الحقوق التي سُلبت منكم لآلاف السنين, وهي وجودكم السياسي كأمة بين الامم, وحقكم العتيق في عبادة يهوه طبقاً لعقيدتكم علناً والى الأبد”([19]).
وخطورة هذا الإعلان إنه تمّ قبل 118 سنة من وعد بلفور, وهو لم يكن صدفة بل كان في الحقيقة, نهجاً راح يترسّخ ويتبلور شيئاً فشيئاً بنوع خاص, في إطار استراتيجية إستعمارية أنكلوسكسونية توسّعية تتغذى من مناخ تيار لم يكن اعلان نابليون إلاّ نموذجاً له, وهو التيار الصهيوني, الذي بدأ بغير اليهود, وتطوّر مع تطور المصالح والاستراتيجيات المتغيّرة وفي هذا يقول مكسيم رودنسون: “إن تشكيل دولة إسرائيل على أرض فلسطين هو نتيجة لتطوّر يمكن إدراجه تماماً في حركة التوسع الأوروبية الأميركية الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين للإستيطان أو للسيطرة إقتصادياً وسياسياً على الشعوب الأخرى”([20]). وقد التقط تيودور هرتزل مغزى الرسالة الإستعمارية وردّ عليها بالقول: “إن واجبنا أن نقيم هناك (في فلسطين) جزءاً من حائط لحماية أوروبا في آسيا, يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية”([21]). وهكذا أنتج الخيال الصهيوني نموذجاً استيطانياً قائماً على الإغتصاب والعنف وصوّره كجنة عدن تنتظر جهود العالم لتنميتها, ففيها يتخلّص يهود الشتات “الدياسبورا” من شعور الدونية والتبعية والخوف, ويطلقون العنان لغرائزهم المكبوتة في الإنتقام والإستعلاء وممارسة العنف. لكن ما حصل في الواقع أن صدمة أصابت هؤلاء الذين وجدوا فرقاً شاسعاً بين النموذج والواقع. فنتجت عن ذلك خيبة أمل سياسية كبرى تحوّلت لدى البعض الى شعور بالخيانة للوعد والحلم, والى شعور بالذنب لعدم القدرة على تغيير هذا الواقع الإستيطاني العدواني الذي يتعرّض للصدّ والرفض والمواجهة شبه الدائمة من المحيط المتضرر.
وكان المطلوب مستحيلاً, اذ لا يمكن تغيير الواقع وكسب الأمن في الوقت ذاته من دون تقديم تنازلات تطال جوهر الحلم الصهيوني التوسّعي الذي بنته إيديولوجيا تلفيقية قامت على تبرير الإغتصاب وتمجيد العدوان والعنف, وذلك في ظل أجواء دائمة من الشعور بعدم الأمن والحصار, ضمن تربة لاجذور للمستوطنين الوافدين من مختلف أصقاع الدنيا فيها, حيث تستدعي عمليات الغزو والإحتلال والإغتصاب والتشريد يقظة الشعب المعتدى عليه, من أجل الردّ ودفع الظلم. وفي هذا الإطار يقول موشيه ديان, رئيس الأركان ووزير الحرب الصهيوني الأسبق :”لقد جئنا الى أرض مسكونة وفيها بنينا دولة يهودية, والعرب لا يطيقون ما قمنا به, ولهذا فإننا محكومون بحالة من العداء... فنحن قلب مزروع في جسم ترفضه بقية اعضائه”([22]).
ومن منطلق هذه النظرة الإستعمارية تنبثق فلسفة العنف اللامحدود كمقّوم من مقومات الوجود الأساسية, المقرونة بإدراك عميق يقضّ مضاجع المستعمرين اليهود أنفسهم ويتركهم بصورة دائمة نهباً لقلق وخوف من مستقبل مجهول, يولّد لديهم شعوراً مقيماً بعدم الأمان والعداء نحو “الآخر” الموجود فعلاً رغم محاولات تغييبه وانكار حقّه ووجوده. وفي هذا السياق نتذكر مقولة إسحق رابين المشهورة: “كنت أتمنى أن أنام يوماً ثم أستيقظ فأرى قطاع غزة وقد غاص في البحر”.
ولمزيد من توضيح وتثبيت فلسفة العنف كضرورة حتميّة في السياسية الإسرائيلية ذات البعد الاستراتيجي, حرص القادة الصهاينة على تدريس أجيالهم تاريخ القهر والإضطهاد اليهودي في كلّ من إسبانيا وروسيا القيصرية والمانيا النازية, من أجل إغناء خيالهم بصور فرق الإعدام وشبح الإبادة الجماعية وعقدة الفناء, مما يؤدّي الى شحن أذهانهم ووجدانهم الجماعي بشحنة عاطفية جارفة تسيطر عليهم وتتحول الى وسيلة تبريرية, أخلاقية ودينية, تجعلهم مستعدين للتنشئة العسكرية القاسية المفضية الى ممارسة كل أشكال القتل الوحشي الدموي والسادية المرضية. وهذا ما شهدناه بشكل خاص في مختلف المواجهات الدامية ما بين قوى الإحتلال والإغتصاب الصهيونية وقوى الرفض الشعبية والرسمية في دوائر المواجهة بين الكيان الصهيوني والأراضي العربية المحتلة.
وقد اعترف موشيه دايان بهذه الحقائق والوقائع بقوله: “نحن جيل من المستوطنين لا نستطيع غرس شجرة أو بناء بيت من دون الخوذة الحديدية والمدفع. علينا ألاّ نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في أفئدة مئات الالوف من العرب حولنا. علينا ألاً ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش ايدينا, انه قدر جيلنا, انه خيار جيلنا أن نكون مستعدين مسلحين, أن نكون أقوياء وقساة حتى لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة”([23]).

