- En
- Fr
- عربي
الذكاء الاصطناعي والشركات الخاصة ومستقبل الحروب
المقدمة
تتأثر حروب اليوم بمجالس إدارة وادي السيليكون بقدر ما تتأثر بترسانات الأسلحة الدفاعية والهجومية، فمع ظهور الذكاء الاصطناعي ، أصبحت شركات التكنولوجيا الخاصة جهات فاعلة رئيسة في الدفاع. صحيح أنه لطالما دفعت الشركات بقوة الدولة مثل شركة الهند الشرقية East India Company التي تأسست في القرن السابع عشر وفعّلت دور الإمبراطورية البريطانية في العالم، غير أن شركات التكنولوجيا العملاقة العابرة للحدود الوطنية اليوم أضحت تتمتّع بنفوذٍ هائل يخرج في كثير من الأحيان عن سيطرة الدولة1. في أوكرانيا وأماكن أخرى، أثبتت قرارات الشركات الخاصة مثل ستارلينك Starlink التابعة لشركة سبيس إكس SpaceX أنها مؤثرة وخارجة عن سيطرة الدولة سيما بعد أن مكّنت الاتصالات الأوكرانية من دون الرجوع إلى حكومة الولايات المتحدة الأميركية2. يشير ذلك إلى أن التفوق العسكري المستقبلي لن يعتمد على الأسلحة وتطويرها فحسب إنما على الابتكار المؤسسي وحجم البيانات الضخمة Big Data التي تسيطر عليها.
تنمو قوة الدولة مع نمو القطاع الخاص فيها. مع ذلك، تؤكد الدراسات الحديثة أن كيانات القطاع الخاص - وخاصة شركات التكنولوجيا الكبرى - أصبحت جهات فاعلة شبه جيوسياسية تنافس الدول نفسها. تمتلك الآن شركات مثل جوجل Google وأمازون Amazon ومايكروسوفت Microsoft وتينسنت Tencent موارد وقوة أكبر من معظم الدول القومية3. غالبًا ما تنشأ الابتكارات العسكرية المتطورة اليوم في الاقتصاد المدني، فتُجبر الحكومات على التوافق مع مصالح شركات التكنولوجيا4. يتجذّر هذا التوافق من القدم حيث نشأ من العلاقة بين الجيش والصناعيين ليطال اليوم شركات التكنولوجيا والرقمنة5، ففي هذا العصر، لا تشتري الجيوش الأجهزة فحسب بل البيانات والخوارزميات Algorithms والبرامج من شركات شديدة المرونة أيضًا. يجب أن تعترف الحسابات الواقعية بأن قوة الدولة تعتمد بشكلٍ متزايد على قدرة شركاتها على توفير الذكاء الاصطناعي ودمجه. يوفر الذكاء الاصطناعي موضعًا جديدًا للدولة إذ يمنحها التفوق المعلوماتي من خلال غربلة البيانات الضخمة إلى معلومات استخباراتية قابلة للتنفيذ6.
يظهر حاليًا نموذجان في العالم: تسعى الولايات المتحدة إلى التآزر بين الحكومة والبحث والتطوير التجاري، بينما تهدف الصين إلى مركزية قطاع التكنولوجيا الخاص بها وتوجيهه من خلال التخطيط الذي تديره الدولة7. سيشكل النموذج الذي يحقق ميزة استراتيجية أكبر موازين القوى المستقبلية. في الوقت نفسه، تسلط وجهات النظر الليبرالية/المؤسسية الضوء على الحاجة إلى معايير وحوكمة للتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج. تحذر الدراسات الناشئة من سباق تسلح غير منضبط للذكاء الاصطناعي - فقد لا يكون هناك فائزون إذا انتشر الذكاء الاصطناعي من دون رادع - وتدعو إلى تعاون دولي بشأن المعايير الأخلاقية ومعايير السلامة8.
باختصارٍ، المنظور النظري هنا هو اندماج تقني عسكري، فالحدود بين تكنولوجيا المعلومات المدنية والبحث والتطوير العسكري تتلاشى، والسلطة تنبع من المتحكّم في هذا الاندماج. سيعتمد قادة المستقبل على استراتيجيات تركز على البيانات مدعومة بذكاءٍ اصطناعي من القطاع الخاص9. تتمثل أسئلة البحث الرئيسة في: كيف تدخل شركات التكنولوجيا الخاصة في الشؤون العسكرية وتؤثر فيها، وما انعكاس ذلك على سلطة الدولة وعلى مستقبل القوة العسكرية؟
في هذا البحث، سنستعرض كيف يُغيّر الذكاء الاصطناعي وجه الحرب، ونتتبع ظهور جهات فاعلة جديدة في المجال العسكري التكنولوجي، ونحلل دراسات حالة في الولايات المتحدة والصين وأوروبا. ثم سنتناول مستقبل القوة العسكرية والتحديات والمخاطر التي ترافق دمج التكنولوجيا بها، لنقترح في النهاية مسارات مُحتملة واستجابات سياسية. سوف نعتمد في أنحاء البحث كافة على التحليلات والأبحاث المعاصرة للإجابة عن الإشكالية.
القسم الأول
موازين القوة في عصر الذكاء الاصطناعي
أعاد الذكاء الاصطناعي صياغة أساليب خوض الحروب والحفاظ على الأمن ليشكّل قوة حاسمة في ساحة المعركة. من الطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل وأنظمة المراقبة المتطورة إلى الدفاع السيبراني، أصبح الذكاء الاصطناعي محوريًا في الاستراتيجيات العسكرية الحديثة.
تعتمد الحكومات على الشراكات مع شركات التكنولوجيا الخاصة التي أصبحت لاعبًا متناميًا في مجال الابتكار الدفاعي10 عبر توفير البيانات والخوارزميات والبنية التحتية السحابية، ما طمس الحدود بين سلطة الدولة وسلطة الشركات. تكشف الدروس المستقاة من أوكرانيا وغزة وغيرهما كيف يعزّز الذكاء الاصطناعي جمع المعلومات الاستخباراتية واتخاذ القرارات والعمليات الهجومية. أصبحت الجيوش تتعايش مع نظام بيئي من الشركات الناشئة وشركات البرمجيات - وهي مجموعة من الجهات الفاعلة التي تعيد تشكيل كيفية تطوير القدرات العسكرية واكتسابها. مع ذلك، فإن تأثيره المتزايد يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية واستراتيجية مُلحّة بشأن الأمن العالمي.
أولاًً: تحويل مجالات الحرب
1- استقاء البيانات
أ- المراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية:
ينتشر الذكاء الاصطناعي بشكلٍ واسع في مجال الاستخبارات والمراقبة. تستخدم الحكومات تقنيات التعلّم الآلي Machine Learning لغربلة البيانات الضخمة (صور الأقمار الصناعية، ووسائل التواصل الاجتماعي، إلخ،...) وتحويلها إلى معلومات استخباراتية عملية. على سبيل المثال، يشير تحليل أجراه المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI إلى أن حجم بيانات الاستشعار والاتصالات هائل لدرجة أن الذكاء الاصطناعي عادةً ما يشارك في عملية الاستهداف الأولية، مستخدمًا تقنية التعرف على الأنماط لتحديد الأهداف11. بعد المعالجة المسبقة، تستطيع نماذج التعلم الآلي تحديد البنية التحتية العسكرية، تتبع المقاتلين أو الإبلاغ عن السلوكيات المشبوهة بشكلٍ أسرع بكثيرٍ من قدرة المحللين البشريين. تنخرط شركات التكنولوجيا الخاصة بشكلٍ كبير في هذا المجال. توفر شركات مثل Maxar وPlanet Labs عمليات مسح عالية الدقة للأقمار الصناعية وبرامج لدمج المعلومات الاستخباراتية.

وجد تقرير أيضًا صادر عن مؤسسة كارنيغي في العام 2019 أن أكثر من نصف الدول المتقدّمة تستخدم أنظمة مراقبة قائمة على الذكاء الاصطناعي12. تشكّل الاستخدامات المدنية مصادر للمعلومات الاستخباراتية. تُنشئ كاميرات المراقبة التجارية قواعد بيانات التعرّف على الوجه وأنظمة تحديد مواقع الهواتف المحمولة، مصادر مهمة للمخابرات. في أوكرانيا، أفادت التقارير أن شركة Clearview AI الخاصة للتعرّف على الوجه منحت القوات الأوكرانية إمكانية الوصول إلى صور حوالى 230 ألف جندي روسي، ما ساعد في تحديد هوية المتسللين إلى أراضيها13.
أضف إلى ذلك، تراقب عدة حكومات وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق مكاسب تكتية، فمثلًا تستخدم وحدات مكافحة الإرهاب الأميركية أدوات الذكاء الاصطناعي للكشف عن الأحاديث التي تنمّ عن تطرّف وتنذر بمخاطر14، إلا أن ذلك يثير تحديات جمة تتعلّق بالخصوصية.
ب- استخلاص الدروس في ساحة المعركة:
يُستخدم الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة للمراقبة والاستهداف ودعم اتخاذ القرار. تستفيد الحكومات من البيانات التي تُجمع في مناطق الحرب من خلال الطائرات من دون طيار والأقمار الصناعية وغيرها لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعتبرها كنزًا ثمينًا للتعلّم الآلي.
أنتجت الحروب بين الجيوش المتقدمة بيانات قتالية هائلة، لا سيما الحرب بين روسيا وأوكرانيا. تستخدم الحكومة الأوكرانية الذكاء الاصطناعي لتوجيه الطائرات من دون طيار آليًا، ولمسح صور المواقع العسكرية الروسية بمساعدة شركات خاصة. إن شركة بالانتير Palantir واحدة من هذه الشركات. هي تجمع المعلومات الاستخباراتية من الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار والمصادر المفتوحة لعرض خيارات الاستهداف وتعتبر نفسها مسؤولة عن معظم عمليات الاستهداف التي قادتها أوكرانيا وفق رئيسها التنفيذي أليكس كارب15. لا تقتصر تحليلات برامج بالانتير للذكاء الاصطناعي على ذلك بل تتعدّاها لتشمل جمع أدلّة جرائم الحرب ورسم خرائط الألغام الأرضية وغيرها16. تستفيد بالانتير من هذه البيانات والتحليلات لتطبيقها في ميادين أخرى. أعلنت بريطانيا في أيلول 2025 عن شراكة دفاعية مع بالانتير تتضمّن استضافتها للمقر الأوروبي للشركة التي ستشارك في تطوير قدرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تم اختبارها بالفعل في أوكرانيا وستستخدمها لدمج المعلومات الحساسة ووضع خطط هجومية سريعة17.
