رحلتي مع الفن التشكيلي
عدنان خوجة
كنت في السابعة عندما أدركت بأن علاقة ما تربطني بقلم الرصاص تختلف كل الاختلاف عن الرغبة في الكتابة ورصف الحرف، فقد كنت أشعر أن باستطاعتي أن أعبّر وبسهولة فائقة بواسطة هذه الأداة البسيطة عن كل ما يحيط بي وأنني قادر على نقل مشاهداتي على الورق ببساطة فائقة. ما لبث أن لفتت هوايتي هذه، الى جانب زملائي، أستاذ الرسم وكان فناناً متواضعاً بدأ يقدم لي النصائح والتوجيهات وبذلك أخذت رسومي الأولى تخطو أولى خطواتها لتحصد إعجاب من كانوا...
بطاقة ملونة
أربعة وثمانون عاماً تعاقبت عليّ بنحوسها وسعودها. درّست اللغة العربية وآدابها في العديد من المدارس في لبنان: من مدرسة الخوري جبرايل سعيد في بير الهيث الى بشعلة في أعالي بلاد البترون، والبوار كسروان ومن ثم الى معهد سيدة ميفوق ومدرسة جبيل للأخوة المريميين وأخيراً معهد الشانفيل ديك المحدي الذي كان آخر محطة لي في رحلة التعليم. أذكر من تلامذتي، القاضي فوزي داغر وضباطاً كثر منهم من لا يزالون في الخدمة وكثيرون أصبحوا في التقاعد. وأذكر أيضاً...
معاناة الشاعر مصدر الإبداع
من يتوغّل في نتاج الشعراء المشهورين، يكتشف أن المعاناة مصدر الإبداع. صحيح أن العذاب يُتعب الفنان، ولكنه وحي النتائج التي خلّدت صاحبها في عالم الخلق والتأليف. ذلك أن التعبير عن المشاعر وليد تفريغ الشحنة العاطفية ذات الطبيعة المؤلمة. من هنا اشتهار قيس وليلى، جميل وبُثينة، روميو وجولييت، إضافة الى كوارث شمشون ودليلة، وأنطونيو وكليوبترا، و"آلام فرتو"في كتاب غوته (Goethe)
"أزهار الشرّ" عند بودلير الذي عانى ما عاناه من مدام ساباتييه (Mme...
طالب العلم خادم له
لاا أدري ما هو الدافع القوي الذي كان يتملّكني وأنا في نحو الخامسة عشر عاماً من عمري لأن أقوم بين يوم وآخر بالخروج من بيتنا، فأصعد سيراً الى "أبي سمراء" تارة، والى "القبّة" تارة أخرى، وأتخذ من لوحة "مدينة طرابلس" المثبتة عند حدودها نقطة انطلاق للانحدار نحو المدينة، وأنا أسابق نفسي مشياً الى أقصى نقطة في مدينة "الميناء" عند "الحمام المقلوب"، ثم أعود الى البيت.
وكنت أسير، أحياناً من بيتنا الى “بركة البداوي” شمالاً، أو الى “أبو حلقة” جنوباً....
ناطور المرجة
فتحتُ عينيّ في بيتٍ أبويَّ الترابيّ على مجموعةٍ بشرية من الجنسين، هي أسرتي، وكان ترتيبي الثامن من تسعة> وبدأتُ اتعرفُ على حيّنا في رأس العين وهو بيوتٌ لأعمامي وأخوالي وأصدقاء أهلي، وما كان يميّز الحي هو ان كل بيت كانت له حديقة لا تخلو من شجرة مشمش وياسمينة وزنبقة وقرنفلة وجورية. وصرتُ كلما كبرت اتعرّفُ إلى أحياء وأماكن ابعد، فكنت اذهب بصحبة أهلي إلى بيت جدي لأمي، فبعد ان نقطع حيّنا ذا الشارع العريض، وكان ترابياً، ندخل في أزقةٍ تضيقُ...