العوامل السيكولوجية والأخلاقية في ممارسة العنف:
أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية بالقدس, يارون إزراحي وضع كتاباً تحت عنوان “رصاصات المطاط­ - السلطة والضمير في اسرائيل الحديثة”([24]), يؤكد فيه على الفوضى التي أصابت الطبقة الحاكمة في إسرائيل قبل التوصل الى “تسوية” تعريفية وسلوكية للتعامل مع الإنتفاضة مفادها: إرسال الجيش للتعامل مع المنتفضين كقوات شرطة. وقد أمر وزير الدفاع في حينه (1987) بتزويد الجيش بعصيّ الشرطة و”تحطيم عظام محدثي الشغب” من قاذفي الحجارة على قوات الإحتلال, إلاّ أن العصيّ في أيدي عناصر الجيش كان في وسعها إنزال الموت عند الإحتكاك المباشر. ولما نجحت محطة CBS التلفزيونية في التقاط صور حية للضرب وتكسير عظام الفلسطينيين ظهر الأمر في نظر العالم عنفاً وحشياً بذاته, وأجبر الجيش في حينه على إعادة النظر في أساليبه وفي الادوات التي يستخدمها فتمّ استعمال الرصاص المطاطي الذي يؤدي الى العطب اكثر مما يؤدي الى القتل, وفسّر الأستاذ إزراحي هذه النقلة على أنها استجابة إبتدائية لقلق داخلي متعاظم أملته تأثيرات الإنتفاضة على سلوكيات الجيش المحتل. وقد ثبت في ما بعد أن هذا الحلّ لم يكن عملياً خصوصاً وأن هذا الرصاص إستهدف رؤوس وعيون الفتيان والشبان الفلسطينيين وغالباً ما كان يؤدي الى الموت.
ورأى الأستاذ إزراحي أن استدامة الصراع بين جيش الإحتلال والإنتفاضة, وطول مدته, أوجد حالاً من التناقض الحاد ما بين أتباع الرموز التاريخية والملحمية الدينية وبين دعاة السياسة الواقعية. وتحوّلت بالتالي نظرية “أرض إسرائيل الكاملة” غير القابلة للقسمة بين شعبين, الى نظرية تجافي الواقع وتتشبّث بالأحلام والأوهام, ومن هنا تفاعل العنف بين أتباع الإتجاهين المتعارضين وبرزت بشكل خاص المعارضة الضارية للواقعية السياسية الداعية الى الحلول الإقليمية الوسط, من جانب القوميين العلمانيين والدينيين على حدّ سواء وتمحورت حول ثلاثة مواقف:
الأول: يدعو لتبرير استخدام العنف بالإحالة الى حقوق ما, ذات دلالة دينية أو قومية.
الثاني: اعتبر أن الدعوة الى الحل الديبلوماسي مهما كان نوعه أو مصدره, هو بمثابة علامة ضعف وجبن وخيانة, وتعبير عن التأثر بثقافة أميركية غربية براغماتية وإستهلاكية.
الثالث: ينظر الى العرب على أنهم أبالسة ويعرّفهم بأنهم العدو الأبدي, وأنهم الصورة التجريدية عن الشرّ والارهاب. وقد استفاد هؤلاء من أحداث 11 ايلول في الولايات المتحدة ليطلقوا العنان لألسنتهم وأدواتهم الدعائية في حرب الرئيس الأميركي المسماة حرب الخير ضد الشر.