غالبًا ما يُستشهد بشركة بالانتير، التي تأسست في العام 2003، على أنها النموذج الأمثل للتعاون بين وزارة الدفاع وشركات التكنولوجيا الخاصة. تدمج هذه الشركة منصات تحليل البيانات الخاصة بها (Gotham وTitan وMaven) لأغراضٍ استخباراتية. في العام 2024، منح البنتاغون شركة بالانتير ما يقرب من 480 مليون دولار لنظام Maven Smart18. يسلط هذا العقد الضوء على اتجاه جديد تعتمده الجيوش، وهو شراء برامج الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كم واسع من البيانات والأنظمة المتكاملة وليس الأسلحة فقط19.
أضف إلى ذلك وعلى المستوى الاستراتيجي، تساعد هذه التكنولوجيات القادة على محاكاة المعارك لتوقّع نتائج الخطط العسكرية وتبنّي الأفضل بينها. على سبيل المثال، يعزّز الذكاء الاصطناعي التخطيط والخدمات اللوجستية: يمكن للخوارزميات تحسين طرق الإمداد أو محاكاة سيناريوهات المعارك المعقدة، ما يوفر للقادة دعمًا سريعًا لاتخاذ القرار. أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث على ذلك بقوله «سيساعد الذكاء الاصطناعي القوات المسلحة على التخطيط والاستهداف وإجراء العمليات العسكرية بشكلٍ أسرع وأكثر فاعلية»20.
2- الحرب السيبرانية
يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا متناميًا في الهجوم والدفاع السيبرانيين. تستخدم الوحدات السيبرانية العسكرية التعلّم الآلي لشنّ الهجمات وتعزيز الشبكات. على سبيل المثال، كشفت القيادة السيبرانية الأميركية في العام 2024 عن خارطة طريق تَعِد بـدمج الذكاء الاصطناعي في جوانب العمليات السيبرانية كافة. تتضمن الخطة تحليلات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف عن عمليات تسلل العدو بشكلٍ أسرع وأتمتة الاستجابات الدفاعية. عمليًا، يدعم الذكاء الاصطناعي خبراء الإنترنت لتحديد نقاط الضعف البرمجية21.
على الصعيد الهجومي، يساهم الذكاء الاصطناعي في تصميم برامج ضارة أكثر فعالية وحملات تصيد إلكتروني موجّه. في هذا الإطار، يحذر من أن الوكالات الروسية تستغل الذكاء الاصطناعي لتحسين التجسس الإلكتروني وتعزيز دقة الهجمات22.
توفر شركات الأمن السيبراني الخاصة جزءًا كبيرًا من هذه التقنية. تستخدم منتجات مثل DarkTrace (المملكة المتحدة) وCrowdStrike (الولايات المتحدة) التعلم الآلي لتحديد سلوك الشبكة الطبيعي والإبلاغ عن الشذوذ أو عزله تلقائيًا. إلى جانب الجيش، تدافع شركات التكنولوجيا الكبرى أيضًا عن البنية التحتية الحيوية. في حرب أوكرانيا، سارعت مايكروسوفت Microsoft وأمازون Amazon وجوجل Google لنقل البيانات الحكومية لتأمين خوادم السحابة Cloud وتحييد برامج الفدية Ransomware، ما ساعد على صد الهجمات الإلكترونية الروسية وحافظ على استمرارية تشغيل الأنظمة المدنية23. في الوقت نفسه، دخلت OpenAI - وهي شركة ناشئة جديدة نسبيًا معروفة بـ ChatGPT - هذا المجال في العام 2025. في يونيو، أعلنت OpenAI عن مشروع تجريبي كبير مع وزارة الدفاع الأميركية حتى 200 مليون دولار لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لتطبيقات وزارة الدفاع لا سيما الدفاع السيبراني24. تعكس هذه الشراكة التجارية المباشرة، وهي جزء من مبادرة OpenAI الجديدة OpenAI للحكومة، مدى اتكال هذه الوزارة على شركة خاصة لتوفير الأمن السيبراني.
3- الأسلحة ذاتية التشغيل والروبوتات
يبقى الحديث عن الأسلحة ذاتية التشغيل والمنصات الروبوتية سواء في البر والبحر والجو، وغالبًا ما تكون مجهزة بالذكاء الاصطناعي للملاحة ولاتخاذ قرار بالاشتباك. تنتج شركة Anduril غواصة القرش الشبح ذاتية التشغيل المتميّزة بتكلفتها المنخفضة لاستغنائها عن طاقم بشري وهيكل ضغط عالي، وبقدرتها على الغوص إلى أعماق تفوق بكثيرٍ الغواصات التي تقودها أطقم بشرية، بالإضافة إلى صعوبة كشفها25.
أيضًا، طوّرت الصين مراكب ذاتية القيادة مثل الزورق Liaowangzhe II وطائرات من دون طيار ومسيّرة ومركبات صاروخية مصممة لتهديد حاملات الطائرات، تعمل بأنظمة الذكاء الاصطناعي26.
أما روسيا، فطوّرت نماذج متعددة من الآليات المستقلة وشبه المستقلة، من بينها المنصة الروبوتية Uran-9، وهي مركبة قتالية غير مأهولة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وأجهزة استشعار، ومزودة بمدفعٍ أوتوماتيكي وصواريخ موجهة وكاميرات حرارية تساعد في الملاحة والاستهداف وتشارك في الاستطلاع والهجوم والدفاع من دون تعريض الجنود للخطر المباشر27.
كذلك، تستثمر الولايات المتحدة في الطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة ذاتية التشغيل. يُحوّل برنامج تطوير القتال الجوي التابع لوكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة DARPA مقاتلات F-16 إلى طائرات مسيّرة بالذكاء الاصطناعي للمعارك الجوية28. كما أنشأت هذه الوكالة Sea Hunter وهي سفينة بحرية من دون قبطان لدوريات مكافحة الغواصات29. حتى شركات التكنولوجيا المدنية مثل Boston Dynamics، Anduril وElbit وغيرها تُشارك في هذا المجال، حيث تُكيف الذكاء الاصطناعي لدعم استقلالية المركبات العسكرية. يستخدم مشروع Maven الناشئ عن تعاون بين البنتاغون وبالانتير الرؤية الحاسوبية Computer Vision لغربلة الفيديوهات التي تسجّلها الطائرات بدون طيار لتحديد الهدف لجعلها أكثر إستقلالية مثل طائرة MQ-9 Reaper من دون طيار والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتتبع الأهداف30.
4- التدريب
يُعيد الذكاء الاصطناعي صياغة التدريب العسكري بشكلٍ متزايد من خلال توفير بيئات واقعية للغاية قابلة للتكيّف وقائمة على البيانات، تُعزز الجاهزية القتالية مع تقليل التكاليف والمخاطر التشغيلية. يُمكّن الذكاء الاصطناعي القوات المسلحة من إجراء تدريب قائم على سيناريوهات محددة من خلال منصات المحاكاة المتقدمةAdvanced Simulation Platforms، تحاكي ظروف ساحة المعركة الحالية والمستقبلية وتشمل الهجمات الإلكترونية، الاشتباكات مع الأنظمة غير المأهولة، الحرب في الأماكن المبنية والعمليات متعددة المجالات. تتعلم هذه الأنظمة الذكية من سلوك المتدربين وتعدّل مستويات الصعوبة آنيًا، ما يوفر مسارات تدريب مخصصة Customized تُعزز عملية اتخاذ القرار في ظل ظروف عدم اليقين31. على سبيل المثال، قامت شركة لوكهيد مارتنLockheed Martin بدمج نظارات الواقع المعزز VR Headsets المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تدريب طياري المقاتلات تسمح للطيارين بالقتال الجوي ضد خصوم افتراضيين في الوقت الفعلي ضمن محاكاة مصممة بتقنية الذكاء الاصطناعي. هذا يُلغي الحاجة إلى استخدام طائرات حية باهظة الثمن ويوسع نطاق سيناريوهات التدريب32.

تتيح أدوات الواقع الافتراضي والمعزّز Enhanced and Virtual Reality المدعومة بالذكاء الاصطناعي للجنود التدرب على المهام مع تصوير دقيق للتضاريس، تكتيكات الخصم والمتغيرات البيئية، ما يُحسّن الوعي الظرفي والمرونة المعرفية33. علاوة على ذلك، يمكن لخوارزميات التعلم الآلي نمذجة سلوك الخصم بشكلٍ أكثر ديناميكية من عمليات المحاكاة النصية التقليدية، ما يعزز تحديات الفرق المتدربة ويجعلها أكثر واقعية عاكسًا بشكلٍ أفضل الخصوم التنافسيين والمتكيفين34. توفّر شركة Canadian Aviation Electronics للمحاكاة والتدريب أنظمة تعتمد على التعلم الآلي تُنشئ محاكاة قتالية تكيفية للقوات البرية، حيث يعدّل الذكاء الاصطناعي سلوك الخصم بناء على قرارات المتدرب في الوقت الفعلي35.
بالإضافة إلى ذلك، يسهّل دمج الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات التدريب المباشر على أهداف ذاتية الحركة قادرة على المناورة بشكلٍ غير متوقع، ما يحسّن مهارات الرماية والتتبع والتنسيق التكتيكي. كما تؤدي التحليلات المحسّنة بالذكاء الاصطناعي دورًا حاسمًا إذ تُمكّن من تقييم أداء الأفراد والوحدات من خلال البيانات البيومترية، المقاييس السلوكية وأتمتة المراجعة بعد العملية، ما يُوفر للقادة فهمًا أعمق للجاهزية العملياتية في نهاية المناورة التدريبية. تتعاون شركة بوسطن ديناميكس Boston Dynamics مع وكالات الدفاع لنشر روبوتات أرضية ذاتية الحركة ورشيقة كأهداف تدريب على المناورة الحية، ما يجبر المتدربين على التكيف مع سلوك الآلة غير المتوقع وتطوير تكتيكات للتعاون بين الإنسان والآلة36.
تُظهر هذه القدرات مجتمعة أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تدريب مساعدة، بل هو مضاعف قوة متطور يغير كيفية استعداد الجيوش للحرب. من خلال توسيع نطاق الدقة وقابلية التوسع والقدرة على التكيف في بيئات التدريب، يساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قوى أكثر مرونة وخبرة ورشاقة قادرة على التعامل مع تعقيدات الصراع الحديث37.
ثانيًا: دراسات حالة
1- الولايات المتحدة
تتفوّق الولايات المتحدة في هذا المجال التكنولوجي إذ تستفيد من أنظمة الذكاء الاصطناعي والبيانات وابتكارات الشركات الكبرى في وادي السيليكون. على سبيل المثال، حصلت شركة بالانتير - التي غالبًا ما توصف بأنها مركز الذكاء الاصطناعي العسكري - على أكثر من مليار دولار من عقود البنتاغون في السنوات الأخيرة. أصبح برنامج Maven Smart الخاص بها الآن جزءًا لا يتجزأ من القيادة والتحكم في المجالات الأميركية كافة (CJADC2)38.
