دراسات وأبحاث

مفهوم الولوج العملياتي المشترك JOAC في الإستراتيجية الأميركية الجديدة
إعداد: د. أحمد علو
عميد متقاعد

يرى بعض المحللين العسكريين أن القلق ينتاب وزارة الدفاع الأميركية من أنها قد لا تتمكن بعد الآن من نشر قوات عسكرية إنطلاقًا من الولايات المتحدة باتجاه مسرح عمليات ما، من دون أن تلقى مقاومة على غرار ما قامت به خلال حرب الخليج (1990-1991)، أو في عملية «الحرية المستدامة» في أفغانستان (العام 2001)، وعملية «حرية العراق» (العام 2003)...
وبسبب القلق من الأعداء المحتملين من الدول وغير الدول، أصبحوا يستخدمون أسلحة ونظمًا تزداد فعاليتها في مواجهة القوات المتقدمة، وبات من المنتظر أن يتبنوا استراتيجيات للتصدي لدخول الوحدات العسكرية الأميركية في مسارح النزاع وميادينه شتى.
 لقد طرحت هذه الإشكالية على القوات المسلحة الأميركية بمختلف أنواعها (البرية والبحرية والجوية) منذ نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، وقد قدمت كل من هذه القوات تصوّرها الخاص حول التحديات والتهديدات التي قد تواجهها في أثناء تدخّلها في أي مسرح أو بقعة نزاع، مستفيدة من تجارب الحروب السابقة ودروسها، ومن إمكانات الأسلحة المختلفة التي استخدمتها.
وقد وضعت قيادات هذه القوات تصوّرها حول الإمكانات والوسائل الضرورية للتغلب على الصعوبات التي واجهتها في أثناء العمليات، واقترحت استحداث اسلحة جديدة، أو إلغاء أسلحة معيّنة، وتطوير أخرى لتصبح أكثر قابلية لتلبية متطلبات العمليات الناجحة في المستقبل. كما رأت هذه القيادات ضرورة وجود تنسيق بين مختلف أنواع الأسلحة في أثناء عملية الولوج لتفادي الخسائر أو للتقليل منها، أو للحصول على المردود المحدد والمعقول، عند تدخلها في أي من هذه المسارح.


 

التحديات والمخاطر
ثمة العديد من العوامل التي اقتضت بلورة استراتيجية جديدة (أو تطوير الاستراتيجية القديمة) تحافظ على مصالح الولايات المتحدة وعلى تفوّقها، وتتماشى مع المعطيات والوقائع السياسية والإقتصادية الجديدة. ويمكن إيجاز هذه العوامل في ما يأتي:
- أحداث 11 أيلول 2001، والتدخل في افغانستان وتداعياتهما.
- الحرب على العراق (2003)، وتصاعد الأزمة الإيرانية حول الملف النووي، والتهديدات بإغلاق مضيق هرمز.
- تعقيدات مشاكل الشرق الأوسط وتنامي الحركات المعارضة للسياسات الأميركية فيه، وتصاعد التوتر في منطقة شرق آسيا وغرب الباسفيك، وبخاصة في كوريا الشمالية وتايوان وبحر الصين الجنوبي.
- النمو الإقتصادي الصيني والصعود العسكري، وتنامي الدور الروسي في آسيا والشرق الاوسط.
- حركات التغيير في العالم العربي منذ مطلع العام 2011.
- الانسحاب من العراق نهاية العام 2011، والانسحاب من أفغانستان المخطط له العام 2014.
- إحتمال فقدان التفوّق الأميركي في العالم تحت تأثير الأزمة الإقتصادية العالمية وانعكاساتها السلبية على الولايات المتحدة، وتخفيض ميزانية الدفاع فيها.
ولقد تضمنت هذه الاستراتيجية الجديدة تخفيضًا في أعداد القوات في السنوات القادمة، واعتماد مذاهب عسكرية ووسائل تعطي المردود الأفضل بكلفة أقل، وتحافظ على التفوّق العسكري الأميركي، واستخدام أحدث التقنيات والتكنولوجيا العسكرية.