وأنتجت هذه المواقف جميعها موجة عاتية من العنف والعنف المضاد, أودت أول ما أودت بحياة رئيس الوزراء الإسرائيلي الإسبق إسحق رابين, وفتحت في إسرائيل الاأواب على مصراعيها لشرعنة العنف من خلال التسليم للأحزاب الدينية القومية وما تقدّمه من تفسيرات وتبريرات وقوالب مؤدلجة تصوّر العرب بالأفاعي والصراصير والنمل والحيوانات المتوحشة الواجب قتلها وإبادتها. وفي هذا السياق جاءت على سبيل المثال فتاوى المرشد الروحي لحزب شاس الخاص باليهود الشرقيين الحاخام عوفاديا يوسف والتي لا تثير سوى التقزّز والإشمئزاز بسبب ما تنضح به من عنصرية مجافية تماماً للأخلاق الإنسانية المعاصرة.
وهكذا انطلقت “الأنا” الإسرائيلية من غياهب القلق والكبت لتتجلى على شكل سلوك عدواني متوحش يعمل على إشباع الغرائز الشخصية القلقة وتفريغها في العرب الفلسطينيين بممارسات القتل والتخريب والإهانة والتعذيب لمجرد كون هؤلاء العرب يدافعون عن بيوتهم وأراضيهم وأهاليهم ومحاصيل رزقهم. وفي خضمّ هذا الصراع عجز حكام إسرائيل المتعاقبين منذ رابين وحتى شارون عن تحقيق الإشباع الإيديولوجي السياسي للمستوطنين الذين رفضوا شعار “الأرض في مقابل السلام” لما يتضمّنه من تراجع عن شعار “أرض الميعاد” و”أرض إسرائيل الكاملة” وانطلقت من هنا اللعنات وسقط خمسة رؤساء وزراء تباعاً خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز الخمس سنوات, وهم شامير ورابين وبيريس وباراك ونتنياهو.
من ناحية أخرى تبيّن تباعاً أنه مع تزايد اتساع الفجوة التكنولوجية والاستراتيجية بين العرب وإسرائيل, إنفلتت الذئبية اليهودية بأبشع صورها, طلباً للثأر, ثأر اليهود من الأعداء جميعاً, الفعليين والمتوهّمين على حدّ سواء, بأساليب قلّ نظيرها من السادية والفاشية.
ودخلت جحافل الغزاة الصهاينة في فانتازيا القوة لأقلية كانت يوماً ما مضطهدة ومستضعفة, وأصبحت الآن تشعر بامتلاكها فائضاً من القوة والعنفوان لا بد من تفريغه تجاه الخارج بدلاً من تفريغه في الداخل, ما بين المستوطنين القدامى والمستوطنين الجدد, وما بين الأشكنازيين الغربيين والمزراحيم الشرقيّين وبين العلمانيين الملحدين والمتدينين الحريديم القوميين والمتصوفين...
ومن خلال إطلاق هذه النوازع العدوانية من عقالها وتفريغها في الجماهير الفلسطينية وممتلكاتها, تحركت الآليات السيكولوجية التي بوسعها أن تخفف من توتّر الشخصية غير المتوازنة للمستوطن الإسرائيلي المنهوك بالخوف والتناقض ما بين مشاعر القوة والغطرسة ومشاعر الضعف وعدم الأمان.
وهكذا تمكّنت شخصية شارون الإرهابية, ومجموعة العسكريين المعروفين بدمويتهم ولاإنسانيتهم مثل موشيه يعلون (رئيس الاركان) وشاؤول موفاز (وزير الدفاع) ومئير داغان (رئيس الموساد) وسواهم, من ايقاف او تجميد عملية التآكل الداخلي بتوجيه كل أشكال العنف والإنتقام التي تختزنها الأنا الصهيونية المهدّدة, من خلال تحويل الإنسان العربي الى شيطان قبيح يحلّ عليه إنزال اللعنة والكراهية. وهذا ما حصل مع غولدشتاين مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل والتي ذهب ضحيّتها عشرات الأبرياء المصلّين العزّل, فيما تحوّل المجرم الى “بطل” والى رمز ديني وطني أقيم له نصب تذكاري فوق قبره الذي ما يزال يزوره العشرات يومياً حتى الآن ويلقون عليه الزهور.
والمنطق الطبيعي المقابل لهذا السلوك العنفي, هو أنه حيث هناك ظلم وتعسّف واحتلال وجيوش غازية, هناك مقاومة, فمن يستخدم القوة والعنف لا بدّ أن يكون قد حدّد سلفاً أسلوب ووسيلة التعامل معه. فالعنف اليهودي الموجّه ضدّ الهوية الوطنية أو القومية في كل من لبنان وفلسطين وسوريا وسواها من الدول العربية لا بدّ أن يولّد عنفاً مضاداً مشروعاً من خلال المقاومة والإنتفاضة للدفاع عن هذه الهوية المنتهكة وتأكيد أصالتها. فالعنف يولّد العنف ويوجد الإحساس بالظلم والثورة. وحينما يمتشق شعب ما سيفه ليمارس العنف ضدّ المحتل فهذا يعني أن وجوده مهدّد وأن له مطلق الحرية في اختيار الوسيلة المتوفرة لديه والتي يراها مناسبة لردّ هذا التهديد والعدوان. وبقدر ما يكون التهديد ماسّاً بالعمق الوجودي, يكون الردّ في المقابل أكثر شراسة وقسوة, وبالتالي فالعمليات الإستشهادية في كلّ من لبنان وفلسطين, لم تكن أكثر من وسائل دفاعية مشروعة في وجه اعتداءات الآلة الحربية الصهيونية. التي باتت من أكثر آلات الحرب العالمية فتكاً وتخريباً. ومن الظلم والعبث أن يُدان “العنف الحميد” المتمثّل في المقاومة والإنتفاضة حسب مقاييس تهمل كلياً أسباب نشوء قضيته ودوافعه وأسبابه, خصوصاً إذا كانت هذه الأسباب تمسّ الحق الإنساني في الوجود وحرية تقرير المصير. وفي المحصّلة يستحيل على العنف الصهيوني مهما بلغ من وحشية وهمجية أن يوجد “قضايا عادلة”, في حين أن القضايا العادلة بالدفاع عن الارض والعرض والمقدسات هي التي تبيح إنسانياً وقانونياً ممارسة العنف المشروع.
في هذا السياق يوضح عالم النفس الإسرائيلي يهوكيم شتاين طبيعة الإحتلال الصهيوني وإشكالاته بقوله: “ان الإحتلال الإسرائيلي هو احتلال فريد من نوعه, لا مثيل له أو قرين في تاريخ الإحتلالات. والمحتل الإسرائيلي هو المحتل الوحيد الذي يعتبر نفسه كمن يقع تحت الإحتلال. عاطفياً, لا يستطيع أن يعترف أنه محتل, وثانياً لا يستطيع أن يقرر إنهاء احتلاله”([25]).
ويرى شتاين في معرض تحليله الوجه السيكولوجي للإنتفاضة أن “البلبلة بين هويّتي المحتل ومن يقع تحت الإحتلال نابعة من نزعة نفسية لجماعة تشعر بأنها واقعة في حصار حيث يرتسم الإحتلال الإسرائيلي كاحتلال هستيري. إن الرومان قمعوا حركات التمرّد بوحشية خلال الفترة التي حكموا فيها شعوباً أخرى. لكن الإمبراطورية الرومانية أديرت وفق مبدأ السلام الروماني (paxa (romana وهو سلام قائم على الإنضباط وعلى حدّ أدنى من التدخّل في الشؤون الداخلية للشعوب التي كانوا يحكمونها”.
ويذهب شتاين الى أن التدخّل الإسرائيلي في المناطق المحتلة كثيف جداً وغير عقلاني ويقول: “إن الحكم الإسرائيلي يبحث عن قادة محتملين للتفاهم معهم, بينما يطارد كلّ شبح فلسطيني يلوح في مهب الريح, وكلّ منشور يتدحرج في الشوارع, وكلّ كتابة مرسومة على الجدار”. والخلاصة التي يصل إليها شتاين لجهة تصنيف الإحتلال الإسرائيلي وعقلية من يديرونه بقوله: “إن المجتمع الإسرائيلي يزداد قسوة... إن عقلية شعب في حالة حصار هي الغالبة في مجالات الحياة كافة, والسلوك الإجتماعي السياسي يذكّر بأيام البرج والسور. لكن ما كان صالحاً خلال فترة ما قبل الدولة, ليس بالضرورة صالحاً في أيامنا هذه... إن اسطورة “مسّادا” حية ونابضة في داخلنا. وهي ما تزال ترمز الى إحساس بالعزلة الصارخة, الإحساس بالإضطهاد والدافع الى الإنتحار.