تؤمّن شركة سبيس إكس وهي شركة فضاء تجارية الآن عمليات عسكرية. فإلى جانب إطلاق الأقمار الصناعية العسكرية، أصبح أسطولها من ستارلينك شريان حياة في أوكرانيا. فقد نشر الأوكرانيون، بتمويلٍ من سبيس إكس أولًا، والآن بمساعداتٍ أمريكية، 2000 وحدة ستارلينك للحفاظ على الإنترنت في مناطق القتال39.
وهكذا تُظهر الحالة الأميركية نموذجًا مدفوعًا بالسوق، حيث تقوم الشركات الخاصة طواعية بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وعرضها، ويعمل البنتاغون كعميل. تقدّم الدولة الدعم من خلال التمويل والطلب ولكنها لا تمتلك هذه الشركات أو تسيطر عليها بشكلٍ مباشر.
عالميًا، لا تزال الشركات الأميركية تهيمن على سوق التكنولوجيا العسكرية40. مع ذلك، فإن هذه الهيمنة هي سلاح ذو حدَين: تستفيد منها الدولة لتحقيق الريادة في الموقع إنما قد تخرج عن سيطرتها. أظهر مثال ستارلينك كيف يمكن لقرارٍ غير منسق من قبل أحد الرؤساء التنفيذيين أن يجبر على استجابة سياسية. وبالتالي، فإن الاستراتيجية الأميركية الآن لا تتضمن بناء الأسلحة فقط، ولكن مواءمة حوافز وادي السيليكون مع الأهداف الوطنية أيضًا وهي مهمة غير مسبوقة وحاسمة.
2- الصين
تهدف استراتيجية الاندماج المدني العسكري الرسمية لبكين إلى الاستفادة من القطاع الخاص لتحديث جيش التحرير الشعبي الصيني41. في الممارسة العملية، يعني هذا أن الخط الفاصل بين شركات التكنولوجيا المدنية والصناعات الدفاعية قد تم طمسه عمدًا. أطلقت الحكومة الصينية على عمالقة الإنترنت اسم أبطال وطنيين للذكاء الاصطناعي وعيّنت بايدو Baidu وعلي بابا AliBaba وتينسنت Tencent صراحة في العام 2017 لقيادة تطوير الذكاء الاصطناعي في البلاد42. على الرغم من أن هذه الشركات ليست مملوكة للدولة، إلا أنها تتعاون بشكلٍ وثيق مع الجيش. على سبيل المثال، تعمل مختبرات أبحاث بايدو على المركبات ذاتية القيادة والتعرف على الصوت التي يمكن تكييفها للقوافل العسكرية أو استخبارات سلاح الإشارة. كما تم تكليف هواوي Huawei بتوفير البنية التحتية لشبكة الجيل الخامس بطرقٍ آمنة وقابلة للتحكم من شأنها تلبية احتياجات جيش التحرير الشعبي الصيني43.

تُحكم الصين قبضتها على الاستراتيجية والأمن بشكلٍ عام، وتمارس سلطتها التنظيمية والمالية لتوجيه قطاع التكنولوجيا نحو أهداف الدفاع من خلال مزيج من الحوافز (العقود، والإعانات) والتكليفات. على سبيل المثال، يرتبط بناء شبكات الجيل الخامس عالية السرعة من هواوي، ومختبرات تنسينت للذكاء الاصطناعي المستخدمة في الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي بمراكز حوسبة الذكاء الاصطناعي الحكومية. بموجب إطار العمل المشترك بين الحكومة والشركات، يُعد أي ابتكار مدني صالح لازدواجية الاستخدام العسكري44. تعكس العقوبات الأميركية هذا الرأي إذ تُصنّف وزارة التجارة الأميركية الآن العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الصينية سواء أكانت مملوكة للدولة أو خاصة اسميًا على أنها مستخدمة نهائية عسكرية، ما يعكس القلق من أن منتجاتها تُغذي قدرات الجيش الصيني45.
باختصارٍ، تستخدم الدولة استراتيجية الاندماج المدني العسكري لدمج الابتكار التجاري في البرامج العسكرية. يشير محللون إلى أن الإنفاق الحقيقي على البحث والتطوير الدفاعي في الصين قد يتجاوز الميزانيات المبلغ عنها بكثيرٍ، وأن حصة كبيرة من هذا الإنفاق تخصص لتطوير الذكاء الاصطناعي والتقنيات ذات الصلة46. يتناقض نموذج الصين بشكلٍ حاد مع النظام الأميركي، لكن كلاهما يوضح كيف أن الشركات الخاصة ستكون مركزية في حروب القرن الحادي والعشرين.
3- أوروبا
يختلف وضع أوروبا تمامًا، إذ يتسم بالتشرذم والاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الخارجية. تُدرك حكومات الاتحاد الأوروبي الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، إلا أن القارة تفتقر إلى شركات تقنية محلية عملاقة تُضاهي تلك الموجودة في الولايات المتحدة أو الصين. كما يشير تقرير إحاطة الاتحاد الأوروبي لعام 2025، لا توجد أي شركة أوروبية من بين أكبر 15 شركة تقنية عالمية، ولم تتلقَّ الشركات الأوروبية سوى حوالى 9 مليارات يورو من استثمارات الذكاء الاصطناعي في العام 2023، مقارنة بأكثر من 62 مليار دولار في الولايات المتحدة47.
إن الصناعات الدفاعية المنقسمة تزيد من هذا الأمر. تشتري العديد من دول الاتحاد الأوروبي أنظمة منفصلة ومتشابهة بدلًا من اختصارها بمنصةٍ مشتركة واحدة48. حتى بعد أن أدت الحرب الروسية الأوكرانية في العام 2022 إلى زيادة الميزانيات، لا يزال الإنفاق الدفاعي لأوروبا أقل بكثيرٍ من إنفاق الولايات المتحدة أو الصين. علاوة على ذلك، فإن اعتماد أوروبا على العلاقات عبر الأطلسي يعني أنها غالبًا ما تلجأ إلى التكنولوجيا الأميركية. والجدير بالذكر أنه في ربيع العام 2025، أعلن حلف شمال الأطلسي أن قيادته المتحالفة ستعتمد نظام Maven Smart من Palantir وهو منتج أميركي للعمليات التي تدعم الذكاء الاصطناعي على مستوى التحالف49. يؤكد هذا القرار أن الجيوش الأوروبية لا تزال تعتمد على الذكاء الاصطناعي التجاري الأميركي.
لكن الاتحاد الأوروبي يسعى لتغيير هذا الواقع عبر تمويل المشاريع في تكنولوجيا الدفاع الأوروبية. هو قام بزيادة الاستثمار في الشركات الناشئة في مجال الدفاع الأوروبي ثلاث مرات من 2021 إلى 2024 مقارنة بالفترة السابقة50، وفي العام 2024 وحده جمعت الشركات الناشئة في مجال الدفاع والأمن ما يقرب من 5.2 مليار دولار51. أطلق الاتحاد الأوروبي صندوق الدفاع الأوروبي ومبادرات الابتكار DIANA وNIF لتعزيز القدرات المحلية. غير أن هذه الجهود جديدة نسبيًا وصغيرة الحجم. يؤدي خليط اللغات واللوائح وقواعد المشتريات في الكتلة إلى إبطاء التوحيد والتكامل. يركّز الاتحاد الأوروبي على نص إرشادات أخلاقية ووضع ضوابط لتصدير الذكاء الاصطناعي العسكري، لكنه يفتقر إلى رائد دفاعي صناعي يشبه Palantir أو SpaceX.
بالنتيجة، تحتل أوروبا اليوم موقعًا متوسطًا. بدأت شركاتها الدفاعية العريقة وشركاتها الناشئة الصاعدة في تبنّي الذكاء الاصطناعي، لكن القفزات الأكبر تأتي من الخارج. ستعتمد القوة العسكرية المستقبلية للقارة على قدرتها على التغلب على التشرذم وتعزيز قاعدتها التقنية الخاصة، أو ما إذا كانت ستظل مرتبطة استراتيجيًا بالولايات المتحدة والمنصات الحليفة. يعظّم الاتكال الأوروبي على الشركات الأميركية من أهمية هذه الشركات.
يشير كل ما سبق إلى اندلاع سباق تسلّح عالمي، مدعوم بشكلٍ متزايد بالذكاء الاصطناعي التجاري. من القارة الأميركية إلى بحر الصين الجنوبي، ومن الأجهزة المحمولة إلى الاستطلاع الفضائي، توفر شركات التكنولوجيا الخاصة الخوارزميات ومنصات البيانات والأجهزة التي تحرك حروب القرن الحادي والعشرين. بشكلٍ عام، تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في معالجة سيل البيانات في الحرب الحديثة. تمنح الرؤى القائمة على البيانات القوات عمقًا في الوعي لم يكن من الممكن تحقيقه من قبل52. لا يزال الضباط والجنود البشريون ضروريين، لكنهم يتعاونون بشكلٍ متزايد مع مطوّري الذكاء الاصطناعي. يطال هذا التحول المرتكز على البيانات عدة مجالات، هو يؤثّر في كيفية التخطيط للهجمات - الاستهداف الدقيق بمساعدة الخوارزميات، وكيفية استجابة الدفاعات - الاعتراضات المستقلة، وحتى كيفية شن الحروب في الفضاء الإلكتروني والمعلومات.
لقد بدأ دمج الذكاء الاصطناعي الخاص في الدفاع بالفعل في تغيير موازين القوى العالمية. أولًا، يعني هذا أن القوة العسكرية للدولة لم تعد تقتصر على المقدّرات التقليدية، بل أصبحت ترتبط بالشركات المتقدمة تقنيًا والدول التي تستضيفها. تعمل شركات وادي السيليكون العملاقة على تضخيم نفوذ الولايات المتحدة من خلال حظوها بتمويلٍ ضخم وامتلاكها البنية التحتية للبيانات. يمنح الذكاء الاصطناعي أفضلية لأي دولة قادرة على تسخير تقنياته. إن استخدام أوكرانيا للذكاء الاصطناعي الغربي وتكنولوجيا الأقمار الصناعية هو مثال على ذلك: على الرغم من التفاوتات الهائلة في القدرات العسكرية، تمكّنت أوكرانيا من الصمود نسبيًا بوجه روسيا بفضل التقنيات الخاصة المتطورة53.
ثانيًا، من يتحكم في البيانات والخوارزميات يكتسب ميزة عسكرية مهمة. نتيجة لذلك، إن شركات التكنولوجيا ستؤثر بعمقٍ على نتائج الصراع54. تمتلك الشركات غير الحكومية الآن قدرات إلكترونية تنافس أو حتى تتجاوز قدرات دول بأكملها55. هذا يعني أن القوة العسكرية مملوكة جزئيًا لمن يتحكم في مراكز البيانات الرئيسة ومختبرات الذكاء الاصطناعي.