أرضنا المقدسة
أيتها الأرض...
تُرى لماذا يعشقك الإنسان؟
ألأنّ الخـزّاف العظـيم قد جبـلهُ من ترابـك المقـدّس؟
أم لأنـك أنـت التي علّمـته العـطاء بغـير حدود؟!
أم لأن جاذبيـتك التي لا تقاوم هي مصدر الجاذبية؟
أنـظري أيتها الأرض إلى كل المخلوقات:
إلى الطيور مهما علت في تحليقها، فإنها حتماً تعود إليك، وإلى الإنسان، مهما بعُدت به المسافات وأقصته هموم الحياة، يظل شميم ترابك، أحبّ إليه من كل طموح وهدف..
وانظري إلى الكواكب، كيف تتشظى لتعود إلى ترابك، وإلى...
الخيمةُ واحة عافية وعنوان أصالة
كنتُ أسلكُ طريق الجبلِ، عائدًا من العاصمةِ بيروت إلى زحلة، عبرَ ضهور الشوير، فلفتَ انتباهي، على مقربةٍ من مفترقِ كفرسلوان، جنديان ينصبان خيمة.
خيمةُ الجنديين، أعادتني إلى أسعدِ سنواتِ فتوَّتي؛ إلى أيَّام الكشفيَّة، يومَ كُنَّا نخرجُ من الخيمةِ باكِرًا نُلاقي فجرَ الغابةِ في غَمْرِ فرَحِهِ. في تلكَ الأيامِ شذَّبتِ الكشفيَّةُ طباعَنا، ولقَّنتنا فنَّ الابتسامةِ، ودرَّبتنا على توسُّلِها في المصاعِبِ. في مُخيَّماتِها ربينا على...
صاحب الحق
ما ضاع حق فتى له زند له كفّ لها سيف له حدّان
هذا البيت من الشعر ورد في احدى المفكّرات التي كانت تصدرها المؤسسة العسكرية في أوائل السبعينيات من القرن الفائت، وكنت لا أزال أحتفظ بما تبقى من أوراقها التي نجت من الاغتيال بالقنابل وراجمات الصواريخ التي دمّرت الكثير الكثير من المفكّرات والمذكّرات والمدوّنات، وهو يعود بي إلى حوار دار بيني وبين أحد أحفادي وحفيداتي، حين دخل عليّ في ذلك اليوم مشحوناً بأفكار سوداء عن الحرب،...
دوّارتنا
فوق صدر الدوارة، خطوات خفاف.
صدر الدوارة الذي حمل طفولتنا، فما اكلنا من بعدها بحلاوة الثمر الذي كانت تدرّه علينا.
كانت خطواتنا خفافاً، مداراة لتربة نحبها، فلا نشبرها بغير النذور ولا نروزها
بغير العيون، لو اتيح.
وجه دوارتنا يدرج في المليحات أَوان التبرج، وهي بعد من التركة جزؤها الحميم، فعندها يُكسَر العطش، والعين تشبع، وتحت اشجارها وقد صارت
الى ما يشبهنا اليوم، يضيء ماضي الطفولة حيث اطلقنا من الأحلام عراضها...
هذه الدوارة...
الصحافة الفنية بين الواقع والمنشود
أمضيتُ في الصحافة الفنية خمس سنوات كانت كافية لأن تغيّر مستقبلي تغييراً تاماً، ولأن تشكّل في حياتي حالة صعبة عانيت منها الكثير.
أتيت الى هذه المهنة بالمصادفة وأنا لم أزل بعد في السابعة عشر من عمري. شعرت يومها بأن حياتي قد تغيرت كلها، فانتقلت من الحلم بأن أكون مؤلفاً روائياً ومسرحياً وكاتباً في القصة القصيرة، الى صحافي فني لا يعطيه بعض الناس الأهمية والتقدير.
فأنا لم أنتبه في بادئ الأمر الى ان الصحافة الفنية تشكل عملاً غير مألوف،...