وأسلوبنا الإحتلالي هو وليد أساطير قومية. ولهذا السبب فإن موقفنا نافذ ضدّ كلّ حجة عقلانية كانت ستحمل أيّ محتل آخر على اتخاذ قرار بالإنسحاب. إن الإحتلال هو ضمانة ضد تصفيتنا. هذه هي الدلالة العميقة للتعبير عن: محتل وواقع تحت الاحتلال. فكلما تمادينا في كوننا محتلين, أصبحنا أسرى الإحتلال نفسه, الأمر الذي يجبرنا على أن نتمادى في كوننا محتلين”([26]).
ويصل شتاين في تحليله هذا الى الإستنتاج التالي: “بما أن التحليلات العقلانية غير مقنعة عندما تتحصّن بمواقف ميثيولوجية, فإن هزّة قاسية, أو ضغطاً من الخارج سيعيدنا الى أرض الواقع”. وهذا الإستنتاج يتوافق مع ما يؤكده الدكتور عبد الوهاب المسيري([27]) من وجود عنف أساسي في الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ.
وبالتالي لم يكن هناك مفرّ من أن يترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلّح لتغيير الواقع ولرفض الرؤية الحاخامية. ولتحقيق هذا الهدف كان حتمياً أن تنتج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ, لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف... وقد نادت الصهيونية العلمانية الى أن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول “الماشياح”, اذ ينبغي عليه أن يعمل بكل ما لديه من وسائل للعودة الى أرض الميعاد. فالمنفى في رأي ديفيد بن غوريون يعني الإتّكال, الإتّكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري, “وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومقتلعة ومشرّدة عن الارض, وعن العمل وعن الصناعة الأساسية. واجبنا الأساسي هو أن ننفصل كلياً عن هذا الإتّكال, وأن نصبح أسياد قدرنا”      ([28]). ويضيف “القضية الحقيقية الآن, كما كانت في الماضي, تتركّز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوّتنا. على اليهودي من الآن فصاعداً ألاّ ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره, بل عليه ان يلجأ الى الوسائل “الطبيعية” مثل الفانتوم والنابالم([29]).
ان العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسّل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية. فاليهودي, في هذا التصور, يحتاج الى ممارسة العنف ليتحرر من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية. وقد كتب مناحيم بيغن في هذا المجال في كتابه “الثورة”: من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال, نموذج غير معروف البتة للعالم في الألف والثماني السنين الماضية. “اليهودي المحارب”. والعنف عند بن غوريون يؤدّي الوظيفة ذاتها اذ يصف الرواد الصهاينة بأنهم لم يكن لهم حديث إلاِ الأسلحة “وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا, كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً. كنا نقرأ ونتكلّم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا”. وموقف بن غوريون هذا مبني على تصوّر جديد للشخصية اليهودية باعتبارها شخصية محاربة منذ الأزل:”إن موسى أعظم أنبيائنا, هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا” ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي(ع) وموشيه ديان, رئيس الأركان ووزير الدفاع الأسبق, مسألة منطقية بل حتمية, كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن غوريون أن خير مفسر للتوراة هو الجيش, فهذا الذي يساعد الشعب على الإستيطان على ضفاف نهر الأردن وسائر المناطق المحتلة. أما بالنسبة للسلام مع العرب فما هو في رأي بن غوريون سوى وسيلة فحسب. أما الغاية فهي الإقامة الكاملة للصهيونية. لهذا فقط نودّ أن نصل الى اتفاق (مع العرب). إن الشعب اليهودي لن يوافق, بل لن يجبر على أن يوافق, على أية إتفاقية لا تخدم هذا الغرض. ولذا فالإتفاق الشامل غير مطروح الآن, (فالعرب) لن يستسلموا في ارض إسرائيل إلا بعد ان يستولي عليهم اليأس الكامل, يأس لا ينجم عن فشل الإضطرابات التي يثيرونها أو التمرّد الذي يقومون به وحسب وإنما ينجم عن نموّنا نحن أصحاب الحقوق اليهودية المطلقة في هذا البلد”([30]) ويتابع بن غوريون القول: “لا يوجد مثل واحد في التاريخ لأمّة فتحت بوابات وطنها (للآخرين). إن تشخيصي للموضوع إنه سيتمّ التوصل الى اتفاق (مع العرب) لأنني أؤمن بالقوة, قوتنا التي ستنمو, وهي إن حققت هذا النمو, فإن الاتفاق سيتمّ إبرامه”.
في مقابل هذه الرؤية السياسية العدوانية وضع المفكر المصري أمين هويدي رؤية مغايرة من الطرف العربي فقال: “نحن نعيش الآن كعقارب سامة وضعت في أنبوب واحد ستلدغ بعضها بعضاً قبل أن تموت وتفنى, أو كراكبي سيارة أصبحت في منطقة السفح تحاول أن تصل الى القمة, فإن سقطت الى القاع, تحطّمت بمن فيها. وعليها ­أي إسرائيل­ أن تعرف سواء وهي تحت قيادة بيريس أو نتنياهو أنه إن كان في يدها الأرض ففي يدنا السلام, وان كانت بيدهم عناصر القوة ففي يدنا عناصر القدرة من مياه وأرض وقوة بشرية ورأس مال وغاز ونفط, وإن كان في قدرتهم اختراق الحدود ففي يدنا مقومات الوجود. وعليها أن تؤمن أخيراً بأنها إن كانت فشلت في تحقيق الهيمنة الإقليمية عن طريق استخدام القوة فإن مصيرها لن يكون أفضل حالاً لو حاولت ذلك عن طريق وسائل أخرى”([31]).
في هذا السياق تجب الإشارة الى مقولة “العربي الغائب”, أي الغائب في حقوقه أولاً ثم في وجوده ثانياً التي يتبنّاها العديد من المفكرين الصهاينة. ومن هنا كانت مقولة “العربي الجيّد هو العربي الميّت”, وذلك في محاولة للتهرّب من حقيقة صلبة تتحطّم عندها كل الآمال الصهيونية. وفي هذا المجال يقول عالم السياسة الإسرائيلي شلومو أفنيري: “إن الرواد الصهاينة الأوائل لم يكن في مقدورهم مواجهة حقيقة أن ثمن الصهيونية هو نقل (طرد) العرب, ولذا أخذت آليات الدفاع عن النفس شكل تجاهل تحديد المشكلة العربية. فالتمسّك بالرؤية الصهيونية لم يكن ممكناً من دون اللجوء بشكل واع لخداع النفس”. و يقول المفكر الإسرائيلي يهوشواع ليبوفيتش “إن الصهاينة الأوائل لم يريدوا (لأسباب نفسية واضحة) رؤية الحقيقة, ولم يدركوا أنهم كانوا يضلّلون أنفسهم ورفاقهم. ومهما كانت الدوافع, فإن من الواضح أن الصهاينة أرادوا أرض فلسطين من دون فلسطينيين (أرضاً بلا شعب) ولذا كان يجب أن يختفي العرب ويزولوا”([32]).
وإفراغ فلسطين من كل سكانها أو معظمهم, هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني, وهو عنصر متضمّن بشكل صامت في أية صيغة سياسية صهيونية أساسية. إذ لو تمّ الإستيلاء على الأرض وبقي سكانها عليها لأصبح تأسيس الدولة الوظيفية مستحيلاً, ولتمّ تأسيس دولة عادية تمثل مصالح سكانها بدرجات متفاوتة من العدل أو الظلم. فيهودية الدولة (مع افتراض تغييب أو ترحيل السكان الأصليين) هي ضمان وظيفتها وعمالتها وبالتالي مكانتها وموقعها ودورها الإقليمي والدولي.