ثالثًا، تدور المنافسة بين الولايات المتحدة والصين بشكلٍ متزايد حول تطوير التكنولوجيا الحديثة والاستفادة منها. تخشى كلتا الدولتَين من أن تتفوق عليها شركات التكنولوجيا التابعة للأخرى. يهدف نموذج الاندماج الذي تقوده الدولة في الصين إلى ضمان خدمة ابتكاراتها الخاصة للدفاع الوطني، بينما تستخدم الولايات المتحدة حوافز السوق لإبقاء المواهب التكنولوجية منخرطة في مشاريع الدفاع. ستشكل نتيجة هذه المنافسة القوة العالمية المستقبلية. إن نجاح النماذج الأميركية والصينية أو فشلها سيحدد مسارات القوة الكبرى المستقبلية والنجاح في ساحة المعركة56.
رابعًا، تعمل خصخصة التكنولوجيا العسكرية على إعادة توزيع القوة من خلال توسيع نطاق الجهات الفاعلة المؤثرة. تتحد المعايير التقليدية للقوة الوطنية أي الناتج المحلي الإجمالي والقوى العاملة الآن مع القدرة التكنولوجية والتحالفات بين الشركات. تتمتع الولايات المتحدة حاليًا بميزةٍ لأن شركاتها مثل Microsoft وSpaceX وOpenAI تدفع القدرات الرائدة57، لكن الصين تعمل بجهدٍ لتعبئة قطاع التكنولوجيا الخاص بها المتمثّل بشركاتٍ عملاقة مثل Baidu وTencent وHuawei تحت إشراف الدولة. إذًا، من يوفّق بشكلٍ أفضل بين الابتكار الخاص المتطور والأهداف العسكرية الاستراتيجية سيكتسب نفوذًا كبيرًا في الصراعات المستقبلية.
إن الذكاء الاصطناعي ليس سحرًا. هو يعزز قدرات الجيوش ويجعلها أسرع وأذكى وأكثر تشابكًا عبر البر والبحر والجو والفضاء والفضاء الإلكتروني، إلا أن استخدامه في المعارك يثير مخاوف أخلاقية ويطرح إشكاليات تتعلّق بالمحاسبة إذ لا يمكن توزيع المسؤولية بين مصنّع الآلة ومبرمجها ومشغّلها. لن يتوقف العقد القادم على الميزانيات العسكرية فحسب، بل على ابتكارات الشركات التكنولوجية، فهل دخلنا مرحلة تحوّل ميزان القوة نحو الشركات الخاصة؟ كيف سيكون مستقبل القوة العسكرية؟ وهل سيتمكّن المجتمع الدولي من ضمان الاستخدام الأخلاقي لهذه التقنيات؟

القسم الثاني
هل تُبرمج الحروب في المستقبل؟
في مشهد دولي سريع التطور، برز الذكاء الاصطناعي كواحدٍ من أكثر الابتكارات تحويلية التي تُعيد تشكيل أسس القوة العسكرية والأمن العالمي. تاريخيًا، كانت القوة العسكرية تقاس بحجم الجيوش، الترسانات النووية أو بالهيمنة الجوية والبرية والبحرية. أما اليوم، فقد أصبحت القدرة على تصميم الخوارزميات والاستفادة من تحليلات البيانات الآنية ونشر أنظمة ذاتية التشغيل عاملًا أساسيًا في تحديد الميزة الاستراتيجية. لا يقتصر دمج الذكاء الاصطناعي في البنى التحتية الدفاعية على مجرد ترقية تدريجية للقدرات الحالية بل يشير إلى تحوّل جذري في كيفية تصور الردع وكيفية خوض الصراعات وكيفية تحديد الأدوار البشرية في الحرب. يثير هذا التطور تساؤلات ملحة حول مستقبل نظرية الردع الكلاسيكية وبخاصةٍ الردع النووي وما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعزز منطقها أم يزعزعه من خلال ضغط الجداول الزمنية لصنع القرار وتضخيم حالة عدم اليقين الاستراتيجي بين الخصوم.
في الوقت نفسه، يُسرّع الذكاء الاصطناعي من تطوير الحرب الهجينة، حيث يصبح التعاون البشري والآلي مبدءًا عسكريًا أساسيًا. لم يعد الجنود مجهّزين بالبنادق وأجهزة الراديو فحسب، بل بخوذات الواقع المعزز، أنظمة الاستهداف الذكية ومنصات دعم القرار المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تُعيد تشكيل الوعي الظرفي والتنسيق التكتيكي. بالتوازي مع هذا المسار، تعيد الأنظمة المستقلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تعريف الحرب بالوكالة من خلال السماح للدول بالتأثير في النزاعات عن بُعد، بتكلفةٍ سياسية مخفضة ومن دون تدخل عسكري مباشر، ما قد يُطيل أمد المواجهات الإقليمية.
في ظل ذلك، فإن دراسة مستقبل القوة العسكرية في عصر الذكاء الاصطناعي ليست مجرد تكهنات، بل هي ضرورة استراتيجية ملحة. بينما يتيح الذكاء الاصطناعي فرصًا غير مسبوقة للدقة والسرعة والتفوق العملياتي، فإنه يثير مخاطر أيضًا تهدد المعايير القانونية وأطر المساءلة والاستقرار العالمي. إن فهم هذه الثنائية أمر أساسي لتشكيل نظام دولي يعزّز فيه الابتكار التكنولوجي الأمن بدلًا من تقويضه.
أولاًً: مستقبل القوة العسكرية
1- مستقبل الردع العسكري في عصر الذكاء الاصطناعي
يطرح الذكاء الاصطناعي تساؤلات حول التعديلات التي سيحدّثها على نظرية الردع الكلاسيكية وبخاصةٍ الردع النووي. في الأساس يظل المنطق نفسه قائمًا، فلا تزال المخاطر الأساسية للتصعيد تتصل إلى حدٍّ كبير بعلم النفس البشري ومشاعر صناع القرار وخياراتهم السياسية، وبالتالي يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تدعم عملية اتخاذ القرار واستراتيجية الردع من دون أن تغيّرها بشكلٍ أساسي58. بالمثل، إن الدروس المستقاة من الحرب الباردة حول الدمار المتبادل المؤكد والتحكم في التصعيد والاستهداف المرن والتوازن لا تزال أساسية في عصر الذكاء الاصطناعي، شريطة أن يقوم صناع السياسات بتكييفها بطريقةٍ مميزة59. بمعنى آخر، لم يجعل الذكاء الاصطناعي الردع عتيقًا لكنه غيّر مظهره.
في الوقت نفسه، يدخل الذكاء الاصطناعي شكوكًا جديدة مؤثرة في معادلة الردع، أهمها عدم يقين الدول من قدرات خصومها في هذا المجال. فعندما تكون قدرات الذكاء الاصطناعي لدى أحد الجانبيَن غير معروفة، يميل صناع القرار إلى التصرف بشكلٍ أكثر عدوانية ويندفعون إلى تبنّي موقف التصعيد لخفض التصعيد خوفًا من تمتّع العدو بميزةٍ مفاجئة60. مكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يعطي الدول وقادتها شعورًا بالتفوّق وفائض القوة ويغريها لإجراء ضربات على الخصوم61. لدرء التصعيد، يجب مضاعفة جهود الإنذار المبكر ومحادثات الاستقرار والاتصالات في حالات الأزمات مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن الذكاء الاصطناعي معرّض لارتكاب الأخطاء62.
2- الحرب الهجينة: العمل الجماعي بين الإنسان والآلة
أصبحت الحروب تتسم بشكلٍ متزايد بمزيجٍ من المبادرة البشرية والأتمتة الآلية. على مستوى القادة واتخاذ القرارات، تمكّن أنظمة دعم القرار بالذكاء الاصطناعي القائد العسكري من معالجة بيانات ساحة المعركة المستقاة من أجهزة المراقبة والاستشعار وتقترح مكان الضربة أو التعزيز، مع الإبقاء على القرار النهائي بيد صانع قرار بشري63.
على مستوى المقاتلين، تعمل التكنولوجيا على تعزيز الأفراد بعتادٍ ذكي. يتم تجهيز الجنود بمعداتٍ متقدمة مثل شاشات العرض الرأسية والهياكل الخارجية المزودة بالطاقة. مثال على ذلك، نظام التعزيز البصري المتكامل IVAS التابع للجيش الأميركي وهو خوذة الواقع المعزز التي تعرض صور الأشعة تحت الحمراء والخرائط الرقمية وأجهزة الاستشعار على رؤية الجندي. تدخل الكلاب الروبوتية أو المركبات غير المأهولة التي تحمل الإمدادات أو توفر المراقبة الخدمة، ما يتطلب من المشاة تعلم مهارات جديدة في التحكم بها أو التعاون معها64.
بالنظر إلى المستقبل البعيد، يتم استكشاف التحسينات الحيوية أيضًا. تقوم وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة DARPA ووكالات بحثية أخرى بدراسة مدى قدرة ربط الدماغ والحاسوب، وبالتالي الإدراك البشري بالبرمجيات مباشرة. فعلى سبيل المثال، أجرت هذه الوكالة أبحاثًا على غرسات تعرض شاشات الكمبيوتر مباشرة على القشرة البصرية، واستكشفت شركات مثل Neuralink المدعومة من Elon Musk موضوع زرع شرائح تدمج الدماغ البشري مع الذكاء الاصطناعي65.
من الناحية النظرية، يمكن لهذه التقنيات تسريع رد فعل الإنسان واتخاذه للقرار بشكلٍ كبير، تنشيط دماغ الجنود لتذكّر معلومات على الفور، تمكين الجنود من مشاركة النوايا عن بُعد عبر الشبكات العصبية المشفرة أو مقاومة اضطراب ما بعد الصدمة من خلال المرونة العصبية الاصطناعية. بينما تظل هذه الغرسات العصبية تجريبية، فإن سعيها يوضح مدى جدية الجيوش في دمج الإنسان والآلة.
يمكن أن تُسفر هذه التطورات عن مزايا قوية. يمكن لوحدةٍ هجينة مزودة بمستشار ذكاء اصطناعي الاستجابة بشكلٍ أسرع وأكثر دقة من قوة بشرية بحتة. على سبيل المثال، سمح استخدام أوكرانيا لطائرات من دون طيار صغيرة بالتنسيق مع المدفعية للمشاة بالاشتباك مع القوات الروسية بفاعليةٍ. مع ذلك، فإن هذه التكنولوجيات معرضة أيضًا للهجوم الإلكتروني أو الحرب الإلكترونية أو ببساطةٍ أخطاء البرامج. يمكن أن يؤدي خطأ في خوارزمية استهداف الذكاء الاصطناعي إلى فشل المهمة، وبالتالي، يجب على القادة ضمان بقاء الحكم البشري محوريًا للقرارات الحاسمة حتى في أثناء إشرافهم على الأنظمة المستقلة66.