ماهية المفهوم JOAC
أطلقت وزارة الدفاع الأميركية في 17 كانون الثاني من العام الحالي (2012) تصورًا جديدًا تحت إسم «مفهوم الولوج العملياتي المشترك JOAC»، والذي يهدف إلى ضمان قدرة ولوج القوات الأميركية أي موقع أو مسرح نزاع، سواء على الأرض أو في الجو أو في الفضاء أو البحر أو في مجال الإنترنت، واستمرارية وجودها فيه. وقد صدر هذا المستند بتوقيع الضابط الأعلى في وزارة الدفاع، الفريق الأول في الجيش الأميركي مارتن إي دمبسي، رئيس مجلس قيادة رؤساء الأركان، وهو يكمل التوجيه الاستراتيجي الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية في الشهر نفسه.
يحظى هذا المفهوم باهتمام خاص في وزارة الدفاع الأميركية، فهو يساهم في تركيز انتباه واضعي السياسة، ويُستعمل للتجارب، وللألعاب الحربية (war games) ولأغراض أخرى، كما أنه سوف يشكّل دعامة لعقيدة القوات المشتركة للتغلب على التحديات والتهديدات التي يفترض أن تحاول منع القوات العسكرية الأميركية من ولوج مناطق النزاع.
وقد عبّر الفريق الأول دمبسي عن هذا المفهوم بقوله:
«إنّ هذا التصور يوضح الطريقة التي سوف نواجه فيها تهديدات «منع الولوج/ أو المنطقة المحرّمة» (يشار إليها بالمصطلحين A2/AD) من قبل الأعداء من الدول أو غير الدول عبر العالم».
 

 A2/AD كمصطلحين
يستخدم مصطلح «منع الولوج» (A2 Anti-Access) للإشارة إلى التهديدات التي تمنع دخول القوات العسكرية من مسافات بعيدة، وتستعمل في الغالب ضد عمليات التقدم أو الإنزال أو القصف، والمساندة من البحر، وذلك باستخدام الأسلحة المختلفة.
أما مصطلح «المنطقة المحرّمة» (AD - Area Denial)، فيشير إلى العمليات العسكرية ووسائلها على مدى أقصر وبقدرات أقل، وهي مصممة للحد من حرية عمل القوات المعادية وتحرّكها باستخدام الأسلحة المختلفة في منطقة العمليات العسكرية نفسها، أو القريبة منها. وتشدّد وثيقة مفهوم الولوج العملياتي المشترك (JOAC)، على الخطوط العريضة لهذين النوعين من التهديدات (A2/AD)، وتشير إلى السبل الفعالة لمواجهتها.
يعتبر المحللون العسكريون الاميركيون إطلاق «مفهوم الولوج العملياتي المشترك (JOAC) تطورًا منطقيًا لجهود وزارة الدفاع الأميركية المتعلقة بزيادة قدراتها في مجال مواجهة التهديدات. وقد قامت هذه الوزارة بإنشاء مكتب للمعارك الجوية - البحرية (Air-Sea Battle Office)، واضعة بذلك الإطار العملي لتطوير تصوّر شمولي لمجابهة التحديات التي قد تنجم عن تهديدات منع الولوج والمناطق المحرمة A2/AD. وترى وزارة الدفاع الأميركية انطلاقًا من الحروب اللاتماثلية في العقود السابقة، أنه على القوات المسلحة الأميركية أن تتغلب على خصوم تقليدييــن كثر إذا تتطلب الأمر ذلك، وتنشر قواتها على الرغم من كل تحديات وتهديدات المناطق المحرمة او منع الولوج، وهذا ما تتضمنه استراتيجيتها الجديدة، المزدوجة المحاور باتجاه إيران وحلفائها من جهة وآسيا (الصين، روسيا ، كوريا) من جهة أخرى.

 

A2/AD عسكريًا
يتضمن المعنى العملي لمنع الولوج (A2) وفق رؤية «المفهوم المشترك» جميع الإمكانات البعيدة المدى لهذا المنع من قبل الخصوم، (كاستخدام وسائل المراقبة الحديثة من الأقمار الإصطناعية وصواريخ كروز الجوالة أو الصواريخ البالستية، وفضاء الإتصالات والشبكات العنكبوتية، وكذلك أنظمة التشويش والإعتراض الفضائية)، أو من قبل «عناصر إرهابيين» أو قوات شبه عسكرية. فالجمع بين هذه العناصر والإمكانات من قبل الخصم - من الناحية النظرية - وتحضيرها بطريقة منهجية ومنسقة سيحدّ من إمكانات وصول القوة العسكرية الأميركية إلى أي مكان في العالم، كما أنه سيقيم العوائق الفعالة أمام انتشارها. وسيفرض بالتالي أثمانًا باهظة تدفعها هذه القوات في حال تدخّلها في أي مسرح حول العالم، وقد يبدأ العمل في هذا المنع من الأراضي الأميركية نفسها، وقد يستمر أو يتتابع وصولًا إلى منطقة العمليات المفترضة.
أما المعنى العسكري لمصطلح «المنطقة المحرّمة» فيتمثل في إعاقة جهود القوات الأميركية لإقامة وجود عملياتي داخل مناطق العدو البرية أو المائية أو حدوده، أو منعها في حال وجودها (أو بعد وصولها)، من التحرك. ووفق «المفهوم المشترك» فإن عناصر القوة في المنطقة المحرمة تتمثل بوجود سلاح الدفاع الجوي، الصواريخ الموجهة العالية الدقة، الصواريخ الصغيرة، المدفعية، الألغام، وأسلحة الدمار الشامل، أو أي من عناصر حرب العصابات والقوات الخاصة.