 

ومن الطبيعي إذن على ضوء ما تقدّم أن يتميّز المجتمع الإسرائيلي بصفة شاملة وقوية, فجميع الإسرائيليين القادرين على حمل السلاح رجالاً ونساءً يؤدون الخدمة الإلزامية, وينطبق على هذا المجتمع وصف “المجتمع المسلّح” أو”الأمة المسلّحة” أو “جيش في إجازة” أو “جيش له دولة” وليس العكس. ومثل هكذا مجتمع تنطبق عليه حتمية اللجوء الى العنف والقوة المسلّحة لتنفيذ أي مخطط, ولذلك تشكّل وزارة الدفاع الإسرائيلية وقيادة الجيش مركزاً لقوة سياسية واقتصادية واجتماعية لامثيل لها في العالم باستثناء بعض أنظمة الحكم الديكتاتورية العسكرية, وباستثناء العسكريين في الإتحاد السوفياتي السابق, يمكن أن يقال أن الجيش الإسرائيلي هو المؤسسة العسكرية الوحيدة في العالم التي لديها سلطة تامة تقريباً في المسائل الاستراتيجية والتكتيكية. وازدادت وزارة الدفاع الإسرائيلية أهمية في أعقاب حرب عام 1967 واقترنت في الغالب بقوة أعلى منصب رسمي وهو رئاسة الحكومة, حيث أن كثيراً من رؤساء الوزراء يأتون عن طريق هذه الوزارة وغالباً ما يحتفظون بها الى جانب رئاسة الوزراء, وهذه هي حال كل من بن غوريون وبيغن ورابين وباراك وشارون.
وإزاء هذه القداسة المعطاة للجيش وسائر القوى الأمنية ندرك تماماً الأبعاد المعنوية والعملانية لأداء كلّ من المقاومة اللبنانية والإنتفاضة الفلسطينية في تهديد وتحطيم الكثير من الأشكال الوظيفية العنفية للجيش “الذي لا يقهر”, وإفقاده هيبته وإثبات عجزه وتحويل جنوده الى “مماسح” على حدّ تعبير أحد قادة الجيش نفسه. وهنا وقفت إسرائيل أمام مأزق سياسي كبير عندما عجز هذا الجيش الجرّار, حتى بعد استخدامه كل الوسائل التقنية الأكثر تطوراً في العالم, عن قمع مواطنين مقاومين أو منتفضين لتحرير أرضهم وشعبهم. وكان بن غوريون قد توصّل الى النتيجة (المأزق) ذاتها منذ العام 1938 حين قال: “نحن هنا لا نجابه إرهاباً وإنما نجابه حرباً, وهي حرب قومية أعلنها العرب علينا. وما الإرهاب سوى إحدى وسائل الحرب لما يعتبرونه اغتصاباً لوطنهم من قبل اليهود, ولهذا يحاربون. وراء الإرهابيين توجد حركة قد تكون بدائية ولكنها ليست خالية من المثالية والتضحية بالذات. يجب ألاّ نبني الآمال على أن العصابات الإرهابية سينال منها التعب, فإذا ما نال التعب من أحدهم, سيحلّ آخرون محله. فالشعب الذي يحارب ضد اغتصاب أرضه لن ينال منه التعب سريعاً... وحينما نقول إن العرب هم البادئون بالعدوان وندافع عن أنفسنا, فإننا نذكر نصف الحقيقة وحسب. ومن الناحية السياسية نحن البادئون بالعدوان وهم المدافعون عن أنفسهم. إن الأرض أرضهم لأنهم قاطنون فيها بينما نحن نريد أن نأتي ونستوطن, ونأخذها منهم, حسب تصورهم”([33]).
وكذلك فعل الزعيم الصهيوني التصحيحي فلاديمير جابوتنسكي, أستاذ مناحيم بيغن, الذي لم يشأ الإختباء وراء السحابة الكثيفة من الإعتذاريات الصهيونية عن “الحقوق اليهودية الأبدية”, ولم يختبئ وراء الحجج الليبرالية بشأن شراء فلسطين, والحجج الإشتراكية عن رجعية القومية العربية وما الى ذلك من الإستراتيجيات الإدراكية, وإنما أكدّ دون مواربة أن الصهيونية جزء من التشكيل الإستعماري الغربي الذي لم يكن بمقدوره أن يحقق انتشاره إلاّ بحدّ السيف, ولذلك طالب منذ البداية بتسليح المستوطنين الصهاينة وتشكيل عصابات الإرهاب والقتل مثل الهاغاناه وإتسل وليحي والبالماخ وسواها, التي ارتكبت أبشع المجازر في دير ياسين وكفر قاسم وقبية وسواها. وبعد إعلان دولة إسرائيل برز ما يسمى إرهاب الدولة الذي هو أشد فتكاً وعنفاً مما كانت تقوم به المنظمات الإرهابية وعصابات القتل التابعة لها. وفي هذا المجال يقول البروفسور يحزقيل درورو: “إن الشرط الأول لبناء دولة والإحتفاظ بها, هو احتكارها للعنف من خلال وضع حدود لمدى الضغط ووسائل النضال المسموح لجماعات المصلحة والرأي باتخاذها. فإذا تجاوزت جماعة ما تلك الحدود, يكون من واجب الدولة كبح جماحها من خلال استخدام الحدّ الأدنى من العنف المطلوب لذلك, ولكن من دون تردد زائد”([34]). والدولة في إسرائيل, يضيف درورو: “لا تؤدي هذا الواجب, ولا تحظر الإملاءات التي تفرضها الجماعات (جماعات الضغط) التي تثير الإضطرابات... وتستخدم العنف في الشوارع, بالردّ المطلوب والضروري لإقامة دولة ديموقراطية والإحتفاظ بها في ظل الظروف الخاصة بإسرائيل”.
وما من شك في أن اغلب الحكومات الإسرائيلية تحتال على هذه الحقائق وتلتفّ عليها وتغض النظر عن جرائم واعتداءات المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين, حتى أن وزيرة التعليم السابقة شولاميت ألوني, من أقطاب حزب ميرتس, قالت إن إسرائيل “أصبحت الدولة الوحيدة في العالم التي ما تزال مصرّة على البقاء كدولة إستعمارية تغتصب حقوق وأراضي الغير وتضطهدهم وتسوم الشعوب الأخرى العذاب”([35]). وأكدت أن المجتمع الإسرائيلي بدأ الجنوح نحو التطرّف منذ مدة ووصفته بأنه يعاني من الإنقسامات الحادة والشديدة مشيرة الى أملها في ألاّ تقف الأحزاب الليبرالية موقف التفرّج السلبي الأمر الذي سيؤدي الى نتائج في منتهى الخطورة على حدّ وصفها. وقالت إن حكومات الليكود المتطرفة دينياً ستعمد الى تحويل سياسات التعليم لكي تكون أشبه بمركز للتبشير والتعليم اليهودي بعيداً عن ثقافة السلام العالمية المنفتحة.
وفي مقابل هذه المواقف قرّر الجيش الإسرائيلي, في سياق سياسة جديدة لتغطية جرائمه, تغيير سياسة الإنكشاف الإعلامي بعد أن بدأت محكمة الجزاء الدولية ممارسة صلاحياتها. وأشارت صحيفة هآرتس الى أنه في المداولات التي جرت في أعقاب ذلك في الجيش, تقرر اتخاذ إجراءات للحدّ من حجم التفاصيل المتعلقة بشخصية العسكريين الذين يشاركون في العمليات الإسرائيلية ضد المدن والمخيمات الفلسطينية.
وقالت هآرتس إن مداولات استمرت عدة شهور وشارك فيها خبراء من وزارة العدل, والنيابة العسكرية والناطق بلسان الجيش وجهات أخرى تركّزت حول الخشية من المحكمة الدولية([36]).