3- الحرب بالوكالة عبر الأنظمة الذكية
أخيرًا، يُغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة الحروب بالوكالة والصراعات غير المباشرة. تستخدم الدول بشكلٍ متزايد الأنظمة المستقلة لممارسة الضغط من دون تدخل مباشر مثل الطائرات المسيّرة والروبوتات غير المأهولة التي يمكن إرسالها خلف خطوط العدو بتكلفةٍ سياسية ضئيلة، لأن خسارتها لا تسبّب خسائر بشرية وتكلفتها غير باهظة نسبيًا67. تسمح هذه الأسلحة البعيدة المدى إن تم تزويدها للوكلاء بمضايقة الخصوم بتكلفة ٍمنخفضة.

الأمر الحاسم هو أن الطائرات من دون طيار الرخيصة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تصحح اختلالات القوة في الصراعات بالوكالة. يمكن للتكنولوجيا التي تكلف مئات الدولارات فقط أن تدمر دبابة بملايين الدولارات أو بنية تحتية حيوية. يتيح هذا التحول في القوة النارية للجماعات المسلحة الصغيرة تهديد قوات تقليدية أكبر بكثيرٍ، والنتيجة هي حروب طويلة الأمد حيث تستمر الصراعات المحلية إلى أجل غير مسمى. على سبيل المثال، في العديد من أجزاء أفريقيا تسمح الطائرات من دون طيار للجماعات المسلحة بمقاومة القوات الحكومية أو الميليشيات المنافسة من دون السيطرة على الأراضي بأنفسهم، مع الحفاظ على إمكانية الإنكار من قبل الحكومة الداعمة68.
غيّرت الطائرات من دون طيار الرخيصة والصواريخ المعبأة في حاويات التي تناسب صناديق الشحن بالفعل كيفية شن الحروب، وأتاحت زيادات سريعة في القوة النارية من دون تضييع أوقات الإنتاج الطويلة للأجهزة التقليدية69. في جوهرها، أصبحت الطائرات من دون طيار هي الوكلاء الجدد: يمكن للدولة أن تهدم المدن بالروبوتات الطائرة بدلًا من الجنود مقلّصة بشكلٍ كبير من التكلفة السياسية والبشرية للتدخل. مع ذلك، يمكن لهذه الأسلحة أن تفاقم الصراع بسهولةٍ، فيمكن لحادثٍ بسيط كتخريب خط أنابيب أن يؤدي إلى إطلاق طائرات من دون طيار مسلحة تضرب عشرات الأهداف، ومن دون إعلان رسمي للحرب.
ثانيًا: التحديات والمخاطر
إن تطوّر أنظمة الأسلحة المستقلة AWSL أي الروبوتات والخوارزميات التي يمكنها اختيار الأهداف والإشتباك معها من دون تدخل بشري، يطرح تحديات قانونية وأخلاقية عميقة. أحد الشواغل الأساسية هو المساءلة: إذا ارتكبت طائرة من دون طيار يتم التحكم فيها بواسطة الذكاء الاصطناعي جريمة حرب، فمن المسؤول؟ هنا، لا يمكن تحميل أي إنسان واضح المسؤولية عن عمليات القتل غير القانونية التي يرتكبها نظام مستقل. يجادل خبراء حقوق الإنسان بأن هذه الفجوة تقوّض كل من العدالة والروادع العقابية: فمن دون تجريم أي طرف لا يصل الضحايا إلى العدالة ولا يردع العقاب المتحاربين. عندما تحدد خوارزمية هدفًا بشكلٍ مستقل، فقد يكون من المستحيل تتبع منطقها أو عملية اتخاذ القرار التي يمكن وصفها بـالصندوق الأسود، ما يجعل من الصعب مقاضاة أي شخص بعد ذلك70.
كذلك، تثير أسلحة الذكاء الاصطناعي أسئلة جوهرية حول جواز استخدامها بموجب قوانين الحرب. يفرض القانون الإنساني الدولي التمييز أي التفريق بين المقاتلين والمدنيين، التناسب أي الحد من الأضرار الجانبية والضرورة أي استخدام القوة المميتة فقط عند الحاجة. يشك العديد من الخبراء الآن في قدرة الذكاء الاصطناعي على تلبية هذه المعايير. تفتقر أسلحة الذكاء الاصطناعي إلى الحكم البشري أو الإدراك الدقيق أو التعاطف كما تفتقر إلى القدرة البشرية الفريدة على تقييم التناسب وضمان أن تكون القوة هي الملاذ الأخير. يشير ذلك إلى أن أسلحة الذكاء الاصطناعي قد تسيء تفسير الإشارات غير الضارة وتشتبك مع الأهداف بشكلٍ تعسفي71. بالنتيجة، تشكّل أسلحة الحرب المستقلة تحديات قانونية وأخلاقية وإنسانية خطيرة، لذلك يجب أن تعتمد الدول قواعد ملزمة قانونًا لضبط تطوير هذه الأسلحة واستخدامها72.
تشكّل الأخطاء الخوارزمية والتحيز مخاطر إضافية. لا يخلو الذكاء الاصطناعي المتطور من المخاطر سيما وأن أخطاءه الصغيرة قد تكون كارثية: قد يخطئ الذكاء الاصطناعي المعتمد على الرؤية الحاسوبية Computer Vision في التعرف على سيارة إسعاف على أنها حاوية صواريخ كما قد تصنف أنظمة الذكاء الاصطناعي المدربة على بيانات متحيّزة أعضاء مجموعة أقلية على أنهم معادون73. من دون إشراف بشري دقيق، يمكن أن تتسبب الإخفاقات الخوارزمية في أضرار جسيمة للمدنيين.
تسعى الحكومات والهيئات الدولية للاستجابة لهذا الواقع الخطير. في أواخر العام 2024، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بأغلبيةٍ ساحقة (166-3) يدعو إلى وضع معايير قانونية جديدة للأسلحة المستقلة74، وقد توصلت المناقشات إلى اتفاق واسع النطاق بشأن المبادئ التي ترتكز على أن الإنسان يجب أن يظل مسؤولًا أخلاقيًا وقانونيًا عن أي استخدام للقوة، وأنه يجب حظر الأنظمة غير القادرة على الإشراف البشري الهادف. مع ذلك، تختلف الدول حول كيفية التنظيم، لكن تحقيق قواعد ملزمة يتطلب عملًا دؤوبًا وتغليب المصلحة العامة على مصالح الدول، بالإضافة إلى تضمين ضمانات تصميم واختبارات صارمة تقلّل من الاستقلالية وتضع ضوابط لإنتاج الأسلحة المستقلة وتشغيلها75.
يجلب اندماج الذكاء الاصطناعي والصناعات الحربية مخاطر جسيمة. من دون معايير واضحة، يمكن أن تؤدي أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى اشتباكات غير مقصودة: إذا أخطأ أحد أجهزة الاستشعار في تحديد هدف أو إذا هلوست خوارزمية، فقد تُفقد أرواح. يطفو إلى السطح أيضًا خطر اندلاع سباق تسلح غير منضبط، يحذر الخبراء بصراحةٍ من أنه قد لا يكون هناك فائزون فيه بل صراع متزايد ومتسارع يصعب ضبطه76.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على عدد قليل من الموردين الرئيسين يتحكّمون بالسوق والإنتاج يخلق نقاط فشل استراتيجية تتمثّل في سلسلة التوريد Supply Chain، فمن ناحية يسبّب تضرر جزء من السلسلة ضررًا للآخرين، ومن ناحية أخرى يمكن إدخال مكونات ضارة أو معيبة في المراحل الأولى من قبل شركة في دولة منافسة ما يُقوّض النظام قبل نشره.

تشكّل المشتريات والعقود تحديات أيضًا. تسارع الحكومات إلى شراء عقود تتعلق بالذكاء الاصطناعي من شركات خاصة، لكن هذا يمكن أن يُقوّض الرقابة. يحذر في هذا الإطار من أن إطلاق العنان للابتكار قد ينتج أنظمة باهظة الثمن وغير مختبرة بشكلٍ كافٍ77. فمن دون اختبارات دقيقة، قد تُثبت قدرات الذكاء الاصطناعي الموعودة عدم موثوقيتها.
أخيرًا، ينبغي التطرّق إلى تضارب المصالح بين القطاعَين العام والخاص. فقد تجد الحكومات نفسها مقيدة بمصالح الشركات أو بقوى السوق. من جهة الشركات، هي تتردّد في نقل كامل هياكل الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى الحكومة بسبب مخاوف تتعلق بالملكية الفكرية لابتكاراتها ومخاوف أخرى تتصل بجرّها إلى مجالات حساسة أخرى لا تنوي الانخراط بها كتوجيه المحتوى في منصات التواصل الاجتماعي على سبيل المثال. أما الحكومات فتخشى أن تفقد قدرتها التكنولوجية المستقلة وبالتالي قرارها لصالح الشركات الخاصة.
باختصارٍ، يُعيد الذكاء الاصطناعي والاستقلالية تشكيل الحرب على جبهات متعددة. يجب أن يتكيف مبدأ الردع مع الآلات التي تفكّر وتتّخذ القرارات أسرع من البشر ويجب إعادة تنظيم الجيوش كفرقٍ هجينة بشرية آلية. ما يبدو واضحًا هو أنه في عصر الذكاء الاصطناعي، ستعتمد القوة العسكرية على الخوارزميات والبرمجيات بقدر اعتمادها على الجنود والفولاذ وستُخاض حروب الغد في وادي السيليكون بقدر ما ستُخاض في الرمال. بينما يوفر الذكاء الاصطناعي وقطاع التكنولوجيا مزايا هائلة، إلا أنهما يشكلان مخاطر تتمثّل بالاعتبارات الأخلاقية وتشوهات السوق وسباق التسلح غير المنضبط. إن ضمان أن يفيد الذكاء الاصطناعي البشرية لا أن يُدمرها يتطلب معايير سلامة وحوكمة مشتركة عبر الحدود78. ستكون معالجة هذه التحديات ضرورية لتسخير الإمكانات العسكرية للذكاء الاصطناعي من دون تقويض السلم والأمن الدوليَين.
الخلاصة
بالمحصلة، يُرجّح أن يزداد دمج الذكاء الاصطناعي في الوظائف العسكرية الروتينية في المستقبل القريب وأن يتم استخدام الأنظمة ذاتية التشغيل وشبه ذاتية التشغيل وأجهزة الاستشعار ومراكز البيانات بشكلٍ أكبر داخل ساحة المعركة وخارجها: المزيد من الطائرات المسيرة، الخدمات اللوجستية الروبوتية وأجهزة محاكاة التدريب المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ستزداد الحدود الفاصلة بين الحروب السيبرانية والفضائية والتقليدية ضبابية، مع اندماج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات ناشئة أخرى، أجهزة استشعار كمية Quantum Sensors وصواريخ فرط صوتية Supersonic Missiles... لخلق قدرات جديدة.