 

خلاصة وتحليل
يرى المحللون الاستراتيجيون الأميركيون أنه من المنظور الجيوستراتيجي العام، فإنّ معنى هذه المصطلحات لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل إنهم يرون أن استخدام الوسائل العسكرية ما هو إلاّ ترجمة لمعناها السياسي بوسائل عسكرية. فمنع الولوج والمناطق المحرّمة تعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة حرمانها من استخدام قوّتها السياسية والإقتصادية، والحدّ من تأثيرها ونفوذها ومكانتها في العالم، وبالتالي تهديد أمنها وازدهارها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى حلفائها.
وترى الولايات المتحدة أن صعود الصين الإقتصادي وتطوير قدراتها العسكرية ونشرها، أصبح يشكل تهديدًا لهذا النفوذ. كذلك فإن محاولات بعض الدول في منطقة شرق آسيا - الباسفيك، أو آسيا الوسطى، أو القوقاز، وبخاصة روسيا، منعها من إقامة القواعد العسكرية (دول آسيا الوسطى مثلاً). ووصول أنظمة سياسية معارضة لسياساتها العالمية تشكل تهديدات ومخاطر تعيق هيمنتها ونفوذها في العالم. من هنا نفهم الإستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه منطقة آسيا - الباسفيك التي أُعلن عنها أخيرًا، وجولات عدد من وزراء الخارجية والدفاع الأميركيين الى دول المنطقة لعقد اتفاقات تجارية وإقتصادية أو محاولات إقامة (أو إعادة إحياء) قواعد عسكرية جديدة في فييتنام، واندونيسيا، والفليبين، وأوستراليا، تسهّل عمليات تدخّلها السريع في حال وقوع نزاع في المنطقة، ترى الولايات المتحدة فيه تهديدًا لأمنها أو مصالحها وحلفائها.
أما في منطقة الشرق الأوسط، فإنّ «المفهوم المشترك» ينظر إلى إيران كمصدر خطر آخر لأمن الولايات المتحدة وأمن حلفائها وللإقتصاد العالمي.
أخيرًا، إن هذا المفهوم بمعناه العسكري لا يمكن فصله عن الرؤيا السياسية والجيوستراتيجية الشاملة للعالم من منظار الولايات المتحدة الأميركية، كذلك لا يمكن فصله عن الدور الذي تؤديه الدولة الأعظم اليوم، عبر تدخّلها في سياسات دول وشعوب العالم المختلفة تحت شعارات وعناوين شتى، ودعمها أنظمة أو ثورات موالية لها، ومحاربتها أخرى معارضة لها، وبخاصة في منطقة الشرق الأوسط والدول العربية. فهي ترمي من خلال ذلك إلى اقامة أنظمة وكيانات سياسية تؤمّن لها قواعد آمنة تسهل عملية الولوج السلس، وتمنع عن قواتها الأذى في «المناطق المحرّمة» والضرورية لبسط قوتها واستمرار هيمنتها. ومن هنا يمكن استشراف الأهداف وفهم لعبة المصالح والصراع على النفوذ والموارد، وشدّ حبال القوة القائمة في عالم اليوم بشكل عام، وفي المنطقة العربية بشكل خاص، بين الولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، ومحاولة وروسيا والصين وحلفائهما في المنطقة (وبخاصة إيران وسوريا) تغيير مرتكزات القوة القائمة على هيمنة القطب الواحد، والمطالبة بتوزّعها، من ناحية ثانية...

 

المراجع:

 - Challenges to American Access: The Joint Operational Access Concept and Future Military Risk by Nathan Freier 2012.
- www.defense.aol.com.
- www.sdarabia.com.
- The Emerging Anti-Access/Area-Denial Challenge by Nathan Freier.