الإنتفاضة وتجلّيات العنف الصهيوني:
مع اندلاع الإنتفاضة الأولى للشعب الفلسطيني في نهاية العام 1987 أصبحت سلطات الإحتلال الإسرائيلي في مواجهة يومية مع حركة عصيان مدني تمتدّ جغرافياً على مدى الضفة الغربية وقطاع غزة وتتّخذ من الحجارة والعلم الفلسطيني رموزاً لمقاومة الإستعمار الإستيطاني الذي استهدف محو الوجود العربي الفلسطيني. وبحكم طبيعته الإستيطانية الإحتلالية لجأ الإستعمار الصهيوني الى المزيد من الإرهاب, فدخل حلقة مفرغة إذ جاء الردّ على المزيد من الإرهاب والعنف بمزيد من الإنتفاضة. وقد لجأت سلطات الإحتلال الى تكثيف آليات العقاب الجماعي, من حظر تجوّل وحصار أمني للبيوت فضلاً عن التوسّع في الإعتقالات وأحكام السجن والتعذيب والطرد والإبعاد. ثم توسّع جيش الإحتلال في استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع على نحو غير مسبوق مما أدى الى حالات اختناق للعديد من الصبية. ثم استخدمت سلطات الإحتلال قنابل غازية تدخل في نطاق أدوات الحرب الكيميائية التي تؤدي الى الإختناق والموت. ثم أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أوامر ترخّص للمستوطنين المسلّحين بإطلاق النار فوراً على من يشتبه في شروعه بإلقاء الزجاجات الحارقة. وانطلقت عصابات المستوطنين في موجات عنف عشوائي لتحرق السيارات والمتاجر والمزارع الفلسطينية وتخطف الصبية الفلسطينيين وتضربهم حتى الموت احياناً.
على الرغم من كل ذلك فإن الإنتفاضة الأولى عمّقت أزمة الإرهاب الصهيوني بسبب فشله في تحقيق أهدافه الإستراتيجية سواء بالأساليب العسكرية المباشرة أو الأساليب السياسية الإلتفافية مثل إتفاقية أوسلو. وفي أعقاب هذا الفشل تبدّلت السياسات الإسرائيلية نحو تبنّي سياسة عنف مكشوفة خصوصاً في أعقاب تسلّم أرييل شارون, المعروف بدمويّته ووحشيّته, السلطة في الكيان الصهيوني. فأتت انتفاضة الأقصى يومي 28- ­29 أيلول عام 2002, ومنذ بداية حكم شارون إستخدم الجيش الإسرائيلي الرصاص الحيّ, والرصاص المطاطي والمعدني “مكعب الشكل” الذي يفوق الأنواع الشائعة (الاسطواني والدائري) في قدرته على اختراق عظام الضحايا وبكفاءة غير مسبوقة في تكنولوجيا قمع التحركات الجماهيرية الشعبية. وقد استخدم الجنود الإسرائيليون هذه الأنواع من الذخيرة وفق قواعد اشتباك ترخّص لهم إطلاق النار على الرأس والصدر لإيقاع أكبر عدد من المشوّهين والشهداء لإرهاب الشعب الفلسطيني ورفع تكلفة تمرّده على واقع الإحتلال والتوسع.
ومما يلفت النظر أنه منذ إطلاق انتفاضة الأقصى, إستهدفت آلة الحرب والقمع الصهيونية وبشكل مكثّف الأطفال والأولاد, لما يتركه ذلك من حرقة وألم شديدين في قلوب ونفوس أهاليهم.
وحول النسبة العالية للشهداء والجرحى والمعوقين بين الأطفال, ذكر تقرير للحركة العالمية للدفاع عن الطفل في مطلع العام 2001 أنه لم يعد من المنطق القول أن جنود الإحتلال يتعرّضون للخطر أثناء المواجهات والمسيرات السلمية, إن جيش الإحتلال يستخدم الأسلحة ويتعامل مع المدنيين وكأنه في ساحة حرب حقيقية, ولا يتبع الأساليب البوليسية في تفريق المظاهرات والمسيرات, وأكد تقرير الحركة أن معظم الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا أو جرحوا كانوا في وضع المراقب أو المتواجد في مناطق الأحداث, كما أن عدداً منهم استشهد أو أصيب وهو في مكان يُفترض أن يكون آمناً([37]). ولعلّ مصرع الطفل محمد الدرة في 30/9/2000 وتفاصيل استشهاده التي بثّتها أجهزة التلفزة في العالم تختصر الحديث في هذا المجال.

أما بالنسبة لسائر ممارسات وتجليات العنف الصهيوني ضد المجتمع الفلسطيني فيمكن ان نعدّد منها ما يلي:
1­- حرمان الأطفال من التعليم والطبابة:
وقد ذكرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية أن 275 مدرسة تقع ضمن مسافة لا تزيد عن 500م عن الوجود العسكري الإسرائيلي ما أدى الى إقفالها وحرمان الآلاف من الطلاب من التعليم. وفي منطقة نابلس تعرّض العديد من المدارس للقصف والرمايات المختلفة مما أدى الى مقتل 56 تلميذاً وإصابة ما لا يقلّ عن 1500 بجراح متوسطة سبّبت إعاقات دائمة خلال فترة ما بين 29/9 و31/12 من العام 2000([38]).
واستمراراً لانتهاكاتها المفضوحة لحقوق الإنسان, تعمّدت قوات الإحتلال حرمان المواطنين الفلسطينيين من حقّهم المشروع في تلقّي العلاج والإسعافات اللازمة للمصابين والمرضى, إضافة الى منعها سيارات الإسعاف من الوصول الى المصابين في مناطق الأحداث لنقلهم الى المشافي والمراكز الصحية, وإطلاقها النار المتعمّد على سيارات الإسعاف وتدمير بعضها, الأمر الذي أدى الى وفاة عشرات المواطنين.


2­- تدمير المنازل والمنشآت الإقتصادية والبيئية:
تعمّدت قوات الإحتلال تدمير المنازل السكنية للمواطنين ومنشآت البنية التحتية وبعض المعامل والمصانع الصغيرة وتلويث البيئة وتجريف الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار المثمرة والمعمّرة كأسلوب هدفه ترويع السكان وإرهابهم وتجويعهم ومحاصرتهم إقتصادياً بعد محاصرتهم سكنياً, ولا أحد ينسى مشاهد تدمير مخيم جنين بأكمله, مما أدّى الى تشريد وإبادة مئات العائلات وآلاف الأطفال بلا مأوى أو معيل.
وعلى صعيد تدمير البيئة أقدمت سلطات الإحتلال الصهيوني على تفجير القوارب وخزانات الوقود على شاطئ غزة وسمحت لمياه مجاري المستوطنات بالوصول الى مياه البحر المتوسط وتدميرها لمحطة المعالجة في غزة, وإقدامها على التخلّص من النفايات الصناعية والكيماوية الخطيرة ونقلها الى داخل الأراضي الفلسطينية. كما أن ملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي الخاصة بالمستوطنات اليهودية أغرقت الكثير من الأراضي الزراعية الفلسطينية, الأمر الذي أدّى الى تراكم معادن ثقيلة في التربة الزراعية تتأثّر بها السلع الغذائية وتحوّلها الى مواد مسببة للسرطان. هذا ناهيك عن تجريف الطبقة السطحية من التربة الزراعية مما أدى الى القضاء على إمكانية نمو النباتات فيها لمدة طويلة من الزمن, والى إحداث خلل في التنوّع الحيوي للحياة البرية.


3­- الحصار وإغلاق الأراضي:
إستمراراً لسياسة الحصار والإغلاق التي مارستها سلطات الإحتلال منذ العام 1967, فرضت هذه السلطات منذ انتفاضة الأقصى طوقاً جوياً وبرياً وبحرياً شبه كامل على الضفة وغزة لعزلهما عن إسرائيل والعالم الخارجي وقطع أي اتصال بينهما, وتقييد الحركة حتى داخل المناطق الفلسطينية نفسها الأمر الذي نتج عنه معاناة إنسانية واقتصادية فادحة.


4­- الإغتيالات والتصفيات الجسدية:
تقوم سلطات الإحتلال بعمليات اغتيال وتصفيات جسدية منظمة بموجب لوائح إسمية معدّة مسبقاً باسم المطلوب إعدامهم من الناشطين الفلسطينيين من دون الأخذ بالاعتبار لكل القوانين والأعراف الدولية في هذا المجال. ويكفي التذكير باستخدام إسرائيل قنبلة زنة ألف كلغ. في حي سكني مزدحم للقضاء على القيادي الفلسطيني صلاح شحادة في قطاع غزة, مما أدّى الى إيقاع مجزرة بشرية مروعة. كما استخدمت إسرائيل على هذا الصعيد طائرات أباتشي وفانتوم والدبابات ضمن مجالات سكنية مدنية وحوّلتها الى حقول رماية ميدانية.


5­- الإرهاب اليومي:
الإعتقالات وزج عشرات الآلاف من الفلسطينيين في السجون وتعريضهم لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي. وبغضّ النظر عن أعداد المعتقلين, وهي كبيرة جداً, فإن الكثير من هؤلاء تعرّضوا للإعتقال الإداري الذي تستخدمه إسرائيل ويتضمّن إنكار الحقّ في الإجراءات القضائية للمعتقلين مما يعدّ مغايراً لحقوق الإنسان.