من الناحية الجيوسياسية، تواصل الولايات المتحدة والصين التنافس على تفوق الذكاء الاصطناعي، وفرض ضوابط على نقل المواهب والتكنولوجيا، وربما تشكيل معايير وتحالفات متنافسة حول منصاتهما الخاصة.
أيضًا وكما يبدو، ستتوسّع استعانة الجيوش بمصادر خارجية لخدمات المعارك من القطاع الخاص تحت إشراف حكومي. مع ذلك، وبغض النظر عن الابتكار، فإن التحول الأساسي هو أن النصر في الحرب سيعتمد بشكلٍ متزايد على البيانات والخوارزميات والفائز المستقبلي سيكون القوة التي تتقن تدفق المعلومات الرقمية عبر ساحة المعركة79.
ستكون الجيوش ذات الوعي الظرفي المتفوق والكفاءة اللوجستية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي هي صاحبة اليد العليا، ما يجعل السيطرة على قدرة الذكاء الاصطناعي في القطاع الخاص أصلًا استراتيجيًا.
للتنقل في هذا المشهد الجديد، يجب على صانعي السياسات والقادة العسكريين الموازنة بين الابتكار والتحكم. أولًا، يجب على الحكومات الاستثمار في خبراتها وبنيتها التحتية في مجال الذكاء الاصطناعي لتجنب الاعتماد المفرط على عدد قليل من الشركات. يعني ذلك تمويل البحث والتطوير الوطني وضمان إنتاج الرقائق والخوارزميات وغيرها من التكنولوجيات الحديثة محليًا. يجب تشجيع الشراكات بين القطاعَين العام والخاص إنما مع ضمانات، كأن تتضمن عقود الدفاع للذكاء الاصطناعي اختبارات صارمة، عمليات تدقيق للأداء ومعايير للأمن السيبراني80. لا بد من الإشارة أيضًا إلى الأهمية البالغة لتثقيف القادة العسكريين حول الذكاء الاصطناعي، كي يفهموا مزاياه وعيوبه. يرى القادة بمساعدة تحليلات البيانات المتقدمة أبعد ويتصرفون بشكلٍ أسرع من أولئك الذين لا يملكون هذه التكنولوجيا81.
ثانيًا، يجب على الحكومات التفاعل مع الشركات الخاصة استراتيجيًا من خلال تنمية قوة عاملة مستقرة من علماء البيانات وتقديم حوافز لشركات التكنولوجيا للعمل في مشاريع أمنية. في الوقت نفسه، يجب أن تحافظ على نفوذها على المتعاقدين وألا تُضعف رقابتها بذريعة السرعة82، بل يجب على المشرعين مقاومة أي تراجع عن ضوابط الأسعار أو الاختبارات التي قد تؤدي إلى إنفاق مُبذّر أو أسلحة غير آمنة. كما يجب تحديث المعايير التي تحول دون وقوع البيانات أو التقنيات الحيوية في أيدي الخصوم.
ثالثًا، ينبغي على الدول وضع مبادئ وإرشادات أخلاقية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي. يجب نص معايير واتفاقيات دولية قوية لتنظيم الذكاء الاصطناعي العسكري تتناول على سبيل المثال لا الحصر، وضع حدود للأسلحة ذاتية التشغيل، تدابير للشفافية وبروتوكولات مشاركة البيانات83.
ينذر المشهد العالمي الحالي أيضًا باندلاع سباق تسلّح وتشكّل تكتلات شبيهة بالحرب الباردة. لتجنّب ذلك، ينبغي على صانعي السياسات الضغط لسنّ اتفاقيات دولية من شأنها ضبط التسلح بالذكاء الاصطناعي. حتى لو كان الحظر الكامل على أسلحة الذكاء الاصطناعي مستبعدًا، يمكن للحكومات التعاون في وضع معايير محددة مثل خطوط حمراء متبادلة، قواعد بيانات مشتركة للخوارزميات العدائية لتعزيز الدفاعات وأبحاث مشتركة حول سلامة الذكاء الاصطناعي. يكمن الهدف من ذلك في ضمان أن يخدم الذكاء الاصطناعي البشرية بدلًا من أن يصبح خطرًا منفلتًا84. لا يُمكن للدول تسخير الذكاء الاصطناعي من القطاع الخاص لتعزيز الأمن بدلًا من تقويضه إلا من خلال الجمع بين الاستشراف الأخلاقي والرؤية الاستراتيجية، لكن إلى أي مدى يمكن أن تنجح الدول في تحقيق توازن دقيق بين تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي العسكرية لحماية أمنها القومي، وبين الالتزام بإطارٍ دولي منسّق يضمن ألا يتحوّل هذا التطور إلى عامل يعيد تشكيل النظام الدولي نحو صدامات وصراعات جديدة؟
قائمة المراجع
الكتب والمقالات:
1. ALVAREZ Jimena, The risks and inefficacies of AI systems in military targeting support, International Committee of the Red Cross, 2024. https://blogs.icrc.org/law-and-policy/2024/09/04/the-risks-and-inefficacies-of-ai-systems-in-military-targeting-support/
2. APPS Peter, Military AI Revolution Heightens Competition for Defence Tech Contracts, Reuters, 2025. https://www.reuters.com/technology/artificial-intelligence/military-ai-revolution-heightens-competition-defence-tech-contracts-peter-apps-2025-09-05/
3. BALAKRISHNAN Mallika et al., All roads lead to Palantir: A review of how the data analytics company has embedded itself throughout the UK, Privacy International, 2020. https://privacyinternational.org/sites/default/files/2021-11/All%20roads%20lead%20to%20Palantir%20with%20Palantir%20response%20v3.pdf
4. BERGENGRUEN Vera, How tech giants turned Ukraine into an AI war lab, TIME, 2024. https://time.com/6691662/ai-ukraine-war-palantir/
5. CUMMINGS M.L., Artificial Intelligence and the future of Warfare, Chatham house, 2017. https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/publications/research/2017-01-26-artificial-intelligence-future-warfare-cummings-final.pdf
6. FELDSTEIN Steven, The global expansion of AI surveillance, Carnegie Endowment for International Peace, 2019. https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/files__WP-Feldstein-AISurveillance_final1.pdf
7. FIXLER Annie & UZIEBLO Ania, Russia’s AI-Powered Cyberattacks Threaten to Outpace Western Defenses, Foundation for Defense of Democracies, 2025. https://www.fdd.org/analysis/policy_briefs/2025/02/20/russias-ai-powered-cyberattacks-threaten-to-outpace-western-defenses/
8. GLEDHILL Julia, How Acquisition Reform Could Make Military AI More Expensive and Less Safe, Brennan Center for Justice, 2025. https://www.brennancenter.org/our-work/analysis-opinion/how-acquisition-reform-could-make-military-ai-more-expensive-and-less
9. HAMMES T.X., We cannot buy our way out: It is time to think differently, Stimson Center, 2025. https://www.stimson.org/2025/we-cant-buy-our-way-out-drones-portable-missiles/
10. HWANG Euysun, Lethal Autonomous Weapons: The Next Frontier in International Security and Arms Control, Stanford International Policy Review, 2025. https://fsi.stanford.edu/sipr/content/lethal-autonomous-weapons-next-frontier-international-security-and-arms-control
11. JENSEN Benjamin et al., Algorithmic stability: How AI could shape the future of deterrence, Center for Strategic and International Studies, 2023. https://www.csis.org/analysis/algorithmic-stability-how-ai-could-shape-future-deterrence
12. KING Anthony, AI, Automation, and War: The Rise of a Military-Tech Complex, Princeton University Press, USA, 2025. https://www.ingramacademic.com/9780691265148/ai-automation-and-war/
13. LAGUE David, In U.S.-China AI contest, the race is on to deploy killer robots, Reuters Investigates, 2023. https://www.reuters.com/investigates/special-report/us-china-tech-drones/
14. LONERGAN Erica, Exploring the implications of military artificial intelligence for deterrence, Perry World House, 2025. https://perryworldhouse.upenn.edu/news-and-insight/exploring-the-implications-of-military-artificial-intelligence-for-deterrence/
15. MCFAUL Cole et al., Pulling Back the Curtain on China’s Military-Civil Fusion: How the PLA Mobilizes Civilian AI for Strategic Advantage, CSET, 2025. https://cset.georgetown.edu/publication/pulling-back-the-curtain-on-chinas-military-civil-fusion/
16. MILLER Alexander, Silicon Shadow: The Influence of Big Tech in Russo-Ukrainian Cyber Warfare, Cambridge Journal of Political Affairs, 2025. https://www.cambridgepoliticalaffairs.co.uk/2025/01/14/silicon-shadow/
17. NOAH Sylvia, The Use of AI in Gaza: A Case of Misplaced Purpose, Royal United Services Institute, 2024. https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/israel-defense-forces-use-ai-gaza-case-misplaced-purpose
18. OUSMAN Noor, Growing consensus on policy at UN discussions on autonomous weapons systems, but skepticism towards non-binding principles and practices, Stop Killer Robots, 2025. https://www.stopkillerrobots.org/news/growing-consensus-on-policy-at-un-discussions/
19. PERRIN Benjamin, Lethal autonomous weapons systems & international law: Growing momentum towards a new international treaty, American Society of International Law, 2025. https://www.asil.org/insights/volume/29/issue/1
20. RASSER Kelly, AI at War, War on the Rocks, 2023. https://warontherocks.com/2023/04/ai-at-war/
21. REHMAN Iskander, An algorithmic loosening of the atomic screw? Artificial intelligence and nuclear deterrence, Modern War Institute, 2025. https://mwi.westpoint.edu/an-algorithmic-loosening-of-the-atomic-screw-artificial-intelligence-and-nuclear-deterrence/
22. SCHARRE Paul, Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War, W. W. Norton. 2018. https://ftp.idu.ac.id/wp-content/uploads/ebook/tdg/MILITARY%20PLATFORM%20DESIGN/Army%20of%20None%20Autonomous%20Weapons%20and%20the%20Future%20of%20War.pdf
23. USTUN Volkan et al., Adaptive Synthetic Characters for Military Training, arXiv, 2021. https://doi.org/10.48550/arXiv.2101.02185
24. WONG Yuna et al, Deterrence in the Age of Thinking Machines, RAND Corporation, 2020. https://www.rand.org/pubs/research_reports/RR2797.html?