6­- إغتيال الكلمة ومحاصرة الرأي:
ومن أبرزها جرائم الإعتداء على الصحافيين الذين كانوا يعملون على نقل وقائع ما يجري مباشرة بالصوت والصورة, والذي أدّى الى مصرع وجرح أعداد كبيرة منهم, من عرب وأجانب على حدّ سواء.


7­- المستوطنات وجرائم المستوطنين:
تعدّ إقامة المستوطنات بحدّ ذاتها احتلالاً وعملاً إجرامياً مناقضاً لاتفاقيات جنيف كونها تعدّ تغييراً في طبيعة الأرض المحتلة, واغتصاباً لها وطرداً لسكانها المدنيين. كما أن المستوطنين يقترفون جرائم بحق المدنيين العزّل من دون سبب, بل إشباعاً لغرائزهم العنصرية, ومن ضمن ذلك جرائم القتل وتخريب الممتلكات والدهس المتعمد للمواطنين الفلسطينيين ناهيك عن التعذيب الوحشي والتمثيل بالجثث, علماً بان المادة 49 من إتفاقية جنيف تنص على أنه “لا يجوز لدولة الإحتلال ان ترحّل أو تنقل جزءاً من سكانها المدنيين الى الأراضي التي تحتلّها” كما أن المادة 53 تحظّر على دولة الإحتلال تدمير أي ممتلكات خاصة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الإجتماعية أو التعاونية([39]).

لاشك بأن حرب 1967 وما ترتّب عليها من احتلال وتوسّع قد شكلت منعطفاً بارزاً في تاريخ العنف الصهيوني, وقد شجعت حكومات الليكود المتتالية حركة “الاستيطان المحارب” في الأراضي العربية المحتلة منذ العام 1977 بنوع خاص, حتى أن الجنرال رفائيل إيتان أمر منذ عام 1979 بدمج المستوطنين في وحدات إحتياطية نظامية مسؤولة عن دوريات الحراسة في شوارع البلدات والقرى العربية المحتلة. ومع وجود السلاح والذخيرة والتدريب والجوّ السياسي المتعاطف الذي أوجده آرييل شارون سابقاً ولاحقاً, كوزير للدفاع أو كرئيس للحكومة, أصبحت الإعتداءات على المدنيين العرب وممتلكاتهم أمراً مألوفاً وعادياً. أما مستوطنو غوش إيمونيم فنظّموا أنفسهم في جيش محارب خاص ومنضبط, واعتبروا أنفسهم تابعين للقوانين الإلهية مباشرة وفوق قوانين الدولة التقليدية في ما يتعلق بـ”أرض إسرائيل” ومن يتحرّك عليها. وفي ظلّ هذه الحركة نشأت جماعات العنف اليهودية التي خطّطت ونفّذت الهجمات ضدّ الكثيرين من الفلسطينيين الأبرياء, ومنها منظمة كاخ وأمناء جبل الهيكل والسيكاريم وجماعة عطيريت كوهانيم التي حاولت في عدة مناسبات نسف المسجد الأقصى في القدس .


8­- إنتهاك المعايير الدولية في استخدام القوة:
دأبت قوات الإحتلال على الإستخدام المفرط للقوة والعنف من دون الإهتمام بقواعد الإستخدام ومبرّراته, ومن هذا القبيل استخدم الجيش الإسرائيلي حسبما ذكرت منظمة انترناشيونال اكشن سنتر الأميركية, رصاص الدمدم المتفجر وأسلحة اليورانيوم المستنفذ المشعّ والسام والتي لا تظهر أعراضها الجانبية إلاّ بعد مضي وقت طويل نسبياً على الأشخاص والبيئة, وهذا من جرائم الحرب المرتكبة ضدّ الإنسانية([40]).
كذلك لا يمكن أن نغفل في هذا المجال ما ارتكبه الصهاينة من مجازر وحشية بحقّ المدنيين الأبرياء في كل من نابلس ومخيم جنين بنوع خاص حيث ارتكبت فظائع لا يمكن وصفها, كهدم أحياء كاملة فوق رؤوس أصحابها وإبادة عائلات تحت الركام من دون تمييز أو شفقة. والأبشع من هذا أن يتحوّل الإنسان الفلسطيني الى مجرد مخزن احتياطي لقطع الغيار البشرية من كلى وكبد وقلب وعيون, تنتزع من الجثث الممزقة والمشوهة عن سابق تصوّر وتصميم. وقد أدانت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ما حصل في جنين واعتبر كبير ممثلي المنظمة الدولية تيري رود لارسن إزاء ما رآه في مخيم جنين بأن “أي إنسان منصف ينظر الى الجثث المتعفّنة وهي تخرج من تحت سطح الأرض مباشرة لا بدّ أن يشعر بالصدمة والفزع. هذا ليس اتهاماً وإنما ردّ فعل إزاء مأساة إنسانية”.

إستنتاجات
إزاء ما عرضناه في هذا البحث من صور وأشكال الممارسات الصهيونية لمختلف أشكال العنف ضد الفلسطينيين خاصة والمحيط العربي عامة, لا يسعنا في النهاية إلاّ أن نشير الى بعض ومضات الضمير التي تسطع هنا وهناك من حين لآخر لدى بعض اليهود في انتقاد الإرهاب الإسرائيلي.
لقد عبّر أفنير أفنوفيتش (ضابط احتياط سجن بسبب رفضه الخدمة في المناطق المحتلة) عن رأيه في ممارسات سلطات الإحتلال بقوله:”هل يعقل لدولة ذات سيادة أن تحرم بصورة دائمة ثلث المواطنين الخاضعين لسيطرتها من حقوقهم المدنية الأساسية. إن المجتمع الذي لا يستطيع أن يقوم إلاّ على الخطيئة هو مجتمع غير جدير بالوجود”([41]).
وقد أبدت دوائر قيادية في الجيش الإسرائيلي, وفي أقسام التعبئة وتجنيد الإحتياط قلقها الكبير من تنامي ظاهرة رفض الخدمة في الضفة والقطاع من قبل عسكريين نظاميين واحتياطيين, حيث يعزو قسم كبير من هؤلاء رفضهم الخدمة لأسباب “ضميرية” تتّصل بقناعاتهم الأخلاقية والسياسية, في حين يرفض الآخرون ذلك بسبب ازدياد المخاطر على حياتهم من تلك الخدمة التي تزجّهم في مواجهات متتالية مع الفلسطينيين. وفي هذا السياق وزعت حركة “هناك حد” منشورات وبيانات ورد فيها اقتباس لبعض أقوال وزير المواصلات إفرايم سنيه جاء فيها: “ليذهب شارون الى المحكمة الدولية لوحده ومن دوني”([42]).
كما دعت حركة “هناك حد” في بيان لها العسكريين الإسرائيليين الى رفض المشاركة في جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش في الضفة الغربية وقطاع غزة. وجاء في البيان: “أيها الجندي, إرفض المشاركة في جرائم الحرب وهي عمليات تصفية ناشطين فلسطينيين, والقصف, وإطلاق النار على المدنيين العزّل, وتدمير المنازل, والمساحات الزراعية, وحصار المدن الفلسطينية”([43]).
ووقّع عشرات الضباط والجنود في الصحافة الإسرائيلية عريضة جاء فيها: “نحن الذين ندرك اليوم أن ثمن الإحتلال هو فقدان الطابع الإنساني في الجيش الإسرائيلي وإفساد المجتمع الاسرائيلي برمّته, نحن الذين نعرف أن المناطق (المحتلة) ليست إسرائيل, نحن الذين رأينا بأعيننا ثمن الدم والنار الذي يجبيه الإحتلال, نعلن بأننا لن نشارك في حرب سلامة المستوطنات, لن نواصل القتال خلف الخط الأخضر بهدف السيطرة والطرد والهدم والإغلاق والتصفية والتجويع والإهانة لشعب بأكمله. إننا نعلن بهذا أننا سنواصل الخدمة في الجيش الاسرائيلي في كل مهمة تخدم الدفاع عن دولة اسرائيل, أما مهمة الإحتلال والقمع فلا تخدم هذا الهدف ونحن لن نشارك فيها”([44]).
وقد استعانت قيادة الجيش الإسرائيلي بالمرجعيات الدينية اليهودية الكبرى (الحاخامية) لمواجهة حملة رفض الخدمة في الضفة والقطاع, فأطلق الحاخام الأكبر لليهود الغربيين يسرائيل لاو تحذيراً جاء فيه “إن موقف رفض الخدمة هو كمن يطلق الرصاص على نفسه, وإن رافضي الخدمة يُسهمون في إضعاف معنويات الشعب الإسرائيلي وقدرته على الصمود في وجه الحرب التي تخوضها البلاد ضد الإرهاب”([45]).
وقد ردّت زعيمة حزب ميرتس السابقة شولاميت آلوني([46]) على هذه الحملات بقولها إنه بدل التعامل مع القضايا الحقيقية التي يطرحها هؤلاء الضباط الرافضون, ومناقشتها وتصفية العار الناجم عنها, إذ بنا نشهد تظاهرة واسعة ضدّهم. يهينونهم وينادونهم بالخونة ويتهمونهم بأنهم غير أخلاقيين وغير ديموقراطيين فقط لرفضهم العنف”. وأضافت آلوني: “أمامنا مجموعة رجال شجعان تجرّأوا على القول بصوت مرتفع ما نرفض أن نراه, ومع مرور الأيام, عندما يسألهم أولادهم وأحفادهم عمّا فعلوه في تلك الأيام السوداء, فإنهم سيستطيعون النظر في عيونهم مباشرة والقول أنهم تجرّأوا على قول: لا للظلم”([47]).
 

[1] ­علي حسن طه, العنصرية الصهيونية اليهودية والبعد الأيديولوجي الديني, دار الهادي, بيروت لبنان الطبعة الاولى 2002 ص 59

[2] د.عبد الوهاب المسيري, نهاية التاريخ, المؤسسة العربية للنشر, بيروت, 1979 ص 105

[3] مكسيم رودنسون, اسرائيل واقع استعماري, وزارة الثقافة, دمشق, 1967 ص 72

[4] مناحيم بيغن, الإرهاب, دار المسيرة بيروت 1978 ص 352

[5] المصدر نفسه ص 7

[6] سفر يشوع فصل 13 عدد 1 حتى 13 تثنية الاشتراع فصل 20 عدد 16­17 فصل 7 عدد2

[7] علي حسن طه, العنصرية الصهيونية, مصدر سابق ص 60

[8] حسين طنطاوي, الصهيونية والعنف, المؤسسة العربية للنشر, بيروت 1979 ص 16

[9] محمد ربيع, ازمة الفكر الصهيوني, المؤسسة العربية للنشر, بيروت 1979 72

[10] هيثم كيلاني, المذهب العسكري الاسرائيلي, مركز الأبحاث, بيروت 1969ص 410

[11] المصدر نفسه ص418

[12] مجلة الطليعة العدد 1969 ص 21

[13] ­نجيب الأحمد, الصهيونية هدفاً وفكراً وممارسة, الدائرة السياسية لمنظمة التحرير 1977 ص 15­ مناحيم بيغن, الإرهاب مصدر سابق ص 72

[14] حسين طنطاوي, الصهيونية والعنف, المؤسسة العربية للنشر بيروت 1979 ص 16

[15] مناحيم بيغن, مصدر سابق, ص 72

[16] ­ المصدر نفسه ص 64

[17] خالد القشطني, مصدر سابق, ص 86

[18] Franz Kobler. Napolean and the jws. New york,schoncken books, 1976 pp.7-55

[19] مكسيم رودنسون, اسرائيل واقع استعماري ترجمة إحسان الحقي, دمشق, وزارة الثقافة 1967ص115

[20] المصدر نفسه

[21] مازن البندك, اسرائيل مجتمع عسكري, دار الكفاح بيروت, 1971 ص 186

[22] عبد الوهاب المسيري, الايديولوجيا الصهيونية, مطابع الأنباء, الكويت 1982 ص 468

[24] الكتاب صادر عن قرار­ شيراوس وجيرو, نيويورك, 1997

[25] دانييل بن سيمون “الاحتلال على أريكة العالم النفساني, دافار, الملحق الأسبوعي العدد 33, 12/8/1988 راجع نشرة مؤسسة الدراسات الفلسطينية العدد 9 السنة 15 ايلول 1988

[26] المصدر السابق

[27] د. عبد الوهاب المسيري, الصهيونية والعنف, دار الشروق, الطبعة الاولى 2001 ص 44

[28] المصدر السابق ص 45

[29] المصدر نفسه

[30] المصدر السابق ص 157

[31] المصدر السابق ص 161

[32] المصدر السابق ص 98

[33] المصدر السابق ص 154

[34] يحزقيل درور هل نحن قادرون على الاحتفاظ بالدولة؟ هآرتس 29/7/1986

[35] الاتحاد 12/7/1996, ميرتس يشن هجوماً عنيفاً على الليكود

[36] السفير 22/7/2002, خوف اسرائيل من محكمة الجزاء الدولية

[37] مجلة الارض ­دمشق العدد 7 تموز 2002ص3­4

[38] المصدر السابق ص 5

[39] لمزيد من التفاصيل انظر مجلة الأرض­دمشق­ العدد السابع تموز 2002 من ص 3 وحتى 30

[40] الحياة الجديدة­2/4/2001, ص 2, وانظر ايضاً عبد الغني عماد, ثقافة العنف, دار الطليعة, بيروت, ص138

[41] معاريف 11/5/1990, ص 4

[42] المستقبل بيروت, 5/5/2001, ص 13

[43] الحياة الجديدة, 1/6/2001, ص 3

[44] هآرتس 27/1/2002, ص 4 عاموس هرئيل, وأيضاً يديعوت احرنوت التاريخ نفسه

[45] المستقبل, بيروت, 18/2/2002

[46] يديعوت احرونوت,31/1/2002

[47] المستقبل بيروت, 4/2/2002, نقلاً عن يديعوت أحرونوت