25. WORK Robert O. & ALFORD Greg, Human–machine teaming for future ground forces, Center for Strategic and Budgetary Assessments, 2023. https://csbaonline.org/uploads/documents/Human_Machine_Teaming_FinalFormat.pdf
التقارير والدراسات:
1. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs, How Private Tech Companies Are Reshaping Great Power Competition, Johns Hopkins University SAIS, 2023. https://kissinger.sais.jhu.edu/programs-and-projects/kissinger-center-papers/how-private-tech-companies-are-reshaping-great-power-competition/
2. Army Recognition, Russia’s increasing use of unmanned ground vehicles in Ukraine conflict, 2024. https://www.armyrecognition.com/focus-analysis-conflicts/army/conflicts-in-the-world/russia-ukraine-war-2022/russia-s-increasing-use-of-unmanned-ground-vehicles-in-ukraine-conflict?highlight=WyJydXNzaWEiXQ%3D%3D
3. DefenseScoop, NATO Inks Deal with Palantir for Maven AI System, 2025. https://defensescoop.com/2025/04/14/nato-palantir-maven-smart-system-contract/
4. DefenseScoop, Palantir, Anduril Form New Alliance to Merge AI Capabilities for Defense Customers, 2024. https://defensescoop.com/2024/12/06/palantir-anduril-consortium-ai-new-alliance-merge-capabilities/
5. European Parliamentary Research Service, Defence and Artificial Intelligence (EPRS Briefing 769580), 2025. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/769580/EPRS_BRI(2025)769580_EN.pdf
6. Goldman Sachs, The Future of European Defense, 2024. https://www.goldmansachs.com/insights/articles/the-future-of-european-defense
7. Government of the United Kingdom, New strategic partnership to unlock billions and boost military AI and innovation, GOV.UK, 2025. https://www.gov.uk/government/news/new-strategic-partnership-to-unlock-billions-and-boost-military-ai-and-innovation
8. Human Rights Watch, A hazard to human rights: Autonomous weapons systems and digital decision-making, 2025. https://www.hrw.org/report/2025/04/28/hazard-human-rights/autonomous-weapons-systems-and-digital-decision-making
9. International Committee of the Red Cross, Autonomous weapons. https://www.icrc.org/en/law-and-policy/autonomous-weapons
10. Lockheed Martin, Lockheed Martin and Red 6 Announce Augmented Reality Integration Progress for TF-50, 2024. https://news.lockheedmartin.com/2024-02-12-Lockheed-Martin-and-Red-6-Announce-Augmented-Reality-Integration-Progress-for-TF-50
11. OpenAI, Introducing OpenAI for Government, 2024. https://openai.com/global-affairs/introducing-openai-for-government/
12. Reuters, SpaceX’s Starlink Wins Pentagon Contract for Satellite Services to Ukraine, 2023. https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/pentagon-buys-starlink-ukraine-statement-2023-06-01/
13. Reuters, SpaceX’s Starlink Wins Pentagon Contract for Satellite Services to Ukraine, 2023. https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/pentagon-buys-starlink-ukraine-statement-2023-06-01/
14. Sayari, Chinese Military Companies & Military-Civil Fusion Strategy, 2023. https://sayari.com/resources/chinese-military-companies-under-chinas-military-civil-fusion-strategy/
15. Stockholm International Peace Research Institute, Nuclear risks grow as new arms race looms, 2025. https://www.sipri.org/media/press-release/2025/nuclear-risks-grow-new-arms-race-looms-new-sipri-yearbook-out-now
16. TECH-RAM, الجيش الفرنسي يخت Spot robot في التدريب القت , TECH-RAM, 2021. https://www.tech-ram.com/2021/04/The-French-Army-tests-the-Spot-robot-in-combat-training.html
17. U.S. Army, Artificial intelligence and future warfare, NCO Journal Army University Press, 2025. https://www.armyupress.army.mil/Journals/NCO-Journal/Archives/2025/September/Artificial-Intelligence-and-Future-Warfare/
18. U.S. Cyber Command, USCYBERCOM Unveils AI Roadmap for Cyber Operations, 2024. https://www.cybercom.mil/Media/News/Article/3905064/uscybercom-unveils-ai-roadmap-for-cyber-operations/
الهوامش
1. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs, How Private Tech Companies Are Reshaping Great Power Competition, Johns Hopkins University SAIS, 2023. https://kissinger.sais.jhu.edu/programs-and-projects/kissinger-center-papers/how-private-tech-companies-are-reshaping- great-power-competition/
2. Ibid.
3. Ibid.
4. Ibid.
5. KING Anthony, AI, Automation, and War: The Rise of a Military-Tech Complex, Princeton University Press, USA, 2025. https://www.ingramacademic.com/9780691265148/ai-automation-and-war/
6. RASSER Kelly, AI at War, War on the Rocks, 2023. https://warontherocks.com/2023/04/ai-at-war/
7. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs, Op. Cit.
8. European Parliamentary Research Service, Defence and Artificial Intelligence (EPRS Briefing 769580), 2025. https://www.europarl.europa.eu/RegData/etudes/BRIE/2025/769580/EPRS_BRI(2025)769580_EN.pdf
9. KING Anthony, Op. Cit.
10. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs, Op. Cit.
11. NOAH Sylvia, The Use of AI in Gaza: A Case of Misplaced Purpose, Royal United Services Institute, 2024. https://www.rusi.org/explore-our-research/publications/commentary/israel-defense-forces-use-ai-gaza-case-misplaced-
purpose
12. FELDSTEIN Steven, The global expansion of AI surveillance, Carnegie Endowment for International Peace, 2019. https://carnegie-production-assets.s3.amazonaws.com/static/files/files__WP-Feldstein-AISurveillance_final1.pdf
13. BERGENGRUEN Vera, How tech giants turned Ukraine into an AI war lab, TIME, 2024. https://time.com/6691662/aiukraine- war-palantir/
14. BALAKRISHNAN Mallika et al., All roads lead to Palantir: A review of how the data analytics company has embedded itself throughout the UK, Privacy International, 2020. https://privacyinternational.org/sites/default/files/2021-
11/All%20roads%20lead%20to%20Palantir%20with%20Palantir%20response%20v3.pdf
15. BERGENGRUEN Vera, Op. Cit.
16. Ibid.
17. Government of the United Kingdom, New strategic partnership to unlock billions and boost military AI and innovation, GOV.UK, 2025. https://www.gov.uk/government/news/new-strategic-partnership-to-unlock-billions-and-boost-military-
ai-and-innovation
18. DefenseScoop, Palantir, Anduril Form New Alliance to Merge AI Capabilities for Defense Customers, 2024. https://defensescoop.com/2024/12/06/palantir-anduril-consortium-ai-new-alliance-merge-capabilities/
19. APPS Peter, Military AI Revolution Heightens Competition for Defence Tech Contracts, Reuters, 2025. https://www.reuters.com/technology/artificial-intelligence/military-ai-revolution-heightens-competition-defencetech-
contracts-peter-apps-2025-09-05/
20. KING Anthony, Op. Cit.
21. U.S. Cyber Command, USCYBERCOM Unveils AI Roadmap for Cyber Operations, 2024. https://www.cybercom.mil/Media/News/Article/3905064/uscybercom-unveils-ai-roadmap-for-cyber-operations/
22. FIXLER Annie & UZIEBLO Ania, Russia’s AI-Powered Cyberattacks Threaten to Outpace Western Defenses, Foundation for Defense of Democracies, 2025. https://www.fdd.org/analysis/policy_briefs/2025/02/20/russias-ai-powered-cyberattacks-
threaten-to-outpace-western-defenses/
23. MILLER Alexander, Silicon Shadow: The Influence of Big Tech in Russo-Ukrainian Cyber Warfare, Cambridge Journal of Political Affairs, 2025. https://www.cambridgepoliticalaffairs.co.uk/2025/01/14/silicon-shadow/
24. OpenAI, Introducing OpenAI for Government, 2024. https://openai.com/global-affairs/introducing-openai-for-government/
25. LAGUE David, In U.S.-China AI contest, the race is on to deploy killer robots, Reuters Investigates, 2023. https://www.reuters.com/investigates/special-report/us-china-tech-drones/
26. HWANG Euysun, Lethal Autonomous Weapons: The Next Frontier in International Security and Arms Control, Stanford International Policy Review, 2025. https://fsi.stanford.edu/sipr/content/lethal-autonomous-weapons-next-frontierinternational-
security-and-arms-control
27. Army Recognition, Russia’s increasing use of unmanned ground vehicles in Ukraine conflict, 2024. https://www.armyrecognition.com/focus-analysis-conflicts/army/conflicts-in-the-world/russia-ukraine-war-
2022/russia-s-increasing-use-of-unmanned-ground-vehicles-in-ukraineconflict? highlight=WyJydXNzaWEiXQ%3D%3D
28. HWANG Euysun, Op. Cit.
29. European Parliamentary Research Service, Op. Cit.
30. Ibid.
31. SCHARRE Paul, Army of None: Autonomous Weapons and the Future of War, W. W. Norton. 2018. https://ftp.idu.ac.id/wp-content/uploads/ebook/tdg/MILITARY%20PLATFORM%20DESIGN/
Army%20of%20None%20Autonomous%20Weapons%20and%20the%20Future%20of%20War.pdf
32. Lockheed Martin, Lockheed Martin and Red 6 Announce Augmented Reality Integration Progress for TF-50, 2024. https://news.lockheedmartin.com/2024-02-12-Lockheed-Martin-and-Red-6-Announce-Augmented-Reality-Integration-
Progress-for-TF-50
33. CUMMINGS M.L., Artificial Intelligence and the future of Warfare, Chatham house, 2017. https://www.chathamhouse. org/sites/default/files/publications/research/2017-01-26-artificial-intelligence-future-warfare-cummingsfinal.
pdf
34. WONG Yuna et al, Deterrence in the Age of Thinking Machines, RAND Corporation, 2020. https://www.rand.org/pubs/research_reports/RR2797.html?
35. USTUN Volkan et al., Adaptive Synthetic Characters for Military Training, arXiv, 2021. https://doi.org/10.48550/arXiv.2101.02185
36. TECH-RAM, , TECH-RAM, 2021. https://www.tech-ram.com/2021/04/The-French-Army-tests-the-Spot-robot-in-combat-training.html
37. KING Anthony. Op. Cit.
38. DefenseScoop, NATO Inks Deal with Palantir for Maven AI System, 2025. https://defensescoop.com/2025/04/14/nato-palantir-maven-smart-system-contract/
39. Reuters, SpaceX’s Starlink Wins Pentagon Contract for Satellite Services to Ukraine, 2023. https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/pentagon-buys-starlink-ukraine-statement-2023-06-01/
40. APPS Peter, Op. Cit.
41. Sayari, Chinese Military Companies & Military-Civil Fusion Strategy, 2023. https://sayari.com/resources/chinese-military-companies-under-chinas-military-civil-fusion-strategy/
42. Ibid.
43. Ibid.
44. MCFAUL Cole et al., Pulling Back the Curtain on China’s Military-Civil Fusion: How the PLA Mobilizes Civilian AI for StrategicAdvantage, CSET, 2025. https://cset.georgetown.edu/publication/pulling-back-the-curtain-on-chinas-militarycivil-
fusion/
45. Ibid.
46. European Parliamentary Research Service. Op. Cit.
47. Ibid.
48. Ibid.
49. DefenseScoop, Op. Cit.
50. Goldman Sachs, The Future of European Defense, 2024.
https://www.goldmansachs.com/insights/articles/the-future-of-european-defense
51. European Parliamentary Research Service. Op. Cit.
52. RASSER Kelly, Op. Cit.
53. Reuters, SpaceX’s Starlink Wins Pentagon Contract for Satellite Services to Ukraine, 2023. https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/pentagon-buys-starlink-ukraine-statement-2023-06-01/
54. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs. Op. Cit.
55. MILLER Alexander, Op. Cit.
56. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs. Op. Cit.
57. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs. Op. Cit.
58. JENSEN Benjamin et al., Algorithmic stability: How AI could shape the future of deterrence, Center for Strategic and International Studies, 2023. https://www.csis.org/analysis/algorithmic-stability-how-ai-could-shape-future-deterrence
59. REHMAN Iskander, An algorithmic loosening of the atomic screw? Artificial intelligence and nuclear deterrence, Modern War Institute, 2025. https://mwi.westpoint.edu/an-algorithmic-loosening-of-the-atomic-screw-artificial-intelligenceand-
nuclear-deterrence/
60. Stockholm International Peace Research Institute, Nuclear risks grow as new arms race looms, 2025. https://www.sipri.org/media/press-release/2025/nuclear-risks-grow-new-arms-race-looms-new-sipri-yearbook-out-now
61. LONERGAN Erica, Exploring the implications of military artificial intelligence for deterrence, Perry World House, 2025. https://perryworldhouse.upenn.edu/news-and-insight/exploring-the-implications-of-military-artificial-intelligencefor-
deterrence/
62. Center for Strategic and International Studies, Op. Cit.
63. U.S. Army, Artificial intelligence and future warfare, NCO Journal Army University Press, 2025. https://www.armyupress. army.mil/Journals/NCO-Journal/Archives/2025/September/Artificial-Intelligence-and-Future-Warfare/
64. Ibid.
65. WORK Robert O. & ALFORD Greg, Human–machine teaming for future ground forces, Center for Strategic and Budgetary Assessments, 2023. https://csbaonline.org/uploads/documents/Human_Machine_Teaming_FinalFormat.pdf
66. U.S. Army, Op. Cit.
67. REHMAN Iskander, Op. Cit.
68. Ibid.
69. HAMMES T.X., We cannot buy our way out: It is time to think differently, Stimson Center, 2025. https://www.stimson.org/2025/we-cant-buy-our-way-out-drones-portable-missiles/
70. Human Rights Watch, A hazard to human rights: Autonomous weapons systems and digital decision-making, 2025. https://www.hrw.org/report/2025/04/28/hazard-human-rights/autonomous-weapons-systems-and-digital-decisionmaking
71. Ibid.
72. International Committee of the Red Cross, Autonomous weapons. https://www.icrc.org/en/law-and-policy/autonomous- weapons
73. ALVAREZ Jimena, The risks and inefficacies of AI systems in military targeting support, International Committee of the Red Cross, 2024. https://blogs.icrc.org/law-and-policy/2024/09/04/the-risks-and-inefficacies-of-ai-systems-in-military-
targeting-support/
74. PERRIN Benjamin, Lethal autonomous weapons systems & international law: Growing momentum towards a new international treaty, American Society of International Law, 2025. https://www.asil.org/insights/volume/29/issue/1
75. OUSMAN Noor, Growing consensus on policy at UN discussions on autonomous weapons systems, but skepticism towards
non-binding principles and practices, Stop Killer Robots, 2025. https://www.stopkillerrobots.org/news/growing-consensus- on-policy-at-un-discussions/
76. European Parliamentary Research Service, Op. Cit.
77. GLEDHILL Julia, How Acquisition Reform Could Make Military AI More Expensive and Less Safe, Brennan Center for Justice, 2025. https://www.brennancenter.org/our-work/analysis-opinion/how-acquisition-reform-could-make-military-
ai-more-expensive-and-less
78. European Parliamentary Research Service, Op. Cit.
79. RASSER Kelly, Op. Cit.
80. GLEDHILL Julia, Op. Cit.
81. Henry A. Kissinger Center for Global Affairs. Op. Cit.
82. Ibid.
83. RASSER Kelly, Op. Cit.
84. Ibid.
Artificial intelligence, the power of private companies, and the future of armed conflicts
Major Georges Mfarrej
(General Directorate of the General Security)
With the accelerating pace of technological advancement, artificial intelligence (AI) technologies, largely developed by private technology companies, are increasingly shaping warfare and defining the concept of military power. Modern conflicts are influenced not only by national arsenals and defense ministries but also by the decisions of giant technology companies whose capabilities transcend national borders. These companies, such as Google, Tencent, SpaceX, and others, possess financial resources, massive databases, and vast infrastructure that rival or sometimes surpass those of many nations, thus wielding significant influence in the security and defense sectors.
Based on this, future military superiority will depend on controlling big data, advanced algorithms, software, and cloud infrastructure, and will not be limited to weapons alone. These modern technologies, operating under the umbrella of artificial intelligence, enable information dominance by filtering massive amounts of data and transforming it into actionable intelligence for surveillance, targeting, and strategic planning. To fully leverage these capabilities, governments have increasingly relied on partnerships with private companies, further blurring the line between state authority and corporate influence. The war in Ukraine exemplifies this dynamic, with private companies like Starlink providing the state with communications systems and Palantir gleaning battlefield data to support targeting operations.
Moving from the nature of military superiority to its applications, artificial intelligence is reshaping many key areas of warfare. In intelligence and surveillance, machine learning techniques analyze satellite imagery, social media content, and sensor data at speeds far exceeding human capabilities. In cyberspace, AI enhances both defensive and offensive hacking operations. Autonomous drones, unmanned naval vessels, and robotic ground systems demonstrate increasing navigational autonomy, reducing human intervention and control in engagement decisions. Military training is also undergoing a radical transformation thanks to AI-powered simulations and virtual reality environments that adapt to soldiers’ behavior and recreate complex combat scenarios at a lower cost and with less risk.
Approaches to collaborating with private companies vary from country to country. The United States relies heavily on market-led innovation, where private companies develop technology while the military becomes a customer and a powerful partner. China, on the other hand, follows a more centralized model, where private technology companies are directly integrated into strategic plans and national priorities.
Significant risks lurk behind these opportunities. The growing influence of private companies could weaken state control over critical technologies. Furthermore, the rapid development of automation and autonomous weapons raises ethical and legal dilemmas, and an unregulated arms race in AI could exacerbate global instability, highlighting the urgent need for international efforts to govern and regulate this field. In general, power in the age of artificial intelligence is increasingly linked to control over data, algorithms, and ecosystems that connect governments with private technology companies, fundamentally changing the nature of war and state sovereignty.
Intelligence artificielle, puissance des entreprises privées et futur des conflits armés
Commandant Georges Mfarrej
(Direction Générale de la Sûreté Général)
Avec l'accélération du progrès technologique, les technologies d'intelligence artificielle (IA), largement développées par des entreprises privées, façonnent de plus en plus la guerre et redéfinissent la notion de puissance militaire. Les conflits modernes sont influencés non seulement par les arsenaux nationaux et les ministères de la Défense, mais aussi par les décisions des géants de la technologie dont les capacités transcendent les frontières. Ces entreprises, telles que Google, Tencent, SpaceX et d'autres, disposent de ressources financières, de bases de données colossales et d'infrastructures vastes qui rivalisent, voire surpassent, celles de nombreux pays, exerçant ainsi une influence considérable dans les secteurs de la sécurité et de la défense.
De ce fait, la supériorité militaire future reposera sur la maîtrise des mégadonnées/Big Data, des algorithmes avancés, des logiciels et des infrastructures « Cloud », et ne se limitera pas aux seuls armements. Ces technologies modernes, relevant de l'intelligence artificielle, permettent la domination de l'information en filtrant d'énormes quantités de données et en les transformant en renseignements exploitables pour la surveillance, le ciblage et la planification stratégique. Afin d'exploiter pleinement ces capacités, les gouvernements s'appuient de plus en plus sur des partenariats avec des entreprises privées, brouillant davantage la frontière entre autorité étatique et influence des entreprises. La guerre en Ukraine illustre parfaitement cette dynamique : des entreprises privées comme Starlink fournissent à l’État des systèmes de communication, tandis que Palantir collecte des données sur le champ de bataille pour appuyer les opérations de ciblage.
Au-delà de la supériorité militaire elle-même, l’intelligence artificielle (IA) redéfinit de nombreux aspects clés de la guerre. Dans le domaine du renseignement et de la surveillance, les techniques d’apprentissage automatique analysent les images satellites, les contenus des réseaux sociaux et les données des capteurs à une vitesse bien supérieure aux capacités humaines. Dans le cyberespace, l’IA améliore les opérations de piratage, tant défensives qu’offensives. Les drones autonomes, les navires sans équipage et les systèmes terrestres robotisés font preuve d’une autonomie de navigation croissante, réduisant ainsi l’intervention et le contrôle humains dans les décisions d’engagement. L’entraînement militaire connaît également une transformation radicale grâce aux simulations basées sur l’IA et aux environnements de réalité virtuelle qui s’adaptent au comportement des soldats et recréent des scénarios de combat complexes à moindre coût et avec moins de risques.
Les approches de collaboration avec les entreprises privées varient d’un pays à l’autre. Les États-Unis misent fortement sur l’innovation dictée par le marché : les entreprises privées développent la technologie tandis que l’armée devient à la fois cliente et partenaire stratégique. La Chine, en revanche, privilégie un modèle plus centralisé, où les entreprises technologiques privées sont directement intégrées aux plans stratégiques et aux priorités nationales.
Ces opportunités recèlent des risques importants. L'influence croissante des entreprises privées pourrait affaiblir le contrôle de l'État sur les technologies critiques. Par ailleurs, le développement rapide de l'automatisation et des armes autonomes soulève des dilemmes éthiques et juridiques, et une course aux armements non réglementée dans le domaine de l'IA pourrait exacerber l'instabilité mondiale, soulignant l'urgence d'efforts internationaux pour encadrer et réglementer ce secteur.
De manière générale, à l'ère de l'intelligence artificielle, le pouvoir est de plus en plus lié au contrôle des données, des algorithmes et des écosystèmes qui connectent les gouvernements aux entreprises technologiques privées, transformant en profondeur la nature de la guerre et de la souveraineté des États.












